رواية الحب لا يكفي الفصل الرابع 4 - بقلم قسمة الشبيني

الصفحة الرئيسية

  رواية الحب لا يكفي كاملة بقلم قسمة الشبيني


رواية الحب لا يكفي الفصل الرابع 4


رغم أنه لم يحصل على لحظة واحدة من الراحة يرفض أن يستجيب لوهن بدنه الذي يدعوه إليها ففى أي لحظة قد تأتى أمه أو خالته بينما ابنة عمه التى أصبحت له زوجة أو أصبحت له هما وخذلانا لم تظهر منذ ساعتين أو أكثر وحتى هذه اللحظة لا يعرف كيف سيواجه خالته أو عمه وقد ترعرع بينهما كأنهما أم وأب له ويفضل الموت على أن يرى الانكسار يخيم على ملامح أحدهما وما أقدمت عليه سهى بالأمس لمنعه عنها لن يجلب الانكسار فقط بل سيجلب المزيد.

ترى هل علم أي منهما بالفعل عن ذلك المجهول الذي تدعى حبها له؟

لا، لا يصدق أن عمه يرضى له ذلك.

اتجهت عينيه إلى الباب الذى عبرته أصوات الزغاريد ليعلم أن خالته على وشك طرقه لذا نهض بتثاقل محاولا نزع كل المشاعر السلبية التي تخيم على ملامحه.

فتح الباب مستقبلاً 

_ يادى النور 

هللت هنية وهالة لرؤيته مبتسما رغم ارهاقه الواضح 

_ صباحية مباركة يا نور عيني

اعترضت هنية بدلال 

_ لا يا هالة عثمان دلوقتى ملكية مشتركة 

_ كده بردو يا هنية ما هو طول عمره ابنك اصلا ولا انت هتعملى حما دلوقتى؟

_ انا اعمل حما على عثمان؟ ده ابن قلبى اوعى كده بالعند فيكى انا هحضنه الأول

حاول عثمان مع ضمته لها أن يخفف من تشنجه البدنى إلا أنها شعرت به فورا لتتساءل بقلق

_ مالك يا عثمان؟

_ سلامتك يا خالتى انا كويس الحمدلله بس مانمتش كويس

وكزتها هالة وهى تضحك

_ اهو بيطردنا ياختى مبسوطة؟

_ مش قصدى يا ماما والله 

اشاحت هالة بكفها وهى تتجه نحو غرفة النوم مدعية الغضب 

_ لا خليك مع خالتك بقا انا داخلة لبنتى 

تبعتها عينا عثمان بقلق بينما جذبت هنية كفه واتجهت نحو الأريكة ليترك قيادة خطواته لها حتى جلست لتتساءل فورا 

_ حصل ايه يا عثمان؟ سهى ...

لم يتحمل نظرات الفزع تحتل وجه خالته ليقاطعها فوراً

_ سهى زى الفل يا خالتى ماتقلقيش انا بس مانمتش ومرهق شوية 

_ طمنت قلبى ربنا يطمن قلبك خلاص انا هاخد هالة ونروح وانت ادخل نام وارتاح .. يا هااالة يلا خلينا نمشى.

ظهور أمه بهذا الوجه المبتسم رسم على وجهه ابتسامة متهكمة نكس رأسه ليخفيها عنهما، كان واثقا أنها ستجبن من إخبار أحد عما أخبرته ورغم أنه أيضاً ما كان ليخبر أحد لكن الوضع بينه وبينها مختلف للغاية هو يخاف عليهم من الخذلان أما هى فتخاف على هذا الحبيب المزعوم.

لحظات وغادرت أمه وخالته ليجد نفسه مرة أخرى  معها خلف باب مغلق وبينهما باب مغلق أيضاً 

عاد للاريكة وقد بلغ الإجهاد منه مبلغا دفعه للاستسلام ليتسطح متمنيا الحصول على بعض الراحة، لحظات لم تطل وجذبته غفوة لم تطل أيضاً فقد افزعه رنين هاتفه لينتفض يتلفت حوله بفزع شاعر بتخبط شديد.

.................

عادت هنية للمنزل وهى تشعر براحة كبيرة واسرعت إلى غرفتها حيث ينتظر خيرى عودتها وما إن عبرت الباب حتى تساءل بلهفة

_ طمنينى يا هنية ؟

_ الحمدلله يا خيرى، عثمان طمنى 

_ وسهى شوفتيها حلوة ومبسوطة؟

_ والله ماشوفتها عثمان كان تعبان اوى من قلة النوم، اصلهم ماناموش طول الليل 

علت ضحكات هنية التى تعبر عن سعادتها ظنا أن طول السهر حمل معه التنعم لكن قلب خيرى يرجف بين اضلعه يريد أن يتأكد أن ابنته بخير ، سحب هاتفه وغادر الغرفة لينأى بنفسه ويطلب رقم عثمان بلا تردد، طال انتظاره حتى كاد الرنين أن ينقطع ليأتيه صوت عثمان المرهق

_ ايوه يا عمى معلش يا حبيبي عينى راحت فى النوم 

شعر خيرى بالراحة وابتسم بهدوء وقد تنحت هواجسه جانباً

_ ولا يهمك يابنى نوم الهنا والعافية انا بس بطمن على سهى خالتك قالت ماشافتهاش 

_ كويسة يا عمى الحمدلله تحب تكلمها؟

_ ايوه بس الأول عاوز اقولك حاجة ماتخليهاش تسمع 

_ خير يا عمى فى ايه؟

_ خلى بالك من سهى يا عثمان، انا طول عمرى مدلعها انت عارف اتحملها شوية يابنى علشان خاطرى وانا مطمن عليها معاك 

_ ماتقلقش يا عمى هى سهى غريبة عليا! 

....................

شعر بالقلق من حديث عمه لكنه يقدر مخاوفه فقد شهد على دلاله لسهى لسنوات طويلة ظلت فيها وحيدته والفتاة الوحيدة للعائلة لذا زاد هذا من تدلل سهى .

اتجه نحو الغرفة واقتحمها بلا تفكير فهو لن يسمح للهواجس أن تسكن قلب عمه 

_ سهى هتكلمك يا عمى 

قدم لها الهاتف دون أن يهتم لتلك الرجفة التى يراها وهى تمسك الهاتف وتحاول أن تبدو متماسكة 

_ صباح الخير يا بابا 

ظل مكانه يراقبها أثناء المحادثة حتى انهتها ليجذب هاتفه بحدة ويغادر بصمت مكتفياً وقلبه بالفعل أصبح يرفض رؤيتها.

.....................

شعر خيرى بالراحة بعد المحادثة وتأكد أن عثمان سيظل كما هو ابنه الذى يمكنه الإعتماد عليه للأبد، توجه لغرفته ليحصل هو أيضاً على قسط من الراحة بعد أيام مرت طويلة منذ أعلنت سهى رفضها الذي يبدو لها أنها لم تعد تتمسك به.

استيقظ قرب الظهيرة وكانت هنية لاتزال غافية ليتسلل بهدوء عازما على التوجه للمسجد رغم شعوره بخمول شديد.

.......................

لم تكن نومته مريحة أيضاً بل راودته الكوابيس عن فرار سهى منه مع ظهور مجهول يخفيها خلفه فينتفض متلفتا حوله بفزع ويتأكد أن باب الغرفة كما تركه هو ثم يعود لغفوته .

لم يشعر بمرور الوقت رغم تعدد انتفاضاته لكنه استيقظ على رنين هاتفه الملح ليتحرك متأففا يجر قدميه حيث تركه فوق الطاولة وكان المتصل أبيه لتتجه عينيه نحو الساعة فيجد أن الوقت قد تجاوز الظهر ولابد أن أبيه عائد من المسجد 

_ ايوه يا بابا 

_ إلحقنى يابنى عمك مات 

رجفة باردة سرت ببدنه لتتصاعد حرارة شديدة برأسه حتى جحظت عينيه فزعا

_ انت بتقول إيه يا بابا؟ ده لسه مكلمنى من شوية، بابا...

قاطعه صبرى وهو نفسه يعجز عن التصديق رغم جثمان خيرى الذى يضمه لصدره

_ مات وأحنا بنصلى يا عثمان تعالى لى الجامع بسرعة 

ألقى الهاتف بلا تفكير وهو يتلفت حوله ودون أن يفكر في أي شيء اتجه فوراً للخارج لتتسارع خطواته التى تعبر عن المصيبة التى يضيق بها صدره .

وجد تجمهر من الرجال أمام المسجد ليقتحمه ركضا فيجد أبيه يضم عمه إلى صدره ويبكى بينما يحاول الحضور مواساته لتصل إلى مسامعه بعض مما حدث

_ الراجل كان داخل زى الفل، لا إله إلا الله

_ دى حسن الخاتمة مات وهو ساجد ربنا يرحمه

_ دى بنته كان فرحها امبارح، لا حول ولا قوة إلا بالله

جثى بجوار أبيه وعينيه لا تصدق المشهد الذى يراه 

_ بابا انت قاعد كده ليه يلا نشوف دكتور

نهره صوت غريب مترفقا بصدمته

_ وحد الله يا عثمان انت المفروض تسند ابوك 

انحنى عثمان يدفن وجهه بين كفيه وهو يهز رأسه رفضا عدة مرات لكن حين رفع رأسه مرة أخرى استعاد منطقية تفكيره ورباطة جأشه ليسحب عمه عن صدر أبيه برفق

_ بابا يلا نروح 

تجمع بعض الشباب فورا استعداداً لحمل خيرى ودعم صبرى الذى لا تقوى ساقيه على حمله ، نفس الطريق الذى اتخذه ليلا موكب العرس يتخذه بعد ساعات نفس الأشخاص في موكب من الحزن الذى يغلف قلوب الجميع.

وضع عمه بنفس الفراش الذى وضعها فيه ليلا وما هي إلا لحظات حتى دخل الطبيب مهرولا 

_ برة يا جماعة من فضلكم ماينفعش كده

بدأ توقيع الكشف على خيرى الذى رافقه منذ ساعات وغلفت ضحكاته الجلسة لكنه طبيب ويعلم جيدا أن الأجل قضاء لا راد له، رفع وجهه إلى صبرى وعثمان الذى قرأ رد فعله وينتظر قلبه الكلمات التي ستشقه نصفين

_ البقاء لله

ركضت هالة للدور العلوى تبحث عن شقيقتها التى كانت نائمة لتقف أمامها ولا تدرى ما يمكنها فعله لتقتحم الصغيرة سارة الغرفة متسائلة

_ خالتو بابا جه عندكم تحت؟ نزل يصلى وماسابش مصروفى، خلاص هنزل اخد منه 

كانت هالة تنظر لها ولا تجد كلمات تجيبها بها حتى تحركت مغادرة لتصرخ هالة 

_ لا يا سارة ماتنزليش 

رفعت هنية رأسها عن الوسادة بتأفف لهذا الازعاج 

_ خليها تنزل يا هالة انا دماغى واجعنى 

_ اصل صبرى تعبان شوية

انتفضت هنية جالسة فى غمضة عين متناسية الألم الذى تعانيه 

_ تعبان ليه كفى الله الشر! ده كان زى الفل الصبح

_ اهو تعب شوية وهو بيصلى وجه تحت علشان السلم 

قفزت هنية عن الفراش رغم أنها تعانى ألم بالمفاصل إلا أن قلبها يدفعها للأسفل لرؤيته والتأكد مما يعانيه وعقلها يطرح عشرات الاحتمالات، ربما عاوده ارتفاع ضغط الدم لطالما كان مهملا في حق نفسه، ستوبخه كثيراً لاحقاً.

أشارت إلى سارة بكفها 

_ روحى اوضتك يا سارة وهبعت لك عالية 

تأففت الصغيرة لكنها استجابت فأمها لن تستمع إليها وهى تهرول بهذا الشكل.

هبطت هنية الدرجات بفزع يزداد مع رؤية التجمهر أمام شقة اختها ويزيد فزعها مع تهرب الجميع من النظر إليها لتخترق الجمع فى لحظة بصدر لاهث لتجد صبرى يغادر الغرفة 

_ فى إيه يا صبرى خيرى ماله؟

_ شدى حيلك يا مرات أخويا

اتسعت عينا هنية ونظرت إليه مستنكرة ما يقول للحظة قبل أن تدفعه عن الباب وتدخل الغرفة لتجد زوجها وابن عمها الذى طالما كان رفيقاً لحياتها يتخلى عن المتابعة ولم يعد مؤازرا لها، رأته جسدا مسجيا فوق الفراش وقد طمرت ملامحه بدثار ابيض 

_ خيرى 

سحبت قدميها نحو الجسد لتجلس بالقرب منه وترفع الدثار عن وجهه لترى استكانة ملامحه 

_ رد عليا يا خيرى، رد عليا يابن عمى ، يا سندى وقوتى ، يا عمرى كله يا خيرى 

لم تمانع دموعها التى تنعى رفيق العمر ولم يمانع عثمان أيضاً دموعه التى ترثى عمه ووالده الثانى . اقترب منهما حين ضمت الجسد إلى صدرها وزاد بكاءها لبسحبها برفق 

_ بلاش كده يا خالتى خليه مرتاح 

_ هو بيرتاح في حضنى يا عثمان حتى أسأله

_ معلش حبيبتي سيبيه علشان خاطرى 

بدأ يفك ذراعيها من حول الجثمان ويسحبها برفق حتى الباب ليسلمها لأمه التى تلقت اختها الكبرى بين ضلوعها وهى تشعر بما تعانيه من ألم لا يحتمل .

عاد صبرى للغرفة وكان عثمان لايزال يقف قرب الفراش 

_ روح يا عثمان غير هدومك وهات مراتك 

_ اقولها خبر زى ده ازاى بس !

_ أمر الله يابنى روح ربنا معاك وماتتأخرش عليا 

اتجه للخارج تتلقاه الأيدى التى يعلن أصحابها عزاءهم وحزنهم ظل بين الأكف المواسية حتى وصل للمنزل الذى لاتزال اضواء الاحتفال تكلل واجهته .

وقف أمام الباب ليكتشف أنه لم يحمل المفتاح أثناء مغادرته ليطرق الباب برفق وكأنه يخشى أن يفزعها فما يحمله لها يكفيها.

لم يطل انتظاره وسمع صوت هامس بترقب

_ مين؟

_ افتحى يا سهى 

فتحت الباب فور سماع صوته وعجزت عن كبت فضول نظراتها التى تتساءل عن سبب مغادرته لكنها تراجعت عن مهاجمته التى انتوت عليها لتعلق عينيه بها بهذا الألم، بدأت أفكارها تتلاعب بها عن سبب هذا الألم الذى يطل من عينيه، لا يمكنها أن تخطئ نظرات عثمان إنها تحفظه ككف يدها حقا رأت منه ليلة أمس وجها شرسا لكنه يظل عثمان 

_ بتبص لى كده ليه؟

لم يجب بل حث خطواته نحوها ليجذبها نحو صدره المتألم لأسباب تتكاثر فهو في هذه اللحظة لا يرى زوجته بل يرى سهى أخته وقد فقدا سويا الأب 

انطوت شهقتها الفزعة بين احتراق صدره وسكنت لحظة بفعل الصدمة قبل أن تبدأ محاولة التحرر من ضمته التى لم تجد نفعا مع تشبثه بها .

_ ادخلى غيرى هدومك والبسى هدوم سوداء

حررها بعد أن ألقى جملته لتتشبث هى به 

_ سوداء ليه يا عثمان؟ حصل ايه رد عليا

_ ماكنش ابوكى لوحدك كان ابويا انا كمان 

شهقت وابتعدت عنه وقد تجمدت نظراتها فوق ملامحه المتألمة وهى لا ترى سوى ما حدث بينهما منذ ليلة أمس، تعديه عليها، تهديده لها، وعيده واحتقاره لها 

_ قولت له إيه عنى؟

التقى حاجبيه فى استنكار واضح ولم تمنحه فرصة للدفاع عن نفسه وتابعت مهاجمته 

_ انت كده ارتحت لما قتلته؟ اخدت تارك منى كده؟ 

_ انت بتقولى إيه؟

لم تلتفت إلى اعتراضه وتابع قلبها الجريح طرح كل اللوم على عاتقه وحده وكأن الفقيد لم يكن له أبا قبلها 

_ مش هسامحك يا عثمان طول عمرى، لو فاكر نفسك كده راجل واخدت حقك تبقى غبى زى ما طول عمرك غبى، انا عمرى ما هكون ليك ودم ابويا هيفضل بنا طول العمر 

اتجه نحوها ليجذبها من ذراعها بحدة مؤلمة 

_ انت الصدمة لطشت دماغك ولا إيه؟ لو مش عارفة عثمان للدرجة دى يبقى ماتستاهليش تبقى على أسمى وانا لو قادر اخد حقى منك كنت رميتك في الشارع امبارح لكن انت عرضى .. انا مش هحاسبك دلوقتى علشان الصدمة بس لكن بعدين لينا حساب طويل اوى، انجرى غيرى هدومك

دفعها حتى كادت تسقط أرضاً ليختل تماسكه لوهلة وكاد أن يلحق بها إلا أنها ركضت إلى الغرفة وهو مضطر للتوجه لنفس الغرفة التى تحوى ملابسه أيضاً.

ألقت عباءتها أرضا ووقفت أمام الخزانة بتخبط حين اقتحم الباب لكنها لم تفزع فما تعانيه من حزن يتخطى الفزع لرؤيته لها بهذه الهيئة، اتجه نحو الجانب الخاص به وفتحه ليلتقط ملابسه وهى لازالت تنظر للخزانة بتخبط .

ضاق صدره لما اعتراه من اهتزاز لرؤيتها بهذا الوضع ليتجه نحوها ويتفحص ما تنظر إليه ليخرج عباءة سوداء يقدمها لها برفق لا يتناسب مع الثورة داخله ولا مع ما حدث منذ لحظات 

_ البسى دى 

وغادر الغرفة ليبدل ملابسه في أي مكان بعيداً عن تلك الرجفة التى سكنت صدره .

تحلى بالصبر وجلس قبالة الباب ينتظر أن تخرج إليه وحين فعلت لم يملك سوى أن يسرع إليها ليدعم خطواتها المترنحة .

رواية الحب لا يكفي الفصل الرابع 4 - بقلم قسمة الشبيني
nada eid

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent