Ads by Google X

رواية اغصان الزيتون الفصل السادس و الستون 66 - بقلم ياسمين عادل

الصفحة الرئيسية

    رواية اغصان الزيتون كاملة بقلم ياسمين عادل عبر مدونة دليل الروايات 


 رواية اغصان الزيتون الفصل السادس و الستون 66

“أحيانًا تكون الحقيقة مجرد جسم تجرد من ملابسهِ.”
_____________________________________
كانت تجلس بأريحية كأن المنزل لها، وعيناها تتجول في المنزل كله بشكلٍ متعمد وملحوظ، متيقنة من أن عيون “أسما” الكارهه عليها. أسبلت جفونها ونظرت لساعة اليد الذهبية، ثم تنهدت وهي تهتف بقنوط :
– فات ساعة ونص وجنابه لسه مجاش؟.
فـ رمقتها “أسما” بإمتعاض وهي تطردها بصيغة غير مباشرة :
– لو مش عاجبك أمشي.
ابتسمت “سُلاف” وهي تنظر إليها ببشاشةٍ :
– عاجبني يا حماتي، بس انتي روقي شويه شكلك مش عاجبني.
فرك المأذون يديهِ معًا، وقد بدأ التوتر يتشكل على ملامحه :
– ياجماعة ورايا شغل تاني في المكتب ميصحش كده.
نهضت “يسرا” عن مكانها وهي تردف :
– أنا هخلي بابا يتصل بيه يشوفه فين.
خرج “صلاح” من الردهه ممسكًا بهاتفه، فسألته “يسرا” بتوترٍ وقلق :
– كلمت حاتم شوفته مجاش ليه يا بابا ؟
ذمّ “صلاح” شفتيه أولًا، ثم أجابها :
– مش بيرد على تليفوناته.
تشككت “يسرا” على الفور، في إنه تلاعب بهم ولن يفي بالكلمة التي قطعها على نفسه :
– معقول يكون مش جاي!.
رنين جرس الباب ردّ فيها الروح، فـ حررت زفيرًا مرتاحًا وهي تقول :
– أهو جه.
مضى “صلاح” نحو الباب كي يفتحه، فوجد ساعي البريد واقفًا أمامه ويسأله :
– منزل السيدة يسرا صلاح القُرشي؟
قطب “صلاح” جبينه، بينما كانت “يسرا” قد حضرت ووقفت خلف والدها وهي تجيب :
– أيوة أنا.
ناولها الظرف وهو يستطرد :
– الظرف ده عشانك، من فضلك تمضي هنا.
تناول “صلاح” الظرف بينما كانت هي توقّع على استلامه، لحظات وانصرف الساعي من أمامهم، فـ أغلقت “يسرا” الباب بينما كان “صلاح” يستكشف فحوى الورقة المطوية بداخل الظرف، ليجد قسيمة الطلاق الخاصة بإبنته موثقة بين يديه، وبهذا الشكل المهين دون أن يتلاقى الطرفين أو أن يتم الأمر بشكل أكثر ودية. تقلصت عضلات وجه “صلاح”، بينما كانت يد “يسرا” تخطف تلك الورقة وتقرأ ما فيها، أصابها بعض الجمود، لا تستطيع أن تنكر ذلك؛ لكن بين لحظة وأخرى تذكرت إنها تخلصت من عبئ شديد الثقل، أصبحت حُرة طليقة گالطير، فـ انزاحت كل تعابير الضيق من ملامحها، وتركت ابتسامة واسعة تعتلي ثغرها وهي تهتف بـ :
– أحسن حاجه عملها في حياته، أنا أصلًا مكنتش عايزة أشوفه.
هبّت “أسما” من مكانها وعقبت على الأسلوب المُتبع في إرسال بيان الطلاق، معتبراه أحد أشكال الإهانة إليهم :
– أحسن إيه ؟؟ بعد ما ياخد معاد من أبوكي ونجيب المأذون ويستنى كل دا يبعتلك قسيمة الطلاق غيابي!.
نهض المأذون عن جلسته محوقلًا :
– لا حول ولا قوة إلا بالله، والله مضيعة للوقت كنت في غنى عنها.
اعتذرت منه “يسرا” بأسلوبٍ مهذب :
– أنا آسفه يا شيخ، مكنش حد مننا يعرف خالص انا بعتذر منك.
تحرك المأذون نحو الباب دون أن ينبث كلمة أخرى، وما أن أغلق الباب حتى انفرجت أسارير “سُلاف” وهي تهنئها :
– ألف مبروك يا يسرا، متهيألي الموضوع تم بأسهل شكل ممكن.
انفجرت فيها “أسما” بصياح غير متقبلة حتى رؤيتها أمامها :
– انتي مفيش غيرك اللي بدأتي كل اللي حصل ده، لولاكي مكنتش دماغها وصلت للخراب والقواضي.
تأففت “سُلاف” بنفاذ صبرٍ وهي تسحب حقيبتها وتستعد للإنصراف :
– بصراحة يا حماتي انتي أوڤر جدًا، أنا همشي عشان أسيبك تعيشي اللحظة دي لوحدك.. باي.
استوقفتها “يسرا” قائلة :
– استني أنا جايه معاكي، عايزة أشوف حمزة وأعرف مجاش ليه.
ابتسمت “سُلاف” بتملق لتهتف :
– هستناكي تحت عشان الهوا.
وبرحت مكانها بالفعل حينما كان “صلاح” يوزع نظرات البغض والكراهية عليها، ثم نظر لابنته و :
– خليكي يا يسرا ونروح الصبح، مش لازم تروحي معاها.
لم تستمع إليه نهائيًا، وأصرت على الذهاب الآن، وقد شجعتها حماستها للقاء شقيقها وإخباره :
– لأ هروحله دلوقتي.
دلفت غرفتها وأحضرت معطفها، ثم ركضت للخارج محتفظة ببيان الطلاق الرسمي لمشاركة أخيها بالخبر السعيد، جاهلة بمستجدات الأمور الخطيرة التي وقعت، والتي ستغير كل الأوضاع مائة وثمانون درجة لغير صالحها.
****************************************
رفع “راغب” أسطوانة المشروب الغازي يتجرعها برشفاتٍ كبيرة، وهو يسير نحو الباب ليفتحه بعدما استمع لطرقات متتالية عليه. فتحه فرأى “حمزة” أمامه بتلك الهيئة المريبة والمقلقة، فـ دعاه للدخول وهو يقول :
– تعالى يا حمزة، تليفونك فصل شحن ولا إيه!.
دلق “حمزة” بخطوات مندفعة، وصفق الباب بقوة قبل أن يتهجم عليه هجومًا غاشمًا، بطح مقدمة رأسه برأسه أولًا، ثم لكمه لكمة سقط “راغب” أثرها أرضًا وأوقع المشروب خاصته ليتسرب على الأرضية كلها، لم يكاد “راغب” يستوعب ما يحدث حتى تفاجأ بـ “حمزة” ينحني عليه ويطبق على عنقه مكبلًا ياقته وهو يصيح في وجهه بصراخٍ هادر :
– ملقيتش غير أختي تلف عليها يا و ××، أنا اللي عملتك زي ضلي بتضربني في ضهري، ومع دمـــي يا ×××××.
أدرك “راغب” للتو إنه وقع وقعةٍ ذات نتائج كارثية فادحة، وبدأ يستوعب لتوهِ إنه خسر خسرانًا مُبينًا، بوصول معلومة گهذه له. تفادي “راغب” لكمة أخرى كاد يتلقاها على وجهه، ودفع “حمزة” دفعة ارتد على أثرها للخلف، فـ نهض “راغب” بتعرجٍ حتى استقام، وابتعد قليلًا للخلف وهو يكافح تلك الثورة التي عليها “حمزة” محاولًا تهدئته :
– أهدا يا حمزة، هفهمك كل حاجه؟
لقد جنّ جنونه، ووصل لمرحلة لم يسبق له وأن وصل إليها، لا سيما مع “راغب” :
– يـعني إيــه أهـدا!.. ملقيتش غـير أخـتي يا ×××××!.. أخــتـي المــتـجوزة يا و×××
– صـدقني انت فاهم غلط، أنا عمري ما خنتك، أنا ويسرا بنحب بعض من زمان من قبل حتى ما تتجوز.
اشتعل “حمزة” غضبًا أضعاف مضاعفة، وهو يسمع بأم أذنهِ حقيقة علاقتهم المحرمة من على لسانه، ودّ لو يشق الأرض نصفين ويدفنه بأسفلها حيًا. تناول المنفضة الكرستالية، وقذفه بها وهو يصرخ صراخًا مُدويًا :
– حُـــب إيـــه يا خـسيـس يا نــجــس!.. طب وانا، صــاحـــبـك!.. تضربني فـي ضــهري.
تلافى “راغب” ارتطام المنفضة به، وإلا لأصابته إصابة بليغة، وتحامل على نفسه مبتلعًا كل إهاناته وألفاظهِ النابية :
– أنا مستعد اعمل اللي تقولي عليه، لو عايزنا نكتب بعد العِدة أنا موافق.. أنا مقدرش استغنى عن يسرا يا حمزة.
هدر بصوتهِ عاليًا، وكأن كلمات “راغب” گالبنزين المسكوب على شرارات مشتعلة من النار :
– بـس أخــــــرس!!.. أنا أجوز أختي لـيك انت يا ××××.. انت فـاكـرني جـاي أداري على الفـضـيحة، متجيبش سيرة يسرا على لسانك الـ ××××××، ولو شوفتك في طريقها تاني قسمًا بالله لأستحلّ دمك وما هـسمّي علـيك حـتى.. من النهاردة تمشي من سكة وسكتك متلزمنيش.
ركل الطاولة بقدمهِ فـ سقطت أرضًا، ومضى مندفعًا نحو الباب يكاد الدخان يخرج من أذنيه، و “راغب” متصلبًا في مكانه مستصعبًا استيعاب ما حدث للتو، كل ما يعرفه إنه خسر خسارة فادحة بمعرفة “حمزة” عن علاقته مع “يسرا”، ولم تكن تلك علامة خير بتاتًا، خاصة في هذه الآونة التي كانت خيوط فاصلة بينهم وبين إنهاء كل الحسابات القديمة التي ما زالت مفتوحة.
*************************************
جلست “يسرا” في المطبخ بينما كانت “سُلاف” تُعد الرضاعة الخاصة بـ “زين”، فـ لمحت “سُلاف”في عينيها كل تلك السعادة المبتهجة لأول مرة، وجهها مُشرق وابتسامتها تتسع ما بين الأذن للأذن. كتمت “سُلاف” فضولها المتسائل حول علاقتهم، وسألتها بشكل غير مباشر عن نواياها للفترة المقبلة :
– ناويه تعملي إيه بعد ما خدتي حريتك؟.
ترددت “يسرا” حول مصارحتها من عدمها؛ ولكنها وجدت نفسها أمام همّ ثقيل يجب عليها أن تبوح به كي تخف حمولته عن كاهلها :
– عايزة اتكلم مع حمزة، عايزة أقوله عن علاقتي براغب وارتاح.. لما يعرف مني أهون كتير، بس لازم أشاور راغب الأول.
لم يكن في مخيلتها يومًا إنها ستعطي النصح لفرد من عائلة آل القرشي؛ لكنها على يقين بأن “يسرا” تختلف كثيرًا عن جميعهم، لذلك لم يطول ترددها وقدمت لها نصحها :
– أنا رأيي متقوليش دلوقتي، أقفي على رجلك الأول وعدي فترة العِدة وبعدها مهدي الموضوع، على الأقل ميعرفش إن كان في علاقة بينكم من الأول وإلا هتخسريه للأبد.
وضعت “سُلاف” الرضاعة الساخنة في الماء البارد كي تهدأ قليلًا، بينما حوارهم اللطيف ما زال مستمر :
– انتي شايفة كده؟؟
– أكيد طبعًا.
راقت لها تلك النصيحة، ورأت إنه ليس من الجيد إخبار “حمزة” بشئ گهذا وإلا قد تقوم قيامتها :
– خلاص هعمل كده.
ثم وضعت كفها على كفّ “سُلاف” وهي تشكرها بإمتنان شديد :
– بجد ميرسي ليكي يا سُلاف على كل حاجه، من أول دعمك ووقوفك جمبي عشان القضية بتاعتي لحد دلوقتي.
لم تكن “سُلاف” معتادة على ذلك النوع من التأثر العاطفي حيال أحد، أو الإنسياق خلف مشاعر الود لأحدهم، خاصة هي، إبنة عدوّها اللدود وشقيقة أكثر إنسان كرهته في حياتها. بادلتها “سُلاف” ذلك التودد بصدق نبع من داخلها، ومسحت بلطافة على يدها وهي تقول :
– على إيه مفيش حاجه، ده شغلي.
انسحبت “سُلاف” من أمامها مكتفية بتلك الجرعة من المشاعر الودية الدافئة قائلة :
– هأكل زين عشان معاد الدوا بتاعه وبعدين أجيلك نشوف هنطلب إيه للعشا.
– ماشي.
نظرت “يسرا” لهاتفها الذي نفذت بطاريته، ثم تأففت بتذمرٍ وهي تغمغم بـ :
– مش كنت جيبت الشاحن بتاعي بدل ماانا مش عارفه استخدم تليفوني كده!.. أوف.
****************************************
كان مساءًا ساحرًا بالنسبة إليها، شعرت بفارق كبير وشعور بالراحة يغمرها وهي مقبلة على خطوة گتلك ترددت من أجل تنفيذها كثيرًا؛ لكنها بالفعل قد فعلتها. وقفت “ميان” تودٍع والدها وسط لحظات مؤثرة، كي تصعد للطائرة التي ستحط على مطار أثينا الدولي باليونان، هروبًا من أرض مصر التي عانت فيها الكثير من الويلات، آخرهم كان اضطرارها للتعامل مع “حاتم” من أجل إنقاذ “يسرا” من تعسفهِ وقسوته المتجبرة الغير مبررة. ابتسمت “ميان” بإشراقة وهي تترك حُضن والدها وقالت بليونة :
– أكيد يا حببتي، خلي بالك من نفسك.
– أكيد.
سارت في طريقها حتى عبرت البوابة المؤدية للأرض الفسيحة، وما أن أصبح بينها وبين الطائرة أمتار عديدة حتى استشعرت وكأن قلبها يُرفرف عاليًا ويسبقها لهناك. صعدت السُلم متهادية حتى وصلت لنهايته، ومن الأعلى التفتت برأسها التفاته كي تشمل المنظر كله بنظرة واحدة، وزعت عيناها يمينًا ويسارًا وفي نظراتها شوقٍ تواريه، ثم ابتسمت قبل أن تُدير ظهرها لأرض الوطن وتدخل للطائرة مباشرة، مودّعة كافة ذكرياتها وتاركة كل شئ خلف ظهرها لتبدأ بداية جديدة كُليًا، بعيدًا عن كل شئ كان من وسعهِ مضايقتها وإزعاجها والضغط عليها عصبيًا ونفسيًا، مستبشرة ببداية ستكون فاصلة في حياتها التي لم تزّهر بعد.
***************************************
تأكدت من كونه نائمًا مستغرقًا في الأحلام، بعدما شبع تمامًا، فـ تركته برفقة “أم علي” وسحبت هاتفها من أجل النزول لـ “يسرا”. رنّ هاتفها برقم “راغب”، فـ عادت إدراجها من عند الباب لكي تجيب على مكالمته بسرية تامة، وقد اعتراها الذهول القلق كونه اتصل بها في وقت گهذا وبدون إتفاق مُسبق، لذلك كان عليها الإنتهاء من أمر التحدث إليه في عُجالة. أجابت عليه بصوتها الخافت، فـ تفاجئت بصياحهِ الذي آلم أذنيها ليخبرها بوصول “حمزة” لحقيقة العلاقة التي تجمع بينه وبين “يسرا”، متهمًا إياها بالتسبب في ذلك، وق تكون هي السبب في ذلك أيضًا، أو إنها أخبرته بالحقيقة كاملة لإنهاء أي أمل له قد يجمع بينهما. تلقت “سُلاف” صدمة كلماته ببعض الصمت، ثم هاجت فيه بصياح مدافع عن نفسها :
– أنا معرفش أي حاجه عن اللي انت بتقولها دي خالص، مستحيل أضحي بيك ياراغب مستحيل.
صوت بوق السيارة جعلها تنتفض في مكانها، وركضت نحو الشرفة لتنظر من خلف الستار، فرأت “حمزة” يترك سيارتهِ ويهمّ بالدخول للمنزل، ازدردت ريقها، وبدأت أطرافها تتجمد مرتعبة من المواجهة المحتومة التي ستقابلها، وسرعان ما أوفضت راكضة للخارج بعدما فصلت هاتفها كليًا، علّها تنقذ ما تـستطيع إنـقاذه…
 رواية اغصان الزيتون الفصل السادس و الستون 66 -  بقلم ياسمين عادل
nada eid

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent