رواية وعد بلا رحمة الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم ياسمين ابو حسين

الصفحة الرئيسية

 رواية وعد بلا رحمة الفصل الثالث والعشرون بقلم ياسمين ابو حسين

 رواية وعد بلا رحمة الفصل الثالث والعشرون

 فرصة جديدة ......
كل ما يريده بهذه الحياة .. هى فرصة جديدة .....
كلمات الطبيب إليه حمسته لترويض فرسته الجامحه و لكن بطريقة جديدة .. فلتنتظر و سترى ....

وعد جديد .. بلا رحمة ....

شعر بحركة خلفه فإلتفت برأسه لداخل جناحه فرأى وعد تقف أمامه تفرك عينيها و شعراتها .. و آآآآه من شعراتها .. لم يرى بحياته غرة يصل طولها لمنتصف الظهر .. كانت غرتها تداعب وجهها و هى تبدو فى حالة مذرية.. و ساحرة أيضا ....
سيطر على مشاعره الهائجة و إرتدى وجها جديدا عليه .. وجه خشبى الصنع وصنع أيضا فى دمياط أى أنه متين و يطول عمره .. و هذا ما يتمناه ....
لملمت وعد شعراتها التى ضايقتها و قالت بخفوت كأنها مازالت نائمة و تحلم أيضا :
_ الفجر آذن .
أجابها بفتور :
_ أيوة .. إتوضى و إجهزى علشان نصلى سوا .
لاحظت نبرته الباردة فلم تتوقف عندها طويلا و إنصرفت .. بعد أدائهم للصلاة وقف جاسم و توجه للفراش و تمدد بهدوء .. تطلعت إليه بتعجب من لا مبالاته .. و لكنها لم تتوقف عندها طويلا أيضا ..
إندست بالفراش و إنتظرت .. إنتظرت .. إنتظرت .....
لم يجذبها لصدره .. ولم يعطها إهتمامه كعادته .. أولته ظهرها و هى تهز ساقها بغضب .. تابع جاسم غضبها و لهفتها .. فجذبها لصدره بالقوة و ضمها بحنو .. لم تجادله .. و لم تعارضه .. فقط تمسكت به و أغلقت عينيها بهدوء مستسلمة لسلطان نومها ...
ربما لم تكن هى من تحتاج لضمته .. فهو كان فى أشد الإحتياج إليها أكثر .. بمجرد ما لامست صدره وإستنشق مسك شعراتها حتى غفا بهدوء ...

********************************************************************
*************

وقف عيسى فى منتصف ردهة منزله مستندا على حقيبته يتطلع بباب غرفة وعد .. ثم ترك حقيبته و إقترب من الغرفة و طرق بابها ....
فتحت سلوى الباب و هى تتصنع القوة والصلابة .. التى تهاوت ما أن رأته .. خافت أن تخذلها عيناها فأطرقتهم أرضا متطلعة بالبساط ..
سحب عيسى نفسا طويلا و قال بضيق ظهر بنبرة صوته الضائعة :
_ مش هاتيجى معايا برضه يا سلوى .
إبتلعت ريقها بتوتر و أجابته بثقة :
_ هستنى ورقة طلاقى يا عيسى .. بلاش تحطنا فى مواقف صعبة .
لم يجيبها .. بل نهل من ملامحها قدر إستطاعته و تركها و إبتعد .. خرجت روضة من غرفتها فإلتفت عيسى برأسه ناحيتها مبتسما بحنو .. وقفت تتطلع إليه طويلا حتى إمتلأت عيناها بالدموع و ركضت نحوه ...
فتح عيسى ذراعيه و إستقبلها بحضنه التى إرتمت به و ضمته لصدرها .. لف ذراعيه حولها وملس على ظهرها قائلا بصوت متحشرجا :
_ هتوحشينى يا حبيبتى .. خلى بالك من نفسك و منهم كلهم .. عارف إنك إتحملتى كتير يا حبيبتى و شيلتى مسؤلية أكبر من سنك .. و لسه هعتمد عليكى لغاية ما أرجع .
رفعت روضة رأسها ناحيته و قالت من بين دموعها :
_ ما تسافرش .. كفاية بعد بقا .
إحتضن وجهها بين راحتيه و قال بحب :
_ الأيام زى موج البحر بترفعنا لفوق و تنزلنا على جدور رقبتنا .. سبيها على الله يا بنتى .. لا إله إلا الله .
إبتعدت عنه بجمود و هى تحدجه بغضب و أجابته ببرود :
_ محمد رسول الله. .

و عادت لغرفتها مسرعة .. أغمض عينيه و هو يقاوم إضطراب مشاعره .. لم يمهل نفسه أكثر و خرج مسرعا .. فإستقبله عمرو على الدرج و حمل حقيبته بصمت مؤلم .....

**********************************************************************
***********

إستيقظت وعد مستمتعة بنومها على وسادتها الدافئة الحنونة .. صدر جاسم ....
إبتعدت عنه و حملت هاتفها تطالع الوقت .. تنهدت بأسى و قالت بداخلها :
_ أكيد دلوقتى هما فى المطار .. تروحوا و ترجعوا بالسلامة .
شعرت بإختناق و بداية لهطول دموعها فعادت لموطنها الحنون و قد إنهمرت دموعها و تهدج صدرها ..
شعر ببلل على صدره .. ففتح عينيه متعجبا حتى إستمع لنشيجها الصامت و حركة صدرها السريعة .. فضمها إليه بقوة و قبل شعراتها بحنو ...
تركها تخرج ما بصدرها حتى إنتهت و إبتلت سترته بدموعها .. رفعت وجهها ناحيته بدون مقدمات و قالت برجاء حزين :
_ أنا عاوزة أمشى من هنا .. رجعنى بيتنا تانى .
رفع حاجبيه متعجبا و متألما من إحمرار عيناها و أنفها الصغير .. كانت دموعها كنصل حاد يمزق أوردته و شرايينه المغذية لقلبه .. و التى تحتله هى بكامله .. قربها منه و إلتقط دموعها بشفتيه كعادته .. و إبتعد قليلا متأملا عيناها و قال بهدوء :
_ حاضر جهزى الشنط و هنرجع .
و تركها مبتعدا عنها بجمود عكس ما فعله معها منذ قليل .. لم يستغل ضعفها و لا هوانها ..رغم أنها إستسلمت و كانت بإنتظار أن يسحبها لدوامته العميقة و لكنه تركها و إبتعد .....
هل ضاق صدره منها و قرر العزوف عنها .. هل لم يعد يعشقها ......
إتسعت عيناها بذعر و هزت رأسها نافية .. ترفض تلك الفكرة تحديدا ......
و لكن خروجه من المرحاض و إرتدائه لملابسه بهدوء و أدائه لصلاته دون أن يتحدث معها رسخ بداخلها فكرة أنه بات ينبذها ......
بعدما أنهى صلاته إلتفت بجسده ناحيتها فوجدها مازالت مكانها تتطلع إليه بدهشة متسعة العينين و فاغرة فمها قليلا .. فسألها بقلق :
_ إنتى قاعدة كده ليه ؟!
تصنعت القوة و قالت و هى تثنى ساقيها تحتها و جلست فوقهما و لملمت شعراتها بعصبية :
_ عادى يعنى .. مافيش حاجة .
و وقفت مسرعة و إبتعدت من أمامه و هى تستشيط غضبا .. بعدما إختفت من أمامه إبتسم بفرحة و قال هامسا :
_ الله يعمر بيتك يا دكتور .. ماشى يا شهرزاد .. ده أنا هسويكى على نار هادية .
بعد حزم الحقائب تناولوا فطورهم سويا و جاسم مازال مرتديا وجهه الخشبى الجديد .. و قفت وعد و قالت بحدة من صمته المريب :
_ أنا هلبس و إنت كمان قوم يالا علشان ما نتأخرش .
وإلتفتت بجسدها لتبتعد عنه ثم توقفت فجأة و عادت إليه بعينيها و سألته بتوجس :
_ هنرجع بيتنا ؟!
لم يتطلع إليها وقال ببساطة و هو مطأطأ رأسه متطلعا بأى شئ سواها :
_ لأ .
رفعت حاجبها بتعجب شديد .. فقط حرفين .. و لكن حازمين .. و قاطعين .. لأ .. فكرت قليلا إن لم يذهبا لمنزلهما فأين سيذهبان .. ولماذا أجابها بإيجاز .. فسألته بفضول :
_ لو مش هنروح بيتنا هنروح فين .
وقف فجأة وتجاهلها وخلع قميصه و توجه للفراش حمل ملابسه و بدأ فى تبديل ملابسه .. و هى تطالعه بضيق .. كيف له أن يتجاهلها بهذا الشكل .. المحرج .. فأعادت سؤالها مجددا و هى تكتف ذراعيها بضيق و عابسة قليلا :
_ أظن سألتك هنروح فين و أظن برضه إنك سمعتنى .
تجاهلها مجددا و وقف أمام المرآة يمشط شعراته .. ثم تطلع إليها عبر المرآة و قال بهدوء :
_ و الله ما أعتقدش المكان هيفرق معاكى فى حاجة .. و لو عاوزة تروحى لأهلك أنا موافق و هكلف حراسة تقف حوالين بيتك أربعة و عشرين ساعة ..و ... .
قاطعته قائلة بحزم :
_ مش هسيبك طبعا .
رفع حاجبيه و هو يقرأ عينيها .. هل فعلا تخشى عليه .. هل قالت أنها لن تتركه .. إبتسم إبتسامته الجانبية و التى إفتقدتها بشدة و التى أخبرتها أنها قالت شئ شرخت به وجهه الخشبى .. بينما دنا منها جاسم وقال هامسا :
_ واضح كده إنك خايفة عليا .
إستمتعت بأنفاسه المشتعلة التى تلفح وجهها و قربه منها فأجابته بهمس مغوى :
_ قوى .
إنهارت قواه و هو يقول أمام شفتيها ملتهمهما بعينيه :
_ قوى قوى .
لعقت شفتيها الجافتين و بللتهما قليلا من سخونة أنفاسه و أجابته بدلال مثير :
_ قوى قوى قوى .
للحظة كانت ستنهار كل مقاومته الواهية و يلتهم حبتى الفراولة النديتين و اللتين تستجديان عطفه لقطفهما و لكنه تراجع خطوة للوراء قائلا بداخله :
_ إجمد شوية أبوس إيدك .. يا رب قوينى خلاص مش قادر و هنهار .
تابع إبتعاده و أولاها ظهره قائلا بتلعثم :
_ أناااا .. أنا هنزل تحت و هبعت حد ياخد الشنط ما تتأخريش .

وقفت مصعوقة من ردة فعله الجامدة .. لقد كان على وشك تقبيلها و .. و تركها و إبتعد .. بمنتهى البساطة .. جلست بشرود على الفراش وقبضت على طرفيه مستلهمه منه القوة و تنفست بصعوبة و هى تتخيل أنه سيتركها .. نعم سيمل من تقلباتها و يتركها حتما .....

بينما إستند جاسم برأسه على الحائط المجاور لباب غرفتهم واضعا كفه على قلبه اللاهث مأنبا نفسه و لاعنا عقله المتحجر .. كانت أمامه كقطعة كراميل ناعمة تتمنى أن يلتهمها .. و هو .. تركها و إبتعد .. ضرب مقدمة رأسه بغضب و قد كان على وشك أن يدفع الحمم من بواطنه .. إبتلع ريقه بتوتر و قال :
_ الله يخرب بيتك يا دكتور الغفلة إنت .. أنا إيه اللى خلانى أسمع كلامك .. جالى قلب أعمل فيها كده .. أكيد هتكرهنى أكتر .
أخذ نفسه بقوة و تطلع لباب غرفتهم و قلبه ينفطر ألما .. ثم إبتعد مسرعا قبل أن تخونه قدميه و يعود إليها و عندها ستكون العواقب وخيمة بالمقارنة مع بركان قلبه الثائر ....
بعد دقائق إقتربت منه و هو واقف شاردا بحديقة الفندق و لامست كتفيه بطريقة ناعمة .. إبتسم جاسم وإلتفت متنهدا بشوق مرهق .....
و ما أن إلتفت حتى زم شفتيه منتظرا عاصفة هوجاء ستجتاحه هو و تلك المتطفلة الواقفة أمامه و لا تخبأ من جسدها شيئا للمخيلة .. و الأسوء هى تلك الزوبعة المسماه زوجته و القادمة نحوه و عيناها تطق شرارا ....

إنسدلت يد ساندى على ذراع جاسم و قالت بضيق :
_ هتمشى خلاص يا جاسم .
أومأ جاسم برأسه و هو يتطلع ناحية وعد بقلق :
_ أيوة .. هنمشى دلوقتى فرصة سعيدة .
قالت و هى عابسة برجاء و هو يبعد يدها عنه :
_ طب ممكن آخد رقم تليفونك .. إنت ما تعرفش أنا إرتحتلك إزاى .
_ لأ .. هو الراحة اللى بجد هتشوفيها دلوقتى و عملى .
قالتها وعد قبل أن تجذبها من شعراتها و تلفها نحوها و تصفعها على وجهها بقوة .. إتسعت عينى جاسم و هو يتابع أظافر وعد التى رسمت طرقا حمراء على وجه ساندى و التى تصرخ بألم و تحاول إبعاد وعد عنها ....
خرج جاسم من شروده و هو يجذب وعد من خصرها ليبعدها عنها .. بينما صرخت به وعد و قالت بغضب :
_ سيبنى يا جاسم .. لازم أربيها الوقحة دى .
تجمع حولهم أناس كثيرون يتابعون الشجار بشغف .. وضعت ساندى كفيها على وجهها و قالت بدموعها :
_ أنا هوديكى فى ستين داهية .
و صرخت قائلة بصوت عالى و هى تتلفت حولها :
_ الأمن .. عاوزة الأمن و حد يكلم البوليس فورا للمتوحشة دى .
حاولت وعد تخليص نفسها من جاسم و قالت بحدة :
_ إنتى مش بتتعلمى يا وقحة .. عاوزة تخطفى جوزى قدامى و أتفرج عليكى .
وقف مسئول الأمن بجوار ساندى و سألها بعملية :
_ تحبى نطلب البوليس يا فندم .
صرخ جاسم قائلا بحزم :
_ لالالا .. بوليس إيه بس .. أرجوكى يا ساندى هى ما تقصدش و أنا يا ستى اللى آسف .
إلتفتت إليه وعد برأسها و قالت بنبرة ساخرة :
_ أقولك على حاجة أحسن بوس راسها .. إنت عاوز تجننى .
سحبها جاسم من ذراعها و خرج بها مسرعة و فتح باب السيارة و إطمئن أنها جلست .. فهدأها قائلا بحدة :
_ إهدى بقا و لا عاوزة تنامى على البرش مع الحرامية .. أنا هدخلها و هحاول أنهى الموضوع و لو خرجتى من العربية مش هيحصلك كويس مفهوم .

أشاحت بوجهها عنه و كتفت ذراعيها بضيق .. و قد تقوست شفتيها للأسفل بطفولة.. إبتسم و هو يطالع حركاتها البريئة مثلها و أغلق و رائه باب السيارة و عاد للداخل مجددا .....

بعد نصف ساعة تقريبا عاد إليها و وقف قليلا و أخرج هاتفه و أجرى إتصالا لفترة قصيرة .. إستقل سيارته بعدها بهدوء و دون أن يحادثها و لف حولها حزام الأمان .. و إرتدى حزامه و إنطلق .

......................................................................................................................
.................

أخرج سامر هاتفه من جيب سترته و أجابه على مضض و هو عابس قائلا بضيق :
_ عاوز إيه .. هو أنا مش هرتاح منك بقا .. يكونش خلفتك و نسيتك .
أجابه جاسم بغلظة حادة :
_ سامر .. فوقلى كده و إسمعنى كويس .. مافيش وقت .
إعتدل سامر بجلسته و قال بجدية :
_ فى إيه يا جاسم ؟!
_ عاوزك تأمن بيت جدتى و حالا قدامك ساعتين بالكتير .
ضيق سامر ما بين حاجبيه و قال بقلق :
_ فى خطر على لمى ؟!!!
شعر فجأة بألم شديد جراء ضربة عنيفة بذراعه جائت من تلك الجالسة بجوارة و مجرد ذكره لإسم لمى يدفعها للجنون .. مسد سامر ذراعه متطلعا لعلا بتحذير بينما قال له جاسم :
_ لأ يا أخى .. أنا هاخد وعد و هنروح نقعد فى شقتنا القديمة ده أءمن مكان نقدر نروح له .
هز سامر رأسه مؤيدا و قال بهدوء :
_ حاضر يا معلم .. فى حاجة تانية .
_ أيوة عاوز أجهزة كهربائية تسبقنا على البيت و ياريت تركبها و تجيب كهربائى و سباك .
زم سامر شفتيه بضيق و قال ساخرا :
_ بقولك إيه يا جاسم .. ما تطلقنى يا أخى.. طلقني و سبنى فى حالى بقا .
_ تمام و معندناش بنات للجواز و فتحتك على علا فضيناها .
شهق سامر بخوف و قال بأدب :
_ ده إنت حبيبى يا أبو نسب .. ده أنا كمان هفرشلكم الأرض ورد .. هو أنا عندى أغلى منك إنت و سوسة عصرها و أوانها الأستاذة الجهبزية وعد .
_ خلاص إعمل اللى قولتلك عليه و هنبقى على إتصال .. سلام .
أغلق سامر الهاتف وهو يتمتم بكلمات مبهمة و لكنها مؤكدا .. سب .. زفرت علا بضيق و هى تتابعه .. تذكرها فقال بإبتسامة رقيقة :
_ كنا بنقول إيه يا حبيبتى .
وضعت يدها أسفل وجنتها و قالت ببرود :
_ كنت بتسألنى أشرب إيه ؟!
إحتضن كفها بين راحتيه و قال بهيام :
_ هو إحنا لسه عند المرحلة دى .. بقولك إيه عاوز أتجوز مش لسه هنخطب و نلبس دبل و نجيب دباديب و الجو ده .
سحبت كفها بقوة و قالت بضيق :
_ ما تلمسنيش تانى .. و الكلام ده تتكلمه مع بابا أو جاسم .. ممكن أعرف جبتنى هنا ليه .. أنا عندى شغل و مش فاضية .
وقف النادل بجوارهم و سألهم عما يريدا إحتسائه فقال له سامر ساخرا :
_ إتنين لمون يا إبنى و يا ريت يكون فيه مهدأ .
إبتسم النادل و تركهم و إنصرف .. عقدت علا جبينها بغضب و قالت بصوت محتقن :
_ إنت مجنون بتضحك علينا الناس .
مرر أنامله على ذقنه الشقراء و قال بهدوء متزن و حازم جدا :
_ بصى يا علا من أولها كده .. إن شاء الله هنتجوز .. و إن شاء الله هيتقفل علينا باب واحد .. و إن شاء الله برضه أنا الراجل و أى تطاول مش هسمح بيه .. مفهوم .
أومأت برأسها و هى تطالع حزمه و قوة كلماته و قالت بتوجس :
_ حاضر يا حبيبى .
تنحنح سامر فاردا عضلاته بغرور و قال بقوة :
_ أيوة كده أحبك و إنتى مطيعة .. عاوز نختار حشو الشقة بسرعة لأنى مش هضيع وقت تانى .
سألته بتعجب و هى تحدجه بعفوية :
_ يعنى إيه حشو ؟!
_ يعنى الفرش و الأوض و الستاير و المطبخ و الحاجات دى .. و بما إن ده تخصصك فقدامك أسبوعين و تسميلى الشقة على المفتاح و إسبوع تانى تجهزى فيه .. قشطة .

كانت تحدجه بنظرات خاوية .. و الغباء يطل من عنيها .. عابسة قليلا فى محاولة إعتصار عقلها علها تفطن لما قاله .. هل قال إسبوعين ......
و كأنه لم تمر عليهم السنون .. و كأنها عادت الطفلة الصغيرة و الذى عشقها و أصبحت تجرى مجرى الدم بشرايينه .. إبتسم بهدوء فظهرت غمازته التى جذبت أنظار علا ناحيته بوله .....
إقترب منها سامر قليلا و قال هامسا :
_ بقولك إيه ما تيجى نتجوز و نسافر و خلى مكتبك يخلص الشقة على مهله .
عادت علا لتركيزها و إعتدلت بجلستها و قالت بخجل يليق بها جدا و يعيدها لأيامهم السابقة :
_ إنت ليه مستعجل كده .. ده حتى بيقولوا فى العجلة الندامة .
_ عجلة إيه .. أنا علشان أوصلك مستعد أركب صاروخ مش عجلة .
إبتسمت بخفوت و هى تتأمل جماله و خضار عينيه المنعش .. لاحظ تأملها له فإستغل الفرصة و هام بشفتيها عاقدا حاجبيه كأنه ينسخها داخل عقله بكل تفاصيلها .....
فاجأها قائلا بصوته العميق و لكن بنبرة حانية :
_ بحبك قوى .
تطلعت داخل عينيه تسترجع بهم تلك الفتاة الحالمة و التى كانت تعشق تلك الكلمة و التى دائما ما كان يمطرها بها .. شعور غريب بالحنين لتلك الأيام غمرها .. مقابلاتهم الدائمة بعد مدرستها و إتصالاتهم المسروقة من الزمن و مكانهم السرى و الذى شهد على قصة عشقهم .. كم تتمنى الآن أن يعود بها الزمن و تنتظرته حتى يصبح لها و تصبح له كأول من دلف لحياتها و لكن شتان ما بين ما نريده و ما يخبئه القدر لنا ....

..................................
هل أنا نادمة ؟
لا أعتقد .. فلتترفق بى أيها القلب فأنت لم تعد تقوى على تلك المشاعر المؤلمة .....
وقفت أمام فراشهم تطالع منامته و التى تعلم جيدا أنه تركها لها لتشعر بالحنين و الذنب .. رافقته طوال حياتهم دون كلل أو إعتراض حتى أنه إستباح على حبهما الخيانة و حللها بالزواج .. عند هذه النقطة شعرت بالراحة أخيرا .. فليكتفى بزوجته الثانية و يتركها تنعم بدفء أولادها و إصلاح علاقتها بهم .......
شعرت بذراعين حنونتين تحيطها وتضمها لصدر أموى رغم صغر سن صاحبته .. إلتفت سلوى برأسها ناحية روضة تطالعها بإبتسامة باهتة فقبلت روضة و جنتها و قالت بتعاطف :
_ ما تقلقيش يا حبيبتى هيرجعلك .. رغم إنى زعلانة منه بس شوفت رؤية طمنتنى إنه هيرجع و هيختارك إنتى .
عادت سلوى بعينيها لمنامته و قالت بهدوء :
_ عارفة .. هو عرفنى بس بطريقته .
ثم إبتعدت عنها قليلا و سألتها بمكر عابث :
_ قوليلى صحيح ليه ما روحتيش شغلك النهاردة .
أجابتها روضة بجدية :
_ ما حبتش أسيبك لواحدك .. بس .
_ طيب .. دلوقتى آمال هتطلع تفطر معايا .. و شوفى الصدف مالك كمان أجازة النهاردة .
حملقت بها روضة قليلا و قالت مدافعة عن نفسها :
_ صدقينى أنا ما أعرفش إنه أجازة غير دلوقتى منك .
إبتسمت سلوى و داعبت وجنتيها بأناملها و قالت بحنو :
_ عارفة يا حبيبتى أنا بهزر معاكى .. بقولك إيه إتصلى بوعد أكلمها .
_ بس وعد مأجزة دلوقتى و زمانها نايمة .

تركتها و إلتفتت و حملت منامة عيسى و قالت بشرود :
_ آمال قالتلى إنهم فى الطريق لهنا و جاسم كلم مالك علشان يحضرله شوية حاجات لأنهم هيروحوا بيت جدة جاسم و هيفضلوا هناك فترة علشان المكان آمان عليهم .
أومأت روضة برأسها و أخرجت هاتفها من سترة منامتها و هاتفت وعد و أعطت الهاتف لسلوى التى جلست على الفراش و على ركبتيها منامته .. إرتجف جسدها قليلا و هى تستمع لصوت وعد قائلة بصوت رائق :
_ صباح الخير يا حبيبة قلب وعد .
تنفست سلوى مطولا و زفرته على مهل مستمتعة بكلمات وعدو التى تتمنى أن تقولها إليها .. ثم قالت بتوجس :
_ صباح الخير يا حبيبة قلب ماما .
ساد الصمت لثوانى حتى قالت وعد بنبرة متعجبة و مصدومة بعض الشئ :
_ ماما !!!!
_ أيوة يا حبيبتى .. حبيت أصبح عليكى .
الصمت مجددا .. ثم سألتها بفضول قلق :
_ هو حضرتك ما سفرتيش .. روضة كويسة ..ولا تيتة و لا روان .. البيبى ....... .
قاطعتها سلوى قائلة بضحكة خافتة :
_ إهدى يا حبيبتى كلنا كويسين .. أنا بس اللى حبيت أقعد معاكم و بابا اللى سافر .
_ يعنى حضرتك مش هتسافرى تانى خلاص .
الفرحة الظاهرة بنبرة وعد كانت كعاصفة ثلجية أثلجت صدر سلوى المشتعل و أجابتها على الفور بحزم :
_ لأ مش هسافر تانى أبدا .. أنا محتجاكم كلكم جنبى .
الصمت مرة أخرى .. حتى قالت وعد بصوت متصلب :
_ كويس و الله لأن روضة و عمرو محتاجينك أكيد هيفرحوا .
هزت سلوى رأسها بيأس و قالت بنبرة ثابتة :
_ طب و إنتى يا وعد مش مبسوطة .
_ عادى .. أنا مش محتاجة حد و بعتمد على نفسى و بس .. أنا مضطرة أقفل لأننا على الطريق .. سلام .
و أغلقت الخط .. لاحظت روضة تجهم وجه والدتها فزمت شفتيها برأفة على حالها و قالت مواسية :
_ سبيها تاخد وقتها يا ماما .. و النهاردة جاسم هياخدها للدكتور .. إدعيلها تعدى محنتها دى و ترجع زى زمان .
ملست سلوى على شعراتها الناعمة و قالت بتعقل :
_ بدعيلكم كلكم يا بنتى .. قومى نحضر الفطار علشان آمال و سى مالك كمان .
إبتسمت روضة بخجل و طالعتها بضيق و تركتها و عادت لغرفتها .. وقفت سلوى حاملة المنامة و علقتها بعدما إستنشقت رائحته منها بشوق ......

.......................................................................................................................
................

أعادت وعد هاتفها لحقيبتها و هى تبتسم و عابسة فى نفس الوقت .. و هذا هو حالها المتخبط مابين الحب و الضيق .. الفرحة و الحزن ..
تطلع جاسم ناحيتها بطرف عينيه و هو يتابع إضطراب مشاعرها .. ساد الصمت بينهما طويلا حتى وصلا لدمياط .. إنطلق بها لعيادة الطبيب النفسى و هو يهيأ نفسه للقادم .. ترى هل ستوافق .. أم سترفض .....
وصلا أخيرا فصف جاسم سيارته بتوجس و إلتفت إليها قائلا بهدوء :
_ إنزلى يا وعد .
تطلعت حولها بتعجب و سألته بقلق :
_ إحنا هنسكن هنا .
أجابها و هو ينزع حزام الأمان مبتعدا بعينه عنها قائلا بحزم :
_ إنزلى و بس .. يالا .
ترجلا من السيارة و دلفا أحد المبانى و هى تتمسك بيده بقلق .. إستقلا المصعد فزادت من ضغطتها على يده .. فضمها إليه و قال لتهدئتها بنبرته الخافتة :
_ إهدى .. أنا جنبك .
أومأت برأسها و هى مبتسمة بطمئنينة متذكرة يوم تعطل بها المصعد و موقف جاسم و الذى كان قاب قوسين أو أدنى من التضحية بحياته من أجلها .. فتنفست براحة و إستندت برأسها على صدره ... ضمها إليه محيطا كتفيها بذراعه و ما أن توقف المصعد و إنفتح الباب فوجئا بسيدة تتطلع إليهما بضيق ظنا منها أنهما عابثين ....
إبتعد جاسم عن وعد و تنحنح بخجل ثم رفع كفه و كف وعد أمام عينى السيدة ليريها خاتمى زواجهما و أومأ لها برأسه مستأذنا الخروج و جذب وعد من كفها و إنطلقا ضاحكين ....
ولجا سويا عيادة الطبيب النفسى و وعد تزداد حيرتها و يزداد تعجبها .. وقف جاسم أمام موظفة الإستقبال و قال بعملية :
_ فى حجز بإسم جاسم رحال لو سمحتى .
تطلعت أمامها بالحاسوب و عادت إليه بعينيها و قالت بإبتسامة هادئة :
_ فعلا .. إتفضل حضرتك الدكتور فى إنتظارك .
إلتف بجسده ناحية ساحرته و التى تطالعه بتعجب و توجس و قال لها بهدوء يحسد عليه :
_ إقعدى إستنينى يا وعد هدخل للدكتور دقايق و هرجعلك .
أومأت برأسها ببساطة و رأته و هو يتحرك أمامها و إختفى وراء أحد الأبواب .. جلست و هى تتطلع حولها بريبة ثم قالت بداخلها :
_ هو جاسم جاى لدكتور نفسى ليه .. يمكن خلاص إتجنن منى .

دارت إبتسامتها بقوة و هى تتخيل أن جاسم قد فقد عقله بسببها .. ثم إنعقد حاجبيها متذكرة و قالت بداخلها مجددا :
_ أيوة إفتكرت .. أكيد علشان ريتال أمال يعنى هيكون جه هنا علشان مين .
بعد دقائق طويلة و مملة رن هاتف موظفة الإستقبال و أجابته ثم وضعت السماعة و قالت لوعد :
_ إتفضلى يا فندم الدكتور فى إنتظارك .
إنفرجت شفتيها قليلا و عقدت جبينها و سألتها بدهشة :
_ نعم .. عاوزنى أنا !!!
أومأت الموظفة برأسها و قالت بعملية :
_ مش حضرتك مدام وعد .
_ أيوة .
_ يبقى إتفضلى يا فندم .

توقف عقلها قليلا عن التفكير .. ثم إنصاعت لما قيل لها و وقفت و سارت ناحية ذلك الباب الذى إختفى جاسم ورائه و طرقته و ولجت للداخل ...
رأت طبيبا فى بداية الأربعينيات .. شابا .. جالسا خلف مكتبه و جاسم جالسا أمامه و يطالعها بنظرات تنبئها بالأسوء .. وقف الطبيب مرحبا بها و أشار بيده ناحية المقعد المقابل لجاسم قائلا بإبتسامة ودودة :
_ أهلا و سهلا يا فندم .. إتفضلى إقعدى .
بادلته إبتسامته و جلست و عيونها تبحث بعينى جاسم عن ما يحدث .. قطع الطبيب نظراتها المتوجسة و قال بهدوء متزن :
_ أكيد حضرتك بتسألى نفسك عن سبب زيارتكم ليا .. صحيح .
مازالت تبحث عن إجابتها بداخل تلك الشباك السوداء و التى تحولت نظراتهم الدافئة لنظرات .... ربما شفقة أو رأفة على ما يبدو .. و لكنها أجابت الطبيب بصوت متصلب :
_ صحيح .
ورفعت وجهها ناحيته تنتظر توضيحه .. أجابها الطبيب بتعقل متمرس :
_ الباش مهندس جاسم زوج حضرتك و الطبيب المعالج ليكى طلبوا منى متابعة حالتك لأنهم خايفين عليكى و موافقتك أهم من علاجى نفسه .
إبتسمت بسخرية.. إذا فهى المجنونة هنا على ما يبدو .. تصلبت ملامحها و قالت متسائلة بهدوء :
_ و الدكتور اللى بيعالجنى شاف إيه يستحق علاجى النفسى .
شبك الطبيب أنامل كفيه المستندة على سطح مكتبه و قال بإنتصار :
_ ده اللى هعرفه منك .. لو سمحتى طبعا .
أجابته بقوة و هى تتجاهل جاسم تماما :
_ موافقة ..... بس أولا قوله يطلع بره .
قالت كلماتها و هى تشير على جاسم و وجهها ممتعض و غاضب .. وقف جاسم متثاقلا و قال بصوت واهى :
_ حاضر هخرج .. بس لازم تتأكدى إن ده علشان مصلحتك .
لم تجبه.. فتركهم و إنصرف .. فتح الطبيب مفكرته و سألها بعملية :
_ إسم حضرتك .
_ وعد عيسى القاضى .
_ عمرك .
_ ٢٣سنة و متجوزة و بشتغل و ما عنديش أى مشاكل نفسية .
إرتدى الطبيب نظارته و سألها بوجه بشوش :
_ حضرتك من فترة قريبة دخلتى فى غيبوبة إستمرت لأيام و اللى عرفته من دكتورك المعالج إن سببها نفسى و إن دى مش أول مرة تحصلك صحيح .
أومأت برأسها و قالت و هى تحتضن حقيبتها بتوتر :
_ أيوة .
كانت عيناه كا كاميرا السينما تلتقط كل حركاتها المتوترة .. فسألها مجددا :
_ إمتى أول مرة حصلتلك حالة الغيبوبة دى و كان سببها إيه ؟
تمسكت بحقيبتها أكثر و ملامحها قد تصلبت أكثر و إبتلعت ريقها بتوتر وأجابته بشرود محملقة بأسى بالاشئ قائلة بخفوت :
_ و أنا فى المدرسة الإبتدائية .. كان ليا صديق قريب منى جدا .. كنت دايما بحب ألعب معاه و أفطر معاه و أروح للمدرسة معاه و أرجع البيت معاه .. كنا قريبين من بعض جدا .
ثم رفعت كفها المرتعشة و مررتها على جبهتها كأنها تمسح حبات عرق وهمية قد تجمعت على جبهتها و أكملت قائلة بصوت مختنق :
_ كان دايما يكتبلى جوابات و يديهالى و كانت كلها رسومات لينا سوا .
و فتحت حقيبتها و أخرجت حافظتها و فتحتها و أخرجت منها ورقة قديمة و فتحتها بحرص و أعطتها له قائلة بإبتسامة غير متزنة :
_ هو اللى راسملى الصورة دى أنا و هو .
أخذها منها و تطلع إليها بإبتسامة هادئة و قرأ ما كتب عليها بصوت مسموع :
_ وعد و أحمد صحاب على طول .
إنتشلتها من يده بسرعة و أعادتها مكانها بحرص و هى تقول بتلعثم :
_ مش على طول .. مش .. مش على طول هو كذب عليا زيهم كلهم .. عارف ليه .
لم تتحرك منه عضلة واحدة و هو يتابع إنهيارها المقلق .. فتابعت قائلة بعدما أغلقت حقيبتها و إحتضنتها مجددا :
_ أقولك ليه .. لأنه فجأة أخد أجازة طويلة .. و لما سألت عنه قالوا تعب و سافر يتعالج .. فى الأول تعبت .. لأ تعبت جدا و حسيت إنى لوحدى .. بس مع الوقت بدأت أتعود و بقالى صحاب جداد .. لغاية ما رجع .. فى الأول ما عرفتوش كان وشه ضعيف و فيه حاجة مش فهماها و لابس كاب ..
توقفت قليلا و تنفست بصعوبة ثم أردفت بملامح مهزومة .. حزينة :
_ لما شوفته من غير شعر ما فهمتش .. بس هو قالى إنه عنده سرطان و العلاج وقع شعره و وعدنى تانى إننا هنفضل صحاب على طول .. بس ضحك عليا تانى وإختفى تانى و وجعنى تانى ... و فى يوم دخلت الفصل لقيت المُدرسة بتعيط و الولاد بيعيطوا .. و كلهم بيبصولى .....
لم تستطع حبس دموعها أكثر و قالت بنحيب :
_ رغم إنى كنت طفلة صغيرة بس مش عارفة ليه فهمت .. فهمت إنى خلاص مش هشوفه و إنه .. مااات ... جريت على الدرج بتاعى أنا و هو و قعدت مكانه و لمست الحفر اللى كان حفره بإيده عليه و هو بيكتب إسمى و دموعى نزلت من غير صوت .. كل اللى فكراه إنى كنت عوزاه و بس .. فقررت أروح له .. و بعد أيام فوقت لقيت نفسى فى المستشفى .. و عرفت بعدها إنى نمت فترة طويلة و إنه خلاص سابنى و مشى .
لدقائق ظلت منهارة من البكاء .. حتى إستجمعت قواها و كففت دموعها و تصنعت الصلابة و القوة .. دون الطبيب بمفكرته جمل مقتضبة و رفع رأسه ناحيتها و باغتها قائلا بهدوء :
_ فى آمان فى الدنيا يا وعد .
تعجبت من سؤاله البسيط .. و العميق بنفس الوقت .. و بمنتهى الثقة و القوة أجابته دون تردد :
_لأ طبعا .. لا فى آمان و لا حب و لا أى حاجة من الكلام الفاضل ده .
مجددا دون شيئا بمفكرته و تطلع إليها بقوة قائلا :
_ بما إنه مافيش حب .. ليه مش موافقة ترجعى بيت أهلك و تسيبى جوزك لواحده .
أجابته بتنهيدة حزينة :
_ لأنى بحبه و مش هرتاح و هو بعيد عنى و مع ذلك أول ما أطمن إنه مافيش خطر على حياته هطلق منه و ساعتها أرجع بيت أهلى و أنا مرتاحة .
ضيق الطبيب عينيه محاولا إستيعاب ما قالته لكنها قطعت لحظة دهشته و قالت موضحة :
_ أكيد بتسأل نفسك منين قولت مافيش حب و منين قولت إنى بحبه .. ده لأنه أنا واثقة فى نفسى و فى مشاعرى و بس .
_ طب هو يستاهل حبك ليه ؟!
إرتبكت قليلا و قالت بصوت خفيض و هى مطأطأ رأسها :
_ مش عارفة .. كل اللى أعرفه و متأكده منه إنى بحبه و بخاف عليه و بس .
أغلق مفكرته و وضعها أمامه على المكتب و قال بإبتسامته الودودة و المريحة :
_ و اللى أنا متأكد منه إنه بيحبك أكتر و إنتى عارفة و متأكدة من ده .. و صدقينى مع حالتك دى لو بعد عنك هو كمان زى زميلك أحمد و بعده والدك و والدتك و بعدهم حبيبك الأولانى مالك .. المرة دى مش هتبقى صدمتك متوقفة عند الغيبوبة و بس .
تطلعت إليه بتعجب من معرفته بأشياء لم تقصها عليه فباغتها قائلا للتوضيح :
_ جاسم حكالى كل حاجة و حكالى كمان على اللى عمله مع مالك و إزاى فرق بينكم لأنه حبك بجنون زى ما هو قال .
هزت رأسها متفهمة و سألته بتوجس :
_ طب و إيه اللى المفروض أعمله .
_ رجعى ثقتك فى نفسك و فى اللى حواليكى لأن الدنيا مش دايما هتمشى زى ما إنتى عايزة و رسمالها .. عارف إنه فى الأول صعب بس جلسة ورا جلسة هتحسى إنك بتتغيرى و هترجعى لحياتك الطبيعية تانى .
إبتسمت وعد براحة غريبة و قالت بإمتنان :
_ شكرا لإنك سمعتنى .. و أنا مبسوطة جدا إنى إتعرفت بحضرتك .
إتسعت إبتسامته و قال بدبلوماسية :
_ أنا الأسعد و أتمنى نتقابل تانى الإسبوع الجاى .
وقفت و ودعته قائلة بإيجاب :
_ إن شاء الله .. السلام عليكم .
_ و عليكم السلام .. مع السلامة .

خرجت من غرفته فوقف جاسم مسرعا فور رؤيتها و لكنها تخطته دون أن تعره أى إهتمام و هبطت الدرج مسرعة دون توقف .. حرك جاسم رأسه بيأس و تبعها بضيق .....
وقفت أمام سيارته مكتفة ذراعيها فى إنتظاره .. أخفى إبتسامته و هو يفتح لها باب السيارة .. فإستقلتها بصمت .. أغلق ورائها الباب و إلتف حول السيارة و إستقلها و قادها مسرعا .....

...............................................................................................................
...............

وصلا أخيرا لمنطقة نائية .. بها الكثير من أشجار النخيل مطلة على النيل و بها منزل وحيد تقريبا و يبدو عليه الِقدم و مرور الزمن ... كانت وعد تتطلع حولها بشغف و سألت جاسم بتعجب :
_ هو إحنا المرة دى هنسكن هنا .
أومأ برأسه و قال مؤكدا و هو يصف سيارته :
_ أيوة ... ده بيتنا القديم و جدتى ساكنة فيه .
ترجلا معا ... و وعد تتأمل المكان حولها براحة غريبة ... و فجأة ... إتسعت عيناها بفرحة و تقدمت ناحية تلك الجالسة و تطالع النيل بشرود و قالت بمداعبة :
_ قطتى .... وحشتينى جدا يا لمى .
إلتفتت لمى مسرعة برأسها .. فى البداية إعتقدت أنها تتوهم .. و لكن رؤيتها لوعد أمامها جعلتها تقف مسرعة و هى مبتسمة بسعادة و تقدمت نحوها قائلة :
_ مش معقول ... وعد .
إحتضنتها وعد بشوق و قالت بحنو :
_ ياه يا لمى ... ربنا يعلم إنتى غالية عليا إزاى .
قبلتها لمى بوجنتها و قالت بحب :
_ إنتى اللى أغلى إنسان عندى فى الدنيا ... أنا بسببك بخير و بقا ليا أسرة و صحاب زيكم .
تنحنح جاسم بخفوت للفت إنتباههم لوجوده قائلا بضيق مفتعل :
_ أنا معاكم على فكرة ... و لا من لقى صحابه نسى أحبابه .
إبتعدت لمى عن وعد و مدت يدها ناحية جاسم و قالت بأسف :
_ انا آسفة جدا ... بس لما شوفت وعد نسيت الدنيا ... أخبارك إيه يا جاسم .
صافحها قائلا بود :
_ الحمد لله ... إنتى أخبارك إيه .
لفت ذراعها حول خصر وعد و أجابته بفرحة :
_ أنا كويسة جدا .. و خصوصا بعد ما شوفتكم .. قولولى بقا إنتوا جايين تزوروا تيتة نجاة .
أجابها جاسم قائلا بإبتسامة هادئة و عينيه تلتهم وعد بشوق :
_ لأ ... إحنا هنقعد فى شقتنا لفترة كده .. يعنى وعد هتفضل معاكى على طول لغاية ما يقبضوا على الكلب اللى إسمه أمير .
قفزت لمى بسعادة و قالت بطفولة :
_ أيوة بقا .... ده أحلى خبر سمعته فى حياتى .
وضع جاسم يده بجيب بنطاله و قال بجدية :
_ طب يالا نطلع لنوجة بقا علشان وعد تشوفها قبل ما نطلع شقتنا .
حملت لمى مقعدها البلاستيكى و تقدمتهم قائلة بشغف :
_ إتفضلوا ... دى هتفرح جدا .
إلتقت نظرات وعد بنظرات جاسم المحاصرة لها فإختفت إبتسامتها و رفعت ذقنها بعبوس و تبعت لمى ...فهز جاسم رأسه بيأس و إبتسم على حالتها بخفوت و تبعهم بهدوء .

لم ينتبها ثلاثتهم لذلك المراقب إليهم من بعيد مختبئا خلف شجرة نخيل يتابع نداهته الجميلة بألم ... و بعدما إختفت من أمامه هى و ذلك الرجل و الفتاة و التى تبدو زوجته ... إلتفت ليعود لسيارته فإنتبه لوقوف سيارة چيب عالية و هبوط جدران بشرية منها ... و بدأوا فى مطالعة المكان بحرفية .. فأسرع عائدا لسيارته قبل إكتشاف أحدهم وجوده ... إستقل سيارته و أدارها مسرعا و إنطلق بها مبتعدا ....
ما أن إبتعد حتى صف سيارته و تنهد بأسى و مرر أنامله بشعراته الطويلة و قال بضيق :
_ هو الواد أبو عنين خضرا راح فين ... لأكون فهمت غلط و الواد ده مش حبيبها ... شكلك إتسرعت يا يحيى .
أدار يحيى سيارته بشرود و تخبط و إنطلق ....

.............................................................................................................................................
....................

صعدوا الدرج و وعد تتطلع حولها على ذلك المنزل العتيق بقلق ... وصلوا أمام باب الشقة و التى تقع بالطابق الأول ... فتحت لمى الباب بمفتاحها و دلف قائلة :
_ إتفضلوا إدخلوا .
أشار جاسم برأسه لوعد لتتقدمه و بالفعل دلفت بتوجس .. إنطلق هو ناحية إحدى الغرف قائلا بنبرة عالية ... جدا :
_ نوجا حبيبة قلبى .
تبعته لمى و وعد التى وقفت تتطلع لتلك السيدة الكبيرة جدا فى السن و التى تبتسم ببشاشة لجاسم فاتحة ذراعيها إليه ليرتمى بحضنها بطفولة ... لا تناسبه إطلاقا ..
ملست الجدة على ظهر جاسم قائلة بصوت مرتجف نتيجة لكبر عمرها :
_ وحشتنى يا واد يا جاسم .
إبتعد عنها قليلا و طالعها بحب و تابع بتلك النبرة العالية قائلا ببطء :
_ إنتى وحشتينى أكتر ... أنا هسكن شقتنا ... اللى فوق .
ضيقت نجاة عينيها و تسائلت بإهتمام :
_ هتسكن فوق ؟!
أومأ لها برأسه .... فحركت مقلتيها و تطلعت لوعد مطولا و عادت لجاسم مجددا و سألته بإبتسامة هادئة :
_ دى مراتك يا واد يا جاسم .
إلتفت برأسه ناحية وعد تأملها بشوق و عاد بعينيه لجدته قائلا :
_ أيوة .
أشارت نجاة بيدها لوعد لتقترب منها ... فإقترب منها و على ثغرها إبتسامة مشرقة و جلست بجوارها على الفراش مقابلة لجاسم ... ربتت الجدة على كفها و قالت بحنو :
_ إسمك إيه يا حلوة .
أجابتها وعد مسرعة :
_ أنا وعد عيسى القاضى .
ضيقت نجاة عينيها مجددا و قالت بتعجب :
_ هو مين ده اللى مش فاضى يا بنتى .
كتم جاسم و لمى ضحكتهما بينما قالت وعد بقوة :
_ لأ يا تيتة انا إسمى وعد .
كانت نجاة تتلقف الكلمات من بين شفتى وعد بتركيز و قالت بإندهاش :
_ إسمك سعد .
لفت لمى وجهها و هى منهارة من الضحك ... بينما تابعت وعد بضيق :
_ سعد إيه بس ... إسمى وعد .. وعد .
لم تستطع الجدة التركيز جيدا ... فمال جاسم بجسده ناحية وعد و قال هامسا :
_ نوجا سمعها على قدها و بتقرأ الشفايف أحسن ... قولى إسمك بشويش .
أومأت وعد رأسها بتفهم و عادت بعينيها لنجاة و قالت ببطء شديد :
_ إسمى .... و ع د ... وعد .
إبتسمت نجاة براحة بعدما إستطاعت تفسير إسمها و قالت بثقة ساخرة :
_ أيوة ... إسمك رعد ... بس يعنى أهلك ما لقوش إسم حلو شوية يليق عليكى ... عموما كلها أسامى ربنا .
إنفجر جاسم ضاحكا و هو يقول بسخرية :
_ طب و الله لايق عليكى رعد أكتر من وعد .
تهدلت ملامح وعد بخيبة ... فوجهت الجدة حديثا للمى :
_ بت يا سما ... هاتى كوبايتين عصير من اللى سقيتهولى الصبح .
إنفجرت وعد ضاحكة و إلتفتت للمى قائلة بشماتة :
_ سما ... روحى يا سما هاتى العصير .
رفعت لمى عينيها بملل بينما قالت نجاة بتهكم لجاسم :
_ شوفت يا واد يا جاسم ... واحدة إسمها سما و التانية رعد .. ربنا يستر و الدنيا ما تمطرش .
ضحك جاسم ضحكة عالية و تابع معها تهكمها قائلا بتشفى :
_ عندك حق يا نوجا ... ده أنا بردت .
ضحكت الجدة براحة و هى تحتضن كفه بين راحتيها ... إلتفت ناحية وعد و قال بجدية آمرة :
_ إطلعى إنتى و لمى الشقة فوق و نضفوها كويس قبل ما سامر يجيب الأجهزة الكهربائية .
زمت وعد شفتيها و تطلعت بلمى و قالتا بنفس الوقت بتعجب :
_ نعم !!
وقف جاسم مسرعا و قال بحدة :
_ زى ما سمعتوا ... و عاوز الشقة تلمع ... مفهوم .
وقفت وعد و قالت بذعر :
_ حاضر حاضر ... يلا يا سما ... يوووه قصدى يا لمى .
تمتمت لمى بغضب .. فسألها جاسم بتوجس :
_ بتبرطمى بتقولى إيه يا آنسة لمى .
أجابته بضيق و هى تشيح بوجهها عنه :
_ مش ببرطم ... قدامى يا وعد يالا .
تطلعت وعد بجاسم و نظراتها تحمل كل اللوم و قالت :
_ يالا ربنا على القوى و المفترى .
و تركتا الغرفة منصرفتان ... فإبتسم جاسم بمكر و جلس بجوار جدته قائلا :
_ إيه .. رأيك .. فى مراتى يا .. نوجا .
ربتت على كفه و قالت بحنو :
_ هى زى القمر و شكلها كده حنينة .. و بتحبك يا واد .
إتسعت إبتسامته و تنهد مطولا و قال بهدوء :
_ عارف .. و أنا كمان بحبها قوى .
تطلعت إليه مطولا و أرجعت رأسها للخلف مستندة على الوسادة ... و طالعته مطولا و قالت بشجن :
_ بتفكرنى بجدك يا جاسم ... كان شبهك فى كل حاجة ... شكلك .. بصاتك ... حركاتك .
ثم سعلت قليلا و أردفت قائلة بإبتسامة مشرقة :
_ حتى نظراتك لمراتك .. و حبك اللى هينط من عنيك ... هو كمان كان بيحبنى قوى .. زيك .
صفق جاسم بيديه و قال ساخرا :
_ الله عليكى يا نوجا يا حَبيبة .
صفعته على وجهه بخفوت و قالت بلوم :
_ إتلم يا واد .. قوم .. قوم إطلع لمراتك .. فى واحد يتجوز واحدة إسمها رعد .
تعالت ضحكات جاسم و قال بمداعبة :
_ بحبها بقا .. هعمل إيه .

يتبع الفصل التالي اضغط هنا

 الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية كاملة: "رواية وعد بلا رحمة" اضغط على أسم الرواية
رواية وعد بلا رحمة الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم ياسمين ابو حسين
princess

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent