Ads by Google X

رواية غرورها جن جنوني الفصل الثالث و العشرون 23 - بقلم ابتسام محمود

الصفحة الرئيسية

  رواية غرورها جن جنوني كاملة بقلم ابتسام محمود عبر مدونة دليل الروايات 


 رواية غرورها جن جنوني الفصل الثالث و العشرون 23

  
رد عليه “مستقبل” بملصق يبكي من كثرة الضحك ثم كتب:
– حضر أنت بس المكن، وأنا هوصل خطيبتي واجيلك، اشتغل في المكن، وخلي الإزازة ليك.
قرأت كارما المحادثة من زجاج نظارته الشمسية التي تعكس الصورة التي أمامها كالمرأة، نجحت في كتم غيظها كما فعل هو منذ قليل، وبعد الانتهاء من الهاتف نهض يقول بوجوم:
– يالا علشان أوصلك.
– توصلني فين؟ مش كنا هنخرج.
تفوهت بها وهي تغضن جبينها بتساؤل حائر، وقف في مقابلتها يخبرها من بين أسنانه باستخفاف:
– هو أنا كنت حاسبتك على خلقتك المقلوبة، علشان أنتي تحاسبيني.
– إيه اللي بتقوله دا، أنا زي الفل.
– آه ما أنا واخد بالي.
اعتصر قبضة يده حتى هرب الدماء منها، وأكمل بعد صمت دام بضع دقائق:
– معلش صدعت فجأة، يلا أوصلك.
ربعت يدها بتأفف لتقول بتساؤل حتى يفسر لها ما قرأته ويوضح لها الصورة:
– ممكن اعرف لما توصلني هتروح فين؟
– عندي شغل هخلصه.
أجابها وهو يضع يده في جيب بنطال الجينز الذي يوجد به تقاطيع كثيرة، التي أصبحت موضة العصر، فقالت بحدة:
– لا والله.
رفع حاجبه وقال بثقه وتأكيد:
– آه والله، وامشي بقى علشان روحي في مناخيري.
تحركت بهدوء مخادع، يحمل الكثير والكثير من تأكدها أنه ما زال يخونها ويخدعها.. قلبها تمزق، ثم بررت له فعلته وقالت:
– ممكن زعل علشان وشي زعلان، ما اللي ماتت مش قطة دي صاحبتي، ما كنت قولتله وخلص الحوار، ما كان هينكد بردو على اللي جابني ويفضل يزعق ومش هيراعي احنا فين ولا الناس الموجودة بسبب إني كلمت جوزها، يووه بقى هو أنا في إيه ولا إيه، ما هو أهو رايح يخوني، ماشي يا مستقبل أنا وأنت والزمن طويل.
أما هو، فحالته يبدو عليها أنه ليس على ما يرام يضع ظهر كف يده على ثغره يعبس بأنامله، وينقر مقود العربة بطرف سبابته ويحدث نفسه:
– هي ليه ما قالتش إن كان واقف معاها شاب، ولما سألتها ليه نكرت إن كان واقف معاها، ليه عينها كانت بتعيط وهو بيمسحلها دموعها وبيطبط على إيدها، ممكن بيتهيألي؟ فوق وبطل هبل بيتهيألك إزاي وأنت شايفها بعينك ولما قربت الدموع كانت بتلمع في عينها. لتكون بتخوني، لا لا لا لا لا مش كاري، دي أنا اللي مربيها على إيدى، أمال تسمي الزفت اللي حصل دا إيه؟ ممكن اتخبطت فيه وهو كان بيعتذر، بردو ما قالتش لأهلي ليه؟
كان يطلع طاقة غضبه بالمقود الذي يعتصره تحت يده، وفجأة ضرب فرامل عندما وقف سائق التوكتوك أمامه ظل يضرب له آلة التنبيه، والسائق يتمازح مع أحد الشباب الذين يقفون بالشارع ولا يبالي للغاضب، نزل مثل إعصار تسونامي يمسك سائق التوكتك بقوة وأفرغ به غضبه حتى تجمعوا المارة وأنجدوه من بين يديه، توجه إلى العربة ثم فتح باب “كارما” المصدومة، وأخرجها وهو يوقف تاكسي بأعلى نبرات صوته حتى لا ينفعل عليها هي الأخرى، اندهشت من فعلته وجحظت عيناها بصدمة، شكت به أكثر وفقدت الثقة به نهائيًّا. بعدما وعدها ينزهها مثل ما أخبرها في الهاتف، أصابها الضيق وتأكدت أنه عاد لطريقه المليء بالسُكْر والمجون، وخلى بوعده لها.
فهل لعب القدر لعبته حتى يفترق الأحباب عن بعضهما وجعل سوء الظن والنية أسبابًا للفراق؟
★★★★★
توجه وهو منفعل لصديقه، ولم يرد السلام عليه وقال بصوت مزمجر:
– فين المكن اللي بايظ.
– أكيد تحت في المصنع.
تركه وتوجه للطابق السفلي ووقف واضعًا يده على خصره يتأمل المكان والماكينات المتوقفة، تنهد وهو يزفر أنفاسه واقترب ليصلحهم بمهارة.
★★★★★
بعد يومين يجلس “حازم” في فيلا “مهيمن” يرسل نظرات حب لزوجته التي كانت تتهرب بعينيها حين تتقابل أعينهما، لكن دخول “كاميليا” المتشنجة الغاضبة، لفت انتباه الجميع وهي تقول بصوت عالٍ:
– ممكن افهم ليه ما بقيتش تاخدني معاك الشغل، وبتتهرب مني؟
قطب ما بين حاجبيه، قائلًا باقتضاب:
– اتفضلي ونبقى نتكلم بعدين.
– وبعدين ليه، أنا عايزة جواب واحد، احنا هنتحوز إمتى؟
شعر بخنجر يصيب قلبه عند سماع جملتها، فرد بتعجب:
– نتجوز!
– أمال إيه أخرتها الخطوبة؟
– ممكن أفهم مستعجلة على إيه؟
قالها “مستقبل” فردت عليه بسخرية:
– لا ممكن افهم هو إيه اللي مأخرنا على الجواز؟ ليكون ناقصه حاجة وأنا مش واخدة بالي!
– كاميليا اهدي ونتكلم بعدين.
قالها “مهيمن” بحدة، فردت عليه بسخرية، وهي تعقد ذراعيها:
– لا مش ههدى، أنا حامل من الأستاذ ابنك، وعايزة ميعاد حالًا.
قالت حديثها ببرود ولا تهتم بمن يجلسون، ذهل الجميع من جرأتها، وضعت “توتا” يدها على فمها غير مصدقة ما تفوهت به، وجحظت عين “حازم” فهو يعرف صديقه جيدًا، غير مستوعب لكلامها.
نهضت “نايا” بعينين دامعتين تحدق ببطنها، وهي الأخرى تتحسسه، ثم قال “مهيمن” بغضب:
– انجزوا حضروا نفسكم وكفاية فضايح.
وقف “وجود” منصدمًا هو الآخر، كيف يحدث حمل وهو لم ينغمس معها للنهاية، حاول أن يخرج كلامه بدون أي إساءة وقال من وسط دهشته:
– لا ثانية.
ثم توجه يحمل كتابًا مغلقًا وقلمًا مغلقًا، واقترب من المنصدمون وأكمل:
– ممكن تفهميني إزاي حبر القلم دا هيدخل جوه الكتاب والكتاب ما زال مقفول؟
ابتسمت بتهكم وأخذت منه القلم وفتحت سنه، جعلت الحبر يتدفق منه وأقتربت به فوق الكتاب، جعلت الحبر يتوغل بين صفحاته بحرية، فقالت باستهزاء:
– وبكده دخل، ما القلم لو كان احترم نفسه وكان فضل بعيد، الكتاب كان هيفضل نضيف زي ما هو.
فردت “توتا” وهي مندفعة بعصبية، تريد أن تمسكها من شعرها تمسح بها الأرضية:
– بصي يا حبيبتي اللي عنده معزة بيحابي عليها، ما بالك بقى اللي سايبة كتابها كل قلم معدي يكتب فيه سطر.
رفعت “كاميليا” يدها حتى تصفع وجهها، لكن الجميع رفعوا أيديهم بسرعة حتى يمسكوا يدها، فأمسكها الأول “حازم” الذي كان سرعة بديهته أسرع من الجميع، ثم حدقها وقال من بين أسنانه وهو يعتصر كف يدها بقبضته القوية:
– أنتي اتهبلتي، إزاي تمدي إيدك عليها؟
أمسكها “مهيمن” من ذراعها بعنف أفلتها من قبضة “حازم” وأبلغها بعد أن كان يصب غضبه على أسنانه وهو يجز عليها:
– اللي حصل مش هيعدي بالساهل.
تمكن “مستقبل” من السيطرة على غضبه وقال باستخفاف:
– مش بتقولي حامل، هاتي ما يثبت وغير كده ملكيش حاجة عندنا، والدكتور احنا اللي هنختاره يا قطة.
تبكي بحرقة مصطنعة وتقول وهي تفلت يدها من يد “مهيمن”:
– أنا اتهنت في بيتك يا وجود شكرًا أووي على استقبالكم ليا وأنا حامل في ابنكم، وعلى العموم اديني يومين نفسيتي ترتاح، وأروح معاكم في أي مكان تحبوه، بس افتكر اللي اتكسر جوايا عمره ما هيتصلح يا وجود.
ثم ركضت وهي تشهق، شهقاتها تخترق قلب “وجود”، هل هي حامل حقًّا؟ وجدها بعد خمس دقائق، على أعتاب بوابة الفيلا نادى عليها وقفت ترفع أنفها وتتطلعه بعنجهية:
– نعم.
– أنا آسف على كل اللي حصل جوه.
– هعمل إيه بأسفك؟
– إيه يرضيكى.
ابتسمت كالأفعى وهي تقول شروطها:
– نتجوز في أسرع وقت، وتقطع علاقتك بعيلتك خالص.
– أنتي بتقولي إيه؟
قالها بدهشة وريبة، فتقول وهي تتصنع البكاء:
– ده اللي يرضيني، أهلك أهانوني يا وجود.
ثم ترمي رأسها على صدره، رفع يده يربت عليها:
– ممكن تهدي وتقعدي تشربي حاجة.
– لا يمكن أقعد في البيت دا ثانية بعد كده.
قالتها وهي ترفع رأسها تجفف دموعها، فقال حتى يراضيها:
– طيب تعالي نروح فيلاتكم أصلي مش هسيبك وأنتي في الحالة دي.
– أوكي.
ذهب معها وجلس بالحديقة وجلب لهما الخدم عصير ليمون، وظل يكلمها ويهدئها، ثم وضع يده على جيب بنطاله لم يجد هاتفه، فقالت:
– بتدور على حاجة؟
– تليفوني، عايز اعمل مكالمه مع شركة “…” ضروري، شكلي نسيته في البيت.
أخرجت هاتفها من حقيبها ومدت يدها له:
– خد الموب اعمل المكالمة الرقم متسجل عندي.
أخذ الهاتف وهو يبتسم ثم اتصل، قامت تغير ثيابها واستمر هو في الحديث معهم حتى دخلت، وعندما أغلق معهم، لعب بالهاتف بضع دقائق سريعًا ثم تركه من يده، أتت له وهي تبتسم، بادلها الابتسامة:
– خلاص مش زعلانة.
– أنا ما يهمنيش غيرك، وما دام هتنفذ كل طلباتي، إيه هيزعلني.
– الحمد لله كده الواحد يروح الشغل وهو مرتاح.
– تمام يا بيبي باي.
قالتها وهي تميل عليه تقبله على وجنته اليسرى.
★★★★★
بعد وقت صعدت “توتا” درج سلم منزلها، وقالت لزوجها وهي تجلس على الفراش بابتسامة:
– ميرسي على اللي عملته النهاردا علشاني.
– توتا أنتي غالية عندي أوي، وعمري ما هسمح لحد يقربلك وأنا موجود على وش الدنيا.
– ميرسي يا حازم.
قالتها وهي تنزل بصرها بعيدًا عنه، فقامت تبدل ثيابها، فأردف بترجٍ:
– بكرة فرح صاحبي، ممكن تحضري معايا.
وقبل أن ترد أكمل:
– أنتي وعدتيني إنك هتروحي معايا يوم ما روحت معاكي عيد ميلاد ابن سليم.
– آها فاكرة، هترجع من شغلك هتلاقيني جاهزة.
– هخلص بكرة الشغل متأخر هستناكي تحت، أول ما أرن عليكي انزلي.
– طيب مش هتغير.
– هغير في المستشفى.
أومأت برأسها، ثم توجهت لغرفة الملابس ووقفت أمام خزانته تتأمل ملابسه، لمحت ورقة مطوية أخذتها وجدتها مكتوبة باللغة الإيطالية، تذكرت البنت التي كلمها سابقًا وأتت معه إلى المنزل، ابتلعت ريقها وقرأت ما بها جحظت عينيها من جملة التهديد:
“لقد عرفت العلاقة بينك وبين أختي لاروا، أعدك لن أرحمها ولا أرحمك”.
وقفت تضع يدها على فمها تحاول كبت دموعها، فهو لا يحبها حقًّا، وكل هذا كان يخدعها حتى يحصل على الوظيفة التي قال عنها منذ البداية، ولماذا اعترف بحبه عندما كان فاقد الوعي، دخل عليها وجدها متجمدة بالقرب من خزانته اقترب منها لمحها تحمل ورقة كان يخفيها وسط ثيابه، مد يده يسحبها منها بملامح متشنجة، فبصرته بحدة:
– ممكن افهم طالما عندك علاقات قذرة، بتتجوزني أنا ليه؟
قبض على الورقة، وقال من بين أسنانه:
– أظن ملكيش علاقة بخصوصياتي، وبحذرك يا توتا إياكي تفتشي في حاجتي تاني.
– أنت كنت بتلعب بمشاعري كل دا، وأنت ما شاء الله عليك مقضيها.
قالتها وهي تحاول كبت دموعها، بنبرة تحمل قطرات البكاء والألم، فرد عليها بعصبية:
– أقضيها ما أقضيهاش شيء يخصني.
وضعت يدها على جفنيها ترغمهما على عدم البكاء، ثم رفعت رأسها تبلغه وهي تبتسم:
– آه صح ما يخصنيش، سوري يا كوتش نسيت الاتفاق اللي ما بينا، بعتذر ليك وأوعدك مش هنسى تاني مرة إن جوازنا لمصلحة مشتركة والحمد لله مصلحتي خلصت، عقبال مصلحتك علشان اخلص أنا كمان.
شعر بدلو ثلج انسكب داخل فؤاده، فأصابه بخفقان في دقات قلبه، وحينما فاق اكتفى بقوله العنيف:
– بحذرك يا توتا ما تقربيش على أي شيء ما يخصكيش.
وقفت كالنمرة المغرورة، تلبس عباءتها القديمة من جديد وتبلغه بتحدٍ:
– حاضر يا كوتش كويس إنك فكرتني إنك ما تخصنيش، إن شاء الله مش هتعدى حدودي تاني، وبعد إذنك الطريق أعدي أحسن اخبط فيك وتنصب محكمة.
كان يقف يضع يده بجيب بنطاله يعض شفته بقوة، ثم عند قولها آخر جملة، رفع يده سحبها من رقبتها قبل أن تذهب، جعلها تقف في مقابلته يخبرها بحدة:
– ما تستفزنيش أكتر من كده، بلاش تختبري صبري في الوقت دا، اسكتي ولمي الدور.
رفعت يدها وهي تزج يده وتردف باستهزاء:
– على ما أظن إني مش من خصوصياتك فبلاش تلمسني تاني، أحسنلك.
اقترب منها خطوة جعلها ترجع خطوة للخلف، وقال بنظرات تحدٍ وعند وهو يرفع يده يحاصرها بمنتصف جسده:
– هتعملي إيه؟
أنفاسه الحارة لفحت وجهها، مسحت وجهها من قربه وقالت بنبرة مرتعشة
– هتعرف ساعتها.
كلامها يزيد اشتعاله، فأخبرها بهدوء حاد:
– توتا أنا ما بتهددش، وقولتك قبل كده عقابي مش هيعجبك.
وقفت بجمود ترد عليه:
– ما تقدرش تعاقبني، وأعلى ما في خيلك…
قالت آخر جملة وهي تمثل أنها تمسك لجام حصان وتخرج أصوات طرقعات من بين أسنانها ولسانها حتى ترغم حصانها على المشي، جعلته يستشيط من الداخل:
– الظاهر كده مفيش حاجة هتسكتك غير عقابي إياه.
وقبل أن تتفوه، التقط شفتاها بقبلة تحمل عنف، غضب، قوة، وتحدٍ.. هذا ما وصل إليها، لكن داخله يفض كل ما يحمله من غضب تصرفاتها العنيدة معه وهجرانها لمشاعره، جعلها تتسمر وتتجمد مكانها حتى ما ابتعد عنها ورمقها بنظراته الناعسة، فرفعت يدها مسرعة تصفعه على وجهه لكنه أمسك يدها باستياء، وقال بتهديد:
– شكلك ما اتعلمتيش الأدب، فهزود العقاب يا حلوة.
بعد انتهاء جملته حاولت فلت يدها تهدده:
– هقتلك.
لا يبالي لفظاظة حديثها وحملها وألقى بجسدها بوحشية على الفراش، وكاد أن يهجم عليها بعدما نزع ملابسه، فاجأته وهي تنهض مهرولة من أمامه كالفأر المذعور ودخلت إلى الحمام تختبئ به، وأغلقت على نفسها بإحكام، استلقى على فراشه كالأسد المستمتع بانتصاره على فريسته:
– ابقى اسمع صوتك الحلو دا بتهرتلي بيه قدامي تاني.
تأففت وهي تخرج صوتها المستشيط، جلست بالمرحاض وقـتًا، ثم فتحت الباب بهدوء وتسحبت على أطراف أصابعها، وجدته يستلقي على الفراش بأريحية، ولا يرتدي إلا بنطالًا قطنيًّا، أخفضت بصرها بحرج وتوجهت لباب الحجرة وجدته مغلقًا بالمفتاح، رمقته بحدة وهي تبحث عن شيء حاد ينهي حياته، لكن عندما تحرك ركضت وهي تسحب غطاء خفيف ودخلت المرحاض مرة ثانية.
رفع رأسه عندما أغلقت الباب، زفر أنفاسه من عنادها يود لو ينهض يكسر رأسها حتى تتعلم مع من تلعب، لكنه أغلق عينيه منتظرًا النوم يأخذه بأحضانه حتى يخفف عنه أعباءه الداخلية قبل الخارجية.
بدأ الخيط الأبيض يتبين من الخيط الأسود فكانت السماء لونها خلاب؛ تتخطى باللون البرتقالي فألوانها الساحرة جعلت “حازم” الذي لم يذق طعم النوم يعمق النظر بها بشغف، دخل شرفته يفتح المرحاض وجدها ما زالت بالداخل وتغلف الباب بالمفتاح، أخذ ثيابه وتوجه للمرحاض الموجود بالأسفل، ثم ذهب لعمله بالمشفى.
كانت تنغمس بالنوم حتى رفعت يدها تتحرك، ففتح صنبور الماء بدون قصد، قامت فزعة تصرخ وهي تغلق المياه، نهضت ممسكة ظهرها متألمة، خرجت من داخل “البانيو”، الذي عدته فراشًا مريحًا وغاصت بالنوم بارتياح طوال الليل، فهو الذي حماها من براثن الأسد الهائج، تقدمت نحو الباب تفتحه بهدوء، ثم نظرت يمينًا ويسارًا، ظهرت الابتسامة على شفتيها حين لم تجده موجودًا، دلفت على الفراش دون أن تغير ملابسها المبتلة لاحتياجها للنوم، وغاصت في ثبات عميق.
في المساء كانت الشمس تجر أذيالها كالعروس، وقف “حازم” أسفل المنزل يتأمل جمال صنع الله، عندما سقطت الشمس وراء البيوت المرتفعة، وسكن القمر كبد السماء بلونه الفضي، فنظر تجاه القمر المضيء الخلاب الذي يملأ المكان نورًا، فهو يشع طاقة أمل داخله، ووعد نفسه أنه سوف يجلس تحته قريبا معها، مثله مثل كل العشاق الذين يجتمعون تحت أنواره.
انتظر حضورها كثيرًا بالأسفل كما اتفق معها ليلة أمس، حين تأخرت عليه رن عليها ولم يجد ردًّا، اعتصر شفته بأسنانه، ثم أعاد الاتصال مرة ثانية، وعندما فقد أعصابه ترجل من العربة بعصبية مفرطة، وتوجه لداخل المنزل يهلل وينادي عليها بصوته الجهوري الحاد لم يجد استجابة منها، وتذكر كل ما حدث البارحة واعتقد أنها تعانده كما تفعل دائمًا، بحث عنها كالوحش الهائج وجدها تتسطح على الفراش وتغطي جسدها بالكامل، أزاح الغطاء بقوة، وجدها تنتفض من كثرة ارتعاشها، اقترب منها بقلق وذهب عنه في لحظة واحدة الغضب كليًّا؛ فقد تحول إلى عصفور ضعيف مفزوع لا يقدر على فعل شيء، هزها بلطف لكن لا فائدة، مد يده يأخذ الهاتف الذي يوضع على بطنها وجد صور متحركة على أغنية “جوايا ليك أحساس بيكبر كل يوم” فكانت تلتقط بعض الصور لها تجمعها معه، وهو غافل غير منتبه، مرة حين يربط حذاءه، ومرة يقف يتحدث بالهاتف، ومرة يقف بالأسفل، وكثير من الصور التي تجمعهما وهو لا يعلم، ترك المحمول وجس حرارتها فكانت حرارتها عالية جدًّا، حملها بسرعة ووضعها أسفل الماء، انتفضت بقوة وفتحت عينها واحتضنته بقوة وهي تهمس بشفايف مرتجفة:
– احضني أوي أنا بردانة، دفيني.
– معلش لازم الماية تنزل عليكي علشان الحرارة تنزل.
قالها بخوف وقلق عليها، فرمقته بعينين بالكاد تستطيع فتحهما، وقالت بنبرة همس مغلفة بشوق وحنين:
-أنا عايزة حضنك، عايزاك يا حازم.

google-playkhamsatmostaqltradent