رواية لدنه روحي الفصل الثاني 2 - بقلم راندا عادل

 رواية لدنه روحي الفصل الثاني 2 - بقلم راندا عادل


" سفر ماذا يا ابنتي.. لا لن أستطيع.. فلتذهبي أنت ما دامت المرأة بمفردها وزوجها غير موجود "
تأففت دعاء بمبالغة لتقنع والدتها..
" يا امي أنا تحججت بكِ حتى لا أسافر "
نظرت لها والدتها بتدقيق تسبر أغوارها فصغيرتها على غير العادة تتهرب من عملها رغم دفنها لنفسها بعملها منذ وفاة والدها قبل سنوات راضية بوحدتها بل لا تنشد تغييرها قط..
أغمضت عينيها للحظات تترحم فيها على زوجها ولم تستطع منع شيء من نقمة على ما فعله بابنتهما فلولاه لكانت ابنتها جوار زوج تحبه ويحبها وأطفال يحاوطونهما بشقاوتهم..
" هل الناس يعيبهم شيء "
سألتها والدتها بعد أن فتحت عينيها تعيد نظراتها لابنتها التي أجابتها..
" لا ليس هذا مقصدي ولكن اا "
سكتت لا تعلم ما تقوله.. هل تحكي عن تعلقها بالصغيرة وهروبها من ذلك التعلق مدركة أنها سرعان ما تنتهي جلساتها معها ولن تراها ثانية.. أتحكي لها عن تخيلاتها عن أن الصغيرة غزل تكون ابنتها هي وتمدها بكل حنانها.. داخلها فجوة لم تتسع إلا برؤية غزل ولا تعتقد أن ذلك الفراغ داخلها سيُملأ يوماً..
" احك لي عن الصغيرة "
أجفلت من سؤال والدتها وكأنها داخل عقلها وقلبها تقرأهما بسهولة.. ورغم هذا عند ذكر الصغيرة وجدت نفسها تعترف بملامح انشرحت وابتسمت..
" جميلة يا أمي.. تسلب القلب "
" كم عمرها "
" خمس سنوات "
نظرت لها والدتها قليلاً بعاطفة سطرتها باعتذار ضمني لم ينطق.. اعتذار عما وصلت إليه صغيرتها دون أن تستطيع تغييره..
" لو كنتِ تزوجتِ كان يمكن أن يكون لديك فتاة في عمرها "
أو أكبر.. لو كان والدها رحمه الله وافق على حب عمرها لكان لديها طفلة تصل لعمر العاشرة..
وهكذا فكرت دعاء ولم تكن تعلم أن والدتها فكرت نفس التفكير في نفس ذات اللحظة..
" رحمه الله "
همستها بصوت خافت فتؤمن والدتها خلفها ثم سألتها..
" متى السفر "
تنهدت دعاء وهي تجيب..
" بعد يومين "
استقامت والدتها لتصلي فرض ربها الذي أوجب وقبل أن تتحرك مالت على رأس صغيرتها التي جاوزت الثلاثين بسنة واحدة..
" اذهبي يا ابنتي لعلّ هذا السفر يكون لكِ مخرجاً "
أغمضت دعاء عينيها متألمة فالمخرج الذي تنتظره مفقود منذ سنوات ولا تعلم له طريق..

***
بعد يومين..
دخلت دعاء بصحبة والدة الصغيرة غزل للبيت الساحلي وصحبتهن العاملة التي ستساعدهن في البيت والتي وضعت الحقائب جانباً..
" شكراً لوجودك يا أستاذة دعاء "
ابتسمت دعاء بخفة بعد أن نحت فراغ روحها جانباً ووعدت نفسها ان تستمتع بهذه العطلة التي لم تنالها منذ سنوات طويلة..
" دعاء فقط من فضلك "
ومازالت المرأة على ابتسامتها وترحيبها توجه نظراتها للصغيرة غزل المشغولة مع هدية مُعلمتها لها التي استقبلتها بها صباحاً قبل أن يتحركوا للسفر..
" غزل سعيدة للغاية بوجودك وبهديتك.. لم يكن هناك داع للتكلفة "
نظرت دعاء للصغيرة المشغولة بالقفص الذي يحتوي ببغاء صغير هديتها للصغيرة وكأنها أرادت أن تترك لها شيء يذكرها بها حين تنتهي مهمتها معها..
" كل شيء فداء للصغيرة.. أنا سعيدة من أجل سعادتها "
شكرتها المرأة بعينيها دون تكلف كما قالت ثم أشارت للحقائب تخبرها..
" والآن.. البيت بيتك.. تعاملي كصاحبة مكان "
ثم تحركت لتبتعد ولكن سرعان ما عادت لها تخبرها..
" الطعام سيصل خلال ساعة.. والد غزل يمتلك مطعماً قريب من البيت فيتكفل بهذا كلما جئنا إلى هنا.. فلا تحملي هم شيء والآن سأتركك لترتبي حقائبك كما تريدين "
بعد أقل من نصف ساعة كانت تنتهي من ترتيب حقائبها ونزلت للحديقة تستنشق هواء البحر القريب جدا بمعزل عن الجيران مما أعطاها شعورا بخصوصية تنشدها في كل حياتها..
حياة توقفت منذ سنوات عند غيابه.. ذلك الذي طالب بها عدة مرات..
تقدم لها إحدى عشرة مرة وفي كل مرة كان والدها يرفض.. وفي المرة الأخيرة كانت شر طردة.. طرده والدها بعد أن نعته بما جرح كبرياءه.. حينها أدركت أنها المرة الأخيرة..
غاب عن حياتها دون أن يودعها.. دون أن يخبرها بما قرره..
استحالت حياتها لسلسلة من الاستسلام فمن بعده أصبحت كل الأمور سواء ولذلك تمسكت بحقها في عدم الزواج..
لا تعلم هل كانت تعاقب نفسها أو تعاقب والدها على تعنته معه ومعها.. كان يراها أمامه تذوي دون أن يستطيع فعل اي شيء من أجلها..
حتى تدبيره لزواجها من شركائه في العمل عدة مرات كانت تفشلها جميعها.. وكانت تعلنها صراحة أنها لن تتزوج.. حتى توفى قبل عدة سنوات دون أن يراها عروساً كما تمنى..
كان يريدها عروساً لشخص من اختياره أو على أقل تقدير يمتلك مواصفات معينة لم يمتلكها الآخر..
لم يمتلكها حبيبها..
" اااه "
كانت تتحرك للخلف دون أن تعي بمن دخل مسحوباً دون إرادة لوقفتها.. لهيئتها التي لا يغفل عنها..
لروحها التي سيطرت على قلبه منذ سنوات فاقترب منها مأخوذاً ومخطوفاً بحضورها هنا.. جواره..
التفتت منتفضة لترى هوية من اصطدمت بها ولكنها تجمدت حين وقعت عيناها على من سيطر على تفكيرها قبل دقائق قليلة..
من امتلك حق السكن في قلبها دون أن يبرحه لحظه..
" حـ..ـلـ..ـيم "
لم تشعر بالصغيرة التي جرت تجاهه فتلقفها بين ذراعيه.. فقد كانت بوعيها.. بكامل وعيها معه في مكان وموقف ماضي حين اعترف لها بحبه.. ابن الجيران الذي يكبرها بعدة سنوات وكان لها كحلم جميل أرادت تكليله بشيء أكبر ولكن الظروف ووالدها كان لهم رأي آخر..
" دعاء؟! "
رفعت رأسها مجفلة وغير مسيطرة تماماً على نبضات قلبها الخائنة كخيانة لسانها المعقود بحروفه المتعثرة..
" حليـ..ـم "
حروف اسمها أعادتهما سنوات للوراء.. لماضي جمعهما أو كاد يجمعهما سوياً قبل أن يفترقا.. اغمضت عينيها بمحاولة واهية لإبعاد خيالات الماضي عن عقلها ولكن هباءا فعلت.. فتحت عينيها تنظر له وللطفلة الصغيرة بين ذراعيه.. تشير برأسها إليها ثم إليه وتسأله بتعجب لم يبرح عقلها أو حروفها..
" مـ.. ـن أين تعرف الصغيرة "
ذهوله لا يقل عن ذهولها.. ورؤيته لها هنا بين أسرته كان من المستحيل تخيله.. بل لم يتخيل رؤيتها مرة أخرى من الأساس.. أجابها دون أن يحيد بنظراته عن ملامحها التي يحفظها عن ظهر.. عشق!!..
" غزل تكون ابنتي "
اتسعت عيناها ذعراً وألماً فالطفلة التي تعلقت بها تكون ابنة الرجل الذي تمنت يوماً أن تنجب له شبيهة لها..
والمرأة التي فتحت لها بيتها تكون.. زوجة حبيبها السابق!!..
الان فقط تستطيع معرفة سبب حبها لهذه الطفلة

***

أقل من نصف ساعة أخرى كانت كافية تماماً لاختفائها..
الملابس التي رُتبت قبل قليل ليست بالخزانة.. الحقيبة التي أفرغتها غير موجودة من الأساس.. كافة العلامات تؤكد على هروبها منه..
بعد أن نال لمحة.. مجرد لمحة في لحظة كانت بين ذراعيه حين اصطدمت به تعود وتختفي.. أبداً لن يسمح لها.. أبداً..
" ماذا فعلت لها يا حليم "
سؤال زوجته.. عفواً طليقته!!..
" أخبرني ماذا فعلت لها "
سؤال يتكرر بعدة صيغ مختلفة مما جعله يفقد أعصابه ويهتف بها بعد أن انتفض من مكانه واقفاً..
" لم أفعل شيء لها.. لم أفعل شيء.. لا أستطيع أن أفعل لها شيء هي بالذات "
التفتت له ونظراتها تعريه.. طليقها الذي انفصلت عنه بتحضر حتمه حالة ابنتهما..
" من أين تعرف المُعلمة دعاء يا حليم حتى تهرب بمجرد رؤيتك "
حكايتهما عادية بشكل مبهر.. زواج عقلاني لم يجمعهما إلا مشاعر متبادلة حكمها العقل من الطرفين..
تزوجا خارج البلاد رغم تماثل جنسيتهما إلا أنه كان بالخارج من أجل تدريب يخص عمله ومهنته التي كانت سبباً لافتراقه عن حبيبة عمره قبل سنوات طويلة وهناك تعرف عليها وبعد عدة مقابلات اتفقا على الزواج هي رغبت به الونس والألفة التي افتقدتها بالغربة بسبب بعدها عن الوطن من أجل دراستها ثم عملها أما هو فأراد بها النسيان.. استمرار الحياة التي استحالت بعد فراقه عن حبيبته متيقناً أن لا طرق ستجمعهما مرة أخرى ووالدها لم يكن ليسمح لطرقهما أن تتقابل من الأساس..
لكن أن يراها هنا.. هنا تحديداً..
صديقة لأسرته.. لطليقته.. ومُعلمة لابنته لهو شيء من الخيال..
" الصغيرة تبكي من أجل معلمتها "
نظر لصغيرته التي لم تتوقف دموعها فاقترب منها.. جثى على عقبيه جوارها أرضاً في جلستها جوار قفص الببغاء..
لامس رأسها بحنو يمتلكه تجاهها بحجم السماء والأرض.. نظرت إليه بعينين دامعتين.. فأشار لها عدة إشارات ترجمتها كانت..
" لا تحزني.. سأجدها من أجلك "
ومن أجلي؛
تتمة أقسم على تنفيذها مهما كان الثمن. 
•تابع الفصل التالي اضغط هنا
تعليقات