رواية اغصان الزيتون الفصل الثامن و الثلاثون 38 - بقلم ياسمين عادل

الصفحة الرئيسية

   رواية اغصان الزيتون كاملة بقلم ياسمين عادل عبر مدونة دليل الروايات 


 رواية اغصان الزيتون الفصل الثامن و الثلاثون 38 

“لتكن لكِ تلك الجولة، ولتكن لي باقي الجولات.”
____________________________________
لا يُصدق، يكاد يجزم أن ما حدث منذ قليل ما هو إلا أضغاث أحلام، بل كابوس لعين يُطبق بقوةٍ غاشمة على عنقهِ يكاد يقتلع أنفاسهِ. لقد وقّع بنفسهِ على عقد تنازل وبيع لصالح حفيدهِ الصغير الذي لم يتجاوز الستة أشهر، والمعضلة الأكبر إنه فعل ذلك تحت تهديد من تلك الدخيلة الخبيثة التي دسّت نفسها بينهم حتى تصل لمبتغى لا يعلم عنه أحد. ما هوّن عليه قليلًا إنه لم يستغنى عن منزله بالكامل، بل أصبح ملكًا لطفل يحمل كنيتهِ ومن صُلب إبنهِ أيضًا، وإلا ما استطاع أن يكون على تلك الوتيرة الهادئة – نسبيًا -. ارتدى “صلاح” سُترتهِ، مستعدًا لمغادرة المكتب الآن، في اللحظة التي كان يدخل فيها “حمزة” ليمسك به قبيل أن ينصرف، ومع أول نفس له بحجرة والدهِ كان يسأل في عجالة :
– سُلاف جتلك ليه يابابا!.
رمقهُ “صلاح” بنظرة حادة مستنكرة، وهو يردف بـ :
– ما تسألها!.. هي مراتك انت ولا مراتي أنا!.
تغضن جبين “حمزة” مذهولًا من ردّه، وقبل أن ينطق كلمة واحدة كان” صلاح” يستطرد بصوتٍ أكثر صرامة :
– عرفت أصل البت دي ولا أدور أنا!.
تجاهل “حمزة” سؤال والده، واستنبط من تلك الهيئة التي يبدو عليها أن الأمور بينهما لم تسير على ما يُرام :
– واضح إن اللي حصل كان أتقل من إنك تقبله!.
لم يتحمل “صلاح” فتور ولدهِ أمام عصبيتهِ المُسعرة، فـ صرخ في وجهه بصوتٍ تردد صداه من حولهم :
– ردّ عليا يا حـمزة!.. أنا مش هفضل ساكت وشايل إيدي كتير.. البت دي لو مختفتش من على وش الأرض كلنا هنقع وقعة ملهاش قومة، سمعتني!.
ختم قوله وخرج، ومن خلفه بقى “حمزة” في محلهِ مصدومًا من تلك الإنقلابة المريبة. لابد وأن “سُلاف” فعلت فعلتها وأضرمت نارًا حرقت الوسط كله، ثم انصرفت وكأنها لم تفعل شيئًا؛ ولكن ما هو؟.. ما الشئ الذي أدى بـ “صلاح” لتلك الحال؟!.
***************************************
بعد طول النزاع بينهما، والذي أسفر عن وجعٍ قاسي أهداه “نضال” إليها دون وعي بحجم الألم الذي زرعهُ بأحشائها، عجز “مصطفى” عن فضّ شجارهم، ولم يسمع أيًا منهم صوتهِ، حتى نهى “نضال” كل صياحهم بكلماتهِ المسمومة التي وقعت على قلبها گوقع الحميم، فـ طالتهُ نظراتها المصدومة، وعيناها اللامعتان بوميضٍ مختنق، وهي تنكر حتى الحقيقة التي واجهها بها، كي تفتح عيناها على مصالحهم العامة والمنافية لصالح عائلة القرشي بالكامل :
– زين إبني أنا غصب عن أي حد، ومحدش هيقدر يثبت عكس ده مهما حصل.. وأي حاجه أعملها محدش يناقشني فيها.
اندفعت بالخروج من هنا، دون أن تنبث بكلمة واحدة أكثر من ذلك، متحاملة على نفسها لكي لا تنهزم أمام لحظة الضعف التي اجتاحت نفسها بشراسة. رمقهُ “مصطفى” شزرًا، لم يكن متوقعًا أن يكون “نضال” بتلك الحدة الموجعة معها، وهو الذي كان أرق الناس وألطفهم بها، وأول الذين شجعوا تبنيها لـ “زين” وتربيتها له. كان توقّع ردّ فعل گهذا منه هو تحديدًا أمر مستبعد تمامًا عن عقله؛ لكنه حدث، وبدون أي بادرة.
زفر “مصطفى” أنفاسهِ الحانقة مستنكرًا عليه ما قال :
– إزاي تقولها كده يا نضال؟؟.. إيه اللي جرالك؟.. أول مرة تكلم سُلاف بالشكل ده!!.
لم يهدأ إنفعاله، بل تزايد أكثر بعدما انصرفت هي :
– عشان أنا عارفها كويس، هتيجي على حقها وعلى حقنا كلنا عشان زين.. سُلاف لازم تشيل إبن حمزة من الحِسبة كلها ياعمي.. كفاية إنها أخدته وهتربيه، كان لزومه إيه تكتب بأسمه البيت!.. البيت ده حقنا إحنا وانت عارف كده كويس.. فلوس عم إسماعيل الله يرحمه، ولا نسيت؟!.
تذكيرهِ بأمرٍ مرّ عليه عقود كثيرة كان من شأنهِ إشعال النار في جوفهِ، هو لم ينسى ولكن استذكار ذلك يعكر عليه حتى أنفاسه، ويجعل المرارة تتوقف في حلقهِ، مرارة لم تستطع السنين أن تمحو أثرها من جوفهِ.
((عودة بالوقت للسابق))
-مُنذ ستة وعشرون عامًا –
مزّق إسماعيل تلك الأوراق المزوّرة، والتي تلاعب فيها “صلاح” بشكلٍ محترف للغاية، لإثبات أحقيتهِ فيما ليس له. نثر “إسماعيل” بقايا الورق في الهواء، وهو يرجم “صلاح” بنظراتٍ محتقرة ليصيح بعدها :
– إنت أخدت حقك تالت ومتلت يا صلاح!.. ملكش عندي قرش زيادة!.. وكل الورق اللي انت جايبه ده ميسواش عندي جنيه واحد.
لم يأبه “صلاح” بتمزيقهِ للورق، وصبّ جام تركيزهِ على الحوار المحتدم بينهما :
– ليا حق في فوايد الفلوس دي يا إسماعيل!.. إنت مش هتطلعني من الشراكة دي خسران!.
تلوت شفتي “إسماعيل” مستنكرًا تبجحهِ المفرط، وهتف بإصرارٍ غير قابل للنقاش :
– أوعاك تكون فاكرني مختوم على قفايا ومش عارف إنك كنت بتطلع عمولتك من ورايا!.. أنا رفدت طقم الحسابات اللي كنت مشغله لحسابك النهاردة الصبح.. والسرقة اللي كانت بتحصل من ورايا مش هتتكرر مرة تانية يا صلاح.
نهض “إسماعيل” عن مكتبه وهو يختم عبارته بـ :
– كفاية أوي البيت الجديد اللي انت اشتريته من عرقي وحقي.. اشتريته من الفلوس الحرام اللي كنت بتطلعها لحسابك من ورا ضهري.. بس خلاص أنا فوقت وشوفت كل حاجه بعيني.. ولو أنا سكت واكتفيت بفضّ شراكتنا فـ ده عشان العيش والملح، غير كده كنت حبستك.. أخرج برا مصنعي ومش عايز أشوف وشك تاني مرة هنا.. خلصت على كده.
لم يطيل “صلاح” الحوار معه، بعدما انكشف أمرهِ وباتت فضيحتهِ علنية أمام الجميع، وسحب نفسه من هنا مُقسمًا بين طيّات نفسهِ إنها لن تكون النهاية، ولن تنتهي اللعبة هنا.
صفع “مصطفى” الباب من خلفه فور خروجه، ثم هتف بشئ من العصبية :
– في داهيه، دي كانت شراكة نحس علينا!.
احتقن وجه “إسماعيل” بالدماء، كلما تذكر الحيّل المخادعة والسرقة العلنية التي تورّط فيها شريكهِ السابق وصديقهِ المزيف “صلاح القُرشي”، وما برّد من ناره قليلًا هو كشفهِ لكل ذلك في الوقت الذي كان فيه المصنع على وشك الإنهيار والإفلاس، لكي ينقذ بذلك ما يمكن إنقاذهِ.
((عودة للوقت الحالي))
حرر “مصطفى” تنهيدة مختنقة من صدرهِ، وأطبق جفنيهِ بقوةٍ وهو يهمس بـ :
– الله يرحمك ياإسماعيل، الله يرحمك ياأخويا.. البيت ده ادفعت فلوسه من جيبنا، من عرق إسماعيل الزيّان اللي هو نهبهُ على حياة عينه.
استشاط بغضبٍ لدى تذكرهُ كل تلك الأحداث التي ترتب عليها الحادثة الكبرى، وامتلأ فمه بالوعيد الصادق :
– عشان كده أنا مش هحلّ صلاح، مش هسيبه يتهنى.. هموته بالحسرة واحدة واحدة.. بس يعيش بألم إبنه الأول، زي ما موّت أخويا قبل ما يتهنى ببنته اللي اتمناها من الدنيا سنين ولا حتى طلّ عليها بعينهُ، هو كمان هيتحسر حسرة عمرهُ كله.. والزمن بينا طويل.
***************************************
أرادت أن تمشي طريقًا لا تعرفه، وحتى نهايته بالنسبة لها مجهولة، في شوارع واسعة راقية، بها نُدرة من السيارات وحتى من الناس، فـ حظت ببعض الهدوء الذي يناسب تمامًا تلك الضوضاء التي بداخلها. مشت وهي تحمل “زين” بين ذراعيها، بدون الإستعانة بحقيبتهِ أو حتى عربة الأطفال خاصتهِ، أرادت أن يكون في أحضانها، وكأن هواجسها أوهمتها إنه يتسرب من بين يديها، وستفقدهُ مثلما فقدت في حياتها الكثير، مما جعلها تتشبث به بعفوية، لئلا يأخذهُ منها أحد. خلفها بعدة أمتار، كان يسير “عِبيد” مراقبًا لها، متيقنًا من وقوع أمرٍ ما بالداخل، الشئ الذي دفعها للخروج مهرولة وبالشكل المضطرب الذي بدت عليه؛ لكنه تحاشى سؤالها – على الأقل الآن -. كان عقلها مشتت، تفكر في العديد من الأشياء في وقتٍ واحد، ولم تنتبه أبدًا لتلك السيدة التي استوقفتها فجأة، فـ كتمت شهقة مفزوعة وهي تتخشب في محلّها، لتسألها السيدة بتوسلٍ :
– أديني حاجه لله، ده أنا من امبارح مأكلتش!.
لحظات وكان “عِبيد” يتدخل لإبعاد تلك المتسولة عنها، بعدما قطعت عليها خصوصيتها بهذا الشكل الفجّ والمفاجئ. وضع “عِبيد” ذراعهِ بينهما، وبرفق كان يجذب “سُلاف” قليلًا وهو يردف بـ :
– روحي لحالك يا ست.
أشارت إليه “سُلاف” بعدما وكزت ذراعهِ :
– أديها يا عِبيد.
وسحبت نفسها من بينهم لتسبق “عِبيد”، حينما استمعت لصدى دعواتها :
– ربنا يخليكي ويراضيكي، ولا يحرمك من ضناكي أبدًا، إلهي يعمر بيتك يارب.
فرّت دمعة هاربة من بين جفونها، كما تهرب هي الآن من واقع حكمت على نفسها ألا تصدقهُ، وآمنت إنه الحقّ الذي ردّهُ الله إليها، حينما أصبح “زين” طفلًا لها بالتبني، دون السماح لنفسها أو لأي مخلوق آخر، بتغيير تلك الحقيقة التي صدّقت عليها، وكرّست كل مجهوداتها لإثباتها أيضًا.
***************************************
لم يطيق انتظارًا أكثر من ذلك، ساعات طويلة وهي متغيبة عن المنزل، ولا يعلم شيئًا عنها وعن تحركاتها السريّة المريبة، والتي كانت آخرها ذلك المقطع المُصور الذي أضافته للقضية من أجل تبرئة “إبتسام” وإثبات العنف الذي تعرضت له من قِبل المجني عليه.
سئم “حمزة” من الإنتظار بالخارج، فـ دخل ليجد شقيقتهِ تستعد للخروج. قطب جبينه بإستغراب وهي يخطف نظرة لهيئتها المُنمقة الناعمة والجذابة، ثم سألها بلطفٍ :
– متشيكة كده ورايحة فين يا يسرا؟.
ابتسمت وهي تدنو منه و :
– هخرج شويه أغير جو.. مصر وحشتني أوي.
لم يحبذ “حمزة” أسلوب الفرض عليها، خاصة وإنها آتيه من طرفٍ يبدو وإنه ظالمها، لذلك عرض عليها بلين :
– طب ما تاخديني معاكي.. أنا كمان عايز أفصل شويه.
لم تُظهر “يسرا” توترها المضطرب ، وأدعت كذبًا إنها لن تكون بمفردها، من أجل الخلاص من طلبهِ بمرافقتها :
– خليها مرة تانية، عشان هكون مع صحابي البنات.. هما جايين يشوفوني عشان عرفوا إني رجعت مصر.
لم يتشكك “حمزة” فيما قالته ثانية واحدة، وفي الأساس كان عقله منهمكًا في التفكير بشأن “سُلاف”، ولذلك لم يتجادل معها بشأن عذرها :
– طيب زي ما تحبي، بس لما ترجعي لازم نتكلم مع بعض.
كانت عيناها تلمع بالفضول المتعطش لمعرفة كل ما يخصه، والحصول على إجابات ترضي شغفها :
– آ… حمزة ، هو انت علاقتك بمراتك مش طبيعية ليه؟.
حدق فيها لثوانٍ، دون أن يكشف أيًا من معاناته فيما يعيشه من مغامرات مع “سُلاف”، وكأنه فيلم أكشن سخيف لا يعرف حتى الآن ما هي نهايته :
– مش طبيعية إزاي يعني!.. أنا شايف كل حاجه ماشيه عادي.
تلوت شفتيها بغير اقتناع، وهي تبرر وجهة نظرها بما شاهدته بنفسها بينهما :
– معتقدش.. يعني مثلًا ليه كل واحد في أوضة لوحده!، ليه مش بشوفكم مع بعض خالص!.. دي حتى مش بتكون موجودة ولا هي ولا زين أغلب الوقت!.
ذمّ “حمزة” على شفتيه حانقًا، يحاول تبرير الوضع لشقيقته دون أن يدفعها للشك والتنقيب :
– صدقيني مفيش حاجه، إحنا بس وضعنا مختلف شويه.. والمشاكل اللي ورايا مخلياني مش مركز معاها اليومين دول.
صوت دخول سيارتها لفت انتباهه، فـ تحفزت حواسهِ وتهيأ لإستقبالها، محاولًا إبعاد شقيقته عن الوسط :
– آ… طب روحي شوفي مشوارك ونكمل كلام بعدين يا يسرا.
فتح “عطا” الباب لتدخل منه “سُلاف” حاملة الرضيع “زين”، تبسمت “يسرا” فور رؤيتهم ورحبّت بعودتها :
– أزيك يا سُلاف، لسه كنّا بنتكلم عنك.
راودها بعض الفضول، حول نوع الحديث الذي قد يدور بين الأخويين القرشييّن عنها. رسمت ابتسامة لزجة على ثغرها وهو تدنو منهم، وسألت بفتورٍ غير مهتم :
– خير؟!.
فتدخل “حمزة” لإنهاء الحوار بأسرع وقت :
– كانت بتسألني انتي فين؟.
مدّ “حمزة” يداه وحمل “زين” منها، في بادرة لأول مرة تحدث، تلك هي المرة الأولى التي يحمل فيها طفلهِ منذ أن علم بشأنه، مما جعل الخوف يدبّ دبًا في صدرها، ومن شدة المفاجأة لم تلحق “سُلاف” التمسك بالصغير، حتى بات بين ذراعيهِ تمامًا، ثم التفت نحو شقيقته ليناولها إياه مازحًا :
– أمسكي يا عمتو، طالما وحشك أوي كده.. طلعيه انتي فوق لحد ما اتكلم مع مامته.
رفرف قلب “يسرا” وهي تحمل الرضيع بين يديها، بدأ “زين” يهمهم بأصواتٍ غريبة ومبهمة، حينما كانت “يسرا” تضمهُ إليها بحنو وتسير بإتجاه الدرج، كل ذلك على مرأى ومسمع منها، وعندما تأكدت من ابتعاد “يسرا” بقدر يسمح لهما بالخصوصية، عادت عيناها تزجرهُ بإحتقان مرددة :
– إيه اللي بتعمله ده!.
أمسك برسغها ليجرّها من خلفهِ حتى بلغ الباب، فتحه وخرج بها، وهي في انصياعٍ تام ودون أدنى مقاومة. وقف بها أمام الباب من الخارج، فـ حررت ذراعها منه وهي تسمع لسؤاله :
– كنتي فين من الصبح؟.
عقدت ذراعيها أمام صدرها، وما زالت تعابير الإستهجان على وجهها :
– شغل وبخلصه، يعني حاجه برا عنك.
– شغل!!.. زي الڤيديو اللي خدتيه من الدكتور الصيدلي الأهبل!.. اللي صدق إنك أشرقت المحامية!.
كشف لها علمهِ بخطتها، فـ انبعجت شفتيها بإبتسامة عريضة متفاخرة بنفسها :
– إيه رأيك فيا؟.. مش بذمتك أنفع!.
شملها بنظرات شبه محتقرة، وهو يدعم أحقيتها في امتهان التمثيل :
– تنفعي بس!!.. ده أنا هوصلك مدينة الإنتاج الإعلامي بأيدي، عشان تلاقي حد يشبعلك مواهبك.
وضعت كلتا يداها في جيب بنطالها الأبيض القماشي و:
– ميرسي يا بيبـي.. طول عمرك خدوم.
خطت منه خطوة لتكون أقرب، وسحبت إحدى يداها من جيبها لتضعها على صدرهِ، مسحت عليها وهي تسأله بدلالٍ مزيف :
– جاهز لجلسة بكرة يا بيبي؟؟.
نجحت في إثارة نزعة الغيظ بداخله، والتي كانت فعليًا مُضرمة، ورغم كفاحهِ كي يتستر على ملامحه الفاضحة، إلا أن بعضًا منها قد تناثر على صفحة وجهه :
– قفّلتي القضية!.. شاطرة.
ثم نزع يدها عنه متابعًا :
– عجبني اجتهادك.. حتى ممكن أفكر أضمك لفريق مكتب حمزة القرشي.
أرادت استفزازهِ أكثر، فـ أردفت بـ :
– لأ، أنا ممكن أعلمك الشغل من غير ما انضم لمكتبك.. أصلي مش فاضية عشان أكفي على مكتبين، منهم مكتب عناني الحكيم، أكبر محامين البلد.
بسمةٍ خبيثة تراقصت على محياها، وهي تستعد للمغادرة، وقبيل ذلك ختمت عبارتها بـ :
– نسيت أقولك مبروك.. روحت أدليت بأقوالك في النيابة وخرجت من قضية تهاني زي الشعرة من العجين.
اقتربت من أذنهِ لتهمس بـ :
– بس أوعى تكون سايب وراك ديل!.
دوى صوت ضحكتها الرقيعة بعدما أولته ظهرها، وظلت هيستريا الضحك تلك ملازمة إياها، گالمادة المشتعلة التي تنسكب على الحريق فـ تُسعّر نيرانهِ. خلع عن جسمهِ سترتهِ، وسار نحو المسبح الخلفي منتويًا تبريد جسدهِ المُلتهب، ترك سترتهِ على المقعد الخوص، ثم تخلّى عن ساعتهِ، سلسلتهِ، قميصهِ، سروالهِ. سار نحو المسبح وعلى حين غُرة.. ألقى بنفسهِ في الماء البارد، گمن وضع الثلج على جمرةٍ فـ سطى عليها ببرودتهِ. ترك أنفاسهِ المكتومة أسفل الماء لبعض الوقت، ولم يطفو على السطح إلا بعدما انقطعت أنفاسهِ تمامًا. تناول أنفاسه رويدًا رويدًا حتى هدأ صدرهِ، ثم صعد بعدما خمدت سخونتهِ، وانتقل نحو المنضدة ليتناول هاتفه ويجري مكالمة عاجلة :
– أيوة يا حسنين.. عملت إيه؟ عرفتلي المصنع ده والأرض دي بتاعت مين؟؟.
تأفف “حمزة” متضايقًا وقد نفذ صبره، وهتف بإنفعال :
– لأ أنجز يا حسنين ، أنا مش طايق الحوار ده وعايز أخلص بقى!.
أغلق المكالمة وعيناه تنظر للأعلى، فإذا بها تنظر إليه عبر النافذة وهي تحمل “زين” بين أحضانها، وما أن التقت نظراتهم لوحت له بيد “زين” و ابتسامتها لا تفارق محياها، فـ أصرف عيناه عنها وهو يتمتم :
– بنت ××××
– إنتي راجعة في وقت غلط خالص يا يسرا!!.. مش فايق حتى أعرف في إيه بينك وبين جوزك!.
سار عائدًا للمنزل، مستمتعًا بالهواء الذي يضرب جسدهِ بقوة، وكأنه يتخلص من بعض أعباءهِ ولو – بشكل مؤقت -.
***************************************
النشاط كان في ذروتهِ، منذ الصباح الباكر وهو يتحرك يمينًا ويسارًا حتى استجمع نفسه.
كانت القاعة مهيبة، والجميع في انتظار خروج لجنة القضاء (القاضي ومستشاريه)، وبداخل القفص العديد من المتهمين، من بينهم “إبتسام”. تنظر بعينين زائغتين بحثًا عن منقذها الذي سيترافع عنها. أطلّ “حمزة” على الداخل بنظرة، ومسح المكان كله بحثًا عنها، تلك الحيّة الرقطاء التي تكون على ذمّته؛ لكنه لم يجد لها أثرًا. خرج من قاعة المحكمة وهو يستخدم هاتفهِ، حتى أتاه الرد، فسأل بعجالة :
– أيوة ياعطا!.. سُلاف عندك؟؟.
– خرجت من بدري يا بيه، كان معاها الواد الصغير والراجل اللي ماشي وراها على طول ده.. وكمان شايل شنطة في إيده!.
تفهم “حمزة” على الفور، وعقله ترجم إنصرافها في ذلك الوقت تحديدًا. لقد ضمنت القضية وسيّرت الأمور كما تريد، ثم بادرت بالهرب گعادتها، وبقى هو بالمنتصف. نزع “حمزة” الزيّ الرسمي خاصتهِ، وقبل أن يرمش عيناه كان يرى “عناني” واقفًا أمامه، متباهيًا بالزيّ الوقور الخاص بالمحاميين، وابتسامتهِ الرزينة تتراقص على ثغرهِ وهو يردف بـ :
– أهلًا ياحمزة، بقالنا كتير موقفناش قصاد بعض في المحكمة!.
ابتسم “حمزة” وقد فهم أخيرًا ما الذي يحدث من حوله، وقبل أن يرد كان “عناني” يتابع :
– أصل سُلاف خلصت دورها في القضية خلاص.. وجه دور الأستاذ.
ثم ربت على ذراعه و :
– أقابلك جوه بقى.. سلام.

 رواية اغصان الزيتون الفصل الثامن و الثلاثون 38  -  بقلم ياسمين عادل
nada eid

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent