رواية اغصان الزيتون الفصل الواحد و الخمسون 51 - بقلم ياسمين عادل

الصفحة الرئيسية

   رواية اغصان الزيتون كاملة بقلم ياسمين عادل عبر مدونة دليل الروايات 


 رواية اغصان الزيتون الفصل الواحد و الخمسون 51

“عينين تفتكان بِك، وسلاحهما دمعة وقفت على شفاهٍ واستقرت هناك.”
____________________________________
كل دقيقة تمر عليه وهو بعيدًا عنها كأنها تنسحب من روحهِ، وكل ثانية يخسرها قبيل الوصول لإنقاذها تحرق من فؤادهِ الملتاع خوفًا. قطع “نضال” شوط كبير من الطريق حتى وصل إليهم، مصطحبًا معه أثنين من أمهر أطباء الجراحة العامة بأحد أكبر المشافي الخاصة في مصر، لتقييم حالة كلا منهما وتسهيل المخطط الذي أعدّ له – مسبقًا -. وصول “نضال” برفقة الأطباء كان گالأكسچين الذي دخل لصدر لـ “زيدان” فـ أراحه، أحس وكأنه تنفس في هذه اللحظة، بعد معاناة طويلة مع أحساسهِ بالذنب والتقصير. لم يقوَ “نضال” السيطرة على نفسهِ، وإذا به يندفع مع الطبيب لداخل الغرفة، من أجل الإطمئنان عليها أولًا قبيل أن يرى بنفسهِ حالة “حمزة”، حيث ترك الطبيب برفقتهِ يعاينه و أتبع قلبهِ المتلهف لرؤيتها مهما كلفته المغامرة من ثمنٍ قد يكون ثقيل. عيناه تخونه حرفيًا، يكاد يتناثر من بين جفونهِ شلال من الدموع المنهمرة، والتي يكبحها بصعوبة جمّ ثقيلة، ربط على قلبهِ بحجرٍ لئلا يُظهر ضعفًا قد يهدّ سنواتٍ طويلة مضت في السعي والحذر، وتآكل فضولهِ القلِق خلال اللحظات التي كان يفحص فيها الطبيب جرحها، حتى رآه ينتصب واقفًا، فـ همّ بسؤالهِ المتلهف :
– ها يا دكتور؟
فكان جوابهِ موجزًا يحمل لمحة من التعجل :
– زي ما توقعت، لازم ننقلها على المستشفى مينفعش نحل الموضوع هنا.
كاد الطبيب يتحرك للخارج لولا أن “نضال” استوقفه متسائلًا :
– يعني هنعمل إيه دلوقتي؟؟.
– هروح أشوف المصاب اللي برا وأكلم المستشفى عشان يجهزوا العمليات فورًا مفيش وقت، زمان الإسعاف بتاعنا في الطريق.. متقلقش أبدًا، إن شاء الله هنلحق الوضع.
خرج الطبيب مهرولًا، فـ انطلقت تعابير “نضال” الجياشة لتفيض على صفحة وجههِ المكتئب الحزين، ترددت يداه ما بين الرغبة الجامحة في لمس برودتها المخيفة، وبين التحامل على نفسهِ حتى الرمق الأخير، لكي يُنفذ رغبتها التي قاتلت من أجلها بـ ألا ينكشف أمرهم. أطبق جفنيهِ معتصرًا إياهم، وعضلات وجههِ ترتجف من فرط الشدّ العضلي المنفعل، متخيلًا شكل الواقعة التي أدت بها إلى هذا المطاف، من المؤكد أن ثمة معركة دارت بينهما حتى وصل الأمر إلى إصابة كلاهما!؛ ولكن اللغز الحقيقي هو وصولهم إلى هنا، وهذا الغريب التي تواصل معه طوال طريقهِ إليهم، وهذا ما أجبره على مغادرة الغرفة لإلقاء نظرة خاطفة على هذا الغريب.
كان “زيدان” متابعًا بدقة فحص الطبيب لـ “حمزة”، حينما سأله “نضال” بجدية حازمة :
– انت مين وفتحت password التليفون إزاي؟؟.
بدون أن ينظر “زيدان” حيالهِ أو يوليه اهتمامًا، كان يجيبه بشئ من الفتور :
– الباشا هو اللي فتح التليفون وطلب رقمك، وأنا كلمتك بتعليمات منه.
قطب” نضال” جبينهِ بإستغراب شديد، مندهشًا من وجود شخصية گتلك بجوار “حمزة” دون أن يعلم عنه شيئًا :
– تعليمات!.. انت تعرف حمزة منين عشان يديك تعليمات؟.
تفاخر “زيدان” وهو ينظر صوبهِ قائلًا :
– اعتبرني دراعه اليمين يا هندسة!.. في حاجه تانية هتسأل عليها ولا الامتحان خلص!؟.
صعدت تعابير التجهم على وجهه مكررًا ذلك النعت المقلق – بالنسبة له – :
– دراعه اليمين!!.
ثم شمله بنظرةٍ جاب بها أعلاه وأسفله متابعًا :
– وده إزاي ومن أمتى!.. حمزة عمره ما كلمني عنك!.
قاطع الطبيب حوارهم وهو يسحب “نضال” لطرفهِ و :
– لو سمحت يا أستاذ نضال.
وانزوى به جانبًا ليتابع :
– الإسعاف جت تحت وجاهزين ننقلهم.
فـ همس له “نضال” بصوت خافت للغاية :
– أنا محتاج منك تركز أوي في اللي اتفقنا عليه.
ضغط الطبيب على رسغهِ وهو يؤكد له تفهمهِ للإتفاق الدائر بينهم :
– متخافش، نطمن على العملية وبعدها هنعمل اللي اتفقنا عليه.
خلال لحظات كان الجرس يُقرع، فـ توتر “زيدان” وهو يسأل مرتابًا :
– احنا مستنين حد؟؟.
فأجاب “نضال” وهو ينتقل نحو الباب ليفتحه :
– الإسعاف.
فتح الباب ليندفع المسعفين حاملين الأسِرّة النقالة، فأشار “نضال” لأولهم وهو يردف بـ :
– تعالى معايا.
ودلف للداخل وهم من خلفهِ لنقل “سُلاف”، حينما هرع “زيدان” من خلفهم ولحق بـ “نضال” تحديدًا ليحذره :
– الباشا قالي مش عايز مستشفيات وقال إنك هتعرف تتصرف.
كانت ابتسامة صفراء لزجة، تلك التي بزغت على محيا “نضال” وهو يهتف مضجرًا :
– ده شغلي أنا يا أخينا.. لو انت دراعه فـ أنا ضله، وأول ما اتصل على حد كان أنا، يعني تهدى انت على جمب وتسيبني اتصرف.
عضّ “زيدان” على شفتهِ السفلى وهو يمتص الغضب الذي تفشّى في أوصاله، بعدما ذهب كل مجهودهِ المضنى سدى، وأتى من سيحلّ الأزمة ببطولية مزيفة، بينما هو الذي أشقى حاله من أجل الوصول بهم إلى هنا. راقب “زيدان” خروج كلاهما على الأسِرّة يحملهم المسعفين، وما أن خرج “نضال” حتى تبعهم بصمتٍ تام منتويًا الذهاب من خلفهم بشكل أكثر خفية، كأنه استشعر بحواسهِ الشفافة أن ذلك الـ “نضال” سيعرقل تواجده معهم، وبالفعل استوقفه “نضال” بالأسفل و :
– أنا هروح معاهم وانت استنى مني تليفون.. ماشي؟.
تخشّن صوتهِ وانتقلت ملامحه لتعابير أكثر حزمًا :
– لأ معلش أنا مش هفوت الباشا لوحده حتى لو انت معاه.. أنا اللي جيبته هنا وانا اللي كنت معاه لما جرى اللي جرى، يعني بالعربي كده شوف شغلك ومتشغلش بالك بيا يا عسل.
تركه “زيدان” واقفًا هكذا وعاد للخلف من أجل الإستعداد للذهاب من خلفهم بسيارة “حمزة” التي مازالت في عهدتهِ، بينما كان “نضال” في أوّج مراحل العصبية، وقد بلغ من الغضب أقصاه، بعدما تعرقل طريقهِ بذلك البربري الذي أحس وإنه ليس من هنا، حتى لكنتهِ المصرية بها شئ من الغرابة. اضطر “نضال” ألا يضيّع مزيد من الوقت هدرًا، واستقل سيارته من أجل اللحاق بسيارات الإسعاف التي بدأت بالفعل تتحرك للخروج من هذه الحارات الشعبية الضيقة، ساعيًا لإنقاذ الموقف، أو الأحرى إنقاذ “سُـلاف”.
**************************************
بمن تستغيث!.
الآن أصبحت وحيدة في مواجهتهِ، ومكبّلة بحزام الخِصر گالأسرى المقيدين، فشلت حتى في التحدث معه أو طلب الرحمة لنفسها، بعد أن أبرحها ضربًا عنيفًا، ولم تصدق أبدًا إنها هي من تتعرض لمثل هذه المهانة والمذلّة، أثر طلبها التطليق والإنفصال عنه. ظهر جانبهِ الغبيّ مع كل ضربة كان يوجهها إليها، وهي ضعيفة مصدومة، عاجزة عن صدّ الأذى الذي تتعرض له. انسابت دموعها الحارقة على وجنتيها وهي متكومة على الفراش، والظلام من حولها يُرجف بدنها أكثر وأكثر، حيث أغلق عليها الغرفة وأسدل الستائر المضادة للإضاءة لمنع تسريب ضوء واحد لها، وهو على علم تام بمآساتها وعقدتها المرتاعة من الظلام، گمن وجد عقاب مناسب يوجع به روحها أكثر وأكثر، غير مكتفيًا بالآلام الجسدية التي سببها لها نتاج عنفهِ الغاشم. حاولت “يسرا” فك وثاق يداها المقيدة خلف ظهرها، أن تنسل يدًا واحدة منهن على الأقل؛ لكنها كانت عُقدة محكمة الغلق، وحتى قدماها قُيدت بإحكام فـ أصبحت حركتها ثقيلة وغاية في الصعوبة. اجهشت بالبكاء المرير وهي تستعيد أمام عينيها تلك اللحظات العسيرة، وكيف ستتخلص من ذلك الوضع المهين الذي وقعت ضحيتهِ؟حتى أسرتها – وشقيقها تحديدًا – كيف سيصلون إليها!؟. كيف ستنجو من وكرهِ وتصبح حرة من جديد؟.
**************************************
لم يكن على قدرٍ كافي من القلق كما توقعت “ليلى”، ظنّت أن والدها سيُقيم الدنيا ولن يُقعدها إلا وابنته – المختطفة – بين أحضانهِ؛ لكن الواقع الصادم كان مُغايرًا لتوقعاتها تمامًا. تطلعت “ليلى” بذهول لـ “صلاح” الراكز الهادئ بعدما أخبرته بما حدث، حينما كان يسألها هو بفتورٍ وسكون :
– وبعد ما شالها ونيمها في عربيته!.. إيه اللي حصل تاني يا ليلى؟.
مسحت “ليلى” شفتيها بلسانها، وقد جفّ حلقها وبرد جسدها الهزيل أمام تيار الهواء البارد الذي تسلط عليها من مُكيف الهواء، وترددت قليلًا في متابعة الحوار معه أو إنهائهِ نهائيًا، في الأخير قررت أن تنهض عن جلستها تلك التي سببت لها ارتعادة في سائر بدنها، وأنهت حديثها الغير مُجدي قائلة :
– بس كده يا أونكل، أنا حكيت كل اللي شوفته.
لاحظ “صلاح” عليها ذلك التغيير الجذري، فـ أراد بدورهِ أن يدفع بها بعيدًا عن مجريات الأمر لئلا تتدخل بأي شكل آخر، محاولًا إقناعها بإنه على علم مُسبق بما حدث وراضيًا تمام الرضا عنه :
– عمومًا يا بنتي حاتم كان معرفني إنه هيقعد مع يسرا عشان يتكلم معاها ويراضيها، مش عايزك تقلقي خالص على صحبتك.. هو بس لقاها تعبت فـ أخدها معاه.
أومأت “ليلى” رأسها بغير اقتناع، ومع ذلك أرادت ألا تُقحم رأسها في مثل تلك المشاكل العائلية :
– ماشي ياأونكل اللي تشوفه.. عن أذنك.
– استني يا بنتي.
استوقفها “صلاح” ونهض من خلف مكتبه، ثم سار نحوها ببطء وهو يسأل :
– انتي جيبتي رقم تليفوني منين؟.
– تواصلت على أرقام المكتب بتاع حضرتك وحد منهم أداني الرقم.. وبعدها جيت على هنا زي ما حضرتك قولتلي.
صعدت ابتسامة متكلفة على محياه، وهو ينهي لقاءهِ معها :
– ماشي يا ليلى، شرفتينا يا بنتي.
هزت رأسها بتفهمٍ، وخرجت بشئ من العجلة وبدون حتى أن تنظر حيال “أسما” أو تُعيرها اهتمامًا، گمن تريد الفرار من هنا قبيل أن تكون فريسة هي الأخرى، وما أن عبرت بوابة المنزل حتى تنفست الصعداء، وضاعفت من سرعتها لتجاوز المنطقة كلها وهي تغمغم بـ :
– أبوها مش طبيعي أبدًا، أبدًا!!.. الحمد لله إني خرجت من هناك.
—جانب آخر—
كان الأمر مسترعيًا الريبة بالنسبة لـ “أسما”، والتي اختلف منظور الأمر من جهتها، عقب أن رأت بنفسها من قبل وجهًا آخر لـ “حاتم” لك تكن تتوقعه، فـ باتت أكثر قلقًا على مصير ابنتها المجهول. اعترضت “أسما” على هذا البرود في التصرف، ولجوء “صلاح” للإستسلام فيما يخص ابنته، في حين أن المعلومة التي بين أيديهم قد أفادت بـ وجود خطر حقيقي ينتظرها، وظهر ذلك في حدة صوتها ونبرتها الحازمة وهي تقول :
– لأ يا صلاح، لازم تتصل بحاتم دلوقتي وتشوف خد البنت فين!.
أبعد “صلاح” الهاتف عن أذنهِ بعدما فشل في التواصل مع “حمزة”، وأردف غير مهتمًا :
– مش ده اللي كنا عايزينه ياأسما؟.. إن البت ترجع لجوزها ونخلص من مشكلتهم!.
استهجنت “أسما” وصفهِ البرئ مقارنة بالفعل الأصلي الذي قام به “حاتم” :
– البنت اتخطفت يا صلاح!.. يعني مرجعتش لجوزها ولا حاجه.
تأفف “صلاح” منزعجًا من عدم وصوله لـ “حمزة”، وأعاد محاولاتهِ مرارًا وتكرارًا علّه يستطيع التحدث إليه :
– مش وقته خالص!.. حمزة تليفونه مقفول ومش عارف أوصله!.
أدى تجاهله لها لـ انفعالٍ شديد فاجئه منها، حتى أن عيناه قد تسلطت عليها مشدوهًا بصوتها الصارخ :
– أنا بــكلـمـك رد عــليـا يا صـلاح!.
وبعصبية مفرطة كانت تنتزع الهاتف من بين يدهِ وتقذف به بعيدًا وهي تصيح :
– هاتـلي بنتـي يا صـلاح، ســمعـتنـي.. أنا عايـزة يـسرا دلـوقـتي.
التفتت لتبرح غرفة مكتبه بالكامل، وخطواتها تصارع أنفاسها اللاهثة، وكأن حدسها الأمومي قد أنبأها بوقوع أمرٍ لها، ثمة شعور صادق ينبض في روحها يدفعها للبحث عن ابنتها بنفسها، وإلا ستكون العواقب وخيمة وغير محتملة.
**************************************
كان الإنتظار گالشُعلة المُضرمة بين أضلعهِ؛ لكنه مضطر من أجل تجاوز هذه الكارثة التي حلّت على رأسهم. تجاهل “نضال” الرد على جميع المكالمات، واكتفى بإرسال رسالة نصية فسّر فيها وضعهِ ووضع “سُلاف” ثم وضع الهاتف على وضعية الصامت. نهض عن جلستهِ وعيناه گالمطرقة التي تقرع على باب غرفة العمليات، حتى خرج الطبيب منه فـ هرول إليه متعجلًا ليسأل :
– ها؟؟ طمني.
– الوضع حاليًا مستقر، الاتنين فقدوا دمّ كتير قبل ما نوصل بيهم لهنا وخصوصًا هي.. عشان كده هنحتاج يفضلوا تحت الملاحظة الدقيقة وبعدين نقرر خطة العلاج.
نظر الطبيب من حوله قبل أن يُخفض صوتهِ قائلًا :
– طبعًا انت عارف قيمة المخاطرة اللي قمنا بيها إيه؟.. دخول مصابين وفتح أوضة العمليات من غير تسجيل دخول ومن ورا إدارة المستشفى ممكن يعرضنا لخطر عظيم.
ربت “نضال” على كتفهِ مُقدرًا جهدهِ و :
– متقلقش يا دكتور.. ده انت رئيس قسم الجراحة كله وتقدر تدبر الدنيا بمعرفتك.. وكله بحسابه، بس في حاجه كمان.
قطب الطبيب جبينه مستفهمًا و :
– إيه؟..
كان قلقًا حول ما سيطلبه منه؛ ولكن الضرورة القصوى قد حكمت بذلك :
– أنا عايز أخرج سُلاف من هنا قبل ما حمزة يفوق، من غير لا حسّ ولا خبر.
لمح الطبيب ظل ذلك الرجل الغريب، فـ نظر حيالهِ قبل أن يردف بـ :
– طب والأفندي ده!.
التفت “نضال” ينظر خلفه، ليرى عن بُعد “زيدان” مرابطًا أمام الردهه، وبعينيّن گالقناصة كان يراقب كل شئ عن كثب، گمن عُيّن بديلًا عن “حمزة”، يرى بدلًا عنه، ويتواجد ليحلّ محله. أبعد “نضال” عيناه عنه و غمغم بـ :
– ده عاملي زي الأتب!.. شكلها مش هتكون سهلة!.
***************************************
كان نصف واعيًا، مستشعرًا كل ما يحيط به، وعقلهِ لم ينم أبدًا، گأنه يراها في خيالهِ، ويرى دفاعها المستميت ومحاولاتها القاتلة لئلا تكشف ذلك الرجل الذي كانت برفقتهِ. فتح “حمزة” عيناه، فـ خُيّل له إنه يراها سابحة في دمائها، بعدما أصابها برصاصة لم تكن متوجهة إليها، أحس بوخزةٍ في كف يدهِ اليمنى، وكأنه ضغط على الزناد توًا، فـ اتشع شعور الذنب في نفسهِ اللوامة، التي أرقتهُ على أول مرة يُفرط فيها بروح، أول مرة يطلق فيها الرصاص ويُصيب الهدف – وإن كان هدفًا خاطئ -. انفتح الباب ودلف الممرض إليه، نظر نحوه وهو يردف بـ :
– حمدالله على السلامة.
كان صوتهِ ضعيفًا وهو يسأل :
– الساعة كام؟؟.
نظر الممرض في ساعة يدهِ قبل أن يجيب :
– سبعة وتلت الصبح، تحب افتحلك الستارة عشان الشمس تدخلك؟
– لأ.
جهزّ الممرض أبرة طبية وبدأ يضخها في المحلول المعلق والموصول بأوردتهِ، فـ سأله “حمزة” :
– كان في معايا واحدة آ… عاملة إيه؟.
نزع الممرض الأبرة فارغة، ثم أجابه بشفافية :
– في الرعاية المركزة.
انقبض قلبهِ وضاقت عليه أنفاسهِ، حتى إنه اعتدل من نومتهِ ليشعر بالألم فجأة فـ صرخ :
– آآه.
ثبتهُ الممرض في مكانه وهو يحذره :
– أهدا ياأستاذ انت لسه خارج من العمليات من ساعة.
لم يكترث “حمزة” لكل ذلك، وبدأت أنفاسهِ تضطرب وهو يسأل باهتمام شديد :
– ليه مش في أوضة عادية زيي!!.. ليه في الرعاية؟.. هي حصلها حاجه؟.
ضغط الممرض على كتفه حتى أعاده إدراجه، ثم أجابه بهدوء :
– لأ هي كويسة متقلقش، بس حالتها غيرك، ضغط الدم مكنش منتظم والدكتور احتاج يطمن عليها أكتر، بس كده.. أهدا ولو في حاجه صدقني هقولك.
جمع الممرض أدواتهِ وأطلّ عليه بنظرة أخيرة، قبل أن ينسحب للخروج من هنا، بينما هو على نفس وضعيتهِ، لم يخمد قلقهِ أو يقل، أراد أن يُخرس ذلك الصوت الذي حمّله نتاج كل هذا، أن يُسكت ضميره الذي صحى فجأة بعد غفلة من الزمن لم يشعر بمداها. لم يتحمل “حمزة” مكوثًا هنا، فـ ضغط على نفسه لكي ينتصب ويعتدل، ثم نزع عن ذراعهِ كل تلك الأبر الموصولة له، وحتى جهاز قياس ضربات القلب قد نزعه عن صدرهِ، أنزل ساقيه على الأرضية ووقف، فـ تزايد عليه الوجع أكثر، وضع كفهِ موضع جرح بطنه، وسار نحو الباب بتعرجٍ منتويًا الخروج، وإن كلفهُ ذلك تدهور وضعهِ المضطرب، المهم أن ينهي ذلك الجدل الناشب في رأسهِ، ويراها أمامه من جديد.
**************************************
بدأت الأوضاع تأخذ مجراها، عقب نقل كلاهما لمكان مختلف عن الآخر، لا سيما نقل “سُلاف” للرعاية المركزة بعيدًا عن موقع الغرف العادية بالمشفى، فـ بات أمر نقلها للخارج عملية خطوات سـ تُتبع ليس إلا. دلف “نضال” من بوابة المشفى بعدما أنهى كافة الترتيبات لنقل “سُلاف”، وانتقلت خطواته نحو المصعد حيث الصعود إليها، فـ تلقّى مكالمة أجاب عليها قبل الدخول للمصعد :
– ألو.. لأ لسه متحركتش، الإسعاف تحت مستني نخرجها وهننقلها على طول.
انفتح باب المصعد أمامه، فـ اضطر لإنهاء المكالمة مؤقتًا :
– طب أقفل دلوقتي عشان طالع فوق.. سلام.
— جانب آخر —
أمّن “زيدان” مسألة صعودهِ للرعاية المركزة، بعدما قدم رشوة مُبالغ فيها لأحد العاملين بالمشفى، من أجل تيسير حركتهم والسماح بالصعود إليها. لم يخطو “حمزة” خطوة واحدة بدون أن يدفعه إليها “زيدان”، وكأنه طوق النجاة الذي حطّ على حياتهِ فجأة ليشدّ عضدهِ ويدعمه. انتظر “زيدان” بالخارج، بينما دخل “حمزة” إليها، فـ باتت له أعين بالخارج تراقب وتستطلع، وهذا ما جعل “نضال” يتصلب في مكانه فور رؤيته لـ “زيدان”، الذي سبقه بخطوة إلى هنا، وعسّر له خطتهِ بنقلها من هنا – على الأقل لحين تعافيها -. ابتعد “نضال” متخفيّا وراء العمود، واستخدم رأسهِ قليلًا للبحث عن الطريقة المُثلى لمواجهة تلك المعضلة، بعدما أفسد “زيدان” مخططهِ لأكثر من مرة !.
**************************************
يجثم عليها گالحُلم الثقيل، كلما فتحت عيناها كلما رأت ضبابًا مُظلمًا باردًا. سمعت صوتهِ يأن بالقرب منها، فـ مالت رأسها لليسار قليلًا حتى تراه، كان مسطحًا ثابتًا بلا حركة، وحتى صوت الأنين قد اختفى تمامًا، فـ زحفت على الأرضية نحوهِ، زحفت وزحفت حتى دنت منه، وتحاملت على نفسها لكي تنهض واقفة وتسير إليه، ونزعت عن جسدها قميص ترتديه وهي تقترب. كانت خطوات غاية في الصعوبة، قطعتها حتى وصلت إلى جسدهِ المُسجى أمامها، ثم تركت ساقيها لتنهار أرضًا، وهي تسدّ بقميصها تلك الفوهه المفتوحة في بطنهِ، والتي أغرقت الوسط كُله دمـًا؛ لكنها تفاجئت بـ كمّ مرعب من الدماء ينفجر من جرحه حتى أغرق قميصها وأغرقها، والوهن ينتفش فيها وهي عاجزة عن صد النزيف الذي يتضاعف، بدأت الرؤية تتشوش أكثر فـ أكثر، وأنفاسها تضيق غير قادرة على المزيد من المعافرة، حتى سقطت مغشيًا عليها بجوارهِ من جديد، فـ انفتحت عيناها المغرورقة بالدموع على حين غُـرة، لتجد واقعًا مـُغاير لما كانت تحلم به.
استغرق الأمر بضع لحظات، حتى أدركت “سُلاف” إنها كانت تحلُم، وإنها الآن بين جدران المشفى ومُحاطة بالعديد من الأجهزة. أطبقت جفناها لحظتين وفتحهتما كي تنزلق عبرة من بينهما، فـ لمحت بطرفها تلك العيون المرتكزة عليها، استدارت رأسها لتراه أمامها، جالسًا بالقُرب مرتديًا طاقم المشفى الخاص بالمرضى، والذي يشبه طاقمها كثيرًا. تعلقت عيناها به، وطالت المدة التي استغرقها كلاهما في النظر للآخر، وكأن حديث الألسن قد انقطع وبقيت المهمة على كلمات الأعين. لن ينسى “حمزة” هذه النظرة ما حيا، وعيناها تُطلق من سِهام الكلمات ما يُصعب ترجمته أو تفسيره. لن ينسى أبدًا أول دمعة يراها تفرّ هاربة من بين جفونها منذ لحظات، بعدما كانت تُسابق كابوسها الأرعن لكي يحلّ وثاقها وتَفيق، إنه يراها في ثوبٍ جديد لم يعتاد عليه، وكأن ذلك الضعف الغير معتاد قد خطف رونق شخصيتها الجسورة، وأبدلها بأنثى جميلة حُسنها طاغي؛ لكنهُ أبدًا لم يطغى على رجلٍ كاد يسرق عمرها منذ سويعات قلائل، ولم يُغريهِ سوى دمعة خائنة وهِنه، وقفت على طرف شفتها واستقرت هناك…
 رواية اغصان الزيتون الفصل الواحد و الخمسون 51 -  بقلم ياسمين عادل
nada eid

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent