رواية وعد بلا رحمة الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم ياسمين ابو حسين

الصفحة الرئيسية

 رواية وعد بلا رحمة الفصل الرابع والعشرون بقلم ياسمين ابو حسين

 رواية وعد بلا رحمة الفصل الرابع والعشرون

 فتحت لمى باب الشقة العتيق .. و دلفتا إلى الشقة بتوجس .. تطلعت وعد حولها فرأت ردهة كبيرة مقسمة ثلاثة أقسام .. الأول مكان مخصص لتناول الطعام مكون من طاولة كبيرة محاطة بستة مقاعد و خلفها خزانة للإحتفاظ بالأطباق و المعالق ....
الثانى .. مجموعة من المقاعد المذهبة مغطاة بشراشف بيضاء لحمايتها من الأتربة ... و الثالث مقاعد جلوس متراصة امام مكتبة كبيرة و عليها تلفاز قديم و الكثير من الكتب و التحف ....
زمت لمى شفتيها بضيق و قالت بتذمر :
_ يالهوى ... ده إحنا هنتعب جدا .

سارت وعد قليلا و توجهت ناحية المطبخ و عاينته بيأس من حالته المزرية .. و الأسوء أن المرحاض متصل به .. صحيح منفصل و لكن يفصلهما حائط ... خرجت و سارت مجددا و لكن هذه المرة ناحية غرفتى النوم .. الأولى كانت غرفة النوم الرئيسية و مكونة من فراش حديدى بأعمدة و محاط بستائر شفافة جعلته رغم الأتربة العالقة به ساحرا .. و بجواره طاولة الزينة و بها مرآة مميزة بنقوشاتها النادرة و خزانة كبيرة و فخمة ... و إثنين من الكمود على كلا منهما مصباح كهربائى على شكل حورية حاملة شعلة فى يدها ...
تركت وعد تلك الغرفة و توجهت للغرفة المجاورة فإبتسمت على الفور .. لقد كانت غرفة لطفلين أحدهما فتى و الأخرى فتاة .. فأيقنت أنها غرفة جاسم و علا .. فهناك فراش باللون الأزرق و فوقه صور للاعبين كرة .. و سيارات .. و الآخر فراش وردى حوله على الحائط صور شخصيات كرتونية ...

إتسعت إبتسامة وعد و توجهت للمكتب الصغير بجوار فراش جاسم و لامست السيارات اللعبة الصغيرة و تطلعت حولها مجددا وهزت رأسها قائلة بيأس :
_ الشقة دى مستحيل تنضف فى يوم واحد .
وخرجت و وقفت بجوار لمى و قالت بضيق :
_ هنعمل إيه يا قطتى .
هزت لمى كتفيها و قالت بتلقائية :
_ هنضفها طبعا .. يالا نغير هدومنا و نبدأ علشان تلاقوا مكان تناموا فيه .
خلعت وعد حجابها و قالت بحماس :
_ يالا بسم الله المستعان .

.............................................................................................................................................
.....................

إنقضت ساعات طويلة و الفتاتان تعملان بهمة و نشاط .. رن هاتف وعد فأجابت بوهن :
_ أيوة يا سامر ... إنت جيت تحت .
_ أيوة .. هطلع الأجهزة مع العمال ... تمام .
مسحت عرقها المتجمع على وجهها و أجابته قائلة بموافقة ،
_ تمام .. إطلع .
دلفت إحدى الغرف و أغلقت عليها الباب و حملت بساط الغرفة و نفضته من الأتربة فى الشرفة و تعالى سعالها .. بعدما هدأت الأتربة تطلعت بالأسفل فرأت جاسم يودع العمال .. فدلفت للغرفة و خرجت فرأت سامر يتطلع للمبرد بتعجب .. فإقتربت منه قائلة :
_ مش بتشتغل كده يا إبنى إنت .
إلتفت للخلف فشهق بصوت عالى و قال بذعر :
_ بسم الله الحفيظ .. إنتى مين يا ست إنتى .
قطبت وعد جبينها و قالت بحدة :
_ لا و الله .. أنا وعد يا أخويا .
تطلع لهيأتها المزرية و عقدة رأسها المتسخة و وجهها المختفى تحت الأتربة و عبائتها الفضفاضة المعقودة على خصرها و ذلك السروال القطنى أسفلها .. فقال بتوجس :
_ وعد مين .. قولى كلمة السر علشان أصدق .
خرجت لمى من الغرفة الاخرى و هى تضحك بشدة على تهكم سامر على وعد ... فتطلع إليها سامر بتوجس و قال بقلق :
_ و دى إيه دى كمان .. دى قرينك يا زواوى ... قصدى يا وعد .
ضحكت وعد بشدة على تهكمه على لمى .. بينما وضعت لمى ذراعيها بخصره و قالت بضيق :
_ أنا لمى .. إنت للدرجة دى مش عارفنى .
تطلع لشعراتها و التى تحول لونها للرمادى و وجهها المموه كضباط الجيش ... و ملابسها الفضفاضة المتسخة .. و قال بإزدراء :
_ أعرف إيه بس .. محدش قالى إنه فى هنا حفلة تنكرية .
ضربه جاسم على رأسه و قال بحدة :
_ بتتريق على مراتى ياض .. ده أنا هنفخك .
و دلف جاسم لداخل الشقة فتفاجأ بهيئة وعد و لمى فقال بتعجب :
_ إيه ده .. مالهم دول .
أشاحت لمى بيدها بتذمر و قالت بضيق :
_ يوووه .. دى الحفلة علينا النهاردة بقا .
وقفت وعد بجوارها و قالت بغضب :
_ لو سمحتم .. حطوا الأجهزة دى مكانها وإنزلوا بقا تعبنا و عاوزين نخلص .
لف جاسم حولهما و قال بحيرة :
_ ده إنتوا لو طالعين من حادثة قطر ... مش هيبقى شكلكم كده برضه .
زمت وعد شفتيها بضيق و دفعته بذراعيها و ما أن إقتربت من سامر أيضا حتى دفعتهما سويا خارج الشقة و قالت بحدة :
_ يالا برة .. مش كفاية تعبانين .. هتتريقوا كمان ده بدل ما تقولوا شكرا ... برة .
و أغلقت الباب بوجههم .. إستند سامر على الحائط و قال بضيق :
_ متجوز هولاكو .. دى مفترية .
رفع جاسم حاجبيه و قال بتحذير غاضب :
_ قدامك عشر ثوانى و تختفى من قدامى لهعمل معاك الغلط .
تحرك سامر مسرعا و قال بسخرية :
_ فعلا ... آخرة خدمة الغز علقة .. انا اللى غلطان اللى عبرتكم أصلا .
هز جاسم رأسه بيأس و هبط الدرج ورائه .... فتح سامر باب سيارته وهو يتمتم بغضب ..إستقل السيارة فوقف جاسم مستندا على السيارة و قال بقلق :
_ مالك قالى إن روضة متراقبة من رجالة ال ***** ده .. مش عارف هنرتاح منه إمتى .
تنهد سامر مطولا بقلق و قال بهدوء :
_ أهم حاجة نبقى بخير .. و ربنا أكيد هيحمينا من شره .
تطلع جاسم بالنيل و بالغروب .. و قال بشجن :
_ خايف أخسر وعد يا سامر .. ممكن ربنا يعاقبنى فيها .
ترجل سامر من السيارة و وقف بجواره و قال لطمأنته :
_ بلاش التشائم ده .. وعد إن شاء الله هتفضل كويسة طول ما إنت جنبها .
_ يا رب ... رجالتنا فى كل مكان حوالين البيت .
أومأ سامر برأسه و قال مؤكدا :
_ أيوة .. ده غير إسبوتات النور اللى فى كل مكان .. يعنى مافيش دبانة هتعدى .
تطلع إليه جاسم بإبتسامة هادئة و قال بإمتنان :
_ ربنا يخلينا لبعض يا صاحبى .. إمشى إنت بقا .
ربت سامر على ذراعه و قال :
_ تمام .. لو إحتجت حاجة فى أى وقت كلمنى .. سلام .
و إستقل سيارته مجددا .. فإبتعد جاسم عنها .. فأدارها سامر و إنطلق ...
جلس جاسم على صخرة كبيرة امام سفح النيل و هو شارد بكل ما حدث معه منذ رآها .. تغيرت حياته و أصبح لديه أخيرا ما يخشى عليه .. رفع عينيه ناحية شقته فوجدها تنظف النافذة .. فإبتسم بيأس و هو يطالعها بنظرات مشتاقة .. لم القلق .. يكفى أنها بجواره و فقط ...

..............................................................................................................................................
................

حين نشعر بالأمان والثقه المطلقه.. يخلق بداخلنا الحب بكل ألوانه الزاهية شعور الأمان أعلى منزلة من الحب.. لأن أي شخص على وجه الأرض قادر أن يمنحك الحب.. لكن نادراً ما تجد شخص يجعلك تشعر بالأمان .. ويجعل كل أيامك تمُر وكل شيء بداخلك مطمئن بدون خوف وقلق.. يمكنك أن تقول عنه "شعور يشبه النسيم البارد بعد المطر" الفرق الوحيد أن النسيم يمر بجانبك وهذا يسكن صدرك.....

نعم هي بعيدة عنه و ربما ليست له.. لكن قلبه...... كيف له أن يقنعه بأن ما مر به مجرد حلم عابر لشخص لم يتحرك قلبه لإمرأة كما تحرك لها.. دقائق كانت كفيلة بأن تجعله تائه حتي عن نفسه.. و لا يشعر بالراحة و الآمان سوى و هو يطالعها من بعيد بشرودها بهيئتها التي سلبته رشده.. لكنها اليوم لم تظهر.. ربما مريضة أو هناك خطب ما منعها من الجلوس كعادتها عالنيل.. بقي يطالع المنزل و كل تلك الأشياء التي تم شحنها داخله.. و أولئك الأشخاص الذي يسكنون البيت جديدا... و إن كان شخص واحد هو سبب قلقه و بعده عنها، فأصبح الآن أشخاص كثيرون.. و كل ما يشغل باله.. ما كل هؤلاء الحرس و كأنه القصر الجمهورى... قرر رحم ساقيه و العودة لقاربه مجددا.. و لكن أوقفه صوت قائلا بخشونة :
_ إستنى عندك!!!
إنتبه جاسم لذلك الظل من خلف أحد النخيل و الذى يفضح صاحبه المتسلل فأخرج سلاحه من بنطاله و تحرك ببطئ كوحش سينقض علي فريسته.. عندما إقترب لاحظ إنصراف ذلك الشخص فقال له بحذر:
_ إستنى عندك!!
إلتفت يحيي و هو يطالعه بتفحص.. بينما قال جاسم بترقب و هو يطالع هيأته:
_ إنت مين؟!! و بتعمل إيه عندك و واقف تراقب البيت ليه إنطق؟!!
وضع يحيي يديه بجيبي بنطاله و قال ببرود ملائم له:
_ واقف في أرض الله الواسعة عندك مانع.
قطب جاسم حاجبيه بغضب من ذلك المتطفل.. ربما هو من رجال أمير و يراقب البيت كي يصطادهم.. سحب آمان سلاحه و قال بحدة:
_ أيوة عندى.. دى أرضي و ده بيتي، و لو ما قولتش إنت مين و هنا بتعمل إيه؛ أهلك هيصلوا عليك علي طلوع النهار.
تطلع إليه يحيي بسخرية و إقترب منه بخطوات واثقة و هو يقول بهدوء:
_ بتعرف تستخدم المسدس ده و لا هتعور نفسك يا شاطر.
رمي جاسم سلاحه بعيدا و لكمه بغضب و هو يهدر بعنف:
_ الشاطر ده في المدرسة يا عين خالتك.. تعالي اوريك مين اللي هيتعور النهاردة يا كلب الفلوس.
انقض عليه و حاول لكمه و لكن يحيي تفادى لكمته بتمرس.. و مازالت يديه بجيبه.. عاد جاسم و حاول لكمه مجددا.. و لكنه تفاداها و إبتسم بسخرية.. إنحني جاسم قليلا و فرد ساقه و بحركة دائرية علي الأرض سقط يحيي تحت قدميه.. لم يمهله الوقت و إنقض عليه يكيل له اللكمات.. ثني يحيي ركبتيه و دفعه بعيدا عنه من صدره و إنقض هو عليه و ثبت ذراعيه بالأرض و هو يقول بغضب:
_ لو إتغابيت عليك هقسمك نصين بس انا ماسك نفسي.. ايه حكاية كلب الفلوس دى.
إشتعلت عيني جاسم و رفع رأسه قليلا و ضرب رأسه بمقدمه رأسه فترنح يحيي قليلا.. إستغل جاسم ترنحه و إرتمي بجسده عليه و هو يعود للكماته قائلا:
_ مش إنت كلب من كلاب أمير.. ده انا هقطعك و أرمي لحمك للكلاب يا ******* .
دفعه يحيي بعيدا عنه و قال بتساؤل متعجب:
_ أمير مين و سلطان مين.. إنت بتتكلم عن إيه يا عم إنت.
تعالي صوتهم فتجمع رجال جاسم و إنقضوا علي يحيي و كبلوا ذراعيه و أوقفوه امام جاسم الذى قبض علي ذقنه بقوة و هو يهدر بغضب أعمى:
_ و إنت فاكر لما تستعبط و تعمل فيها غبي هتخيل عليا.. ده انا مر عليا اللي العن منك.
حاول يحيي تخليص نفسه من قبضة رجال قاسم و هو يقول بصعوبة من قبضة جاسم حول فكه:
_ خليهم يسيبوني و أنا هعرفك مين فينا الغبي.
إلتقط جاسم سلاحه من الأرض و صوبه ناحيته قائلا بنظرات قاتمة و صوت اجش حاد:
_ إتشاهد علي نفسك.
لم تكن تشعر بساقيها و هي تهرول علي درج البناية بعدما رأت جاسم يصوب سلاحه ناحية يحيي.. خرجت من البناية حافية القدمين و شعرها مبلل و ملابسها بحالة يرثها و قد إرتدتها مسرعة.. و من العدم كانت تقف أمام فوهة سلاح جاسم و قالت بلهاث:
_ يحيي لأ.. ده.. ده مالوش علاقة لا بأمير و لا بقصصنا خالص.
طالعها يحيي بغضب و هو يري جسدها الذى أظهره ذلك القميص الشفاف رغم طوله و الذي عكس جسدها بتلك الاضاءة الخافتة .. بقوة غريبة بداخله نفض الجسدين المحاصرين له و يكبلوا ذراعيه و خلع قميصه بحركة واحدة تطاير بها أزراره و اتجه نحوها و لف كتفيها به و هو يصرخ قائلا:
_ إنتي أيه اللي خرجك من البيت كده.. إتجننتي في عقلك.
هجم عليه هذين الرجلين مجددا و كبلوه بينما إقترب جاسم من لمى و سألها بتعجب:
_ يحيي مين إنتي تعرفيه؟!!
إنتبهت لهيأتها المذرية فقالت علي عجل و هي تضم قميص يحيي بكلتا يديها بإستحياء:
_ أيوة أعرفه هو بيشتغل بالبحر و إتعرفنا علي بعض و انا قاعدة بمرة هنا.
أخفض جاسم سلاحه و خلع سترته و ناولها إياها و قال بعقلانية:
_ إطلعي إلبسي و إنزليلي علي طول، عاوز أفهم هو في ايه بالظبط؟!
إلتفتت ليحيي الذي يحاول تخليص نفسه و هدر بها بعصبية:
_ إطلعي إلبسي زى ما قالك يالااااااا.
عادت بعينيها لجاسم الذى طمئنها بعينيه.. فعادت للبناية مسرعة.. بينما إقترب جاسم من يحيي و هو يخترق عينيه بنظراته قائلا بجمود:
_ سيبوه.
ترك الرجلان يحيي الذى أعاد شعراته الطويلة خلف رأسه و رفع سبابته بوجه جاسم قائلا بتهديد حاد:
_ هتدفع تمن اللي عملته معايا غالي قوى.
تغاضي جاسم عن ما قاله و بنبرة آمرة قال:
_ إتفضل جوة في المضيفة و فهمني إنت مين و هنا بتعمل إيه و تعرف لمى منين.
لم يمهله وقت للرد و إستدار ناحية البناية و يحيي يتابعه بجمود و بعد ثواني تبعه في هدوء.. هبطت لمى الدرج مسرعة فرأت إضاءة المضيفة بالطابق السفلي مضاءة.. فدخلت مسرعة و هي تحمل قميص يحيي و قالت بتلعثم:
_ يا جاسم هو مش وحش.. يحيي حد ما يعرفناش و لا يعرف أمير.. ده باباه عنده مراكب و بيشتغلوا عليها و شافني من البحر و...... .
قاطعها جاسم قائلا بإبتسامة شفقة علي حالها:
_ طب إهدى بس هو عرفني عليه و وراني بطاقته و انا اعرف والده راجل محترم جدا و الكل بيشهدله بالاحترام و النزاهة.
وضعت يدها علي صدرها متنفسة الصعداء و عادت بظهرها لتجلس بجواره.. فلاحظت إتساع عيني جاسم و انفاس ساخنة من خلفها تلفح مؤخرة رأسها.. إتسعت عيناها و إلتفتت لتجد نفسها جالسة علي ساقي يحيي المبتسم بهدوء.. إنتفضت واقفة و كأنه قرصها عقرب و قالت بإستحياء و هي تفرك أصابعها:
_ انا آسفة و الله.. أصلي متوترة خالص و مش عارفة بعمل إيه .. و كنت خايفة لما شوفت المسدس و كده و لا ع...... .
رفع جاسم عينيه بملل و قاطعها مجددا و هو يقول:
_ يا بنتي بـــــــــــس إنتي إيه محطة إذاعة.. إقعدى و إسكتي.
كادت ان تجلس علي ساقي يحيي مجددا من إرتباكها من صدره العارى و هيأته اللذيذة كعادته.. رغم الكدمات التي ما أن رأتها حتي صرخت قاىلة بفزع:
_ إيه ده.. ايه اللي عمل بوشك كده؟!!
سحب قميصه من يدها و إرتداه قائلا بلامبالاة:
_ ما تقلقيش شوية كدمات بس.
جلست بجواره و هي تقول بإشفاق و تساؤل مرير:
_ و إنت إيه اللي جابك هنا أصلا.. مش ضحكت عليا و طلعت بتلعب بيا.. جاي تاني ليه.. تعرف إنت تستاهل الضرب اللي إتضربته.
إلتفت ناحيتها بكامل جسده و أجابها بنبرة تحمل كل الغضب و نظرات تكاد تحرقها من شدتها.. و جاسم يتابع حوارهما بتعجب:
_ أنا اللي لعبت بيكي.. انا راجل إبن راجل و عمرى ما العب بحد و كلمتي واحدة.. انا جيت تاني يوم و لقيتك قاعدة مع.... مع خطيبك مش كده.
رفعت طرف شفتها العلوى و إعتدلت بجلستها لأنها منهكة بعد حفلة التعذيب اقصد التنظيف بشقة وعد و جاسم و قالت له بإستنكار قوى:
_ خطيب مين.. انا ماليش خطيب.
و كأن تروس عقلها قد عادت للعمل و تذكرت أنها بالفعل في ذلك اليوم كانت تجلس مع سامر بإنتظاره.. من المؤكد انه رآهما و إعتقد أنها خط...... .
قطعت تفكيرها و هي تقول مسرعة:
_ ايوة إفتكرت ده سامر مش خطيبي و لا حاجة و حكيتله عنك و كان بيستناك علشان يتعرف عليك هو خاطب اخت جاسم و هيتجوزوا قريب.. انا ماليش علاقة بيه.
ضرب جاسم مقدمة رأسه بملل و قال فاقدا صبره:
_ ممكن كلامكم يكون معايا و حد يفهمني اللي بيحصل انا يومي كان طويل و تعبان و هموت و انام.
عادت لمى بعينيها لجاسم و قالت ببرائتها المعهودة:
_ انا اتعرفت علي يحيي و انا قاعدة عالنيل قدام البيت و قالي انه هيتجوزني.
ضحك جاسم ضحكة عالية و قال بإستهزاء:
_ و إنتي اي حد يقولك أي كلام تصدقيه يا غبية هانم إنتي.
إشتعلت عيني يحيي و هدر به بعصبية قائلا:
_ هي مين دى اللي غبية ما تحترم نفسك يا جدع إنت.
تطاير الإرهاق من عينيه و وقف نافشا جسده الضخم و هو يقول بغضب:
_ ما هو انا مستني أتعلم الإحترام من عيل تافه بقُصة و ديل حصان زيك.
وقف يحيي امامه و ما ان فتح فمه ليكيل له السباب و افظع الكلمات النابية حتي وقفت لمى بينهما و قالت لإنقاذ الموقف قبل عودتهما للشجار:
_ بااااااااااااس بقاا .. ممكن لحظة نظام لو سمحتم.
و إلتفتت ليحيي المتطلع لجاسم بغضب أعمى و قالت مسرعة:
_ جاسم ده اكتر من أخويا و سامر و مالك كمان.. هما ليهم فضل عليا لدرجة لو قالولي أرمي نفسي بالبحر مش هتردد وهرمي نفسي دول انقذوني وأنقذوا شرفي.
طالعها يحيي ببلاهة و سألها بتعجب:
_ شرفك؟!!!
خرج صوت جاسم حاد ثاقب بنبرة آمرة و هو يقول بحزم:
_ علي فوق يا لمى يالا.
أومأت له برأسها و طالعت يحيي قليلا قبل ان تقول له:
_ إسمع كل اللي حصل من جاسم و ليك مطلق الحرية في إنك تكون عند كلمتك معايا.. أو تسحبها مش هزعل منك.
وتركتهم و غادرت صاعدة الدرج مسرعة و دموعها تسبقها... إبتلع يحيي ريقه مهدئا انفاسه اللاهثة و إقترب من جاسم و هو يرفع كفيه بإستسلام قائلا بتساؤل حذر:
_ لو سمحت البنت دى عندى اغلي ما كنت انا نفسي أتصور.. إحكيلي كل حاجة عنها و ايه حكاية انكم أنقذتوا شرفها ده؟!!
رغم إنهاكه و شعور التعب المسيطر عليه و آلام جسده من ضربات ذلك السفيق الواقف أمامه إلا انه أشار له بيده ان يجلس مجدداا و جلس امامه و قص عليه كل شئ له علاقة بالدار و بامير و خططه القذرة و بحمايتهم للمى و لانفسهم منه....

كان يستمع إليه و تتفاوت ملامحه بين الإنصات و التعجب و القلق و الصدمة و...... و الغضب نظراته اصبحت سوداء كشعراته الطويلة و صكه لأسنانه كاد ان يقتلعها من جذورها و ما ان إنتهي جاسم حتي سحب جسده و اصبح مقابلا له و هو يقول بنبرة سوداء كنظراته:
_ إسمه إيه و ألاقيه فين قولي حالا.
مرر جاسم انامله بشعراته و هو يقول بسخرية:
_ تفتكر لو اعرف هو فين كنت هبقي محصن البيت علي لمى و مراتي بالشكل.. بس يقع بإيدى و انا هشرب من دمه.
وقف يحيي امامه و قال بحزم قاطع و هو يمد كفه ناحية جاسم:
_ إيدي بإيدك و رجالتك مع رجالتي و علاقاتك مع علاقاتي وبوقت قليل كلنا هنشرب من دمه.
وقف جاسم بدوره و صافحه قائلا بترحاب:
_ خوفك علي لمى يخليني أثق فيك و معرفتي بجدعنة والدك تخليني احط إيدي بإيدك و انا مطمن و إحنا قدها إن شاء الله.
ربت يحيي علي كفه و قال بهدوء:
_ انا عليا تأمين البحر اخاف حد يدخل منه زى ما دخلت انا و محدش حس بيا و امير ده هقلب عليه خرم خرم في مصر كلها.. اسيبك أنا ترتاح.. هنتقابل كتير اليومين الجايين لغاية ما تنزاح الغمة و أطلب منك إيد لمى.
هز جاسم راسه بتعب و قال بتمني:
_ يا رب إن شاء الله.
تركه يحيي و إنصرف.. اطفأ إضاءة المضيفة و أغلقها و أغلق باب البناية بإحكام و صعد الدرج و هو يبتسم بتعب لما قد يكون منتظره من زوبعته القاتلة المسمااااااة.. زوجته.

*******************
يوم مرهق آخر.. و نهايته غير متوقعة علي الإطلاق من كان يظن أن لمى و بتلك الفترة القصيرة ستقع في عشق ذلك السفيق المسمى بيحيي.. كلما تذكر نظراتها إليه و دفاعها عنه و وقوفها أمام سلاحي كي تحميه اتعجب أكثر..
كانت قدماه تسقط فوق درج المنزل بلامبالاة.. كلما توجه ناحيتها كانت خطواته تبدو و كأنها ركض أو هرولة و الآن بات يخشي مواجهتها و التواجد معها.. ليس منها و لكن عليها.. فشوقه لها فاق كل الحدود و بات ينهشه دون رحمة.. ما المؤلم أكثر من ان تكون عطشاناً و أمامك الماء و لا تستطيع السُقيا... فهي ماؤه و ترياقه و شهرزاده العنيدة....
وقف أمام باب شقة عائلته القديمة بمشاعر ممتزجة ما بين نوستالجيا لأيام الصغر.. و حنين لتلك الذوبعة القابعة بالداخل و التي ستخضعه بمستشفي الأمراض النفسية عما قريب...
دلف للداخل و هو يرجوا من الله أن تمر ليلته علي خير.. بحث عنها بعينيه بكل مكان لم يجدها... حتي وصل لمسامعه صوت تدفق المياة بالحمام فعلم أنها تستحم بعد هذا اليوم الشاق.. الشقة لم تكن كاملة النظافة و لكن أفضل بكثير مما كانت عليه.. خلع سترته و اخفي سلاحه بأحد أدراج تلك المكتبة العتيقة و دلف للمطبخ لغسل وشه بالماء لكي تعمل تروس عقله تلك الدقائق القليلة المتبقية من ذلك اليوم الشاااق...
فتح الصنبور الذى تدفقت منه المياة و بعد ثواني إختل توازنه و إندفع الماء منه بوجه جاسم جعله يترنح للوراء من شدته.. كلما إقترب قوة الماء كانت تدفعه للخلف.. وقفت وعد ورائه تتابعه و هي تضحك ضحكاتها العالية من هيأته المذرية و هو مبلل كليا بالماء.. كان يصد إندفاع المياة بكفيه و يقول بنبرة غاضبة:
_ إنتي واقفة تتفرجي عليا و تضحكي.. هاتي حاجة أسد بيها النافورة دى غرقت.
خلعت المنشفة من علي رأسها فإنهمرت شلالات شعراتها تغطيها و مدت يدها ناحيته بها.. تغاضي عن هيأتها و ما تفعله به و إلتقط المنشفة و سد بها فتحة المياة بالحائط و هو يهدر بعصبية علي هدوئها قائلا:
_ يا وعد إقفلي محبس الماية الرئيسي هيجيلي ربو من الماية حرام عليكي.
لاحظت إبتلاله الشديد بالماء فركضت ناحية غالق المياة الرئيسي و لكنها دون ان تشعر إنزلقت قدامها و سقطت أرضا.. إلتفت جاسم ناحيتها و تعالت ضحكاته من هيأتها و هي ممددة بمأزر إستحمامها و الذي إمتص المياة من علي الأرض و صوت تأوهها منحه حاله من النشوة و التشفي.. لاحظ زيادة تألمها فترك المنشفة و اتجه ناحيتها فإندفع الماء مجددا و دفعه بقوة فتعثرت قدميه بجسد وعد و إنزلق بجوارها...
رغم آلام ساقها إلا أنها ضحكت ضحك هيستيري عليه و هو يسقط بجوارها... حاول جاسم الجلوس و هو يقول بنبرة متأوهه:
_ ملحقتش اشمت فيكي.. انتي مخاوية و لا إيه.
دفعته بعيدا عنها و هي تقول بزمجرة خفيفة:
_ يا اخي إوعي.. و قوم شوف حل للمطرة اللي فوقينا ده هنتكهرب.
وقف بتثاقل و اتجه ناحية محبس المياة و أغلقه مسرعا.. و عاد إليها مد يده ناحيتها و ساعدها علي النهوض قائلا بإشفاق:
_ قومي بسرعة يالا و غيري البرنُس بتاعك ده كله ماية هتبردى.
تشبثت بيده و إستطاعت الوقوف و هي تمسد ساقها.. بينما حملها جاسم بين ذراعيه بحركة مفاجئة.. فصرخت هي قائلة بإنزعاج:
_ إنت بتعمل إيه نزلني.
لم يتطلع بعينيها و قال و هو يسير ناحية غرفة والدته القديمة:
_ رجلك و واضح إنها وجعتك هتمشي إزاى و لا هو عناد و خلاص.
لم تكن تمتلك القدرة لمجادلته من آلام ساقها .. و ربما رائحة عطره هي ما جعلتها تسكن بين يديه.. ولما لم يكن تلك الضربات التي تطرق بجانبها كمطرقة حديدية من شدتها و صوتها قد وصل لمسامعها.. فقلبه لا يهدر هكذا سوى بحضرتها... دلف بها للغرفة و أنزلها علي ساقيها بهدوء و حذر و اجلسها علي مقعد عتيق قائلا بقلق و هو يتفحص ساقيها:
_ رجلك اللي وجعاكي اي واحدة خليني اطمن عليكي.
كانت لمساته دافئة علي جسدها المبتل البارد.. كما النار التى تذيب الجليد.. تعالا صدرها بأنفاس متقطعة و عينيها تجول علي شعراته التي إلتصقت بوجهه و هيأته الجذابة و نظراته التي ترجمت ما يدور بعقلها و كأن ذبذباتها قد إخترقت صدره و إمتزجت مع قصف قلبه فإزداد قصفا... و رغبة...

*************************************************

جلس الجميع بشقة نجاة جدة جاسم و القلق هو الكاسي لوجوههم و الوحيدة التي لا تنضب دموعها و ملتزمة الصمت هي.. وعد.. مر ثلاثة أيام و جاسم ليس له آثر.. كل ما تركه خلفه رسالة علي هاتف سامر نصها:
_ سامر.. أنا تعبان و عاوز أكون لواحدى.. محدش يدور عليا بس سيبتلك الرسالة دى علشان تطمن الكل عنى.
جلست دولت بجوار وعد و سالتها برجاء أم قلبها ينفطر علي غياب ولدها:
_ يا وعد يا حبيبتي لو حصل حاجه بينكم عرفينا يا بنتي.. طب مقالش رايح فين.. وليه قال انه تعبان يا بنتي إتكلمي.
لاحظت روضة إهتزاز أنامل وعد بتوتر بالغ.. خشيت عليها من أن تدخل بنوبة من نوباتها القديمة.. فوقفت مسرعة و حاوطت كتفي وعد بحنو و قالت بهدوء قلق:
_ قومي يا حبيبتي نطلع شقتك إنتي ما إرتاحتيش بقالك كام يوم.. يالا.
وقفت وعد بتثاقل فهي فعلا لم تنم و لم تأكل سوى القليل منذ تلك الليلة.. كانت تسير بوجوم و هي تلعن عقلها البائس.. المريض.. لأول مرة تعترف بمرضها و إحتياجها لتدخل طبي.. نار تنهش بقلبها قلقاً عليه... ماذا فعل كي ينول منها ما ناله كل الأيام السابقة... هل إختياره لها و عشقه و ما فعله من أجلها سواء وافقت طريقته او إختلفت معها يستحق ذلك العذاب الذى صبته فوق رأسه صبا... كلما تذكرت ليلتهم الأخيرة و ما آلت إليه.. يعتصر الألم قلبها.. فآخر نظرات بينهما قتلتها و اصابتها بالعجز.. اما جملته التي تخترق عقلها و قلبها و تنزل عليهما كما النصل الحاد الذي يقطع و يسبب نزيفا... جملة خرجت منه بنبرة ميتة و نظرات عميقة، سوداء.. حينما وقف امامها بكل كبريائه و قوته و رجولته المطعونة في مقتل قائلا:
_ إنتي طالق.. يا وعد.
وضعت وعد كفيها علي أذنيها و حاولت محو صوته من رأسها و هي تصرخ بهيستيرية و ألم:
_ غبية... انا غبية.. عمرى ما هسامح نفسي.. انا بكره نفسي.. يا رب خدني بقاااا.
ركضت روضة ناحيتها و ضمتها بكلتا ذراعيها إليها و هي تقول بتعجب ممزوج بالإشفاق:
_ إهدى يا وعد.. إهدى و إذكرى الله كل حاجة هتتصلح.
دفعتها وعد بعيدا عنها و وقفت و هي تهذي بهيستيرية محطمة كل ما تناله يديها:
_ مافيش حاجه هتتصلح.. جاسم خلاص.. طلقني.. إنتي سامعة طلقني.
إتسعت عيني روضة و وقفت ببطء شديد مصعوقة مما قالته.. خرجت من صدمتها علي إرتطام زجاجات العطر بأرضية الغرفة تاركة شظاياها بكل مكان.. كشظايا وعد المبعثرة و الواقفة امامها في حالة جنون....
إلتفتت روضة علي طرقات لباب شقة وعد و جاسم.. فكرت قليلا و إتجهت ناحية وعد وحضنت وجهها بين كفيها و قالت لها بنبرة آمرة:
_ إوعي تنطقي عن موضوع طلاقك ده حرف إنتي سامعة.
كانت الطرقات علي الباب تزداد.. بينما تهدلت ملامح وعد و هي تطالع روضة بألم و حزن.. ربتت روضة علي وجنتيها و قالت بحنو:
_ اوعدك جاسم هيرجعلك و انتي كمان لازم ترجعي قبله.. و انا عمرى ما اخلف وعدى.. مصدقاني.
اومأت وعد برأسها و هي تمني نفسها بصدق ما قالته روضة.. فروضة لم تخلف وعدا من قبل و ربما قادرة علي حل تلك المشكلة و ان تعيد جاسم إليها و حينها ستسقط تحت قدميه طالبة لعفوه و رضاه..
إبتعدت روضة عنها و إتجهت ناحية الباب و انزلت نقابها علي وجهها و فتحته حتي وجدت أمها و مالك و عمرو يطالعنها بقلق.. سمحت لهما بالدخول و اشارت لهما علي غرفة آخرى بجوار غرفة وعد.. لم يتحدثوا فقط إلتزموا بنظرتها و تبعوها.. ما أن دخلا حتي أغلقت روضة الباب و إستدارت ناحية امها و هى تطالعها بنظرات قاتمة خالية من أى رحمة و هي تهدر بها بنبرة منخفضة قائلة:
_ قولتلك جواز وعد من جاسم هتكون نهايته كارثة.. و إنك بتضريها لو سمحتولها إنها تتجوزه.. إتهمتيني إني بغير منها علشان هتتجوز قبلي.. حالتها النفسية كانت زفت و حذرتك.. إشربي.. جاسم.. طلق وعد.
تعالت الشهقات من حولها و سقطت سلوى علي فراش بخلفها جالسة و وجهها تعلوه الصدمة و الوجوم.. لم ترأف روضة بحالتها فجثت علي ركبتيها أمامها و قالت بعنف لا يليق بها:
_ إنتي دمرتيها و هي صغيرة و رجعتي دمرتيها بجوازها.. لأنك مش عارفة حالتها النفسية.. لأنك غريبة عننا.. إنت فعلا ظلمك اللي عملك أم.
كانت سلوى تتلقف كلماتها كالسهام بصدرها فأغمضت عينيها بوهن مطلقة لعبراتها العنان.. إنحني مالك قليلا و جذب روضة من ذراعها و ضمها إليه غير مبالي بمن حوله و رفع نقابها و هو يلفها نحوه متطلعا بعينيها التي إتسع سوادهما و أختفت منهما الحياة و شدد بقبضته علي ذراعيها قائلا برفق:
_ إهدى يا روضة... و ما تقلقيش علي وعد.. إحنا النهاردة هنكلم الدكتور بتاعها و هو هينصحنا نعمل إيه معاها و الله يا قلبي كل حاجة هتتصلح و هترجع احسن.
سحبت نفسا طويلا و سالته بأمل:
_ تفتكر يا مالك كل حاجة هتتصلح.
أومأ برأسه و هو يقول بتأكيد واثق:
_ ظني بالله عمره ما خاب يا روضة مش ده كلامك.
إبتسمت عيناها و هي تنخرط عن محيطها و تذوب في شهد عينيه... التي تمنحها الثقة و الدفء و اللهفة التي تجذبها و تجذبها ناحيته... فعلا فظنها بالله لم و لن يخيب.. تحديدا بعدما رزقها حبه و كل رجائها ان يدوم هنائها و فرحتها معه للأبد .. و ألا تضرب العواصف حياتهما كما حدث مع وعد و جاسم...

خرج عمرو مصدوما مما سمع و وقف قليلا يستنشق أي ذرة هواء متجولة.. كأنما إختفي الهواء من حوله و صدره يضيق و يضيق.. إلتفت برأسه فرأى وعد جالسة علي طرف فراشها تحدج باللاشئ.. بنظرات خاوية منهزمة.. متمسكة بطرف الفراش كانها تتشبث به من الوقوع..... و كأن سكينا قد طعنه في قلبه... سار نحوها و جلس بجوارها و لف ذراعه حول كتفها و ضمها لصدره قائلا:
_ و انتي صغيرة يوم لما مات زميلك اللي كان معاكي بالفصل و دخلتي لأول مرة بالغيبوبة.. قعدت جنبك و مسكت إيدك و عدتك وعد إني عمرى ما هسمح لحاجة تأذيكي أو تأثر فيكي تاني لو صحيتي من الغيبوبة دى و رجعتيلي.
ثم بكي قائلا بنبرة متحشرجة:
_ بس انا ما كنتش قد وعدى.. و وقفت أتفرج عليكي و إنتي بتضيعي مني مرة و را مرة ورا مرة.
رفعت وعد رأسها و طالعته بوهن و جففت عبراته بكفيها الصغيرتين.. بينما إعتدل هو بجلسته و تشبث بذراعيها قائلا بحزم و عيونه قد نفضت الإنكسار و الاستسلام:
_ انا مش هاممني حصل إيه او هيحصل إيه... حاجة واحدة بس هي اللي هتهمني من النهاردة و هتكون هدفي.. هي إن أختي الصغيرة ترجعلي تاني مهما إتكلف الموضوع و مهما كانت النتايج بس عاوز إيدك بإيدي.
اومأت برأسها مرارا و تكرارا و هي تقول بإستجابة بنبرتها الضعيفة:
_ انا كمان عاوزة نفسي.. عاوزة أرجع طبيعية زى أى بنت.
إرتسم شبح إبتسامة علي ثغر عمرو و هو يسألها بعزم:
_ هنقوم حالا نروح للدكتور بتاعك و كل اللي هيقول عليه هنعمله إتفقنا.
مالت برأسها قليلا و قالت بشرود:
_ علشان جاسم يرجعلي مش كده.
تنهد قليلا و طالعها بإشفاق و هو يقول:
_ علشان جاسم يرجعلك.. و هيرجعلك لأنه بيحبك يا وعد و عمرى ما شوفت حد بيحب حد زى ما هو بيحبك.
تعالا صدرها هبوطا و صعودا و هي تقول من بين دموعها:
_ لا هو كرهني خلاص.. إنت ماشوفتش هو إزاى كان بيبصلي.
شدد قبضته علي كفيها و قال بقوة:
_ انا مش عارف اللي حصل بينكم و لا عاوز أعرف بس اللي عارفه و متأكد منه.. ان اللي يحب حب جاسم و يعمل اللي عمله علشان تكوني ليه.. عمر الكره ما يوصل قلبه... هو بس مجروح و لازم تستحملي و بكل قوتك ترجعيه ليكي تاني إتفقنا.
تماسكت قليلا و قالت بإنصياع واهي:
_ إن شاء الله.
كانت سلوى تتابعهما من بعيد وهي تتحسر علي حال أبنائها.. روضة لم تتحدث سوى الصدق.. هي الفاعلة و المجرمة برواية أبنائها ولكنها لن تستسلم، ستحسن علاقتها بأولادها وستقوم بدورها حتى ولو لفظوها.. ستعمل جاهدة على ان تستردهم مهما كلفها الأمر....

يتبع الفصل التالي اضغط هنا

 الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية كاملة: "رواية وعد بلا رحمة" اضغط على أسم الرواية
رواية وعد بلا رحمة الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم ياسمين ابو حسين
princess

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent