Ads by Google X

رواية غرورها جن جنوني الفصل السابع و العشرون 27 - بقلم ابتسام محمود

الصفحة الرئيسية

    رواية غرورها جن جنوني كاملة بقلم ابتسام محمود عبر مدونة دليل الروايات 


 رواية غرورها جن جنوني الفصل السابع و العشرون 27

  
ذهبت توتا لمنزل “حازم” بعد انتهاء زفاف أخويها، شعرت أنها تراه للمرة الأولى، تأملت كل مكان حولها تنظر له بفرحة مستبشرة بالذي مضى كأنه لم يمضِ. استنشقت الهواء بقوة حتى امتلأت رئتيها بعطره الذي ما زال معلقًا بأركان المنزل، بدأت دموعها تتساقط وهي تقترب لغرفته، تأملت كل شيء بعين نادمة على تصرفاتها التي كانت خالية من الحكمة. والآن قلقة من المستقبل، ملامحها يتخللها الحزن وبدأت علامات الشيخوخة المبكرة تغزو وجهها، وما أسوأ الندم على أشياء لم نفعلها، وكلمات لم نقُلها لأحباب فرَّقتنا عنهم الحياة، فالتراجع عن الإثم لا يكفي لمحوه؛ وإنما الندم وحده هو الذي يطهر القلوب المحطمة. ألقت جسدها المتعب بعرض الفراش بأكمله ولم تعمل حسابًا لحدودها التي وضعتها من قبل حتى لا يقترب منها، أمسكت الوسادة اللعينة التي كانت تضعها لفصلهما وألقتها بقوة تكاد تُحمِّلها الذنب على البعد، فكانت تقسو على نفسها وتعذبها كما أذاقته من لوعتها، أرغمت عقلها على إغماض عينها عن الحقيقة المؤلمة؛ حتى تتمسك بأطراف علاقة تأمل أن تعود كما كانت، حتى لا تواجه الفراغ المخيف الذي تركها به، لكن عندما تحطم قلبها تبعثر إلى أشلاء صعب أن تتجمع إلا بوجود الأحباب. وفجأه توقفت عن النحيب والتفكير ونهضت تمسك ثيابه التي مر عليها وقت، اشتمتها بقوة ثم قبلت كل إنش بـ(التيشيرت)، ثم وضعته على الفراش فوق وسادة صغيرة فشكلت شكل جسد، ابتسمت لتصرفها الساذج، لكنها تسطحت بجانبه مداعبة صدره، وهي تصرخ من داخل أعماقها.
كان ظهور الشمس بالنسبة لها تواري أيامًا خلف بعضها، فالعتمة مسيطرة على عقلها قبل قلبها، نهضت ذات يوم حين تذكرت أول مقابلة بينهما واعترافه بالحقيقة كاملة، نهضت وأمسكت الصورة التي سرد قصتها من على (الكومود)، وحدقت بها وتأملتها بتمعن غير مصدقة ما تفوه به؛ أيعقل أن يكون القدر جمع بينهما منذ اللحظة الأولى من عمرها؟! توجهت لـ”نهال” التي تجلس بالأسفل، تخبرها بابتسامة تحمل كثيرًا من المعاني عكس بعضها، وبسطت يدها ممسكة بهذه الصورة بيد مرتعشة حتى تراها، هاتفة:
– ماما نهال، حازم حكالي عن الصورة دي وقالي إن دي أنا، عايزة أعرف كل حاجة، إزاي اتصور معايا؟
نظرت لما تقدمه لها وأجلستها بجوارها، وقالت بحب لها متذكرة قصة عشق طفلها الصغير الذي نبتت بذرة الحب بداخله وترعرعت طوال سنوات عمره لها فقط:
– بصي يا توتا الحكاية بدأت لحظة ولادتك، يومها أنا اللي ولدت مامتك، وباباكي كان ملخوم ومش عارف يشيلك، اليوم دا كان معايا حازم، أول ما عينه شافتك اتعلق بيكي جدًّا، وصمم إنه يشيلك وكان عايز ياخدك ويمشي؛ لأنه أول ما عينه وقعت عليكي حبك جدًّا. وهو اللي سماكي توتا، وباباكي ما اعترضتش، وبكل براءة قال لوالدك أنا هتجوزها دي عروستي أنا، وكان لابس خاتم في صباعه حطه في صباعك وقال كده بقيتي خطيبتي، ومن يومها وأنتي فضلتي في خياله واسمك محفور جواه، وعمره ما نسي الاسم دا أبدًا.
– أنتي بتتكلمي عن بابا الحقيقي؟
– آه، وعلى فكرة حازم ما كانش يعرف إنك نفس البنت، أول مرة شافك مع نايا حبك، ولما عرفنا الحقيقة وإن جهاد مش أمك؛ مهيمن كان هيتجنن وطلب مني أدور على أهلك في ملف المستسفى، وما هديش غير لما وصل له وعرفه إنك معاه، وقتها عرفت إنك أنتي نفس البنت، وقولت لحازم اللي كان مهوس بالصورة اللي أخدها معاكي وأنتي بيبي، واستغربت يوم الفرح إنه اتفاجئ إنك مش بنت مهيمن.
صمتت قليلًا تسترجع أجمل الذكريات، ثم استطردت حديثها:
– عارفة لما شافك زمان مع نايا في النادي وعرف اسمك، افتكر توتا اللي كان بيحبها وقالك أنا هتجوزك، ومن يومها وهو بيعاملك على الأساس دا.. إنك مِلكه وحبيبته، صدقيني ابني عمره ما حب بنت في حياته غيرك، ولا عينه شافت بنت إلا أنتي. من صغره وهو بيتحجج علشان يشوفك ويقرب منك، برغم صدك الدايم ليه لكنه عمره ما بطل يحبك.
كانت تسمعها وقلبها يتمزق من الألم لفقدانه لكن في اللحظة نفسها تبتسم سعيدة بحبه المتفاني وإخلاصه لها طوال سنوات عمره، فحكايتهما نادرًا ما تتكرر عبر الأزمان؛ أن تجد أحدًا يحب فتاة من طرف واحد منذ مولدها ولا يرى غيرها، ومع ذلك يستمر في هذا العشق المعذب ويتزوجها ويحيا معها في لوعة ولهيب لا تشعر به، كل تلك المشاعر كانت تجعلها تنهار من شدة الندم عليه، فأردفت بهمس:
– ياريتني اتكلمت معاه من زمان، وحاولت افهمه واشوف الحب اللي كان متغلف خوف وحماية، ياريتني عرفت أبحر في أعماقه واعيش معاه حياة عادية زي باقي البشر، بس هيفيد بإيه الندم وكل حاجة راحت من إيدي خلاص.
ثم ألقت جسدها داخل أحضان “نهال”، وهي تبكي بحرقة على فقدانه، ظلت تربت على ظهرها بحنان.
★★★★★
مر 8 شهور، وأنجبت طفلًا يشبه كل ملامح أبيه، كان هو النبتة التي قلبت كل الموازين، وجعل السرور يدخل قلب الجميع عند رؤيته.
★★★★★
مضى عام آخر ثم عامان، وفي أحد الأيام كانت العاصفة تملأ إحدى الشوارع في إيطاليا، كان يومًا لم تطلع به شمس، صوت الهواء يصم الآذان ويطيح بكل من يقف خارج المنزل، والسحب تفترش السجادة الزرقاء وتخفي معالمها، فكانت السماء غاضبة على من غطت عليهم، وكأنها كزت على أنيابها بشدة فتتصادم السحب بقوة ويصدح عقبها صوت مخيف مع شعاع نور، فتشتد الأمطار بغزارة، والجميع يختبئ حتى يحمي نفسه من هذا الشبح المخيف الغاضب، إلا “لاروا” تجري بالطرقات الفارغة من المارة، تسمع أصوات الناس الهاربون من الصقيع، وهم يخبطون الكؤوس ببعضها، حتى يشعروا بالدفء، لكنها لم تكن تبالي لأي شيء حتى الشتاء القارس بالبرودة، من كثرة لهفتها كانت تشعر بالسخونة تخرج من جسدها. وأخيرًا، وقفت أمام باب حديدي كبير فتحته بالمفتاح الذي كانت تحمله، وجدته ينتظرها بعينين منهمكتين ابتسم بأسى وهو ينهض من مكانه ويعانقها عناقًا يحكي الكثير والكثير، فأبلغته باللهجة الإيطالية:
– عذرًا تأخرت عليك.
– المهم أنكِ أتيتِ، وطمأنتني عليكِ.
★★★★★
أما في مصر كانت توتا تقف بالشرفة تنظر للسماء التي تتلألأ بها النجوم مع بعض من السحب المارة في هدوء، فتأملت الهلال المزين بالسماء، وتذكرت أوقاتها البسيطة مع حبيبها، فحدثت القمر متسائلة:
– قول لي يا قمر زماني هل ما زال حبيبي يتذكرني، أم أصابه اليأس حقًّا وتركني وقذف بحبه في أعماق البحار الكاحلة؟ هل تعتقد أنني أتردد على خاطره في لحظة، أم نسي كل ما يربطنا من حنين واكتفى بذكرياتنا المؤلمة؟ أما زال يناجيك مثلما يفعل دائمًا، أم سأم من كثرة مناجاته؟ أستحلفك يا قمري، حدثه عن حبيبته المعذبة وحنن قلبه على المشتاقة له.
انتبهت على صوت نداء ابنها فدخلت له ملبية نداءه، طلب منها أن تنام بجانبه فنامت على الفور، سكن حضنها الحنون وطلب أن تحكي له قصته المفضلة، اعتلت وجهها الابتسامة ولم تتردد ثانية؛ فابنها الوحيد الذي يعطيها الفرصة أن تخرج كل ما في قلبها من شوق وحنين، وقالت بسعادة:
– كان ياما كان.. كان في بطل همام اسمه الرجل النطاط، ما كانش يتحمل يشوف ست الحسن والجمال في مشكلة، وأول ما تقع هو يجي بالهلب بتاعه متنقل من حيطة لحيطة، لحد ما يوصل ليها ياخدها على أكتافه ويطير بيها، لحد ما في يوم وقعت ست الحسن وهو طار بعيد وما أخدش باله إنها وقعت وبتنزف، وفضلت واقعة في بير كبير وفضل عندها أمل إنه هيرجع ليها ينقذها.
– هي لسه ست الحسن ما طلعتش يا ماما.
قالها ابنها باستفسار، فأجابته بثقة:
– لسه يا حبيبي، بس هيرجع يطلعها.
– طب ليه ما رجعش يدور عليها.
– لأنه افتكرها نزلت بمزاجها، وأديها هي دلوقتي اللي بتدور عليه.
قالتها بحزن ومرار على أيام وسنين تمر دون فائدة، فقال الطفل بملل:
– ماما بابا وحشني أوي، إمتى هيرجع بقى؟
– هيرجع يا حبيبي بكرة، مش أنت عارف إنه عنده شغل كتير.
– عارف.. يبقى قوليله مش عايز سويت ولا جيمز، عايزه هو يلعب معايا كورة.
وضعت الغطاء عليه بإحكام وهي تبلغه:
– الصبح يا قلبي قوله كل حاجة وأنت بتكلمه، يلا بقى ننام.
– تصبحي على خير يا ماما.
★★★★★★★
– يلا بسرعة علشان نلحق نمشي من هنا قبل ما الحراس يطلعوا.
قالتها “لاروا” وهي تتفحص الطرقات. فرد حازم بتعب؛ فكان طوال السنين الماضية محبوس أسفل الأرض في حجرة مظلمة، لا يدخلها شعاع الشمس أبدًا، كان يصبر نفسه بشعاع حبه لها، وحفر صورتها على يده بحجر قام بسن طرفه، كان يتأملها ليلًا ونهارًا وعندما يدخل عليه أحدهم يخبئ يده حتى لا تحدق بها العين؛ فيغار على صورة قام برسمها من أعين الناس. كان يمشي بقلب يتطاير من السعادة، وعندما تذكر آخر لقاء حزن جدًّا، صعدا فوق القصر وركبا طائرة هليكوبتر نقلتهما لمكان آمن حتى هدأت العاصفة التي أنقذت حياته وجعلت البشر يختبئون كالفئران، فقالت “لاروا” بلهفة:
– كنت أبحث عنك طول السنين الماضية، وحين علمت مكانك لم أعرف كيف أنزل لك، الحرس كانوا يملأون المكان.. والحمد لله العاصفة جعلت الكل يختبئون.
– كان عندي أمل في ربنا إني هخرج وأرى النور من جديد، أنا عايز أتحرك لازم أوصل مصر في أسرع وقت، أمي وحشتني كثيرًا.
– والدتك فقط؟
– أناني أشعر بالندم لكي لا أسمع ماذا كانت تريد قوله؟ في خلال الثلاث سنوات كنت أضع آلاف الاحتمالات في اليوم بأي شيء كانت من الممكن أن تقوله، لكن للأسف توتا لا أحد يستطيع أن يتوقع منها ردة فعل حتى إذا كان تعبير ملامحها يدل على شيء؛ ممكن تفاجئك برد فعل آخر.
– هل تظن أنها تنتظرك؟
– أفتكر إنها ما صدقت خلصت من الكابوس بتاعي.
قالها بالعامية المصرية ثم رد عليها بالإيطاليا:
– لم أعد أتمنى شيئًا غير أن أكون داخل حضن أمي وأطلب منها السماح على دخولي الشرطة وعلى وجع قلبها طوال هذه السنين، كنت خائفًا أن أموت قبل أن تقول لي سامحتك.
– يااا يا حازم نفسي مرة أراك تفكر بنفسك.
– لقد ماتت نفسي منذ زمن.
صمت وطال صمته لعدة ساعات، حتى أتى النهار واستقلوا طائرة متجهة إلى مصر.
★★★★★
استيقظ “حازم الصغير” ثم أمسك هاتفه وجلب رقم والده، يخبره عندما أتاه صوته الناعس:
– بابا هتيجي إمتى نلعب كورة؟
– يا حبيبي العب مع ماما عندي شغل كتير.
رد عليه بضيق ودموعه تهدد بالانحدار:
– شغل إيه ما أنت نايم أهو، أنت لو بتحبني بجد كنت ما نمتش وجيت.
– يا حبيبي علشان نجيب الكورة، وكل الحاجات الحلوة اللي أنت بتحبها، لازم أشتغل كتير علشان أجيبهالك.
– أنا مش عايز حاجة.. أنا عايزك أنت، أنا نفسي أشوفك، أنا عمري ما شوفتك غير في الصور، نفسي تاخدني في حضنك.
قالها الطفل بصراخ، ثم ألقى الهاتف بقوة جعله يتحطم مثل قلب أمه، التي حين رأته يأخذ هاتفه قامت من نومها ودخلت لحجرة الملابس، تفتح الحاسوب الخاص بها وتشغل برنامجًا خاصًّا تكتب الحروف وقلبها ينزف، فكان يحول تلك الكلمات لصوت رجل يحدثه ويخبره بما تكتبه، وعندما ألقى هاتفه وقفت على أعتاب غرفتها تشاهده وعبراتها تنحدر ألمًا، حتى سمعت صوت صراخ ابنها يقع من على الدرج، ركضت عليه حملته ووضعته على قدمها.
لم يهدأ من صراخه قط، أبدلت ثيابها سريعًا وأخذته على المشفى وحدثت جدته تحضر دكتور عظام، كانت الجدة قلقة منتظرة وصولهما حتى تطمئن على ابن ابنها الغالي، حين وصلت نزلت من العربة تحمل ابنها وتركض. في الوقت نفسه، ينزل “حازم” من السيارة ناظرًا أرضًا، لكنه اشتم عبيرها فارتجف قلبه، وأصيب جسده بالثقل. حين اقتربت من بوابة المشفى، أخذوا منها الطفل بحرص إلى غرفة الإشاعات، هدأ جسده من تجمده ودلف بخطوات بطيئة لداخل المشفى متوجهًا إلى المصعد، وكانت “توتا” تدخل المصعد متوجهة للطابق العلوي.
هرول عندما لمح المصعد ينغلق، لكنه لم يلحقه وانتظر، حتى نزل له من جديد، حين دلف داخله شعر بطيفها يتبعه.
برغم أنه قرر أن يعطيها حريتها ويبعد عنها، لماذا تستحوذ على تفكيره من جديد؟ هل هو شبحها حقًّا يكمل مسيرتها في مضايقته؟ نسى لوهلة ما عاهد نفسه عليه، وسرح في ماذا كانت تريد إخباره، أفاق عندما وصل الطابق الموجود به مكتب والدته، لكن لم يلتقِ بها، كانت “توتا” تميل بجزعها العلوي تحمل بعض الأوراق التي تبعثرت منها على الأرض من شدة توترها وقلقها على ابنها. وقف “حازم” يستنشق الهواء ثم مسح وجهه وهو يستغفر ربه وينفض غبار أفكاره، ولم يسمع قولها له عندما دلف داخل المصعد وكان يعطيها ظهره:
– يا أستاذ ممكن تاخدني مع…
فكانت تود أن تنزل لابنها بسرعة، لكن حين أغلق المصعد وابتعد، تأففت بضيق ولمت الأوراق سريعًا ونزلت تركض على السلم، كان شعرها يخبئ وجهها، و”حازم” يتأملها وهي حائرة تائهة، كان يلمحها من زجاج المصعد الشفاف، لكن لم يتأكد أنها هي؛ فهذه الفتاة نحيفة جدًّا ويبدو عليها التوتر والقلق والذعر، برغم مرور السنوات ما زالت رئتيه تحتفظ برائحتها، وعينه تحفظ منحنيات جسدها، لكن عقله عزم على تخريب كل ما يفكر به ويوهمه أنه سراب.
وصل مكان ما قيل له إن والدته تجلس به، طرق الباب بهدوء انتظر حتى أذنت له بالدخول، دلف ببطء شديد ثم انتظر أن تنظر له، لم تصدق نفسها نهضت مسرعة تصرخ بحروف اسمه الغالية، ضمته بشدة وقبلت كل إنش في وجهه بكل شوق، بادلها العناق بقوة ثم قام برفعها من على الأرض ودار بها، ثم أنزلها وجثا على الأرض يقبل قدميها بكل حب هامسًا بدموع الندم قائلًا:
– سامحيني يا أمي، سامحيني علشان أقدر أسامح نفسي على الوجع اللي سببتهولك.
رفعته وأمسكت وجهه بسعادة بالغة، تبلغه وهي تهز رأسها بابتسامة، والدموع الحبيسة لسنوات أعلنت سقوطها بدون تردد، لكن الآن هي دموع الفرحة والسعادة بعودة الحبيب الغائب:
– سامحتك يابن عمري من زمان، اللي عندها ابن راجل زيك ما تقدرش تزعل منه أبدًا، الحمد لله إنك رجعت لحضني اللي اشتاق ليك أوي.
قطع حديثهما طبيب الأشعة يقول:
– دكتورة نهال الولد عنده تمزق في غضروف القدم.
التفتت لابنها قائلة:
– تقدر تعمل عملية لطفل عنده ثلاث سنين؟
– حاليًا أعصابي مش هتسمح.
-أمسكت بيده وذهبت به للطفل الذي يضع يده على عينه وتركتهما وانصرفت، نظر بالأشعة ثم رمق الطفل بدهشة لعدم بكائه برغم كل ما يحمله من ألم فسأله باستغراب:
– أنت رجلك بتوجعك؟
– آه.
– طيب إزاي مش بتعيط؟
– دموعي خلصت.
قالها بقهر وكان ما زال يغمي عينه، انصدم من قول صغير لم يبلغ الخمسة أعوام، ويقول إن دموعه انتهت. أشفق على حاله وشكر دموعه التي تهون عليه أوجاعه ولم تتخلَ عنه، حدث الطفل بهدوء:
– اسمك إيه؟
– حازم.
ابتسم بأسى؛ فالطفل يحمل اسمه نفسه ويشعر بالقهر والوجع مثله برغم صغر سنه:
– طيب ممكن تبصلي وتقولي خلصت دموعك ليه؟
تنهد الطفل بحرقة شعر بها تخترق قلبه، ثم قال بضيق:
– يرضيك يا دكتور بابا يوعدني يقابلني النهاردا وما يجيش..
صمت الطفل عندما أزاح “حازم” يده من على عينيه، فتأمله بسعادة لا توصف وكاد أن يقف لكن شعر بألم، فهتف بفرحة:
– بابا أنت وفيت بوعدك وجيت، أنا ما كنتش مصدق إنك هتيجي بجد، شكرًا يا بابا شكرًا.
كان يحاول النهوض وهو يتعلق بكتف أبيه الذي اتسعت عينه بدون فهم، فربت عليه بحنان وانجرفت دمعة من مقلتيه ظنًّا أنه حزين على حال الغلام، ولا يعلم هذه الدموع تنجرف من قلبه لحرمانه من صغيره طوال الوقت، مسح دموعه سريعًا وهو يجلسه على الفراش بلطف، ويخبره:
– عايزك ترتاح واعتبرني بابا.
– أعتبرك إيه بس.. أنت بابا حبيبي، ما تحاولش تختبرني يا بابا.
– أنا؟!
قالها بدهشة، فأمسك الطفل سلسلة بها صورة والده وقال:
– ده أنا حافر صورتك في عقلي قبل الصورة دي.
أمسك السلسلة بتعجب، ويقول باستفهام:
– مين اللي لبسك السلسلة دي؟
– ماما.
قالها ببراءة، فأمسكه وهو يتمعن النظر به:
– ماما مين؟
– توتا.
كلمات الصغير اخترقت قلبه وجعلته ينبض بشدة، فهمس:
– أنت واعي للي بتقوله؟
دخلت في هذه اللحظة “توتا” دموعها تتسابق معها تغطي وجهها لشعورها بالذنب، تقول بصوت مبحوح وهي ترفع بعض ورق الأشعة كما طلبت منها “نهال” أن تدخله للطبيب المباشر لحالة ابنها:
– اتفضل يا دكت… حازم!!!
وعند نطق حروفه الأربعة فقدت كل قواها المزيفة، تلك القوة التي تدعيها طوال السنوات الماضية، دقات قلبها في تزايد لا تستطيع السيطرة عليها، تسمرت مبحلقة بعينين جاحظتين غير مصدقة أنه أمامها بكل كيانه، هل هذه حقيقة أم حلم يراودها في أحلامها اليومية، تشتت العقل ووقف عن الإدراك، شعرت أن عقارب الزمن وقفت عند هذه الثانية التي تراها عيناها، دقائق من الصمت كل منهما يريد الاقتراب.. يريد التخلي عن الصمت الرهيب، لكنهما غير قادرين على استيعاب أجمل حقيقة حدثت للتو، أخذت أهدابها تتحرك بسرعة، تأكدت أنه هو حبيبها.. أسرعت إليه، لامست بيدها وجنتيه بكل حب، دموعها هي المتحدثة عنها، رفع يده ليلامسها واشتد عليها، همست بصوتها الذي بالكاد أخرجته من حنجرتها بصعوبة بالغة:
– أنت بجد موجود؟ أنا مش بحلم.
أغمض عينه وهو يحاول التقاط أنفاسه وقال بسعادة واهية:
– توتا!
وهنا ألقت نفسها داخل أحضانه وهي تبكي أكثر من قبل، قائلة باشتياق:
– وحشتني أووي يا حازم، كنت بموت من بعدك طول السنين اللي فاتت.
لم يصدق ما سمعه.. أيعقل ما تتفوه به، أحقًّا هي حبيبته! أبعدها عنه بدهشة مرددًا:
– أنتي متأكدة إنك توتا؟!
ابتسمت وهي تهز رأسها بنعم، وكانت تمرر أناملها على تعريج عروق يده، فحضنها بقوة حتى يؤكد لعقله أنه كان على حق، وهي الآن تطفئ نار قلبه.
تركها وقلبه يحارب بُعدها، حتى يقوم بإجراء العلمية لابنه. استمر الوقت لعدة ساعات، كان شعورًا مرعبًا لإجراء هذه العملية الدقيقة، خصوصًا لطفل في سنه، وليس أي طفل؛ بل إنه فلذة كبده الذي رآه منذ لحظات؛ فتضاعف الخوف بداخله، وجاهد عقله أن ينحي عاطفة الأبوة جانبًا ويركز فقط فيما يفعله.
وحين انتهى ركض الجميع حوله، والخوف بداخل أعينهم، طمأنهم جميعًا عليه، وبعد خروج الطفل إلى غرفته، ذهبا إلى منزلهم مساءً بعد أن اطمأنوا عليه، في سعادة استلقى على فراشه ليرتاح، فقال الطفل بمشاكسة قبل أن ينام:
– ماما ماما يلا علشان تكملي حكاية نطاط الحيط، ويارب يكون رجع لست الحسن، زي ما بابا رجعلي.
رمقت زوجها الذي ضيق عينه، فتقول بسعادة وهي تنظر داخل عينه بحب وعشق:
– رجع، وهي اعترفت إنها بتموت فيه، وما تقدرش تبعد عنه ثانية واحدة بعد كده، ونفسها تعوضه عن كل العذاب اللي شافه في غيابها.
ثم وجهت بصرها إليه وأمسكته بتملك عاشقة هاتفة بنبرة دلال مغلفة بلهفة:
– بحبك يا حازم، بحبك من زمان أوي، كان نفسي تكون معايا وابنك بيكبر في بطني، كان نفسي تكون جنبي أول يوم ولدت فيه، كان نفسي…
وضع يده على شفتيها قائلًا باستغراب:
– أنتي عرفتي من إمتي وإزاي إن أنا هو؟
أحكمت غطاء ابنها عليه وقبلته على رأسه، ثم فعل هو كما فعلت ودعى له بنوم سعيد، ونزلا للأسفل تجيبه وهي تجلس على قدمه محتضنه وجنتيه بحب:
– ساعة آخر مرة كنت شوفتك فيها كنت هقولك إني عرفت الحقيقة، لكن ما رضيتش تسمعني، أنت نطاط الحيط اللي رجعتلي ثقتي في نفسي والرجالة. برغم إني كنت أبان قوية، لكن أنا من جوة هشة، أنا عشت أيام صعبة وفضلت ذكرياتها معايا تقتلني.. أول حب ليا دمرني هد كياني، استقبل كل حبي ليه بغدر.. علشان كده قفلت على قلبي، وقررت إني ما اتجرحش تاني، والله ما كانش قصدي إني أجرحك، كنت خايفة على قلبي بس ينجرح تاني، وأنا حبيتك وكنت بعاند نفسي وبان في تصرفاتي، طب أقولك على اعتراف.
– قولي ياعمري إيه؟
– فاكر آخر لقاء بينا، برغم إني كنت سخنة بس كنت واعية جدًّا لكل حاجه حصلت؛ لأنها كانت من جوة قلبي، دا أحساسي الحقيقي اللي كنت خايفة أظهره، كل حاجة حصلت كنت قصداها ومتعمدة إني أعيش معاك أجمل لحظات حياتي. وتاني يوم ما قدرتش أواجهك وبينتلك إني مش فاكرة حاجة، ولما أسلوبك اتغير وبقيت تظهر على حقيقتك، وأشوف لهفتك وخوفك زي ما كنت نطاط الحيط.. كنت ناوية أعترف بحبي.
تهلل وجهه بالسعادة، والتمعت عيناه من اعترافها، الذي جعل قلبه ينبض من جديد، كاد أن يغمى عليه من شدة الفرحة؛ أحقًّا كل ما شعر به من سعادة في أثناء هذا اللقاء الحميم تُشعره بحبها، وتبادله هذا العشق. ترغرغت سحابة من العبرات داخل عينيه:
– بجد يا توتا بتحبيني أنا مش مصدق نفسي، آسف إني كنت بعاملك بحدة، يارتني كنت ظهرت خوفي عليكي زي ما كنت في بدلة النطاط، أنا كنت بفرح بحبك له؛ لأن ساعتها بكون على طبيعتي.
– علشان كده وصل ليا حبك وأنت في البدلة أسرع.
– آسف إني ما كنتش حازم الحقيقي من أول يوم.
– أنا اللي آسفة إني ما عطيتش لعقلي فرصة يفكر فيك.
ثم صمتت، دقق النظر داخل سحابتها اللامعة، فكان بؤبؤ عينها الذي يشبه الليل الدامس حائرًا، فلمح هو الكثير من الأسئلة تتدفق منها، فقال بنبرة خافتة وهو يمسد شعرها الحريري:
– عايزة تقولي إيه؟
تجولت عينها بأركان المنزل، وأردفت بتلعثم:
– عايزة اعرف حاجة.
ثم أكملت وهي ترفع سبابتها:
– بس والله بثق فيك.
ابتسم لحركاتها العفوية وسمح لها بأن تتفوه، قبضت على كلتا يديه وأخبرته بقلق:
– عايزك تتأكد إني والله بثق فيك.
– وأنا واثق أنك بتثقي فيا، فين السؤال بقى؟
تحولت ملامحها البريئة لقطة برية شرسة وأردفت وهي تلوح بيدها:
– مين البت البراوية السماوية اللي شبه صفار البيض الإيطالية اللي جتلك قبل كده البيت، وكانت معاك في المكتب؟
كان يحاول كبح قهقهته لكنه عجز، وضحك بأعلى طبقات صوته فرمقته بحدة وهي تضع يدها على خصرها، رفع يده يهدأ من روعها وأجابها بكل هدوء:
– دي اللي كانت بتتعامل معايا وبتجيبلي أخبار أبوها وأخوها، ولما عرفوا إنها بتنقل أخبارهم ليا هربت، وكلمتنى أول ما وصلت مصر ودي أول مكالمة أنتي سمعتيها لما جت البيت، والجواب التهديد اللي شوفتيه في دولابي، كان من أخوها اللي كان بيقول فيه “عرفت اللي بينكم”.
– وهو دا اللي كان بينكم بس.
كانت تقولها وتتمنى أن يصدق على كلامها حتى يتبخر الماضي بأكمله ويصبح رمادًا هشًّا، ويصبح الحاضر هو كل شيء، فهز رأسه بتأكيد مبتغاها، وفي غضون ثوانٍ تفوهت مرة أخرى بإحراج:
– طيب ممكن سؤال تاني؟
– وبرضو بتثقي فيا!
قالها وهو يحرك رأسه تجاه اليسار، فأبلغته بسرعة:
– طبعًا.
ابتسم لها بحب وحرك جفنه، سامحًا لها بالكلام.
– الفلوس اللي كنت بتخبيها ورا البرواز، والألماظ اللي جيت بيه البيت.
كانت تقول حديثها وهي تحرك أصابعها على بعضهم بتوتر، أمسك أناملها وقبل كف يدها ورد بهدوء:
– الفلوس مرتبي من العمليات السرية اللي كنت بعملها، والألماظ كان متهرب من حد كبير في البلد وطبعًا ما ينفعش يتقبض عليه، أو يتفتش خبط لزق؛ محتاجين إذن من النيابة وشغلانة كبيرة، وعلى ما يطلع تصريح بالتفتيش هيكون سافر، فبيبعتوا ظابط سري ياخد الحاجة علشان نحافظ على خير مصر؛ لأنه كان مسروق من متحف، وفجأة تذكرت سؤالا الح عليها في التو، وعلامات الأستفهام والتعجب على وجهها، مشيره بسبابتها على مقدمة أنفه:
– طب أزاي جتلي في المطبخ يوم التحدي وانت نطاط الحيط، وكنت لسه داخل تنام في الأوضة، أوعي تكون طالع بدورين ؟!
اقترب من وجهها مداعبًا أرنبة أنفها، والأبتسامه تعلو ثغره لسذاجتها:
– ابدا كل الحكاية عندي دماغ وبفكر، سجلت وحددت الوقت اللي يشتغل فيه المسجل، اصل بصراحة صعب عليا المواعين اللي كنتي بتنتقمي منها.
– لا والله.
– اه امال ايه ما دافع فيها فلوس.
– بجد؟!
– لا طبعا قلبي ميستحملش يحس أنك مضايقه، وافضل بعيد عنك.
عندك أي استفسار تاني؟
– بحبك.
– وأنا بعشقك يا توتا.
ثم استوطنت داخل أحضانه، تؤكد له كل حرف نطقه قلبها قبل لسانها، ضمها بقوة بذراعيه، فذابت بين أحضانه، فقبلها بلطف تجاوبت معه أكثر، سمحت له بأن يعبر حصونها بكل سلاسة، أدخلته في أعماقها وأبحرا معًا يغوصان بدون أي عوائق تمنعهم عن بعضهما مرة أخرى.

google-playkhamsatmostaqltradent