رواية نزيف الجدران الفصل العاشر 10 بقلم سيد داود المطعنى

الصفحة الرئيسية

   رواية نزيف الجدران الفصل العاشر بقلم سيد داود المطعنى


رواية نزيف الجدران الفصل العاشر 

نادى سعد على سمر، وانفرد بها في غرفة مكتبه ليخبرها بقراره الأخير حول الرحلة، وكانت تنتظره بشغف ولكنها تخشى الحديث إليه في ذلك الوقت وهي تراه خائفا يترقب الحادث المجهول.
سعد: أنا مش موافق ع الرحلة يا سمر
سمر: ليه كده يا بابا؟
سعد: لأن سيناء منطقة محفوفة بالمخاطر يا سمر، انتي عارفة يا بابا إن الارهاب شادد حيله هناك الفترة دي.
سمر: بس الارهاب في رفح والعريش يا بابا، في شمال سيناء، مش في جنوب سيناء خالص.
سعد: سيناء كلها خطر يا سمر.
سمر: بس الفصل كله رايح يا بابا.
غضب سعد وثار، وأخذ يضرب بيده على المكتب وهو يرتعد ووجهه شاحب 
سعد: هو ده اللي انا كنت خايف منه، أيوة هو .. هو ده تفسير الحلم.
سمر: حلم ايه يا بابا؟ مش فاهمة حاجة على فكرة.
سعد: الأحلام اللي بيتيجيني ليها كام يوم، إن حد في أولادي هيموت، أيوة ده تفسيره.
سمر: بجد مش فاهمة حضرتك.
سعد: أنا رحت لواحد شيخ يا سمر، وقال لي ان في حد في أولادك هيموت في عمل ارهابي، واهو الحلم بدأ يتفسر، لو رحتي جنوب سيناء هيحصل عمل إرهابي وهيصيبك مكروه يا سمر.
                            سمر تحزن لما تسمع
سمر: وحضرتك تصدق ان الشيخ بيتدخل في علم ربنا.
سعد: الراجل مقالش الكلام ده بالظبط يا سمر، بس بجد يا بابا كل الأحلام دي معناها ان حد في ولادي هيتعرض لخطر شديد، وانا مش هسمح لك تروحي للإرهاب برجلك، مستحيل يحصل مستحيل.
سمر: حرام عليك يا بابا، الفصل كله هيروح، كل صاحباتي فرحانين، وأهلهم سمحولهم بالرحلة، اشمعن انا .. اشمعن انا.
سعد: لأني شفت الخطر بعيني في الحلم يا سمر، مش هسيبك تضيعي مني.
سمر تنفجر في البكاء وتقف
تستعد للخروج وهي تتكلم.
سمر: كنت حاسة انك هترفض، من يوم ما ماتت ماما الله يرحمها، وحضرتك مش بتهتم غير براندا وبس، وكإني مش بنتك.
سعد: ايه يا بنت الكلام ده؟
سمر: دي الحقيقة يا بابا، لو راندا هي اللي عايزة تروح الرحلة كنت هتخليها تروح، بعد إذن حضرتك.
خرجت سمر من غرفة المكتب مسرعة تبكي، وخرج أبوها خلفها يحاول ايقافها.
سعد: سمر سمر سمر .. وقفي يا بابا .. يا سمر.
أغلقت  سمر غرفتها, لتنفرد بأحزانها، تعيد ذكرى وفاة أمها، تبكي بحرقة لأنها الطالبة الوحيدة التي ستتخلف عن رحلة طور سيناء, هي تتمني بداخلها أن تذهب إلي هناك, لتشارك الأصدقاء متعة السفر ومشاهدة تلك الأماكن التاريخية, لكن والدها يرفض بشدة.
آه ثم آه من الشيطان عندما يخلو إلى طفل حزين من أبيه وأمه، أو شاب في خلاف عابر مع أسرته، أو رجل مع زوجته، أو امرأة مع زوجها.
يركن إليه الشيطان يملي عليها ما لم يرد عليه من قبل، يقنعه أن كل هؤلاء يكرهونه، يحيكون المؤامرات ضده، يعملون جاهدين على إقصائه من بينهم.
وهكذا سمر .. لم يمنع الباب المغلق شيطانها من الدخول إليها، والجلوس يسار أذنها، يخبرها أن سعد يكرهها قبل وفاة أمها وبعد الوفاة.
يعرض عليها تلك المشاهد التي مرت عندما ضحك سعد لابنته راندا ولم يبتسم لسمر، واطرائه الدائم على راندا وتجاهله سمر.
عرض الشيطان في جلسته على سمر تلك اللحظة التي طلبت فيها راندا الإذن للخروج إلى حفل عيد ميلاد صديقتها، فرافقها بسيارتها لشراء الهدية، ثم عاد معها للمنزل لتنتظر ساعة حتى الخروج، وعاد يرافقها بسيارته حتى عيد ميلاد رغم انشغاله بمراجعة أعماله.
انتفخت أوداج سمر، وقررت الانتحار، فلا طاقة لها بالحياة مع أب يكرهها، يمنعها من كل ما تحب، ويفضل شقيقتها عليها.
ظل سعد يطرق الباب، وينادي على سمر، علها تفتح له حتى بكى.
يا إلهي! ...
ما تلك الرؤية الليلية التي قلبت حياة سعد رأسا علي عقب؟ حتى وأصبح يخشي علي أولاده الخروج من البيت, يخشي عليهم الخروج إلي المدارس و الرحلات, حتي الابن الأكبر و الذي فرح بتخرجه في الكلية الحربية منذ سنوات, يطلب منه الآن أن يرفض قرار نقله من التل الكبير بالإسماعيلية إلي رفح بسيناء.
ما تلك الرؤية التي جعلت ابنته على شفا حفرة من الانتحار؟ بل جعلته يبكي بكاء الرضيع على فقد أمه؟ 
فتحت سمر الباب بعد معاناة من المناداة .. ودخل سعد علي ابنته رغم غضبه الشديد من مباغتة عصام له بقرار نقله إلي رفح, ورغم كل ما ألم به من هموم جراء ذلك الحلم المريب .. إلا أنه لا ينسي سمر الحزينة في غرفتها.
تقدم سعد ناحيتها بخطوات رقيقة ثابته, ينظر إليها بعين ممتلئة بحنان الدنيا, و ربت علي كتفها بكفته اليمني المحاطة بالرفق والعناية الأبوية المشفقة علي الأقرب رحما .. وجلس بجوارها بالقرب من أذنها اليمنى، حتى فر الشيطان هاربا من الجهة اليسرى، وعادت سمر لاتزانها بعيدا عن كل تلك الهواجس الشيطانية التي كانت تخضع لها منذ قليل.
ــ مالك حبيب بابا؟
ــ مليش يا بابا
ــ انتي زعلانة مني؟
ــ لا أبدا يا بابا, أنا عمري ما أزعل من حضرتك.
ــ بس انتي زعلانة علشان أنا رفضت انك تروحي جبل الطور
ــ حضرتك مش متخيل يا بابا أنا نفسي أروح هناك أد ايه
_ بابا .. أنا هسألك سؤال وانتي صاحبة القرار
_ سؤال ايه؟
ــ لو في المدرسة اشترطوا عليكي انك تحطي بابا جوة الفرن في البيت مقابل انك تروحي الرحلة, و هيخلوكي تستمتعي أسبوع كامل في الرحلة, بس بشرط ان بابا يتلسوع علي مدار الأسبوع ده في البيت, هل هتوافقي يا سمر تحطيني في الفرن؟.
ــ مستحيل طبعا يا بابا, في داهية الرحلة, سلامتك عندي بالدنيا
ــ و الله يا سمر لو رحتي طور سيناء, هتسيبيني هنا في نار لحد ما تيجي, لا هعرف انام ولا أشتغل ولا آكل ولا أشرب, و هصحي علي كوابيس, و مش بعيد تلاقيني هناك ماشي وراكي بعربيتي أحرسك.
ــ يا لهوي يا بابا, و ليه كل ده.
ــ يا بنتي أنا شفت حلم من يومين هيموتني, تفسيره ان فينا حد هيتعرض للقتل في عملية ارهابية, و تاني يوم انتي طلبتي تروحي سيناء, واخوكي الصغير شاف حالة اشتباه في قنبلة, وأخوكي الكبير دلوقتي جاي يقول لي انه رايح رفح علشان مكافحة الارهاب, يعني الخطر بيقرب مني يا سمر, نفسي اطمن عليكم يا بنتي , هموت من الرعب و الله
ــ أطمن يا بابا, مش عايزاها رحلة سيناء دي.
ــ لازم تقوليها عن رضا يا بابا و انتي مقتنعة.
ــ مقتنعة يا بابا, حضرتك عندي بالدنيا
ــ وأنا أوعدك اننا نروح رحلة مع بعض في الاجازة و لازم تكون أحسن من بتاعت المدرسة
ــ ربنا يخليك ليا يا بابا
   احتضن سعد ابنته بعينين دامعتين, ورأسه تفكر في زوجته, التي رحلت لتتركه وحيدا يعاني الخوف علي الأولاد, يشعر بالعجز عن حمايتهم, تطارده الأحلام, و ترهقه الحقائق, و يترقب المجهول, و يخشي مصيبة قادمة, ولا يعرف مصدرها حتي يعد لها عدتها.
خرج سعد هادئ النفس، تاركا سمر أفضل مما كانت، تسأل نفسها عما جال بخاطرها منذ قليل، كيف استطاعت أن تتصور للحظة واحدة أن سعد يكرهها؟ ويفضل إخوتها عليها؟
لا بد أن نعي جيدا أن ما يجول بخاطرنا لحظات الغضب .. يتلاشي تماما عند عودتنا للصواب، وما هو إلا هواجس، حتى لا نلقي بأرواحنا في حفر الهلاك ونحن مسلوبي الإدارة.

يتبع الفصل الحادي عشر اضغط هنا
رواية نزيف الجدران الفصل العاشر 10 بقلم سيد داود المطعنى
ranosha

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent