رواية بيت القاسم الفصل الثامن 8 بقلم ريهام محمود

الصفحة الرئيسية

 رواية بيت القاسم  الفصل الثامن بقلم ريهام محمود

 رواية بيت القاسم  الفصل الثامن

 هل جربت شعور الألم.. أن تقترب من النار من أجل التدفئه فتحرق أصابعك..! بداخلك رغبة في البكاء ولكن جفت دموع عينيك.. تنتظر حكم بالموت على طيبتك وسذاجتك.. تبتهل بكل جوارحك ألا تأتي تلك اللحظة التي سيتحطم فيها قلبك إلى شظايا.. تلك اللحظة التي ستفقد فيها عشقك للأبد.. وهي وللأسف تقف عند تلك اللحظة التي لطالما أخرتها ..ولكن لامفر..!
كانت تقف بمفردها أسفل البناية الموجود بها مكتبه .. ترتجف أطرافها كأرتجاف خافقها.. بعد أن جائتها تلك الرسالة وهي لم تتردد كثيراً.. فقد اكتفت..جمعت خصلاتها البنية في كعكة تعلو رأسها، ارتدت ملابسها على عجالة.. سروال من الجينز الأسود يعلوه كنزه كشمير ولا تعلم هل هما متناسقان أم لا ولا يهمها بالأساس.. كل ماكان يهمها أن تصل على الموعد المحدد كيفما كانت.. وها هي الساعة التاسعة الميعاد المذكور بالرسالة.. تجر الخطى إلى مدخل البناية.. خطوات متعثرة مرتعبة.. كانت تسير بخوف وارتجاف وكأنها تغوص بين رمال متحركة.. تجاهلت المصعد أمامها وأختارت السلالم.. خطوة للأعلى وأثنان تتراجع.. وصوت نبضاتها يكاد يصم أذنها.. تتمسك بالسور الرخامي للسلم تخشى الوقوع ، وبعد معاناة ها هي تقف أمام باب مكتبه.. والمكان خالي من الموظفين به..
وقفت مبهوتة أمام بابه.. تعلم أنها إذا فتحت ذلك الباب ستري ما لا يسرها..
تعلم أنها النهاية هكذا يخبرها قلبها.. تمنت لو تركض، أن تبتعد.. أن تستفيق من هذا الكابوس..!!
وأقتربت رغم رفضها.. وأصابعها على مقبض الباب، ثانية .. ثانيتان وفتحت الباب ..
بأسوأ خيالاتها لم تتوقع أن ترى زياد هكذا.. ورغم صدمتها وسواد الرؤية إلا أنها رأت زوجها أمامها يجلس على كرسيه أمام مكتبه بقميصه الأبيض المفتوح أزراره كلها تقريباً عدا الزر الأخير على وجنته وقرب ثغره أحمر شفاه رخيص كالتي تجلس أمامه على المكتب تضع ساق على الأخرى ترتدي فستان أحمر فاقع ضيق ، تميل بجذعها عليه بشكلٍ وقح ..
وصفعة الباب بالجدار جعلته ينتفض والساقطة لم تتحرك فهي لم تتفاجأ..
جحظت عيناه من الصدمة. وهز رأسه رافضاً لما رأته هي وقبل أن يستوعب ركضت هي .. دفع ذات الخصلات المصبوغة بالاصفر عنه ، وهي تجاهلت دفعه لها وتشبثت بياقة قميصه بأناملها الطويله المطلية بالأحمر قالت بدلال محاولة استمالته..

-سيبك منها.. هو أنا مش عجباك ولا ايه؟!

وتلك المرة صفعة على وجهها المزين بحرفية.. ودفعة أقوى من سابقتها سقطت أرضاً من قوتها.. وبسبابته حذرها من بين أسنانه..

-لو شوفت وشك هنا تاني هساويكي بالأسفلت..

وهرول مسرعاً للخارج وهو يغلق أزرر قميصه ، يبحث بعينيه عنها هنا وهناك لا يرى لها أثر وكأنه كان يتخيلها ولكن عطرها الخفيف الذي يحاوطه دليل ع وجودها.. ضغط على المصعد بعنف ودقات قلبه تضرب أضلعه بشدة ، يشد على خصلاته بخوف وتوتر.. لحظات وكان بالمصعد ضغط على الدور الأول ، وما أن وصل حتى خرج منه مهرولاً ، ليراها وهي تستقل سيارة أجرة متجاهلة ندائه لها..!!!

....... ***

بإحدى دور العرض الموجودة بمول دائم التردد عليه.. كان عاصم يجلس بجوار أمنية يشاهد بملل شديد فيلم يُعاد للمرة الألف تقريباً.. فيلم رومانسي سخيف لا يحب رؤية تلك النوعية من الأفلام .. فهو عندما اتفقا على أنهما سيشاهدا فيلماً معاً كان بمخيلته أنه سيحضر فيلم "The Fast and the Furious" الجزء التاسع فهو يموت شوقاً لرؤيته ولكن المدلله الوردية أبت وبغنج لايليق بسواها تحدثت..

-أنا مبحبش الأكشن.. هختارلك فيلم ع زوقي هيعجبك..

والماجن غمزته دائماً حاضرة. وابتسامته الواسعة وازت حديثه..

-أكيد هيعجبني طالما من ذوقك انتي..

واختيارها كان فيلم مصنف للبنات.. وللبنات فقط، "me befor you".. يكره الدراما والرومانسية وجو "الدلع" كما يقول زياد دائماً .. فهو رجل له جولات وصولات مع النساء.. لم يمر عليه كمثلها رقيقة، بريئة، كلامها يجذبه. يكون في حضورها مشدوه.. حالة لم تمر عليه من قبل.. حتى في أول أيام شبابه مع حبيبته الأولى ، وأن يكن فيلم رومانسي.. لا بأس.. ف الحُلوة تأمر وتدلل وهو ينفذ.. ووقت قطفها لن يرحمها أكيد..
بحركات يديها التي بات يعشقها ويعتادها كانت تحكي وتسرد عليه أحداث الفيلم رغم أنهما يشاهداه معاً.. ورغم أنه تابعه قبلاً ولم يلاقي استحسانه ولكن منها غيــــــــر.. يتأمل تأثرها وانبساط ملامحها وقت مشاهد البطل المريحة وانقباض قسماتها وقت الدراما.. وتوترها واحمرار خديها في المشاهد الرومانسية والذي استغل هو أحدهما وأمسك بكفها بنعومة.. وخجلت هي وألوان الطيف جميعها تبدلت على وجهها.. وابتسمت برقتها وأحنت نظراتها، ومازالت كفها بكفه وبداية التجاوز م
لمس الأيادى..!!

............ ***
.. وأمام بيت القاسم الكبير والذي شهد قصة حبها له ومراهقة عاشقة لرجل لا يكتفي بأنثى واحدة ، ها هي تعود إليه أمرأه باكية جرحت بسيف الخيانة. . كانت تترجل من سيارة الأجرة والدموع تتسابق على وجنتيها يستقبلها قاسم بعد أن أتصلت به منهارة ترجوه أن يكون بانتظارها لأنها بحاجته.. وما أن استدارت بجسدها حتى تلقفها قاسم بحضنه يربت على ظهرها بحنو يخصها هي به.. فهي شقيقته الصغرى البلهاء كما كان يسميها.. لم يسأله ولن يسألها هي بحالتها تلك ليست بحاجه للسؤال وإنما للعناق.. وهو اكتفي بالعناق وهي أيضاً.. تبكي بنحيب يكتمه صدره الصلب .. لم يدم عناقهما سوى دقيقتان بالتمام ، وصوت صرير سيارة زياد المسرعة وهي تحتك بالأسفلت تقف امامهما مرة واحدة فرقهما ولكن لاتزال في محيطه..
ركضْ زياد نحوها وملامحه المرعوبة ورفضها له جعله لم يحتاج للمزيد ليعرف بأن زياد هو السبب بحالها..
ودون سابق إنذار كانت لكمته الغاضبة لوجه زياد تتحداه أن يقترب من شقيقته..
والأخير رغم ترنحه لم يتنازل وكأنه لم يتألم من لكمته الفولاذية .. حاول الاقتراب منها مرة أخرى وهي تبتعد عنه وعن نظراته تتحامي بظهر قاسم..
توسلها بذعر جديد عليه..

-نيرة خليني أشرحلك.. والله انتي فاهمه غلط..

وزاد بكائها .. وبنحيب استنجدت بقاسم تدفن وجهها بقميصه ..

-ابعده عني ياقاسم والنبي.. مش عايزه أشوفه تاني..

وكأن قاسم كان ينتظر رجائها أزاحها برفق عن طريقه.. وأمسك بتلابيب زياد يسدد اللكمات على وجهه واحدة تلو الأخرى.. وزياد لا يقاوم وكأنه كان راضياً بتلقي العقاب.. تعالت صرخات نيرة وصوت الضرب جعل من بالمنزل ينزلو مهرولين مذعورين.. الجد والأم وكمال وزوجته ..
وكانت الكلمة الأولى للجد والذي صُدم مما رأي..

-قاسم ابعد عنه.. اييه اللي انت بتعمله ده..

وخلال حديث الجد اقترب كمال منهما وفصل بينهما ليتلقي لكمة طائشة من قاسم كانت من المفترض موجهة لزياد..

والأم تولول وتضرب صدرها من منظر ابنتها وانتفاخ وجهها الباكي.. وعلى مايبدو أن الحدث جلل.. صاحت بقاسم..

-ف ايه ياقاسم.. فهمني يابني بتضربه ليه..
وقاسم لم يرد.. هو لا يعرف السبب ولكن بالتأكيد سبب عظيم كي يجعل البلهاء تستنجد به..

سأل كمال زياد بحدة ..

-ممكن تفهمنا انت في ايه؟! وقاسم بيضربك ليه..

والبجح أجاب رغم الألم الذي، يشعر به..

-مشكلة بيني وبين مراتي.. مش عارف هو بيدخل ليه..

صرخت نيرة به من بين بكاؤها..

-لأ مش مشكلة والسلام.. الأستاذ بيخوني.. وهيطلقني حالاَ..

تبادلو الشهقات .. سبة بذيئه أطلقها قاسم بغضب في وجه زياد المشوه بكدماته..
وتحدثت الأم وليتها ماتحدثت..

-طلاق ايه يابنتي الله أكبر.. كل مشكلة وليها حل..

ونهرها قاسم هادراً..

-ماما اطلعي انتي لو سمحتي وخدي نيرة معاكي..

وكاد زياد أن يعترض ويرفض.. ليهديه قاسم لكمة أخرى برأسه الصلب بأنفه..
صرخ بهما كمال محاولاً أبعادهما.. ثم دفع زياد بكلتا يديه بقوة بعيداً ارتد هو على أثرها.، وقال بتحذير..

-امشي يازياد دلوقتي.. وبعدين نبقى نشوف اللي انت هببته..

حاول الكلام ولكن مقاطعة كمال له كانت صارمة وتحت أنظار الجد المصدومة.. عاد بأدراجه وأخذ سيارته وتركهم مرغماً ..

........... **

واللكمة التي نالها كمال بالخطأ تلونت وأصبحت بنفسجية..ممدد على الأريكة المريحة بجوار غرفته يتحسس عينه..
ريثما أتت ريم بكيس ثلج واقتربت من موضع نومه ، مالت بجزعها عليه، ووضعت الثلج على عينه الملكومة تكتم ضحكة تود إخراجها ولكن الموقف غير ملائم..

-متكتمهاش.. اضحكي اضحكي..

قالها بغيظ منها.. وأكثر من ذلك لم تستطع ف انفجرت ضاحكة وقالت..

-شكلك فظيع ياكمال.. يخربيت كدة بجد

وعلى الرغم من أنها تتنمر عليه إلا أن قربها وضحكتها التي تصدح بدلال محروم هو منه جعلته سعيداً.. وأهة متوجعة صدرت عنه لتقترب أكثر وتميل..

-سلامتك.. في ايه بجد؟! هي للدرجادي وجعاك..!!

ونبرتها كانت قلقة صدقاً.. وملامحها تتسائل وتنتظر اجابه منه..
وهو ينعم بأطراف خصلاتها الناعمة على جبينه ورائحتها التي تسكره تزيد من رغبته بها ، واقتراب وجهها منه هكذا سيجعله يقبلها وليحدث مايحدث.. واحقاقاً للحق هو" عداه العيب "وصبر أكثر من اللازم ..
كان قوب قوسين أو أدنى من تقبيلها بالفعل.. ولكنه همس بنبرة متهدجة..

-مش عيني اللي وجعاني..
وأمسك بكفها حتى كادا أن يلتصقا.. وتبادل الأنفاس بينهما مابين ثائرة وخائفة..
ونعومتها يستشعرها بصلابة جسده.. نظرتها مرتبكة ونظرته مليئة بالرغبة.. وانتفضت وقاومت سحر اللحظة التي ولأول مرة تمر بها
نزعت كفها من بين يده واستقامت بوقفتها.. قالت مرتبكة وهي ترجع خصلاتها خلف أذنيها ..

-أنا هروح أنام تصبح على خير..!
وبخطي سريعة مضطربة تركته.. وبغضب وحنق كاد أن يلحق بها.. ولكن وكالعادة الصبر مفتاح الفرج.. وهو سيصبر والأمر لله....

..... **
.. لطالما اقتنعت بالحكمة التي تقول "البتر أفضل من النحت".. أن تترك أمراً معلقاً وكأنه سَيُحل من تلقاء نفسه فتلك وقاحة بحد ذاتها..!!
.... يهيم على وجهه منذ لقاؤه بجده عصر اليوم ، وهو ليس هو.. غاضب، حانق.. مستاء وحائر.. غاضب من نورهان "زوجته" والتي أخبرت جده برغبته بالزواج من أخرى وأنها قررت الإنفصال، أخبرت الجد وليس هو.. أليس هو صاحب الشأن؟!
.. وحديث الجد معه والذي خاب أمله كثيراً بحفيده الطيب ، وكأن ليس بينهما أتفاق بأنه زواج مؤقت من أجل الستر وهو مشكور وافق وأرتضى!!
جيد.. بل جيد جداً أنها ستبتعد.. هكذا قالها لنفسه مقتنعاً بما آلت إليه الأمور..
الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. يقف أمام باب شقته يستند بجبهته عليه .. منهك، خائر القوى..
فتح الباب بمفتاحه.. ودلف بخطى بطيئه خشية الازعاج..
ولكنه تفاجأ بها وبأبنته ملك مازالا مستيقظتان.. ألقى بمفتاحه على الطاولة الموضوعة بجوار باب الشقة.. واقترب منهم ورغم الغضب الا انه تسائل باستغراب..

-ملك سهرانة ليه..؟

والصغيرة ما أن رأت أبيها حتى ركضت نحوه بخطاها المتعثرة وبنطقها الطفولي المبتدأ بحروف ضائع نصفها قالت "بابي جه" فحملها وقبلتان على وجنتيها ودغدغة ببطنها تعالت ضحكاتها ،
بهدوء أردفت نورهان ونظراتها للصغيرة وفقط ..

-تقريباً مستنياك.. كل ما اجي انيمها تعيط وتجري مني..

جلس على الأريكة متعباً ومازالت ملك على ذراعه..
ونورهان تلاحظ تغيره ، تعبه ، ضيقه البادي على الرغم من أنه صامت..
قطعت الصمت السائد عدا من همهمات ملك وقبلات أكرم لها..

-أحضرلك العشا..

ورده كان نظرة.. نظرة طويلة.. وكأنها تحمل بين طياتها عتاب.. عجيب أكرم هذا.. أمن حقه العتاب!! قال بنبرة خلطتها أنفاسه الحانقة. .

-مليش نفس..
ثم استطرد بحديثه..
- كلامك مع جدي كان ايه؟!

جلست أمامه.. تفرك أصابعها بعضهم البعض بتوتر.. ازدردت ريقها وهي تهمس..

-مش هو قالك!!

-عايز أسمع منك انتي..

أجلت صوتها.. والموضوع صعب.. والكلام كان بسيط وسهل مع الجد أما مع أكرم فتشعر بأنها مذنبة وليست ضحية..

-قولتله أن أحنا هننفصل .. وانك هتتجوز.. وا...

وقاطعها بحدة بعد أن انتبه ان الصغيرة نامت على كتفه ووضعها بهدوء منافي للوضع .. ثم التفت لها بوجهه الغاضب هادراً..

-وتقولي لجدي ليه.. الكلام ده المفروض يبقى ليا انا مش لجدي.. هو انتي متجوزاني أنا ولا متجوزه جدي..

وتراجعت بجلستها.. وخافت من ثورته.. قالت بنبرة شابها الخوف والتوتر..

- أبداً والله.. الكلام جاب بعضه.. ولما سألني ع قراري قولتله..

ضحك.. ضحكة مستهزئة ساخرة.. ومن بين ضحكته الغاضبة سأل بانفعال..

-قرارك..!! قرار ايه يانور اللي انتي بتاخديه لامؤاخذه..؟
انتي ناسية أن مش من حقك تاخدي قرار أصلاً

وبأنفعال أقوى وأشد من أنفعاله صاحت به للمرة الأولى..

-ليه مش من حقي.. وقبل ماتفتح الموضوع اياه وتجرح بكلامك
احب اقولك ان ده شيء ميعبنيش.. انا مكنش ليا ذنب وانت عارف كده كويس..

ورفعة حاجبيه واتساع حدقتيه كان دليلاً على ذهوله .. ترفع صوتها عليه!! قال مبهوتاً غير مصدقاً..

-بقالك صوت يانورهان.. بقيتي بتعرفي تتكلمي وتردي!

والبركان الخامد بداخلها آن له أن يثور وينفجر.. والنبرة الصادرة منها كانت لامرأه تعاني تثبت حقها كإنسان قبل أن تكون أنثى مظلومة.. هدرت بمرارة..

-حقي يا أكرم.. انا استحملت منك كتير.. عصبية وذل وقلة قيمة
قولت يمكن مع الوقت تحبني واستنيت وصبرت وجت ملك.. رغم انك منبه أن ميحصلش حمل بس كانت إرادة ربنا أقوى من كلامك ومع ذلك محبتنيش.. عملت كل حاجه حلوة عشانك.. ومستنتش منك مقابل
وانت اي حاجه بتعملهالي.. بتذلني اودامها سنة..
وجاي تقولي أن مليش حق يكون ليا قرار!! لأ انا ليا حق وحق ونص كمان..

وسكتت وأشاحت بوجهها عنه تحاول التقاط أنفاسها الثائرة.. وهو..
هو..؟!
هو لايعلم من هو؟! هو لا يعلم مابه؟!
هو لايعلم لما أنقبض قلبه من كلامها..؟ من المفترض أن يكون مرتاح على الأقل سينفصلا وسيتخلص من عبئها هي وأسرتها..
هو لا يعلم لما يشعر بأن صدره يضيق عليه..!!
تكلم بهدوء سيد الموقف.. وأكرم لن يقبل بأقل من أن يكون سيد الموقف والقرار بيده..

تمام.. أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة.. هسيبك تفكري مع نفسك لبكرة.. وبالليل تقوليلي قرارك النهائي ايه! وعشان تعرفي ان انا كريم معاكي هسيبلك البيت كله انهاردة عشان تراجعي نفسك وتعقلي..

كادت أن تتكلم.. قاطعها بإشارة من كفه منهياً..

متتكلميش دلوقتي.. اودامك لبكرة.. ..... سلام..

ألقاها عليها وغادر .. وتركها.. ولا يعلم بأنها قررت وانتهى الأمر..!!

............... ***

"بالمدرسة الثانوية للبنات"

كانت حنين تقف قبالة يارا بحوش المدرسة الواسع.. فهما بنفس الصف ونفس المدرسة أيضاً.. كان بينهما حوار يدور .. يقارب علي العشر دقائق واخر الحوار كان نبرة يارا القوية ونظراتها المتحدية ..

-تمام أوي.. أنا هقول لقاسم انك كنتي واقفة مع واحد إمبارح ورا المدرسة..!!

ورغم ارتجاف أنفاسها وخافقها الا انها عاندت.. استقامت وهددت بسبابتها..

-لو قولتي لقاسم.. انا هقول لزياد أنك بتخرجي قبل الوقت مايخلص من المدرسة.. ده غير الدروس اللي معتيش بتحضريها..

عقدت يارا حاجبيها.. وتوترت ولكنها لم تظهر توترها.. قالت بلا مبالاة..

- وماله قوليله.. هيسألني هقوله كنت تعبانه وهو هيصدق والليلة هتعدي..
إنما انتي.. متخيلة لما قاسم يعرف هيعمل إيه

بلعت حنين ريقها بصعوبة.. والعرق انتشر على جبينها. لتكمل يارا كلامها..

-هيقلب الدنيا. مش بعيد يخليكي متخرجيش تاني.. انا مش هقوله. بس مش عشانك لأ.. عشانه هو.. أنا مش عايزة أجرحه وأصدمه فيكي
واخر مرة هنبه عليكي واحذرك لو شوفتك بتعملي أي حاجة هتزعل قاسم أنا اللي هقفلك..

.. قاسم عند يارا خط أحمر.. تحبه كأخيها.. بل أكثر.. تكره حبه لحنين ترى أنه يستحق أفضل من تلك المغرورة..
ألقت عليها نظرة ممتعضة قبل أن تفارقها لتشيعها الأخرى بضيق وغضب..

.............. ***

كانت كالثلج وهو كالنار وبالتقائهما سينطفيء إحداهما وبالتأكيد الانطفاء سيكون للأكثر عشقاً.. وحيث يكون العشق يبدأ التنازل، والتنازل بداية لسلسلة من التنازلات المتتالية.. بدأت بأنها كانت تعلم بخيانته ولكنها تنازلت من أجل ألا يفترقا ، مروراً بتأخره.. تجاهله.. حتى مشاعره كانت تهديه الكثير فيَمْنُّ عليها هو بالفُتات.. من قال أن الأنثى كائن ضعيف؟! ، فيكفي تحملها لأمور لا يستوعبها أي رجل ، أخبروني عن رجل رأي خيانة امرأته وركض ولم يقتلها .!! يكفي عليها ما تحملته من أجل البقاء معه.. ولكنها أستكفت ، والانفصال بات الحل الوحيد.... وبمنطق قاسم "وجع ساعة ولا كل ساعة"..
.... بالكاد تحركت من فراشها بعد أن غفت لأكثر من نصف يوم.. ودت لو أن تغفو الدهر كله ولكن ليس كل ماتوده ستناله.. استقامت بطولها لتجد أنها نامت بملابسها .. بخطوات بطيئة منهكة كمن تجر خيبتها خرجت من غرفتها لتجد والدتها وكمال وقاسم جالسين سوياً بصالة المنزل وكأنهم بانتظارها.. أو بالفعل كانو ينتظرونها.. تنهيدة مكتومة حبستها بداخل صدرها.. والحزن محتل قسماتها.. وبهدوء اقتربت من جلستهم وجاورت شقيقها قاسم.. ودون أي مقدمات قالت لكمال الجالس أمامها بصوت متهدج ..

-أنا عايزة أطلق من فضلك ياكمال خلصني من الموضوع ده كله..

وشهقة مسموعة كانت جواب لم يعجبها.. هتفت امها تحاول اقناعها..

-يابنتي الطلاق مش سهل زي مانتي فاهمة..

صاح قاسم بوالدته واحتدت نبرته..

-ولا الخيانة سهلة عشان هي تستحملها ياماما..

وهو رجل الخيانه ليست من شيمه.. الرمادية خارج قاموسه ولا يعترف بها .. أحبك وأكرهك ليس لهما ثالث.. قراره منبعه عقل يابس لا يقبل التفاهم ولا يحبذ التنازل على الرغم من أن قلبه يتنازل من أجل حبيبة قررت المضي والاستغناء..

تجاهل كمال كلاً من أمه وشقيقه الأصغر.. وبحكمة تخصه هو وحده تكلم..

-أنا عايزك تهدي وتفكري وتراجعي نفسك مرة واتنين وعشرة.. والقرار اللي انتي هتاخديه انا هدعمك فيه..

ويبدو أن الصغيرة أتخذت قرارها ، ملامح وجهها كانت جامدة كالرخام ، ونبرتها كانت حاسمة تشدد على حروفها جيداً..

-أنا خدت قراري خلاص ياكمال.. مش هقدر أعيش معاه بعد اللي شوفته..

والتتمة كانت لقاسم والذي قام من مكانه وشد من طوله.. ليقول منهياً حوار لا داعي لمناقشته بالأساس على الأقل من وجهة نظره..

-خلاص هي قالت اللي عيزاه.. واللي عيزاه انا اللي هعملهولها..
والواد ده هيطلقها والجزمة فوق رقبته.. خلص الكلام..

وغادر بهيمنة وترك خلفه أمه تندب حظ ابنتها العاثر ، وكمال مهدئاً لها يربت على ظهرها ويعدها بأن الأمور ستكون بخير رغم أن الوضع لا يعجبه! .. وأخرى انكمشت بجلستها وبذراعيها احتضنت جسدها تلتمس الدعم من داخلها..

..................... ***
إنني أضع حداً لحكايتنا..
هذا عناق عيني وعينكِ وفراق بيني وبينكِ !
فإن تدمع.. فقد دمعت عينٌ لي من قبل ، لا قميصَ تلقيه عليّ ليعود قلبي..!
لا حكاية لنا سوى ما كتبناه الآن... أنت في ودائع الله...وأنا في مهب النسيان...!
"نيرة"..

.......................

خلاص يازياد.. حياتكو مع بعض إنتهت لحد كده..

قالها الجد بحزن.. رأسه منحنية للأسفل يستند بيداه على ذراع كرسيه..
يجاوره قاسم مغضن جبينه عاقد حاجبيه والشرر يتطاير من نظراته ، وكمال والذي رغم هدوئه الظاهر الا أنه يكظم غيظه وغضبه
.. هز رأسه رفضاً.. يستنكر الموقف كله.. دقات قلبه تضرب أضلعه بعنف ، حاول وسيحاول لآخر نفس.. لن يدافع عن نفسه فهو مذنب ومخطئ وحقير وكل ما سيقولوه عنه صحيح وسيقبل وسيرضي.. المهم أن ترضي عنه هي وتعود، يكاد يجن من غيابها ولأول مرة منذ زواجهما ينام بمفرده على الفراش دونها .. برجاء متعب أردف. .

-خليني أتكلم معاها ياجدي.. أنا محتاج اتكلم معاها..

وقاسم ضاق ذرعه من حديثهم الممل.. ما الصعب في أنها تريد الطلاق؟!
فليحترموا رغبتها.. تحدث بغضب هادراً..

-بقولك هي خلاص مش عيزاك.. أنت ايه مبتفهمش..

فانفلتت أعصابه وهدر به..

-وانت مالك انت يااخي.. هو انا وجهتلك كلام!؟

أمسك كمال بذراع قاسم الذي تحرك من مكانه كي يضربه.. كظم غيظه وقال باقتضاب..

-نيرة مش عيزاك يازياد خلااص.. وأنا وقاسم بنقولك كدة لأن احنا أخواتها وهي بلغتنا بكدة..
تجاهلهم زياد ووجه حديثه لجده وحده.. قال متوسلاً..

-كلمها أنت ياجدي أنت لو كلمتها هتسمع كلامك..

وزعقة الجد كانت بمنتهى الحدة..

-مش هغصب عليها عشانك..

لم يستطع كبح جماح لسانه.. سأله بانفعال..

- اشمعني غصبت عليا أنا وأكرم..؟

وبسؤاله الوقح آثار غضب الجد وإشعال ثورته.. هدر به..

-لاا أنا غصبت على أكرم بس ، إنما أنت كنت ميال..
ملكش حق ولو بسيط انك تقول مغصوب.. محدش ضربك ع ايدك ولا حد قالك علقها بيك وشاغلها.. ولا انت مفكرنا نايمين ع ودانا ومش فاهمين..!!

وكلمة واحدة نطقها بحروفٍ مشددة..

-طلقها..!!
دمعه هاربه من مقلتيه ونظرة رجاء امتزجت برفض وندم صادق..

-مش هطلقها..

............ ***
سيقولون الحب جنة سيغرونك على دخولها.. سيتلاعبون بك وستخسر أنت، ستحترق بنار الفراق وألم الفقد.. ستموت كمداً وأنت ترى ذبولك يوماً بعد يوم..
... كعادة لم يتخلّ عنها.. يومياً وقت الغروب يقف على سطح المنزل بجوار حماماته.. يمسك بيده العلم الأحمر يلوح به وصافرته المرتفعة تجذبهم إليه من كل صوب.. يقف مستنداً بجسده على السور .. يضع بأذنيه سماعتي هاتفه يدندن بلحن ما .. وكأنه بعالم آخر لم ينتبه على تلك التي أتت وتحدثه منذ مدة.. بأصبعها طرقت على كتفه بخفة.. ليلتفت لها متفاجئاً.. نزع إحدى السماعات عن أذنيه وظلت واحدة معلقه بأذنه..
باستغراب سألها..

-حنين!! . . بتعملي ايه هنا..؟

زفرت بملل ثم قالت وهي تتلاعب بخصلاتها بلا اهتمام..

-بقالي مدة بندهلك وبسألك علفكرة.. بس انت مش هنا..

زوي مابين حاجبيه أكثر مستفهماً متجاهلاً لخصلاتها التي استطالت والتي يتوق للمسها والتلاعب بها بشدة ..

-بتسأليني ع ايه؟.. وبعدين مش احنا متخاصمين أصلاً

قوست شفتيها بحزن ، وعبست ملامحها كالأطفال ..

- خلاص بقى ياقاسم متبقاش قفوش..

ارتفع حاجباه بدهشة وهو يردد كلمة "قفوش" وتجاوزت هي وسألته بضيق شاب نبرتها..

-زياد عملتو معاه ايه.. انا زعلانة عشانه اوي!

كالعاده تثير غضبه وجنونه .. هتف بحدة غير مستوعب لما قالته..

-زعلانة عشانه ومش زعلانه ع نيرة..؟!

عارضته بطريقة أثارت تعجبه..

-أيوة زعلانه عشانه.. نيرة كفايه عليها زعلكو عشانها.. إنما زياد ملوش حد..

كز على أسنانه غيظاً ، وبفظاظته المعتادة رد عليها بما تستحقه..

-أنتي يابت أنتي معتوهه.. ولا حد ضربك على دماغك وطلعالي....؟
أخفي من وشي احسنلك..

تنهد باستياء بينما أشاح بوجهه عنها في غلظه تستحقها ، واقترب مرة أخرى من حافة السور وأطلق صافرة عالية أخرج بها القليل من كبته..
قطعت هي الصمت بسؤال أستدعي انتباهه ..

-هو انت ليه مبتعاملنيش زي نيرة ويارا؟!

.. حدق بها وقد ذهب غضبه أدراج الرياح ، لم يجيبها بل ظل على وقفته وتحديقه بها دقيقة كاملة.. أسرها بنظراته ، خجلت هي من تحديقه بها فأخفضت وجهها بالأخير آتاها صوته الاجش بنبرة تظهر عشقه ..

-عشان انتي مش زي نيره ولا زي يارا.. انتي مش زي اي حد

ثم همس باسمها وقلبه يخفق..

-حنين..!!

وبهدوء ردت..

-نعم..

أمسك بكفها وتلك تعتبر سابقة من نوعها.. وسحبها وراؤه بلطفٍ لا يشبهه..

-تعالى عايز اوريكي حاجه..

واقترب من أحد الخزائن الخشبية المخصصة للحمام وأشار بسبابته على أثنتين من الحمام الصغير..

-شايفة الزغاليل دي

والتمعت عيناه، وابتسم بعذوبة .. قال بتقرير عاشق..

-بتاعتك..

وقفت أمامه منتصف ظهرها ملتصق بصدره العريض تتأملهم بفرحة.. قالت بجزل..

الله شكلهم حلو اووي بس انا بخاف منهم..

ولأول مرة منذ بلغت هي وكبرت تكون بذلك القرب منه.. لأول مرة منذ سنوات يرى ملامحها الهادئة وضحكتها الجميلة .. وكأنها عادت تلك الفتاة ذات الأربعة عشر عاماً بجديلتها الطويلة دون عناد أو تمرد..
والقرب يهلكه وهو الذي صام عن كل شئ عداها.. دقات قلبه كانت تدوي كطبول المعارك .. ترك لمخيلته العنان وهو يحتضنها ومال قليلا بطوله واقترب بأنفه يشتم عطر خصلاتها الناعمة .. قال بولهٍ خالط أنفاسه الثائرة..

-هعلمك وهعودك.. هخليكي متخافيش منهم تاني.. هخليكي متخافيش من أي حاجة أبداً..

استدارت بوجهها وسألته بنظرتها قبل ثغرها..

-ولا منك!!

واتسعت ابتسامته الحلوة.. ومزاجه كان في أعلى مراحل السعادة ف الحلوة قد عادت.. هتف مهدداً يداعبها..

-لأ خافي مني.. عشان انا لو شوفت منك غلطة واحدة هطير رقبتك..

وضحكت هي الأخرى رغم أنها توترت من مزحه.. غيرت مجرى الحديث وهي تجذب سماعة أذنه الغير معلقة وتركت له واحدة ماتزال عالقة بأذنه ..

-بتسمع ايه.. سمعني كده!!

مد يده بجيب سرواله الرياضي وأخرج هاتفه.. ضغط ضغطتين تقريبا وقال..

-ثواني هشغلهالك م الاول

يطالعها بنظرات عاشقة وتبادله هي بصمت وابتسامة وفقط.. ثوانٍ وهتفت فرِحة..

-الله.. منييير. أغنيه تجنن..

ومابين نظرات لفتي عاشق حتى النخاع.. مهووس للحد الذي لا حد له.. ورغم أنه ينكر ورغم أنه لا يعترف إلا أن النظراات تصرخ بالعشق الخالص وألحان منير تصدح بأذنيهما بأغنية وكأنها كتبت لأجل تلك اللحظة..

.. سمع بكايا الحجر.. نهنه وقال مالك... مااالك..
فتفت جلبي وانا ببكي على حالك... حااالك..
في حاجة غالية عليك ياشتب ضيعالك.. ضيعالك..
... انا جولت ضاع الأمل مني ومش قايل..
ياحمام بتنوح ليييه.. فكرت عليا الحبايب
ياحمام ضاع منك ايييه.. دوبتني كده فوق مانا دايب.

يتبع الفصل التالي اضغط هنا 

الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية كاملة: "رواية بيت القاسم" اضغط على أسم الرواية
رواية بيت القاسم الفصل الثامن 8 بقلم ريهام محمود
princess

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent