Ads by Google X

رواية اغصان الزيتون الفصل الرابع و الخمسون 54 - بقلم ياسمين عادل

الصفحة الرئيسية

   رواية اغصان الزيتون كاملة بقلم ياسمين عادل عبر مدونة دليل الروايات 


 رواية اغصان الزيتون الفصل الرابع و الخمسون 54

“أحيانًا تُسفر الحروب عن ضحايا أبرياء، ولكل حرب خسائرها الفادحة.”
_____________________________________
احتاج الأمر منه بعض الوقت لكي يستطيع استيعابهِ، وبالرغم من قراءة عقد الشراكة القديم عدة مرات متتالية، إلا إنه لم يفهم المغزى وراء احتفاظ “صلاح” بذلك العقد بين أوراقهِ المهمة حتى الآن، وقد مرّ عليه أكثر من سبعة وعشرون عامًا. لم يجد في العقد شيئًا قد يصل به إلى أصول القصة الحقيقية؛ لكنه أيقن من حقيقة المعلومات التي أتى بها “زيدان”، والتي أكدّ خلالها عن العلاقة القديمة بين والده وبين والد “سُلاف”. طوى “حمزة” صفحات العقد ودفن الملف بالكامل بداخل ملابسهِ الفضفاضة وأغلق السحاب جيدًا، تقدم بخطواتهِ نحو الباب ليغادر، منتسيًا أمر هاتفه الذي تركه جانبًا، وفجأة نفض رأسهِ وعاد ليأخذه، فـ استمع لصوت “زيدان” مازال على الهاتف ويناديهِ :
– يا باشا روحت مني فين؟؟.. ألـو….
– أيوة معاك، أنا عايزك تسيب اللي بتعمله خالص وتفضي نفسك لحاجه تانية.. إحنا لو فضلنا ندور عليها من هنا للسنة الجاية مش هنلاقيها.. وهي مش هترجع غير لما تسترد سُلاف من تاني، خلينا نستفيد بالوقت ده لصالحنا.
رغم قِصر المدة التي قضاها معها، رغم قلة المواقف التي تجمع بينهم، إلا إنه فهم بعضًا من طباعها وطريقة تفكيرها، وإن كانت تُباغته كثيرًا من المرات بتصرفاتٍ وردود أفعال غير متوقعة بالمرة، لكنه مازال في مرحلة دراستها دراسة دقيقة. فَطِن إنها أرادت الإختفاء ريثما تستعيد كامل صحتها، حتى تقف من جديد من أمامه وبشكلٍ أعتى من ذي قبل، رافضة أن تبدو أمامه ضعيفة ومُستنزفة، خاصة بعد أن ظفرت بحقها منه في نفس اللحظة، بدون أن تترك ثأرها يومًا واحد.
**************************************
خرجت من غرفتها إلى الشرفة، من أجل استنشاق بعض الهواء النقيّ الذي سيفيد حالتها. وضعت ذراعها بداخل كيس أزرق طبي داعم من أجل التخفيف عن كتفها ولكي لا تؤذي جرحها دون قصدٍ، وجلست بمفردها تستطلع بعض الأخبار ورؤوس وعناوين الأحداث عبر المواقع الإخبارية، عن طريق جهاز (تابلت) كبير. تركت الجهاز ومدّا يدها لتضع شرائح الليمون بداخل كأس الماء، ثم أضافت إليه أعواد النعناع الطازج قبل أن تسحب الكأس للشرب منه، نظرت للفراغ، فـ عاد ذهنها يفكر بتلك الليلة المشؤومة التي كادت تفقد حياتها أثرها، ومع استرجاع تلك المشاهد ضربت رأسها وخزة مفاجئة، صاحبها رؤية مشهد غير مألوف على عيناها، كأنها شعرت بنفسها محمولة بين أيادي غريبة، وبين غفواتها لمحت وجهًا گوجهه على جسدٍ يحملها. فركت ناصية رأسها وهي تستبعد مشهدٍ گهذا عن رأسها، متيقنة من إنه كان مصابًا مثلها على الأقل، وأن كل ما رأته الآن وحين الحادث كان هذيان رأسها المُبعثر والمتأثر بالحادث الذي تعرضت له. تركت “سُلاف” كأس الماء ونهضت عن جلستها لتدخل، منتوية إجراء مكالمة هامة تحتاج للقيام بها، سحبت هاتفها وجلست برفقٍ، كتمت آهه موجوعة وهي تضع الهاتف على أذنها و :
– أيوة يا نضال.. أنا عايزة أعرف حصل إيه وانا في المستشفى وإزاي وصلتلنا!.. أحكيلي كل حاجه.
***************************************
كان حريصًا كل الحرص، على أن لا تطول المياه موضع جرحهِ، فـ لامس بالماء وجههِ وذراعيه وخرج من دورة المياه، جفف ذراعيهِ برفق ليلحظ بوضوح بقعة الدماء الظاهرة على غطاء جرحهِ، نظر لإنعكاسهِ في المرآه وهو يتأفف متذمرًا، وقذف بالمنشفة بعيدًا بعدما بدأت نوبة انفعالهِ تبزغ، وبحث في الأدراج بعشوائية شديدة عن أي أدوات مُسعفة تساهم في تنظيف جرحه، غير مدركًا إنه يبحث في المكان الخاطئ، فـ غرفتهِ لم تحوي يومًا أيًا من أدوات الإسعافات الأولية!؛ ومع ذلك كان يبحث بإستماتة وكأنه سيجد شيئًا ما، حتى ضجر في الأخير بعدما بعثر كل شئ من حوله وأصبح الوضع فوضوي أكثر من اللازم. نفخ بإنزعاجٍ وقد أرهقهُ ذلك المجهود الخفيف الذي بذله، فـ جلس على طرف الفراش في محاولة لإخماد الوجع الذي بدأ ينشب في بطنهِ كلها، فـ تذكّر كلماتها بإنه لن ينساها أبدًا، وإنها تركت له ما سيجعله يتذكرها دائمًا، وهذا ما حدث بالفعل. أصرف “حمزة” عيناه عن جرحهِ، والتفتت عيناه لتلتقط ذلك الإطار الذي أهدتهُ إياه شقيقتهِ، حيث صورتهِ وهو طفل صغير وصورة طفلهِ الذي لا يعلم حتى مكانه. تحامل “حمزة” على نفسه ونهض ليبحث عن هاتفه، وحاول مجددًا الوصول إلى “راغب” بعدما انقطعت سُبل الوصول إليه؛ لكن الأمر باء بالفشل من جديد، فـ استعان بمحاولة الوصول إلى “نضال” علّه يعلم من الأمر شيئًا.
– أيوة يا نضال، راغب قافل تليفونه ومش عارف اوصله!.. هو الوحيد اللي وصل لـ حاتم يا نضال!.. أنا مش فاهم إزاي يختفي في وقت زي ده!.
بادر “نضال” بمحاولات التخفيف من عصبيته، مؤكدًا له سعيه وراء “راغب” :
– أنا هحاول اوصله متقلقش.. أكيد تليفونه فصل ومعرفش يتصرف وهو في الطريق.
تحسس “حمزة” جرحهِ وقد أحس بـ بداية نزيف سيتفشّى من بدنهِ بأي وقت :
– طب شوفلي دكتور، الجرح بيجيب دم وحاسس إني لو فتحته بنفسي مش هقدر أسيطر عليه!.
– حاضر متقلقش، حالًا هكلم الدكتور يبعتلك حد يغيرلك على الجرح، بس انت ارتاح.. سلام.
أغلق الهاتف وعيناه تلقائيًا مرتكزة على “سُلاف” الجالسة أمامه، منتظرًا تعقيبها على تلك المكالمة، لكنّ صمتها المريب دفعه لعدم الإنتظار، وسألها مباشرة :
– ساكته ليه يا سُلاف.
نهضت “سُلاف” عن مكانها وهي تهتف بـ شئ من الإمتعاض :
– راغب مش هيرتاح غير لما كلنا نتكشف مرة واحدة، مش فاهمه إيه اللي جراله يا نضال، إزاي يرمي نفسه في وضع زي ده!.
خمّن “نضال” احتمالية صدق العلاقة القائمة بين “راغب” و “يسرا”، وإنه بالفعل سقط صريع الحُب، وباتت السيطرة عليه شبه مستحيلة :
– راغب حبها يا سُلاف، انتي مشوفتيش كان عامل إزاي النهاردة!.
رفضت “سُلاف” ذلك المبرر رفضًا قاطعًا، متيقنة من حقيقة شعور ابن عمها الوحيد :
– لأ يا نضال، راغب مش عايز يضيع على نفسه فرصة عظيمة زي دي.. يسرا جت على طبق من ذهب قدامه، وهو مش متعود على الخسارة، يعني لا حب ولا غيره.
تنهد “نضال” غير مقتنعًا بهذا الإحتمال الضعيف، لا سيما إنه أطلع بنفسه على حالة “راغب” المستعصية اليوم، ومع ذلك تجاهل فكرة المجادلة معها الآن، وأنهى التحدث عن ذلك الأمر هنا قبل أن يتفاقم :
-أنا هروح أكلم الدكتور عشان يبعت حد لحمزة.
لحظتين من إطالة النظر إليها، ثم هتف بلهجة مستنكرة :
– أنا مش مصدق لحد دلوقتي إنك طعنتي حمزة بأيدك!!.
سحبها من جديد لدوامة استذكار كل ما حدث، كأنه واقعًا تحياه من جديد، لتشعر مجددًا وكأنها ما زالت ممسكة بالسكين من يديها…
—عودة بالوقت للسابق—
وقعت “سُلاف” أرضًا، بعدما ضربت رصاصتهِ عظمها واستقرت هناك. شعرت بخدرٍ مُقشعر يسري في أوصالها، وهي ترى “حمزة” يركض من أمامها نحو السيارة التي استقلها “راغب” للهرب بها. تآوهت بصوت مكتوم وهي تحارب وجع قاسي مميت يُقطّع فيها، وبأطراف يدها كانت تسحب السكين المُخبأ بظهرها وفتحتها استعدادًا لصدّ أي هجوم عنها، تشوشت رؤيتها ومع ذلك كانت آذانها تلتقط صوته المنادي عن بُعد، والذي اقترب رويدًا رويدًا حتى وصل إليها، ثم استشعرت يداه اللاتي كانت تحملنها عن الأرض، فـ تأهبت كل حواسها، واستخدمت كل طاقتها من أجل تسديد تلك الطعنة وهي تنظر مباشرة لعينيهِ الجاحظتين، لينتهي بالنسبة لها كل شئ، وتترك حواسها لبوادر فقد وعيها بالكامل و….
—عودة للوقت الحالي—
قبضت “سُلاف” على أصابع يدها اليُمنى، تلك التي ثأرت لها وطعنت إنسان لأول مرة في حياتها. نظرت لأصابعها الرفيعة أصبعًا أصبعًا، ثم تسلطت عيناها على الفراغ الذي تركه “نضال” أمامها، وكلماته تتردد على مسامعها، هي أيضًا لا تصدق إنها فعلتها، ولكنها أجبرت على ذلك، كي لا تكون لُقمةٍ سائغة في حلقهِ، أو يكرر استهانتهِ بها من جديد.
***************************************
كان متعمدًا إغلاق هاتفهِ وقطع كافة سُبل الوصول إليه، من أجل التفرغ لمراقبة “حاتم” مراقبة دقيقة بدون ترك شائبة واحدة خلفهِ. تجول “حاتم” في العديد من الأماكن بدون الثبوت في مكانٍ واحد، وأغلبهم أماكن عامة يستحيل أن يلجأ لأحدهم من أجل إخفاء زوجتهِ هناك، وفي نهاية المسار كانت وجهتهِ لأحد المساكن الراقية والتابعة لإقامة السفير المصري بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي يستحيل السماح له بالمرور من جوارها حتى، وهنا كانت المعضلة الحقيقية. اضطر “راغب” للمضي في طريقه وكأنه لم يكن يراقبه بتاتًا، وقد ذهب كل مجهودهِ سرابًا، في هذه اللحظة فقط أدرك “راغب” أنه ليس بصاحب سلطة أو كنية تسمح له بالتدخل في الأمر، وإنه عاجزًا عن التصدي له بحكم صفته، فـ استسلم أخيرًا لضرورة الرجوع إلى “حمزة”، الوحيد الذي سيستطيع استرداد “يسرا” دون شائبة شك واحدة، والوحيد الذي سيتصدى لـ “حاتم” وإن كلفهُ ذلك دمـًا…
***************************************
أخيرًا خيط من الضوء الرفيع وسط هذه العتمة الكاحلة، انفتح الباب ومن بعدها ضغط “حاتم” على زرّ الإضاءة، ثم نظر إليها وهي متكومة على الفراش بشماتةٍ مسرورة، وأردف بـ :
– واحد غيري كان سابك تموتي هنا من غير حس ولا خبر، خصوصًا بعد ما أهلك كبروا دماغهم وما صدقوا ارتاحوا منك.
لم يجد منها رد أو استجابة، حتى عيناها لم تنفتح أو تنظر إليه، فـ تابع هو بصوتٍ أجش حازم :
– عمومًا متقلقيش، كلها أيام ونرجع أمريكا تاني، وساعتها هركز أوي إزاي أخليكي متفكريش تهربي من حاتم مرة تانية.
قطب جبينه وعيناه تتحرى الدقة في النظر إليها، ثم دنى منها ليتأكد من صدق شعورهِ بإنها ليست على ما يُرام، فـ رفع وجهها إليه ليرى بنفسه شحوب بشرتها وأنفاسها التي تكاد تكون منقطعة، فـ أسرع بـ حلّ قيودها وفكّ وثاقها، إلا أن الأمر قد استغرق منه بعض الوقت حتى استطاع أن يضع أصبعهِ على نبضها يستكشفه، فوجدهُ ضعيفًا يكاد يكون معدوم، فـ نفرت عروقهِ وانتقلت ملامحه لطور الفزع المذعور و…..
***************************************
 رواية اغصان الزيتون الفصل الرابع و الخمسون 54 - بقلم ياسمين عادل
nada eid

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent