رواية غرورها جن جنوني الفصل الثاني و العشرون 22 - بقلم ابتسام محمود

الصفحة الرئيسية

 رواية غرورها جن جنوني كاملة بقلم ابتسام محمود عبر مدونة دليل الروايات 


 رواية غرورها جن جنوني الفصل الثاني و العشرون 22

  
ذاب تجمدها حينما أتى ضوء النافذة من جديد، لكنها ارتعبت؛ لأنها شعرت بشيء يمشى خلف ظهرها، فتحت شفتيها بهمس وصوت مكتووم:
– حاااازم.
ثم نظرت بطرف عينها على الذي استقر بجسده على “الرخامة” وضع يده تحت رأسه يتطلعها بجرأة، رمشت عدة مرات غير مصدقة ما رأته للتو، والتفتت إليه برأسها مسرعة، لكنه لا يزال نائمًا في مكانه، وكأنه شيء انصهر وذاب، شعرت بأنامله تتحرك على كتفها، لم تضيع فيمتو ثانية واستدارت حتى تلمح من سلب عقلها من أول ثانية، وجدته على نفس هيئته وهيبته وثقته بنفسه، طويل القامة يرتدي بدلته السوداء الملتصقة بجسده وقناعًا على وجهه يبرز جمال عينه ويلبس بيده قفازات من قماش بدلته نفسها، قالت باللغة الإنجليزية بصوت مبتهج هامس حتى لا يسمعها النائم:
– من أين أتيت؟
أشار إلى النافذة الصغيرة، ضاقت عيناها باستغراب وشفقة على حال النافذة، كيف لشاب قوي البنية أن يخترق نافذة صغيرة كهذه، لكنه أخرجها من شرودها صاحب الوجه المقنع:
– ماذا تريدين مني الآن؟
أمسكت به وهي تقول بترجٍ، فهو الوحيد من تظهر ضعفها أمامه بدون أي تكليف:
– لا أريد شيئًا، إلا أن تنقذني من هذا البيت المريب.
– يعني مش سامع صوت خناقك مع الحلل والأطباق.
انتفضت عندما سمعت صوت حازم من داخل غرفته، تكاد تكون وصلتها صاعقة كهربائية، ابتلعت ريقها ونظرت على “نطاط الحيط” كما لقبته سابقًا، بتمنٍ وعين لامعة:
– خذني معك، لا أريد البقاء معه.
فتح يداه بقلة حيلة يخبرها:
– ليس بيدي سيدتي، هو زوجك وأنتي زوجته، كان علي أن أساعدك ببعض عملك، أنتي لم تحبي.
صمتت تفكر في إجابة، لكن ابتسم لها وهو يرجعها للخلف بعيدًا عن الحوض ووقف هو ينجز كل المهام، وبعد الانتهاء من كل شيء استعد للرحيل، لكنها تشبثت بيده بقوة:
– لا، لا تتركني.
– عليَّ الآن الرحيل..
لكن قبل أن ينهي حديثه، أتاهما صوت فتح غرفته، ابتلعت ريقها بصعوبة وخوف، لكنها لم تتركه.. رمقته بنظرات ترجٍ، فاعتلى صوت فتح الباب، وعندما نظرت خارج المطبخ، ثم ردت نظرها إليه لم تجده بجوارها ولمحت الغيامة نفسها، وفي خلال ثوانٍ كأن شيئًا لم يكن.
★★★★★
بعد عذابه لنفسه الذي دام لساعات، عزم أن يتحدث إلى “زينة” وادعى البرود، قائلًا عندما أتاه صوتها الملهوف:
– قابليني حالًا.
ابتسمت بفرحة وهي تمسح وجنتها:
– فين؟
– في أي كافيه مش هتفرق.
قالها بلامبالاة، عوجت شفتها وعقدت حاجبيها من نبرته الثلجية، فقالت:
– تمام تعالى نروح الـ”…”.
– تمام.
أغلق معاها وطلب من أخيه أن يكلم “كارما” ويقابلها في الكافيه نفسه حتى لا يتركها وحيدة بعد ما يقص عليها كل شيء يريد أن يبلغها به كما طلب منه والدها، استجاب أخوه له وهو يدعو الله أن يصبر قلب الفتاة المسكينة، نزل من غرفته يضع يده داخل سترته الجلدية، وملامحه تحمل الجمود، لا يبالي لأحد جالس، توجه لسيارته ولم ينظر لـ”زينة” التي نزلت للتو حتى تذهب معه بالسيارة، لكنه صعد السيارة بمفرده ولم يلتفت لندائها له. وقفت مندهشة كيف يطلب مقابلتها، والآن يمشي ولا يستدير حتى لها، أنقذ الموقف “مستقبل” وقال لها:
– هو حاطط الهاند فري في ودانه أكيد ما سمعكيش
نظرت إليه بعدم تصديق:
– وأنت اللي كنت جوه سمعتني.
– ما أنا قولتلك حاطط الهاند فري، تعالي أوصلك في سكتي، مكان ما تحبي.
– ميرسي اتفضل أنت علشان ما تتعطلش، أنا هروح أقابل “وجود” في كافيه “…”.
– وأنا وكاري كمان رايحين نفس الكافيه، وأهي كاري كمان جت.
وقفت صافحتهما وهي ترمقهما بدهشة، ثم توجهوا جميعًا إلى الكافيه، وجدوا “وجود” يضحك ويجلس واضعًا قدمًا على الأخرى، وعندما رأهم:
– ماشي يا قلبي هكلمك بعدين.
ثم بصرهم وقال باستغراب:
– أنا قايلك تعالي لوحدك ولا هاتي معاكي العيلة.
تلعثمت أحرفها وانصبغت وجنتها بحمرة الخجل، فرد عليه “مستقبل” وهو يتنهد بضيق من تصرف أخيه الثقيل، برغم معرفته اللعبة لم يتحمل أن يصمت:
– اهدى على نفسك، لاقيتها جاية نفس المكان وصلتها.
– مش وصلتها ياعم الشهم.. اتفضل شوف أنت رايح فين.
قبض “مستقبل” يده اليسرى بقوة على يد “كارما” حتى سحقها، رفعت يدها الثانية ووضعتها على يده الذي يصب غضبه بها، ثم رمقت “وجود” الذي أصبح عديم اللياقة.
– تمام يا وجود.
قالها وهو يسحب “كارما” وينصرف يجلس بعيدًا، يهز قدمه بعصبية ويضع يده تحت ذقنه وعيناه مثبتتان على أخيه و”زينة” التي ما زالت واقفة، فتقول “كارما” بضيق:
– قلبي مش مطمن لأخوك النهاردا، هو ناوي على إيه؟
– اهدي شوية، أديني قاعد معاكي.
قالها وهو يزفر أنفاسه الحانقة بسخط.
رفع “وجود” عينه من هاتفه الذي كان يمثل أنه يبعث رسائل من خلاله، حتى يرتب ما يقوله، ولم يجد غير السؤال الذي يود إجابة عليه، فقال باستهزاء:
– هتفضلي تتفرجي عليا كتير، ما تقعدي ولا محتاجة عزومة.
عضت شفتها حرجًا وجلست بجسدها الصغير النحيف بهدوء، ألقى هاتفه بفوضى وأردف بنبرة منخفضة لكن بها حدة:
– مش معنى إني قولتلك كلمتين تروحي تعملي فرح وتقولي لكل الناس.
فتحت فاها بدهشة وقالت باستفهام وهي ترجع شعرها:
– هو أنا عملت إيه؟
وقبل أن تكمل أردف هو:
– بلاش جو الصعبنة اللي أنتي عايشة فيه دا، روحتي قولتي لكاميليا اللي أنا قولته ليكي ليه؟
هزت رأسها بنفي تنفي ما يقوله، وقبل أن تتحدث ردد هو بحدة:
– اوعي تكوني صدقتي إني بحبك، دا أنا كنت بعطف عليكي.
ثم أكمل وقلبه يكاد يتمزق:
– بمعنى أصح كنتي تسلية، أنا بحب خطيبتي وهتجوزها.
رمقته بذهول، والآن تأكدت من كل شيء أخبرتها به “كاميليا” وسمعته من التسجيل. هطلت دموعها بقوة، لم يتحمل أن يراها هكذا ويظل يكمل مسرحيته، قرر أن ينزل الستار عند هذا الحد ونهض وتركها في بحار دموعها التي تحولت الي اللون الأحمر بعد اختلاطها بدماء أنفها، وضعت يدها على أنفها تمسح الدماء، وكادت أن تقوم شعرت بدوار جعلها ترتطم أرضا، نهضت “كارما” مسرعة أخذتها داخل حضنها تصرخ “بمستقبل”، كان” وجود” لم يرحل نهائيًّا بعد.. سمع صوت ارتطامها عاد إليها وهو يركض، ضمها بين أحضانه.. حاولت “كارما” منعه ولم تسمح له بضمها وصرخت به، لكن “مستقبل” سحب كارما وترك له المساحة ليحملها وتوجه بها إلى المشفى، فتقدم منه “مستقبل” بحزن:
– لو أنت هتسكت على الظلم دا أنا مش هسكت ولا هسمح إنك تجرح البنت الغلبانة اللي جوه.
ابتعد وجود ولم يعطِ ردًّا، كان يحمل الكثير داخل قلبه، صعد سيارته وتوجه إلى مكان خالٍ من البشر وظل يصرخ بحرقة جعلت نيرانه تخمد تدريجيًّا
عندها كان “شادي” وزوجته قد وصلا الي المشفى في حالة حزن شديد على ابنتهما.
★★★★★
جاء موعد البطولة، وتستعد “توتا” على السفر، أمسك “حازم” حقيبة أدواتها بضيق وتركها، فكانت تقف مع “مستقبل” يتبادلون الأحضان فهي تفعل ما يغضبه عن قصد، فقال لها “مستقبل”:
– حاولي ما تتأخريش؛ مش بقدر على غيابك.
– ما تقلقش تخلص البطولة وأجيلكم على طول.
فقال “وجود” بصوت واهن:
– خلي بالك من نفسك.
– حبيبي يا وجود ما تقلقش عليا، بس اعمل حسابك أول ما هنزل لازم اعرف إيه اللي حولك للمنظر دا.
– ما تشغليش بالك، المهم ركزي في البطولة.
حولت نظرها إلى “مهيمن” اكتفى بمسك يدها حتى لا يضايق “حازم” أكثر من ذلك، وأخبرها:
– عايزك ترجعي بالكأس يا بطل.
– عيب عليك يا كوتش، دا أنا بكافح وراضية باللي أنا فيه مخصوص عشانه.
ثم أدارت وجهها لـ”نايا” عانقتها بقوة وهي توصيها بـ”حازم”، كان هو يتفحص الصالة جيدًا حتى يتأكد أن كل حقائب اللاعبين بالحافلة، بعد ما صعد للحافلة قال:
– جاهزين يا أبطال.
رد عليه الجميع بحماس وقوة، ثم قال:
– كله معاه أدواته.
أكدوا ما يقوله، فيرجع “حازم” بظهره حتى يفسح الطريق للتي تركب كالقطر، فوقفت أمامه رمت حقيبتها عليه ودخلت بابتسامة قائلة:
– Hi guys.
جز على أسنانه على من ستصيب عقله بالجنون، جلس على مقعده وهي جلست في آخر مقعد مع أصدقائها يضحكون، كان بلا شك عند سماع ضحكتها قلبه ينصهر مع نغماتها العذبة، ظل جالسًا يستمع لألحانها حتى وصلوا باب المطار، نزل الجميع وكل منهم أمسك حقيبة أدواته إلا “توتا” أمسك “حازم” حقيبتها وحقيبته، حتى وضع جميع الحقائب على عربة، يقف بعيدًا عنها يتابع خطواتها التي تشبه فراشة طليقة، ثم بعد قليل صعدوا متن الطائرة، كان مقعد “توتا” بجوار “حازم” الذي يجلس يضع سماعة داخل أذنه، جلست بجواره وأخرجت هاتفها وظلت تلعب، كان تجاهله لها يعصبها ولم تعلم لماذا؛ بل تجاهله كان عن تعمد حتى لا يجعلها غاضبة وتكون بحالة جيدة وجاهزة للبطولة. أغمض عينه مدعي النوم حتى يمر الوقت، رمقته بنظرات حائرة، تعجبت من نفسها كيف لم تشاهد من قبل ملامحه الهادئة فهو يمتلك جاذبية تجذب من تمعن النظر به، عجبًا لكِ يا بنت حواء تشاهديه كل صباح، والآن تقسمي بأنكِ تري وجهه للمرة الأولى! وتعرفين كم هو وسيمًا، وتتمناه أي فتاة تلمحه! فقالت لنفسها بعتاب:
لماذا لم أشاهدك من قبل؟
لماذا لم ألاحظ كل هذا السحر؟
تنهدت وزفرت أنفاسها الحارقة، وصلت حرارتها للذي كان مغمض العينين، فتحهما فتلاقت الأعين في عناق شديد كأنهما يكتشفان بعضهما عند هذه اللحظة، شردت هي وتوغلت داخل بحور أعماقه، وسبحت بمهارة لتعلم ما يخفيه بداخلهما، أما هو فكاد عشقه أن يهلكه من فتاته العنيدة، صاحبة هذا القلب القاسي، لماذا كل هذه القسوة التي تمتلكها بداخلها؟ فحدث نفسه باستفهام:
– هل تمتلكين قلبًا ينبض مثلنا، أم حجر صوان لا يمكن تحطميه؟ أجيبيني برب هذا الكون!
ظل كل منهما يتحدث بداخله، وساد الصمت بينهم لوقت طويل، ثم أردف “حازم” بدهشة وقلق من شدة تفحصها له بعينها السوداء:
– توتا مالك.. عايزة حاجة؟!
استدارت بوجهها الملون بحمرة الإحراج تخبره:
– لا مش عايزة ميرسي يا.. حازم.
لأول مرة يسمع اسمه من شفتيها بهذه النغمة، كانت بالنسبة له أفضل من مقطوعة لعازف كبير، لكنه سريعًا استغرب ردَّها وهدوءها، فالتزم الصمت من جديد حتى وصلوا وذهبوا إلى الفندق. أعطاهم راحة أربع ساعات، وقبل أن تصعد “توتا”، قال لها:
حجزتلك أوضة لوحدك علشان تكوني براحتك وتركزي في البطولة، اتفضلي المفتاح.
أخذته من يده وصعدت غرفتها وعقلها يتأرجح بين الأفكار والتوهان، ارتمت على الفراش تنفض عن ذهنها أي مشاكل حتى تركز في هدفها وما جاءت لأجله، بعد انتهاء المهلة اجتمع الجميع بنشاط وحماس، كان “حازم” حنون على الجميع يعطيهم النصائح ويدربهم على أعلى مستوى، وحين جاء موعد البطولة، كان لا يفارق الفريق وبالأخص حبيبته، وكانت البطولة في خماسي الحديث فهي عبارة عن خمس رياضات يلعبهم اللاعب خلف بعض، مكونة من السباحة والركض والرماية والسلاح والفرسية، فبدأت بالركض، وحصلت على المركز الثاني، شجعها “حازم” أكثر، ثم توجهت إلى السباحة التي حصلت فيها على المركز الثاني أيضًا، فخرجت من المياه تبكي بقهر، تقدم إليها “حازم” بالمنشفة وضمَّها بقوة يقول لها بتشجيع:
– مش عايزك تزعلي لسه قدامك تلت لعب تجيبي فيهم اسكور، انسي اللي عدى وركزي في اللي جاي، وأهم شيء رخي أعصابك وبلاش تكوني متشنجة وأنتي بتلعبي، بطلي عياط أنا متأكد إنك هتوصلي للفاينل.
تحمست من حديثه وتوجهت إلى الرماية كانت عينيها لا تفارق عينه فكان يشير لها بتوجيهاته وما يجب أن تفعل وتستجيب وتفعل كما قال لها وخرجت من هذه اللعبة بمركز أول، ثم دخلت على الفروسية بعدما أعطاها بعض التعليمات والتحذيرات والتشجيع، فقد استطاع أن يبث بداخلها الثقة وجعلها تعتمد عليه ولا تخطو خطوة بأي رياضة إلا بعدما تأخذ منه بعض التعليمات، كسبت أيضًا بالفروسية وتوجهت إلى السلاح.. كان يقف بجوارها حركة بحركة ويخبرها ببعض الحركات حتى تتفادى ضربات اللاعبة التي أمامها، وفي وقت الاستراحة خلعت خوذتها وهي تصرخ، وأردفت:
– البنت معتمدة على النط والضرب من فوق.
أمسك وجنتها بحنان:
– أنتي حققتي اسكور كويس، اهدي وركزي مش مطلوب منك غير أنك تتفادي ضرباتها، تمام.
أومأت برأسها وهي تتقدم وتستعد للقتال، وظلت تفعل كما قال لها ودخلت الفاينل، ركضت بفرحة وأمسكت يده شعرت بشيء غريب فهي لأول مرة تمسك يده ذهلت من تعريج العروق البارزة بيده، لكن هو كان سعيدًا جدًّا، ولم يلحظ ذهولها وهي تحرك أناملها على كل خط يبرز داخل يده، بارك لها وفعل كل هذا من جديد بالفاينل حتى كسبت وحصلت على مركز الأول، ومن هذا الفريق بنت ثانية أخذت المركز ثالث، كان سعيدًا بهما جدًّا، وكان يصبر باقي الفريق الذي لم يحالفه الحظ، وعندما جاء الدور على “توتا” توجه كلمة شكر، انسحب حتى لا تؤثر كلماتها القاسية على فرحته، كانت تتابعه بعينها وهو ينصرف بهدوء، قالت بسرعة تدل على سعادتها:
– أولًا أحب أن أشكر والدي على دعمه لي باستمرار، وعلى ثقته بي وبالكابتن “حازم”، الذي جعله يكمل مسيرته التي بدأها، والحمد لله كان على حق في الاختيار.
ثانيًا كل الشكر والتقدير لكابتن حازم الذي بذل معنا أقصى ما في وسعه، فمجهوده يحسد عليه.
كلامها أذهله جعلت أقدامه تتجمد بالأرض، فصدمه أكثر تقدمها نحوه وهي تقول:
– ثالثًا وأخيرًا، هو من يستحق هذا الكأس لمجهوده وتعبه معي أنا وأصدقائي.
نبض قلبه وتدفقت الدماء بسرعة إلى وجهه جعلته يرجع للحياة، ابتسم لها وهو يعانقها:
– أشكر جميع أعضاء الفريق على تحملهم لي في وقت التدريب.
ثم قال لـ”توتا” بهمس:
– بحبك.
ابتسمت له، وظهر صف لؤلؤ أسنانها، وقبل أن تتفوه.. فرقوهما عن بعضهما باقي فريق الشباب وقاموا بحمل “حازم” وظلوا يهتفون بفرح، وباقي الصبايا باركوا لها.
رجعت “توتا” و”حازم” بيتهما في مصر وكل منهما في جعبته الكثير من الاعترافات والكلام، يريد أن يبوح به للآخر. كانت تجلس على الفراش تتأمله وهو يعمل على حاسوبه الخاص بملامح متحفظة، رمقها شزرًا ثم قال بعد أن تنهد بتعب مما يفعله:
– توتا أنتي كويسة؟
تنحنحت بحرج، ثم أومأت رأسها بتأكيد أنها بخير، زفر بارتياح فقالت باستفهام:
– حازم.. أنت عايز تقول حاجة؟
قام من مكانه وتوجه ليجلس بجوارها، يقول بلهجة ماكرة:
– أنتي في حاجة عايزة تسمعيها.
منحته ابتسامة رقيقة بملامح مسترخية:
– لا أبدًا.
تطلعها بعين هائمة، ثم اقترب منها أكثر يرفع خصلات شعرها، وأخذها داخل أحضانه، تقبلت الوضع ونامت وهي تعانقه.
★★★★★
ذهب “مستقبل” إلى النادي حتى يقابل “كارما” التي تنتظره بفرحة عارمة؛ فهو وعدها بنزهة اليوم لا تحلم بها، تقابلت بزميل لها صدفة وقفت تتحدث معه، وتقول بابتسامة:
– هي فين الندلة منى، من ساعة ما اتجوزت وسافرت محدش سمع صوتها.
أجابها بعد وقت بابتسامة مريرة تكونت على شفتيه وهو يخبرها بصوت حزين:
– منى ماتت من شهر.
انصدمت ودموعها انحدرت لا إراديًّا، رفع الشاب يده يجفف دموعها، وربت على كتفها، ثم أردفت بحزن:
– البقاء لله، وآسفة والله ماعرفتش بالخبر الحزين دا.
أجابها بنبرة منخفضة مكسورة:
– البقاء لله وحده.
وانصرف وهو يتذكر أحزانه وتزيد آلامه، كان “مستقبل” يشاهد كل هذا المشهد، لكن عندما اقترب كان زميلها انصرف وكانت وحدها بالمكان، وقف صامتًا ينتظر أن تحكي أو تقول له أي سبب يبرر كل ما حدث، لكنها صمتت هي الأخرى. اشتعلت نيرانه، وهي يرتسم الحزن على وجهها على موت صديقتها الصغيرة، ورجفة وخوف من أعين “مستقبل” الذي يتفحصها بوجوم، أردف أخيرًا:
– مالك متوترة كده؟
فكرت لثوانٍ تبلغه، لكنها غير قادرة على مناقشاته؛ مثل كيف عرفت، ولماذا تحدث شاب؟ فهي في غنى عن كل هذا. تود أن تقضي يومًا جميلًا ينسيها همومها، أبلغته بنبرة خافتة:
– آه كويسة، أمال زعلانة ليه؟ شكلي جيت في وقت مش مناسب.
قالها وهو يتطلعها بنظرات مستاءة، فردت نافية لما قاله:
– مش زعلانة.
– أمال إيه البوز دا؟
– دا مرسوم تاتوه.
كز على أسنانه، وفضل الصمت حتى لا يسحق عظامها أمام أعين المارة، أمسك مفاتيحه يخرج بها غضبه، وظل ينقر بها على الطاولة، حتى أعلن هاتفه عن وصول رسالة من صديقه، كاتبًا له:
– وحش أنا في انتظارك، المكن بقى يطلع نار، انجز جايبلك كام إزازة من الصنف النضيف لزوم السهرة.
ثم بعث له ملصق وجه يغمز.

 رواية غرورها جن جنوني الفصل الثاني و العشرون 22 -  بقلم ابتسام محمود
nada eid

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent