رواية وعد بلا رحمة الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم ياسمين ابو حسين

الصفحة الرئيسية

 رواية وعد بلا رحمة الفصل الخامس والعشرون بقلم ياسمين ابو حسين

 رواية وعد بلا رحمة الفصل الخامس والعشرون

غيابه رغم تأثيره المثير للقلق و الخوف.. إلا أنه جمع الجميع علي قلب واحد.. لم يتركوا مكان إلا و بحثوا به و لا يوجد سبب مقنع لما دفعه للهروب.. الهروب.. مجرد التفكير بهذا الإحتمال يزيد من قلقهم عليه فشخصية جاسم ليست الشخصية التي تهرب من شئ أو من شخص مهما كان و كان الموقف بينهما.. اصعب شئ أنه لا توجد إجابات علي أسئلتهم العديدة..
فمنذ إحتجاز وعد بمصحة نفسية و الكل تأكد ان هناك أمرا جلل قد حدث بينهما جعل وعد تنهار حد علاجها الضرورى و هروب جاسم...
كانت تقلب المعلقة بكوب الشاي كما تقلب أفكارها بعقلها علها تهتدى لشئ يساعدهم علي ما هم فيه.. لديها ما يكفيها بحياتها من التوتر و التخبط.. و تلك الصغيرة المتعلقة برقبتها و التي تحتاج رعاية و عناية طول الوقت.. حقا... هي من تحتاج العلاج النفسي و ليست وعد....
توقفت يدها عن التقليب و قد كبلت بقبضة خشنة قوية حنونة بنفس الوقت.. رفعت علا عيناها ناحية ذلك الجالس أمامها و يتشرب كل حركة و نفس و لمحة منها بشوق... تواصل خفي.. حوار دائر لا يمكن لأى أذن أن تسمعه فقط هما من يستطيعان تفسيره...
إستطاعت ان تتخلص من هيمنته عليها و سحبت كفها و إعتدلت في جلستها و طالعت البحر بعينين زائغتين و انفاس متلاحقة كالأمواج التي تتحطم علي الشاطئ أمامها..
خلع سامر نظارته الشمسية و وضعها جانبا و إقترب بمقعده منها قائلا بهدوء:
_ من ساعة ما قعدنا ما إتكلمتيش و أنا سايبك براحتك.. يا قلبي انا جبتك هنا علشان تخرجي شوية من الضغط اللي حواليكي و انك شايلة مكتبك و شركتنا علي ضهرك زى الحمل الزايد.
عادت علا بعينيها إليه و قالت بفتور:
_ جاسم واحشني قوى يا سامر و قلقانة عليه جدا.. إنتم إزاى مش لاقينه كل الوقت ده.
مرر انامله بشعراته الذهبية و قال بعجز:
_ مافيش مكان إلا ودورنا عليه فيه.. كأن الأرض إنشقت و بلعته.. كل اللي مطمني انه اكيد حوالينا و بيطمن علي وعد انتي متعرفيش وعد بالنسبة ليه ايه.
إرتشفت القليل من كوب الشاي الخاص بها و هي تقول بحدة:
_ الأكيد إن في حاجة كبيرة حصلت بينهم.. بس ايه هي.. إزاي جاسم يختفي بالشكل ده و عنكم إنتم تحديدا.. انت و مالك طول عمركم سره و بيعرفكم كل حاجة عنه.
عاد بظهره لمقعده و إستند عليه قائلا بغضب:
_ ده اللي مجنني جاسم واجه مالك بعد ما اخد منه وعد و ما هربش.. إزاى دلوقتي هرب بالسهولة دى.. بس يرجع هكسرلك وشه عالقلق اللي إحنا فيه ده.
لاح شبح إبتسامة ميتة علي ثغرها المغرى حتي بحزنها.. فمال عليها بجزعه و لامس كفها و هو يقول بتنهيدة حارة:
_ بس سيبك إنتي.. وحشاني قووى و كنت هموت و أقعد معاكي باي مكان لوحدنا.
سحبت كفها منه و قد إرتسم علي وجهها الجميل ملامح قاتمة و هدرت به بعصبية قائلة:
_ إيدك دى ما تلمسنيش تاني لتوحشك.
تعالت ضحكاته و هو يقترب منها اكثر قائلا بمزاح ساخر:
_ طب ما تاخديني كُلي.. انا اصلا عاوز كلي يوحشني مش ايدي بس.
إبتلعت ريقها بتوتر و هي تحاول التخلص من تلك الهالة المنبعثة منه و تحيطها بتملك و تمتمت بخفوت.. بينما عاد هو لضحكاته قائلا:
_ هنتجوز إمتي بقا يا علا حرام عليكي انا بتعذب يا ناس.
اجابته بحدة:
_ جواز إيه إنت مافيش دم عندك.. اخويا اللي هو صاحبك مختفي و مراته بمستشفي و حالتهم غم و انت بتفكر بإيه.
رفع عينيه بملل و اجابها بقنوط:
_ كل شوية حجة جديدة و سبب جديد تبعدى بيه عني كالعادة.
وقفت و لملمت اشيائها و حملت حقيبتها و هي تقول بتذمر:
_ أنا غلطانة اني وافقتك اننا نقعد هنا.
جذبها من ذراعها و هو يجلسها عنوة فاقدا صبره... و تطلع بعينيها مطولا قبل ان يقول:
_ أمور الجنان دى بلاش منها دلوقتي.. إنتي خطيبتي و هتبقي مراتي فإحترميني بدل ما يبقى جنان بجنان و هتشوفي مني اللي خيالك لسه ما وصلوش إنتي فاهمة.
جفلت عيناها قليلا من نبرته المحذرة و أومأت برأسها موافقة بخوف.. شهية.. بجرأتها و خوفها و سيطرتها و ضعفها.. شهية حد الموت....
جذبت ذراعها منه بهدوء و حملت الكوب مجددا ترتشف منه بصمت.. و عاد هو لإرتشاف ملامحها و حركاتها بصمت ايضا.. و لكنه صمت متكلم.. فأى شخص قادر الآن علي ترجمة صمته الواضح لأى عين و هو يتجول بعينيه ينهل من ملامحها و التي حُرم منها سابقا.. و لن يسمح لنفسه بالعودة لعذابه السابق...
مال بجذعه مجددا و إستند بمرفقيه علي الطاولة و سألها لجذب أطراف الحديث بينهما قائلا:
_ هو عمي فضل إيه رأيه في اللي حاصل ده؟!!
طالعت البحر مجددا هربا من عينيه و قالت بتنهيدة بائسة:
_ بابا و ماما حالتهم حالة خصوصا ماما.. و عماتي مش راحمنها و قاعدين يقولولها جوزتي إبنك الوحيد لواحدة مجنونة أهه سابلكم الدنيا و طفش.. بس بابا أكتر واحد هادى فينا شايف إن البعد ده هيصلح منهم مش هيبعد بينهم.. إزااااااى.. معرفش.
اجابها سامر بعقلانية:
_ يا بنتي والدك ده مش بيقول كلام ده بيقول درر و طالما قال كده يبقى تطمني.
فسالته مجددا:
_ تفتكر جاسم فين؟!!

...........................................................
.............

لم تترك سجادة الصلاة و مصحفها سوى للنوم و الأكل و فقط.. و كأنها تهرب من تلك الخيالات التي تطاردها إن تركت لفكرها العنان.. و إن تركت نفسها لنظراتهم.. حاولت التماسك و المضي قدما بحربها لإستعادة أبنائها و لكن كله سدى.. دون فائدة تذكر، ربما البعد عنهم هو أفضل وسيلة لحمايتهم.. منها..
لأول مرة تعترف لنفسها أنها كانت أنانية فكرت بحالها و فقط .. يوم أن تركت أطفالها بأهم فترة بحياتهم و ركضت و راء شعور الغيرة و التملك خلف شخص إستبدلها دون أن يرف له جفن..
كيف طاوعت قلبها و تركت صغارها؟!! .. كيف تحملت الدعس علي كرامتها و كبريائها؟!!.. كيف تحملت الفتات و ما يجود به زوجها من مشاعر و وقت لها بعد أن تفرغ منه زوجته الثانية؟!! لماذا تحملت و من أجل من؟!!
كيف، و لماذا، ومتي و أسئلة كثيرة تهرب منها باللجوء لله و طلب العون و الصفح منه.. فهي كما قالت روضة، لا تصلح أماً..
إنتبهت سلوى علي طرقات بباب غرفتها فقالت بتثاقل:
_ مش عاوزة أكل يا ماما.. سبيني براحتى لو سمحتى.
دخلت روضة عليها قائلة بإستحياء:
_ دى أنا يا ماما.
لم ترفع رأسها المنكبة و قالت لها بنبرة هادئة باردة:
_ معلش يا روضة سبيني لواحدى.
نكست روضة رأسها بخزى و دلفت للغرفة و أغلقت ورائها الباب و سارت نحوها.. جلست بجوارها و طالعت مصحفها قليلا ثم قالت:
_ بسم الله الرحمن الرحيم " إنا جعلنا ما علي الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " صدق الله العظيم .. تعرفي يا ماما إيه سبب إن ربنا سبحانه و تعالى شبه الزينة بالبلوى او البلاء؟!!
شردت سلوى قليلا مفكرةً بسؤالها و هزت رأسها نافية.. بينما تابعت روضة قائلة:
_ معناه أن الله سبحانه و تعالى جعل كل ما على الأرض من المخلوقات زينة لها، ولم يفعل ذلك عبثا أو باطلا سبحانه، بل من أجل غاية عظيمة وهي: ابتلاء العباد وامتحانهم بتلك المخلوقات، في منهم بقا اللي بيؤمن بالله، ويتخذ تلك الزينة معونة على طاعة الله، ولا تشغله عن عبادة الله، ومنهم اللي بيكفر بالله، ويجعل تلك الزينة وسيلة له لعصيان الله، والإعراض عن أمره.. يعني كل شئ بيبقى بإختيارنا لأن ربنا عطانا عقل نفكر و نميز بيه.
ربتت روضة علي كفها و قالت:
_ أنا آسفة لو حملتك اللي حصل لوعد.. بس إنتي مشيتي و سبتيها أمانة برقبتي و انا ماكنتش قد الأمانة دى و خليت الدنيا تيجي عليها كتير.. رغم ان كل شئ كان بإختيارها علي فكرة.. بس برضه إحساس المسئولية عندى و إحساس التقصير خلاني بدل ما أواجه نفسي، واجهتك إنتي.
إبتسمت سلوى إبتسامة ساخرة و إلتفتت برأسها ناحية روضة و قالت بوهن:
_ كلامك ده بيخليني أحتقر نفسي أكتر و أكرها أكتر.
لم تترك روضة كفها و قالت بهدوء:
_ مش عاوزة أكون قاسية.. بس إنتي لازم تواجهي نفسك و تلوميها و يمكن كمان تحتقريها عارفة ليه يا أمي.. لأنك بالطريقة دى بترجعي تاني.. لما بنغلط في حق ربنا و بنقصر بنقعد عالمصلية زيك كده و نواجه نفسنا بغلطنا و نفضل نستغفر و نعتذر لربنا لغاية ما يشملنا كرمه و عفوه و ضميرنا يرتاح.
تنهدت سلوى بأسي و هي تستغفر الله بداخلها.. بينما أردفت روضة قائلة بإبتسامة شغوفة رائقة ملأت وجهها الشاحب بالحياة:
_ وعد طالبة تشوفك.
إلتفتت إليها سلوى مسرعة و قد لمعت عيناها و سألتها بتلهف:
_ بتتكلمي جد يا روضة؟!!
اومأت روضة برأسها و قد إتسعت إبتسامتها و قالت مؤكدة:
_ كلمت الدكتور أطمن عليها زى كل يوم و قالي إنها طالبة تشوفك إنتي بس.
و كأن الدماء تدفقت فجأة بكامل جسدها.. فوقفت بتثاقل نتيجة لجلستها الطويلة و خلعت إسدالها و هي تقول بفرحة:
_ طب البس إيه بكرة.. تفتكرى ألبس العباية الكحلي و لا البني .. اقولك عاوزة انزل أشترى واحدة جديدة.
وقفت روضة و سارت ناحيتها و قالت وهي تربت علي ذقنها و كأنها تفكر:
_ امممممم.. نشترى عباية جديدة؟!!! تمام إلبسي يالا و انا هعرف مالك و البس انا كمان و نخرج نشترى كل اللي عاوزاه.
قبلتها والدتها بوجنتها و قالت بسعادة:
_ هلبس بسرعة جدا.. و كمان هنتعشي برة تمام.
و تركتها و إتجهت ناحية خزانتها.. ثم إلتفتت إليها و قالت بإبتسامة عابثة:
_ و لو مالك فاضي يعني.. خليه ياخد مفتاح عربية عمرو و يوصلنا.
تعالت ضحكات روضة و قالت بعبث رائق:
_ يا ماما.. ماشي يا ستي هقوله.
ما ان وصلت لباب الغرفة حتي إستدارت لوالدتها و سألتها بتعجب:
_ تفتكرى جاسم فين؟!!!

.............................................................................
................

دلفت علا لمنزلهم و هي تدارى إشراق وجهها الذى إستمدته من هذا الكائن الفوضوى و الذى تعشقه منذ أن عرفت للعشق معني.. مجرد رؤيتها لوالدتها تجلس و الوجوم يعلي وجهها.. حزينة.. شاردة بالبعيد.. إنتقلت إليها تلك الحالة و جلست بجوارها بهدوء تسألها و هي تعرف جوابها مسبقا:
_ أخبارك إيه يا ماما.
خرجت دولت من شرودها و اجابتها بالرد المعتاد:
_ الحمد لله يا بنتي.
ربتت علي علي كتفها و هي تقول:
_ اخدتي دوا الضغط يا ماما شكلك مش عاجبني.
اومأت دولت برأسها و قالت بنبرة فاترة لا تعرف للحياة طعماً :
_ انا دوايا إني اشوف أخوكي و بس.. إسبوعين معرفش عنه حاجة.. قلبي بيموت من القلق يا بنتي.
تنهدت علا قليلا و قالت بهدوء مصطنع:
_ هيرجع يا ماما ما تقلقيش و هدوء بابا مطمني.
إلتفتت إليها دولت بجسدها و قالت و هي تكاد تصرخ من شدة غضبها و حنقها:
_ أهه أبوكي ده اللي هيجنني و كأنه عارف حاجة و مخبي عليا.. كل ما أسئله ساكت ليه بلغ الحكومة و لا إعمل أى حاجة.. يرد عليا هيرجع مالوش لازمة نعمل شوشرة عالفاضي.. قلبه حجر.
إلتفتا علي صوت مفاتيح فضل الذى ألقاها علي المقعد و هو يقول بتذمر:
_ أنا قلبي حجر يا دولت.
تلعثمت قليلا من المفاجأة و اجابته بقوة مصطنعة:
_ أيوة قلبك حجر.. لما تنام عادى و تاكل عادى و بتروح شغلك عادى و لا كأن جاسم مختفي و منعرفش عنه حاجة يبقى حجر يا فضل.
إرتمي بجسده المنهك علي أريكة امامهما و هو يقول بأرهاق:
_ و مين قالك إني مش قالب عليه الدنيا من مشرقها لمغربها.. كل المطارات سألت فيها.. حتي المواني و المعابر سألت فيها.. كل المستشفيات بكل المحافظات.. جميع اقسام الشرطة.. رجالتي و رجالته بكل مكان بيدوروا عليه و مالوش أى أثر.
فسالته بتعجب و صدرها يعلو و يهبط بجنون:
_ قصدك ايه ؟!! إبني جراله حاجه!
رفع كفيه بوجهها سريعا و هو يقول ليطمأنها:
_ لا يا دولت انا متأكد إن جاسم بخير بس هو تعبان و حب يبعد بمكان لواحده و قريب هيظهر ما تقلقيش.
عادت دولت بظهرها للخلف و كتفت ذراعيها امام صدرها و قد تهدلت ملامحها و عقلها يأخذها لمناطق ستصيبها بإنهيار إن بقيت علي هذا الحال...
بينما إلتقط فضل مسبحته و اخذ يذكر الله بداخله و هو يسأل نفسه سؤالاً واحداً:
_ إنت فين يا جاسم؟!

.......................................................................
................
بنفس المكان محتفظة بنفس الشرود، تتابع ذرات الغبار بضوء الشمس و كأنها تحسدها علي حريتها و عنفوانها.. هاربة من عقلها و ما يذكرها به.. علت شفتيها إبتسامة ساخرة و هي تقول بداخلها منذ متي و ترك هو عقلها حتي تقول أنها لا تريد أن تتذكره.. فهو يسري بدمها لا بعقلها و بقلبها.. لم تذق حلاوة النوم و راحته بعيدا عن صدره الرحب الواسع و الدافئ.. بقيت رائحته بأنفها كلما أغمضت عيناها تتسلل بهدوء متخللة كل ذرة بكيانها...
إقتربت منها الممرضة و ربتت علي كتفها و قالت بحنو:
_ مدام وعد والدتك هنا زى ما طلبتي تحبي تقومي تقابليها.
رفعت وعد راسها و طالعتها قليلاً ثم أومأت براسها موافقة و هي ملتزمة الصمت.. أشارت لها الممرضة ان تتقدم معها فوقفت بتثاقل و إتكأت علي ذراعها و سارت معها...
بعد دقائق دلفا لحجرة الزيارة فوقفت سلوى مسرعة و ما ان رفعت قدمها لتتقدم ناحية وعد حتي أعادتها مكانها و وقفت متصنمة تنتظر رد فعل وعد أولا... و لكن... أين هي وعد؟!!
فالواقفة أمامها بشحوبها و ضعف جسدها ما هي إلا صورة منهزمة و ضعيفة لوعد.. إعتصر الألم قلبها و هي تجول بعيناها فوق أدق تفاصيل إبنتها التي حتي بسيرها تتكأ علي الممرضة للمساعدة.. و لكن إبتسامة وعد البشوشة الرائقة إليها و رفع ذراعها نحوها جعلاها تركض ناحيتها و تضمها لصدرها بلهاث و إشتياق...
تركت وعد الممرضة و تشبثت بعبائة والدتها كطفلة تائهة عثرت على أمانها.. بينما إبتعدت سلوى عنها قليلا و إحتضنت وجهها بين كفيها و هي تقول بألم:
_ وحشتيني يا حبيبتي قوى.. دلوقتي بس إرتاحت و روحى رجعتلي.
إتسعت إبتسامة وعد و عادت برأسها لكتف امها و هي تقول بهدوء:
_ إنتي وحشاني اكتر يا ماما.
ضمتها سلوى لصدرها أكتر و حثتها علي السير حتي أريكة كبيرة جلسا عليها سويا و هي ما زالت تضمها إليها.. فرفعت وعد عيناها ناحية وجهها و سألتها بتلهف:
_ جاسم رجع يا ماما.
زاغت نظرات سلوى و تلعثمت بردها.. ففطنت وعد انه مازال متغيبا فعادت بعينيها للأرض و هي تقول بخواء ملأ صوتها و نابع من داخلها:
_ انا إحساسي مش بيكدب عليا، هو بخير ، بس هياخد وقته أكيد و هيرجع.. عاوزاه لما يرجع يلاقيني إتغيرت و بقيت وعد اللي هو عاوزها مش وعد اللي ياما جرحته و إستسلم و بقا يسامحها لغاية ما كتم جواه و في الآخر إنفجر زى البركان و إختفي.
ملست سلوى علي حجابها و قالت بإشفاق علي حالتها:
_ هيرجع و هيرجعك لحضنه و هتعيشوا في سعادة و حب يا قلب ماما.
إبتسمت وعد قليلا و إعتدلت بجلستها و هي تقول بحماس بادى فقط بصوتها:
_ تعرفي يا ماما انا الدكتور قالي إني بتحسن بسرعة جدا و إني بدأت أواجه مخاوفي و نفسي.. و قالي هرجع طبيعية و أقوى من قبل بكتير.
اتاهما صوت من خلفهما يقول متابعا حديث وعد:
_ و هتكملي حياتك و إنتي مرتاحة و مبسوطة و هتعوضي كل حاجة خسرتيها و حياتك هتبقي أجمل.
وقفت سلوى مسرعة، تطالعه بإبتسامة كلها إمتنان و عرفان و هي تقول:
_ و الله يا دكتور انا مش عارفة اشكرك إزاى.. كفاية إنك و المركز بتاع حضرتك مستحملين إتصالاتنا الكتير دى.
جلس امامهما و قال بجدية:
_ ده شغلنا و احنا هنا تحت أمركم و الشكر لله و باعدين وعد لأنها عاوزة تخف و ترجع طبيعية ده أهم ركن بالعلاج النفسي.. انا مكتبتش ليها أي مهدئات أو أدوية تساعدها.. بالعكس إعتمدت علي جلساتنا و كلامنا سوا و الكتب اللي رشحتها ليها علشان تقرأها و بس..
و اشار بيده ناحية وعد و قال بفرحة:
_ و زى ما حضرتك شايفة بقت طبيعية جدا و خلاص إتخلصت من كل السواد و الذكريات السيئة اللي كانت بتكبرهم جواها ظن منها إنها بتقوى نفسها ضد الدنيا و غدرها.
جلست سلوى بجوارها و حملت كفها بين راحتيها و هي تقول بحزن:
_ بس يا دكتور وزنها قل جدا و حاساها ضعفانة مش قادرة حتي تمشي لواحدها.
اومأ الطبيب براسه متفهما و هو يقول بمداعبة:
_ الأستاذة مش عاجبها اكلنا و بتاكل قليل جدا.. غير إن الممرضات إشتكوا إنها مش بتعرف تنام غير ساعات قليلة و انا رفضت اعطيها منومات.
فسألته سلوى بقلق:
_ و إيه الحل يا دكتور هنسيبها كده لا أكل و لا نوم.
إتسعت إبتسامته و هو يطالع وعد و قال براحة:
_ لا يا فندم مش هنسيبها و لا حاجة.. انا عندى خبرين حلوين ليها مش واحد بس.
بادلته وعد إبتسامته و هي تسأله بوهن:
_ اخبار حلوة؟!! إيه هي.
إنحني بظهره حتي إستند علي ركبتيه بمرفقيه و قال و هو يحدجها بقوة:
_ الأول هترجعي تاكلي من اكل مامتك و تنامي بحضنها.
إتسعت عيني سلوى و قالت بفرحة:
_ بتتكلم جد يا دكتور.. يعني وعد هتخرج معايا النهاردة. دى مبقالهاش هنا غير إسبوعين.
اجابها بتأكيد:
_ أيوة هتخرج معاكي دلوقتي.. هي من الأساس مش محتاجة تفضل بالمستشفي.. بس هنعمل جدول زيارات للعيادة لغاية ما هي تمل و تقولي انا بقيت كويسة مش محتجاك خااالص.
ردت عليه سلوى بمزاح:
_ ده حضرتك الخير و البركة يا دكتور احنا نستغني عنك.
لم تبتعد بعينيها عن عينيه و كأنها ترى الأمل بهما.. شعورها يكبر و يكبر.. و دقات قلبها تخبرها أنها ستسمع عنه شيئا الآن.. كانت تتابع حوارهما و هي تنتظر الجزء الثاني من حديثه بتلهف.. و هو كان علي علم بما يدور بخلدها فقال مؤكدا بإيمائه مؤكده:
_ أيوة هو.. جاسم لأول مرة يكلمني النهاردة و يسأل عليكي يا وعد.
ما هذا... بعض الأشخاص يقضون عمرهم كاملا بدراسة الطب و التزود بدراسات عليا و الانهماك بالابحاث و التعمق بذلك المجال كي يستطيعوا مساعدة المرضى.. و لكن بحالتها.. كان كافياً ان تسمع إسمه لتتورد وجنتاها و تتدفق الدماء بكامل جسدها و تدب الحياة بأوصالها و تعود لمعة عيناها و هي تقف بقوة نافضة تعبها و وهنها و دون مساعدة من أحد....
هل؟! ماذا؟!
ماذا قال؟!
أعاد الطبيب كلماته بإبتسامة متسعة بعدما لاحظ تأثيرها عليها قائلا ببطء:
_ جاسم ، كلمني ، و سأل عليكي.
إلتفتت وعد ناحية سلوى بعينين متسعتين و هي تهدر بهيستيرية:
_ ماما.... سمعتي قال إيه؟!
وقفت سلوى بجوارها و قالت بسعادة:
_ مش قولتلك يا وعد هيرجع و هيرجعك ليه.
كادت أن تقفز من فرحتها و تشبثت بطرفي عبائه والدتها و هي تقول بتلعثم:
_ انا.. انا هجهز شنطتي.. لازم اخرج.. مش.. مش عاوزاه يشوفني كده.
وقف الطبيب و هو يقول بسعادة:
_ الممرضة جهزت ليكي كل حاجة و شنطتك بعربية اخوكي برة.
جذبت سلوى من ذراعها و هي تقول بسعادة:
_ يالا يا ماما بسرعة عمرو وحشني قوى.
ودعت سلوى الطبيب بإشارة من يدها و هو بادلها وداعها مبتسماً براحة....

وقف مستندا علي سيارته و حمل هاتفه و هاتف روضة التي لم يمهلها ان تتحدث بينما تحدث هو قائلا بسعادة:
_ وعد هترجع البيت دلوقتي يا روضة.
وصله صيحات السعادة و الفرحة من روضة و هي تقول بعدم تصديق:
_ و اخيرا... انا مش مصدقة.. طب انا هقفل معاك دلوقتي و هحضرلها كل الأكل اللي هي بتحبه.
اجابها عمرو قائلا بتنهيدة اخرج بها كامل إنهاكه و تعبه:
_ و جهزى اوضتها و محدش يكلمها في أى حاجة يا روضة مفهوم.
ردت عليه بتأكيد:
_ اكيد طبعا يا عمرو محدش هيكلمها بحاجة ما تقلقش.. انا هعرف روان و طنط آمال.. سلام.
اغلق الهاتف و أعاده لجيب بنطاله و هو يرفع عينيه للسماء راجياً من ربه أن يتمم شفاؤها و تعود كما كانت بالسابق.. مرحة تلقائية و كأنها شعلة تنير الكون من حولهم.. كأول مرة حملها بين يديه يوم ميلادها.. كم كانت رائعة و جميلة تشبه دُمَى روضة بشعراتها الحمراء و بشرتها البيضاء.. و تمسكها بسترته حينها كأنها تخبره أنها وجدت الأمان بصدره و بين يديه... من وقتها وهو يشعر أنها قطعة من روحه مسئولة منه و فقط...
إتسعت إبتسامته و هو يراها تتقدم نحوه بهرولة خفيفة مبتسمة على غير عادتها خطواتها تبدو وهنة لكنها كانت كغريق يصارع الأمواج ليصل للشاطئ.. إلتقطها بين ذراعيه و حملها قليلا لأعلي مستشعرا خف وزنها و لكنه ضمها إليه و هو يداعبها قائلا:
_ قلبي يا ناس.. وحشتيني يا دودو قوووى.
تعلقت برقبته و هي تقول بسعادة:
_ يا عمرى و إنت وحشتني أكتر وكلكم وحشتوني.
أنزلها علي ساقيها قائلا:
_ الدنيا كانت ميتة من غيرك بس إستحملت علشان عارف إن ده الصح ليكي و إنها خطوة إتأخرت كتير.. بس كله بوقته و رجعتيلي بالف خير .
وضعت رأسها علي صدره قائلة براحة:
_ انا رجعت مع نظرة جاسم ليا يومها.. حسيت إني قتلته و إن الرحمة بقلبي إنعدمت.. كأنه قلم و نزل على وشي فوقني.
ثم إبتعدت عنه و تابعت حديثها بإبتسامتها الشقية:
_ تعرف إنه سأل عليا النهاردة.. أنا هعمل المستحيل علشان أرجع جوزى ليا مهما حصل.
ربت عمرو علي وجنتيها و هو يقول بثقة:
_ مش هيقدر يبعد عنك.. كلنا عارفين تأثيرك عليه و حبه ليكي.. جاسم مش هيقدر يعيش من غيرك.
صفقت بكفيها بحماس و هي تقول مقتربة من أمها:
_ عاوزة أروح بيتي حااالا.
لفت سلوى ذراعها حول كتفيها و قالت بإبتسامة قد فارقت وجهها منذ سنوات:
_ يالا بينا يا قلب ماما دى اكيد روضة و تيتة إمتثال هيعملولك كل الأكل اللي بتحبيه.
إلتفتت إليها وعد بجسدها و قالت ببديهية:
_ لا يا ماما أنا هرجع بيتي.. بيت تيتة نجاة و هستنى جاسم هناك.
حدقت بها سلوى بتعجب و هي تقول:
_ يا حبيبتي إنتي دلواقتي مطلقة من جاسم هتعيشي ببيته إزاى.
ضرب عمرو مقدمة رأسه و هو يكظم غضبه من والدته التي لا تمر كلماتها على عقلها و أسرع قائلا و هو يرمقها شرزا:
_ ماما قصدها إنك محتاجة رعاية يا وعد و علشان نطمن عليكي.
تهدلت ملامح وعد و إنطفأت نظراتها و تذكرت جاسم بوقفته المهيبة فارد جسده الضخم بكبرياء محطم و كرامة مبعثرة و عيونه التي طالما سحبتها لقلبه و التي كانت أكثر قتامة من اي مرة و عميقة عمق باطن الأرض المقتد بالحمم و هو يقول بمنتهي اللاشعور.. اللادراك.. اللامبالاة.. اللارحمة.. " إنتي طالق "..
أغمضت عيناها و تذكرت نصائح الطبيب للسيطرة على إنفعالاتها بينما عمرو يطالع أمه بلوم علي ما تفوهت به و هي عضت شفتيها من الندم حتي قطعت وعد تلك الحالة و قالت بإصرار:
_ أولا ده طلاق تحت ضغط و عصبية و أعتقد مش محسوب و لو محسوب فأنا لسه بشهور العدة و لسه زوجته و لآخر يوم هستناه و هحاول أصلح كل اللي عملته.
إقترب منها عمرو مقاطعا بحذر:
_ بس يا حبيبتي أنا قص...... .
لم تمهله وقت أكثر و إتجهت لسيارته قائلة بنبرة حازمة:
_ هروح بيتي و حالا.
تركها تصعد السيارة و والدتها تبعتها و هي تهرب من نظرات عمرو بينما سار عمرو ناحيتهما و قال:
_ أنا هروح أجيبلك الشوكولاتة اللي بتحبيها و أيس كريم كمان ثواني و هرجع.
صفقت وعد بكفيها و قالت بفرحة:
_ أيوة بقا هو ده الكلام.
أرسل لها قبلة بالهواء بادلته إياها و إلتفت لتذهب إبتسامته و يحل مكانها و الوجوم، اخرج هاتفه و هاتف طبيبها الذي رد قائلا:
_ السلام عليكم .
أجابه عمرو:
_ و عليكم السلام.. عارف إن حضرتك ملحقتش ترتاح مننا بس وعد عاوزة تروح بيت جدة جاسم.. و مش عارف أعمل ايه؟!!
_ خليها تروح ده هيساعدها كتير.. فكرة إنها بمكان مرتبط بجاسم ده هيساعدها جدا.
إبتلع عمرو ريقه بتوتر و هو يسأله مترقبا إجابته:
_ لو جاسم رجع و شافها.. ممكن يكسرها المرة دى.
إبتسم الطبيب و قال:
_ ما اعتقدش نبرته النهاردة و هو بيسأل عليها تبان جامدة بس مش عليا.. انا متأكد إنه دخل صراع كبير بين عقله و كبريائه و بين قلبه و شوقه ليها.. و اللي واضح إن شوقه إنتصر على كبريائه.
تنهد عمرو براحة و قال:
_ تمام هخليها تروح.. معلش يا دكتور بنزعجك.
_ مافيش إزعاج ولا حاجة.. لازم تواجه كل أغلاطها و تلاقي ليها حل بنفسها و ما تقلقش عليها.
إعتدل عمرو بوقفته و هو يلتقط الشوكولاتة من رف كبير ممتلأ بشتي انواعها قائلا:
_ متشكر جدا يا دكتور.. مع السلامة.
و اغلق هاتفه و إبتاع لها الكثير و الكثير من الحلويات و حمل هاتفه مجددا و هاتف مالك و أخبره بأمر إتصال جاسم و طلب منه ان يؤمن الطريق لمنزل الجدة لرغبة وعد بالعودة لهناك.... و عالفور تحرك مالك و رجاله...


رواية وعد بلا رحمة الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم ياسمين ابو حسين
princess

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent