رواية وعد بلا رحمة الفصل الثامن عشر 18 بقلم ياسمين ابو حسين

الصفحة الرئيسية

 رواية وعد بلا رحمة الفصل الثامن عشر بقلم ياسمين ابو حسين

 رواية وعد بلا رحمة الفصل الثامن عشر

 إنتبه عمرو على صراخ روضة .. فترك شقته مسرعا راكضا على الدرج .. فقابل والدته و جدته و هما ينطلقان بهلع على الدرج .. فتخطاهم مسرعا .. فوجد مالك مغشى عليه .. مستندا علي روضة .. و سراج يحاول حمله .. فإقترب منهم مسرعا قائلا بحزم :
- بعد إذنك يا عمى أنا هشتاله و حضرتك كلم الدكتور حالا .
وبالفعل حمله عمرو على كتفه و سط صراخ آمال و روان .. ودخل به لغرفته و مدده على الفراش .. و تطلع لبقع الدماء التى تغطى ملابسه بقلق .. ثم بحث بجسده فلم يجد به جراح .. فقط جرح بسيط بجبهته .. فقال لنفسه متعجبا :
- الدم ده من إيه .. يا ترى دم مين ده .. إستر يا رب .
خرج مسرعا و إجتذب روضة من ذراعها بالقوة و هدر بها قائلا بغضب :
- مالك كان بيعمل إيه فى حضنك يا أستاذة .
وقف عيسى بجوارهم و قال بحدة :
- إحترم نفسك يا عمرو إنت بتكلم روضة .
أغمض عمرو عينيه مسيطرا على غضبه ثم فتحهما بسرعة قائلا بإيجاز :
- طب تفهمنا يا بابا .
كففت روضة دموعها و رفعت نقابها و قالت بخوف :
- لقيته قاعد عمال بيعيط و قاعد يقول إن جاسم ضحى بنفسه علشان وعد .. قعدت جنبه و خرجت تليفونى علشان أتصل بوعد .. فلاقيته مال عليا و أغمى عليه .. حد يكلم وعد قلبى مش مطمن .
هز عمرو رأسه متفهما و هاتف وعد التى أجابته بدموعها :
- إلحقنى يا عمرو .
إنتصب عمرو فى وقفته و سألها بقلق :
- فيكى إيه يا وعد .. و جاسم كويس و لا فى حاجة حصلتله .
أجابته من بين شهقاتها و دموعها :
- إحنا فى الإسعاف رايحين المستشفى .. جاسم إنجرح فى جسمه و نزف دم كتير و أغمى عليه .. أنا خايفة عليه قوى يا عمرو .
- مع إنى مش فاهم حاجة بس هكلم الحاج فضل .. و شوية و هنبقى معاكى .. خلى بالك من نفسك و منه تمام .
أومأت وعد برأسها و قالت بصوت مرتعد :
- حاضر .. بس ما تتأخروش عليا .
تطلع عمرو ناحية روان المنهارة على حال أخيها و قال بشرود :
- مش هنتأخر عليكى .. سلام يا حبيبتى .
سأله عيسى بقلق إنعكس على ملامحه الصلبة :
- فى إيه يا عمرو .
إلتفت عمرو برأسه لوالده و قال له بصلابة :
- بابا جاسم فى المستشفى و وعد معاه .. خد ماما و روح لها و أنا و روضة هنفضل مع مالك .
ربت عيسى على ظهره و قال موافقا :
- حاضر يا إبنى .. يالا يا سلوى تعالى معايا بسرعة .
وقفت سلوى و سألته بقلق :
- يالا فين .. مش هسيب آمال لوحدها .
هز عيسى رأسه بإستنكار و قال بعصبية :
- قومى يا سلوى بسرعة .. لأن جاسم نقلوه المستشفى و وعد معاه و مش فاهم حاجة عنهم .. فا يالا بسرعة بقا .
وقفت مسرعة و شهقت بقلق و قالت بتخوف :
- ربنا يستر .. يالا يا أبو عمرو بسرعة .
جلست إمتثال مكانها بجوار آمال و قالت بتوتر :
- طمنونا لما تعرفوا حاجة .
إقترب عمرو من سراج و ملس على ظهره قائلا بتهذب :
- هيبقى كويس إن شاء الله يا عمى .. بس ممكن حضرتك تقعد شكلك مرهق جدا .
هز سراج رأسه نافيا و هو يجيبه بأسى :
- مش هرتاح غير لما أطمن عليه .. اللى شافه مالك الكام يوم اللى فاتوا كتير على أى بنى آدم .. الله يكون فى عونه .
بعد فترة حضر الطبيب و عاينه .. ثم خرج إليهم مكفهر الوجه و قال بلوم :
- إيه ده يا جماعة .. هو آخر مرة أكل إمتى .. بعد كشفى عليه باين جدا إنه تخطى اليومين من غير أكل .. ده غير الكدمات و الجروح اللى فى وشه .
مد يده بورقة ناحية سراج و قال بصرامة :
- الدوا ده ييجى فورا .. بسرعة لو سمحتم .
إلتقط عمرو الورقة و قال بإيجاز :
- دقايق و هيكون قدامك .
و إنطلق مسرعا .. وقفت روضة على باب غرفة مالك تتطلع إليه بألم .. و أغمضت عينيها متذكرة لحظة دفنه لرأسه بحضنها كأنه يستمد منها الراحة و الأمان .. فزفرت عبراتها بهدوء واستغفرت ربها .......
إنتفضت على لمسة سراج لكتفها قائلا بإبتسامة هادئة :
- ما تخافيش يا حبيبتى .. هيقوم منها و هيبقى كويس .. تعرفى إنى مبسوط إن كل ده حصل .. لأن سعادة مالك معاكى يا روضة .
إلتفتت إليه روضة مسرعة و قالت بحسم قاطع :
- إنسى الموضوع ده خالص يا عمو أرجوك .. إوعى تقوله لحد علشان خاطرى .
ربت على ذراعها و قال بإيجاز :
- حاضر يا حبيبتى .
....................................................................................................................
.................

العشق ......
كلمة لها ألف تفسير .. و لكن عندما تفقد إيمانك بالعشق .. و تلحد بكل مبادئه .. و تأتيك الصفعة التى على آثرها تعود لإيمانك و تشرق شمس نبضات قلبك بأنه يستحق الحياة .. و حياته فى عشقه .. فمن يؤثرك على نفسه يستحق أن تنحت له تمثالا داخل قلبك و عقلك و كيانك بأكمله .......

كلما تذكرت تضحيته و تألمه و دمائه التى ملأت فستانها الأبيض كقلبها .. لعنت نفسها .. كيف قالت له فى يوم أنها لن تحبه .. فقط ستتزوجه زواج يحكمه العقل و فقط .. و كان رده أنه لن ييأس و سيعمل جاهدا على إثبات أنه هناك عشق .. و أنه يعشقها بجنون .. و ثقته الأكبر فى أنها ستعشقه هى أيضا .. و قد كان .........

تسللت الراحة لقلب وعد و هى تراه يفتح جفنيه بتثاقل .. تمسكت بكفه أكثر حتى شعر بها .. فإلتفت برأسه ببطء فوقعت عينيه عليها .. فإبتسم براحة بعدما تأكد أنها بخير و فتح شفتيه الجافتين و قال بصعوبة و بصوت خشن :
- بحبك .
عضت وعد على شفتها خجلا .. ثم حركت مقلتيها يمينا و يسارا بإحراج .. فوقفت والدته مسرعة بلهفة عندما وصلها صوته قائلة بفرحة :
- حمد الله على السلامة يا حبيبى .. كده يا جاسم تخوفنا عليك .
إبتسم إليها بوهن .. و طمأنها بعينيه فأتاهم صوت سامر قائلا بهزل :
- تخافى على مين بس يا طنط .. ده يتخاف منه بعد كده .. عاملى فيها طرزان و بيتنطط على الكبلات عادى .. لخاف يتكهرب و لا إنه يقع من التامن تنكسر رقبته .
ضيقت ألفت ما بين حاجبيها و قالت بسخط :
- يا أخى إن شاء الله إنت يا بعيد .. إنت هتفول عليه يا سامر .
أجابها بمداعبة و هو يستند بكتفه على الحائط :
- أفول على مين بس يا طنط .. إبن أخوكى خلاص رسميا و حصريا بقا ماوكلى و خلاص هيروح يعيش فى الغابة مع أصدقائه الحيوانات .
جذبته ريتال من بنطاله .. فإنحنى و حملها بإبتسامة محبة حانية .. فلفت ذراعيها حول رقبته و سألته بسعادة :
- إنت تعرف ماوكلى يا سامر .. أنا بحبه قوى .
قطب سامر جبينه بضيق مفتعل و قال لها بحدة :
- بتحبى مين يا هانم .. شكلى هشيل تردد سبيس تون من عندكم .. إنتى بتحبينى أنا و بس مفهوم .
هزت رأسها نافية بقوة و قالت بغضب :
- ﻷ .. أنا بحب سبونج بوب و جامبول و جاسم كمان .
إبتسم جاسم بشدة متأوها من جروحه و قال بصوت متحشرج :
- يعنى بتحبينى فوق البيعة .. ماشى يا توتا .
تطلعت إليه بشفقة و سألته ببرائه :
- كل دى واوا يا خالو .. إنت مس بتعيط ليه .
قرصت وعد وجنتها و قالت بمداعبة :
- علشان هو بطل خارق .. و الأبطال الخارقين مش بيعيطوا .
شعور بالنشوة ملأ خلجات جاسم .. فساحرته تراه بطلها الخارق .. داعب كفها بأنامله بإغواء .. فإبتسمت بخفوت خجل .. بينما مصمصت نجوى شفتيها بتذمر و وقفت بجوار فراش جاسم و وخزت وعد فى ذراعها و قالت بغضب :
- حاسبى بقا خلينى أطمن على جاسم .
حاولت وعد سحب كفها من جاسم بحرج و قد زفرت بضيق من معاملة نجوى الجافة لها .. و لكنه تشبس بها قائلا بخفوت حازم :
- أنا كويس يا عمتو ما تخافيش .
لاحظت نجوى تمسكه بكفها .. فمصمت شفتيها مجددا و قالت بفتور :
- طيب .. عموما حمد الله على سلامتك .
لم تترك عينى عيسى و جهى ألفت و نجوى و فسر إمتعاضهم ناحية وعد .. فعلى العكس قال بإبتسامة ممتنة :
- مش عارف أشكرك إزاى يا جاسم يا إبنى .. لولاك كانت وعد دلوقتى فى حالة ما يعلم بيها إلا المولى .
ثم حرك رأسه ناحية فضل و قال له بقوة :
- يا زين ما ربيت يا حاج فضل .. دلوقتى أنا أقدر أسافر و أنا مطمن عليها مع راجل بيحبها و بيفديها بحياته .. ربنا يباركلك فيه .
ربت فضل على ساقه و قال بإبتسامة هادئة و قد علت ملامحه الفخر بولده :
- دى مراته يا أبو عمرو .. ربنا يهنيهم و يسعدهم و يقوم بالسلامة بسرعة علشان نفرح بيهم إن شاء الله .
همست دولت لعلا فى أذنها أن تأتى بعصير للجميع .. فوافقت و خرجت من الغرفة تتبعها عينيه الخضراء بشوق .. فإنتبه لرنين هاتفه .. رفع سامر الشاشة أمام عينيه فإبتسم بهدوء و ترك الغرفة و خرج للرد .....

أجاب هاتفه قائلا بصوته العميق الهادئ :
- ألو .. أخبارك إيه .
أجابته لمى بضيق :
- بقالك كام يوم ما سألتش عنى .. فا قلقت عليك .. إنت كويس .
يعلم جيدا أنها تكن له مشاعر بداخلها .. نظراتها و همساتها و إبتسامتها .. كل شئ بها يخبره بمشاعرها البريئة تجاهه .. كم يتمنى أن ينعم بالقليل من الإهتمام و الدفء الذى يشعر بهم معها .. فإبتسم ساخرا و قال بأسف :
- غصب عنى و الله .. جاسم تعبان شوية و فى المستشفى .
شهقت بذعر و سألته و قد إرتجف صوتها قليلا :
- جاسم .. هو كويس و لا جراله إيه .. قولى بسرعة يا سامر إنت مش عارف غلاوة جاسم و وعد عندى إزاى .
هدأها قائلا بحزم هادئ :
- إهدى يا بنتى .. هو كويس، شوية جروح خفيفة و هيخرج بكرة إن شاء الله .
- طب حصله إيه .. حادثة و لا إيه .
حك ذقنه بشرود و قال بهدوء :
- هجيلك بكرة و هحكيلك على كل حاجة علشان اللى حصل يتكتب فى رواية و الله .. خلى بالك من نفسك كويس .. و لو إحتجتى أى حاجة فى أى وقت كلمينى .. تمام .
وصلته أنفاسها الناعمة و هى تقول برقة :
- حاضر .. بس ما تتأخرش عليا علشان خاطرى .
إبتسم إبتسامة متسعة و هو يقول بمداعبة :
- ده أنا أجيلك دلوقتى علشان خاطرك ده .. بس هنخليها لبكرة .. يالا سلام .
- مع السلامة .

أغلق الهاتف و تطلع إليه مطولا بشرود .. أوقات كثيرة ينتابه الخزى من إستغلال مشاعرها ليشعر هو بما ينقصه فى عشقه السرمدى لتلك الآخذة التى تتقدم نحوه الآن بنظرات نارية حتى وقفت أمامه بكبريائها قائلة بتكلف :
- مافيش فايدة يا سامر .. سايب الأوضة و خارج تستنانى ليه .
عقد ذراعيه أمام صدره و هو يطالعها ببرود قاسى .. متفرسا لملامحها بقوة جعلتها تبتلع ريقها بتوتر .. بينما إنفرجت شفتيه ببطء و إبتسم ساخرا و قال بنبرة فاترة :
- أول مرة ما يكونش كلامك صح .. أنا خرجت أرد على التليفون .. بس .
هزت رأسها بيأس و قالت بضجر :
- حاضر .. هصدق بمزاجى .
رفع سامر هاتفه أمام و جهها و قال بقوة واثقة :
- أدى المكالمة من دقيقتين بالظبط .. ما تقلقيش بالمكالمة دى أقدر أقولك إنى خلاص خدت قرارى و هتجوز أخيرا و هخلص من سيطرتك على قلبى .
رغم صلابتها المزيفة التى تدعيها الآن .. لكن شحوبها المؤلم له أخبره بعنائها من كلماته القاطعة .. لم يرحمها و لم يضعف أمامها تلك المرة و هو يقول متابعا ببساطة قاسية :
- مش هتباركيلى يا علا .. على العموم عادى بس حابب أتكلم عليها معاكى .. إسمها لمى عندها واحد و عشرين سنة .. يتيمة و زى القمر .. ﻷ .. القمر هو اللى زيها .
و عبث بهاتفه قليلا و وضعه أمام عينيها و أردف قائلا بجمود :
- شوفى صورتها .. تجنن مش كده .. بس برائتها و طفولتها أكتر حاجة شدتنى ليها .. و حبها ليا هيساعدنى أنساكى و أدفنك جوايا .
أدفنك جوايا .. ما أقصاها من جملة شقت قلبها نصفين .. أيعقل أن تكون تلك النهاية .. ببساطة ......
لم تتزحزح عيناها عن صورة تلك الفاتنة .. بإشراقتها و جمالها و طفولتها الظاهرة بتلك الإبتسامة الساحرة لأى رجل .. أفاقت لنفسها المحطمة و هو يبعد هاتفه عنها قائلا بثبات :
- يا رب تكونى إرتاحتى .
لم تقوى على الرد .. لأول مرة تخرج من معركة خاسرة .. نعم خاسرة .........
خسرت عشقها الوحيد ... خسرت نفسها معه ... خسرت كبريائها الذى طالما أكد لها أنه سينتقم منه و يذيقه الويلات .. و ها هى تدفع الثمن و تتذوق الويلات .....

تركته بهدوء و ولجت لغرفة جاسم راسمة إبتسامة مزيفة على ثغرها .. رافعة أنفها بإيباء كعادتها و كأن شئ لم يكن ....
لحظة ......
فى الحقيقة كان ما كان و تحولت لحطام إمرأة .. فإن كنت تظن أنها هكذا تشعر بالراحة الآن .. فأنت واهى .. فقلبها الخائن ممتلئا بحبك و متيم بتفاصيلك .. و عقلها البائس لا يتوانى عن ذكرك و تذكيرها بما كان .. و روحها الهشة تحاوطك بكل مكان و تهفو وراء أى خبر عنك .. حتى جسدها يشتاق للمساتك البريئة له قديما .. و تأتى أنت بمنتهى الصفاقة و إنعدام الرحمة و تسألها هل هكذا إرتاحت ........

...................................................................................................................
.....................

من أجل عينيك .. عشقت الهوى .
من أجل عينيك تحملت الكثير .. أن أراك و أحرم على عينى أن تطوف هائمة بملامحك .
أن يصل صوتك لقلبى و أحرم على أذنى الإنسياق وراء ذبذباتك الساحرة .
ألا أجتمع بك فى نفس المكان و أهرب و تسألنى فلا أجد إجابة .
هذا كله لأنك غبى .. و أعمى .. و أبكم .. و لا تشعر .

إنتهى المحلول المغذى لجسده الهزيل .. فأغلقت روضة جهازه و أخرجته من الإبرة المغذية بكفه الصلب .. و ما أن إلتفتت لتخرج من غرفته حتى سمعت همسه الخافت :
- روضة .
إتسعت عيناها بفزع .. و تطلعت حولها برجاء ألا يكون قد سمعه أحد .. و لكنه أصر على إحراجها أمام الجميع حين هذى بغفوته قائلا بحشرجة :
- روضة .
وقفت آمال مسرعة و حملت كفه بين راحتيها و قالت من بين دموعها :
- كلنا جنبك يا حبيبى .. فوق يا مالك علشان خاطرى .
كأنه إستمع لرجائها ففتح عينيه ببطء شديد حتى إنتبه لنفسه .. حاول جاهدا أن يتذكر ما حدث له حتى أتته كلماتها الأخيرة الحنونة كما إعتادها مصاحبة بكلمة جديدة و غريبة .. حبيبى .. لم يكن يهذى وقتها .. فما رآه بعينيها وقتها من لهفة و قلق كفيل بتصديقه لما سمع ......

قبلته آمال بجبهته الباردة و قالت بلوم :
- كده يا مالك تخضنى عليك .. بقالك أكتر من يومين ما أكلتش طب ليه يا حبيبى كل ده .. الدنيا مش بتقف عند حد .
كأنه لم يسمعها فطاف بعينيه حوله فرأى الجميع .. و رأى تلك العينين الصادقتين و الذى لطالما إعتبرهما ملاذا أخويا صادق .. إذا لم يكن أخويا على الإطلاق .. الآن و فقط تنبه لمعاناتها ......
لم يحيد ببصره عنها .. ففطنت أنه قد سمع كلماتها المتسرعة العفوية و التى إنطلقت منها دون وعى .. فنحن حين نخاف تنطلق أحاسيسنا بصدق يصدمنا لاحقا .....
إبتلعت روضة ريقها بتوتر و قالت بخفوت مرتعد :
- أنا هطلع أنا حمد الله على سلامته .
أجابها الجميع :
- الله يسلمك .
جلس سراج بجواره فلاحظ نظراته التى تلاحق روضة حتى إختفت .. فإبتسم بهدوء و سأله قائلا بحنو :
- إيه يا وحش .. تقع كده .. ما كانش عشمى فيك .
إبتسم مالك بخفوت مرهق و قال بتحشرج :
- آسف لو خوفتكوا عليا .
وقفت إمتثال و ربتت على كفه و قالت بنبرة حانية دافئة :
- سلامتك يا حبيبى .. أنا هروح أعملك فرخة و شوربة لسان عصفور تتقوت بيهم .
قبل كفها و قال بإمتنان :
- شكرا يا تيتة .
قبلت آمال رأسه و قالت بفرحة :
- هروح مع الحاجة إمتثال أعملك الأكل و هاتكله كله مفهوم .
أومأ مالك برأسه و قال بخفوت :
- إن شاء الله يا ماما .
كففت روان عبراتها و هى تتابع حالته المؤلمة .. فوضع عمرو ذراعه حول كتفيها و قربها لصدره و قال بضيق :
- خلاص يا رونى .. هيبقى كويس و أحسن من الأول كمان .
مسحت أنفها بمحارم ورقية و قالت بتمنى :
- يا رب يا عمرو .
تطلع مالك بعمرو و قال لوالده بهدوء :
- بابا .. أنا عاوز عمرو لواحده .
لف سراج رأسه ناحية عمرو الذى أومأ له برأسه مبتسما بخفوت لطمأنته .. فعاد سراج بعينيه لمالك و قال بموافقة مشروطة :
- حاضر .. بس مش عايز إنفعال .
إبتسم إليه مالك إبتسامة ضعيفة كحاله و قال بثقة :
- ما تخافش يا بابا .. إحنا فى الأول و الآخر إخوات و عشرة عمر .
تنهد سراج تنهيدة طويلة و قال بهدوء متزن :
- ربنا يهدى الحال يا إبنى .
و خرج من الغرفة و معه روان .. سحب عمرو مقعدا و وضعه أمام فراش مالك و جلس عليه منتظرا ما سيقوله .. فرفع مالك نفسه قليلا ليجلس نصف جلسة و قال بخجل :
- عارف إنى غلطت .. و خونت ثقنك فيا .. بس غصب عنى حبتها .
و إنهمرت دموعه بغزاره .. و تعالت شهقاته المتألمة .. فإنحنى عمرو ناحيته و مسح عبراته بكفه و قال بشفقة على حاله :
- طب إهدى .. و لو هتتعب هخرج و أسيبك ترتاح .
تابع مالك بكائه و قال بألم مهلك :
- بحبها .. بحبها قوى يا عمرو .. و عارف إنه مش من حقى أقول كده .. بس بتعذب .. هموت يا عمرو .
إجتذبه عمرو لصدره و قال متأوها بصوت عالى على حاله البائس :
- عيط .. خرج اللى جواك علشان ترتاح .
- تخيل إنك تخسر أكبر و أغلى حلم فى حياتك .. ده أنا سافرت علشان أقدر أجمع فلوس لشقتنا .. كنت بحلم بأيامنا سوا .. و حياتنا اللى جاية .. هعيش إزاى من غير ما تعزفلى عالجيتار .. من غير ما تكون ضحكتها ليا لواحدى .. حتى كسوفها .. خلاص كلها بقت لغيرى .. طب قولى بالله عليك هستحمل إزاى .
إستمر بكائه لفترة حتى هدأ قليلا و قال بهدوء مضطرب :
- أنا لازم أسيب البيت و أمشى .. مش هقدر أشوفهم مع بعض لأن وعد بعد اللى عمله علشانها هتحبه و أنا مش هستحمل .
إستند عمرو بظهره على مقعده و قال بتوجس :
- مش هتحتاج تسيب البيت و لا حاجة .. لأن فرحهم بعد إسبوعين .
ضغط مالك عينيه بقوة فذرفت آخر عبراتها .. و لم يقوى على فتحها مجددا .. فإستسلم لضعف جسده و نام .....
هز عمرو رأسه بضيق و هو يتأمل عذابه و هروبه بألم .. فهو قد ذاق العشق .. و ليلة واحدة بعدتها روان عنه و شعر بغربة و شوق مؤلم .. فما حال مالك الآن .......
تركه نائم و خرج ليجلس مع الجميع .......

..................................
لم ترحمها عينيه كعادته .. فإرتبكت و إبتعدت عنه .......
جلست وعد بجوار والدها بخجل .. فمال عليها قائلا بهمس خافت :
- مش هنمشى بقا يا وعد .. الوقت إتأخر .
إتسعت عيناها بضيق و قالت له بنبرة ناعمة تحمل الرجاء :
- مش هقدر أسيبه و أروح .. بالى هيفضل مشغول عليه .. علشان خاطرى يا بابا سيبنى معاه .
إمتعض وجه عيسى و تابع بخفوت غاضب :
- ميصحش يا بنتى .. إنتى صحيح مراته بس ماينفعش أسيبك معاه لواحدك .
إستمعت سلوى لحوارهم فقالت بمكر لدولت :
- إنتى هتفضلى مع جاسم يا حاجة دولت .
هزت دولت رأسها بقوة و قالت مؤكدة :
- طبعا .. هو أنا هطمن غير و أنا جنبه .
فقالت لها سلوى بخبث لئيم :
- طب إيه رأيك أفضل معاكى للصبح و أهه أبقى جنبك لو جاسم إحتاج حاجة .
إبتسمت دولت بتفهم بعدما لاحظت لهفة جاسم و وعد لجوابها فقالت بإبتسامة هادئة :
- يا ريت يا سلوى .. لأنى عاوزة نتفق على شوية حاجات .. الفرح بعد إسبوعين .
إلتفتت سلوى بجسدها ناحية زوجها و قالت له بتوجس :
- إيه رأيك يا أبو عمرو .. أفضل أنا و وعد مع الحاجة دولت .
إبتسم عيسى بخفوت و قد فطن لما يحاك حوله .. ثم قال بتنهيدة ساخرة :
- اللى تشوفوه .. هقوم أمشى أنا بقا و هجيلكم الصبح يكون جاسم خرج .

ودعته سلوى على الباب .. بينما غمز جاسم لوعد التى عبثت بحجابها بخجل و هى تخفى إبتسامتها .. فإبتسم بسعادة و هو يرى تأثيره عليها .. تلك الوعد الساحرة .. زوجته و حبيبة قلبه الوحيدة و الأخيرة .......
بعد ساعات إنصرف الجميع و غفيت دولت بإرهاق على إحدى الأرائك التى تتحول لفراش .. و تمددت بجوارها سلوى مدعية النوم كى تترك لوعد و جاسم الفرصة للحديث ......
إطمئن جاسم لغفوتهم .. فأشار لوعد بأنامله أن تأتى إليه .. فوقفت و توجهت نحوه بخجل .. وسألته ببلاهه بنبرة صوتها الناعمة :
- محتاج حاجة منى يا جاسم .
أومأ برأسه و قال بإبتسامته الجانبية و التى تنذرها بالأسوء و تأكدت عندما قال بمداعبة :
- قربى منى عاوز أقولك سر .
إبتسمت بخفوت .. و إقتربت منه ثم مالت بجسدها نحوه تاركة مساحة ليست بقليلة بينهما و سألته بتلعثم خجل :
- سر .. إيه ؟؟
- عاوز أنام ساند راسي علي كتفك لو سمحتى .
قالها جاسم ببرائة لذيذة .. لتتسع عينى وعد بصدمة و وضعت أناملها الناعمة مثلها على فمها من خجلها و قالت بخفوت منزعج :
- إنت قليل الأدب .
ضحك عليها بخفوت حتى تألم من جروحه .. و هدأ من ضحكاته قائلا برجاء عابث :
- علشان خاطرى .. إنتى بس هتقعدى على السرير جنبى و أنا هميل عليكى براسى زى ما أخدتك فى حضنى فى الأصانسير .
ضيقت وعد عينيها بتوعد شرس و ضربته على ذراعه بقوة .. فتألم قائلا بضحكة هادئة :
- آآه .. بتضرينى و أنا متخيط بسببك .. ماشى بس أخف و أنا هخيطلك إيديكى جنبك .
عضت على شفتها السفلى بإحراج و قالت كاتمة لضحكاتها :
- أنا آسفة .. بس تستاهل يا قليل الأدب .. و يالا نام بقا .
جذب كفها لفمه و لثمه برقة .. ثم قال بتنهيدة حارة :
- إعملى فيا اللى إنتى عاوزاه .. بس ما تبعديش عنى .. ربنا يصبرنى على الكام يوم اللى لسه و تبقى بتاعتى لآخر يوم فى عمرى يا عمرى .
حاولت سحب كفها منه بخجل و لكنه تمسك به أكثر و طلب منها بجدية رقيقة :
- ممكن تجيبى الكرسى بتاعك جنبى .. علشان أنام و أنا ماسك إيدك .
تطلعت إليه بشك .. ثم إنصاعت لطلبه و جلست بجواره .. و هو يتأملها بنهم حتى شعر بثقل فى عينيه و لم يشعر بشئ بعدها .. إبتسمت وعد بحب و هى تتأمله فى نومه .. بدا لها كطفل صغير مريض و يشاغب لكى لا يشعر من حوله بالقلق .. وضعت كفها الأخرى فوق كفه و إستندت برأسها على فراشه و غفت هى الأخرى بسلام .......

فى الصباح تألم جاسم من جروحه فتململ فى فراشه و فتح عينيه ليرى أجمل مشهد قد تراه عينيه .. جنيته الناعمة نائمة بجواره .. رفع يده ناحية وجهها و ملس عليه بحنو .. و لم يتصدى لرغبته الملحة فى ملامسة جرحها الوردى الجميل .. كم كانت ناعمة كغيمة هادئة .. فأخذه الفضول أكثر لمطالعة سرها الحربى .. فدس أنامله تحت حجابها ليعرف هوية شعراتها .. و لكنها شعرت به و مسكته متلبسا بجرمه .. أوقفت كفها تقدم أنامله و إنتزعتهم بضيق .. ثم فتحت عيناها بتثاقل و قالت بلوم :
- عيب كده على فكرة .. و مش هتعرف برضه عن شعرى حاجة .
إنتبهوا على ضحكات سلوى التى إستيقظت للتو و قالت لوعد بمعاتبة :
- ليه كده يا وعد .. إديله فكرة عن شعرك يا حبيبتى بدل ما يتصدم بعد الجواز .
زم جاسم شفتيه بمداعبة و قال بهزل ساخر :
- واضح إنه وحش جدا .. بس ربنا المستعان فى كوافيرات شاطرين و هيحولوه بإذن الله من ليفة لحرير .. خلى أملك فى ربنا كبير يا حبيبتى .
ضيقت سلوى حاجبيها بإستنكار و قالت بضيق :
- إيه ده هو إنت فاكر إن شعرها ...... .
قاطعتها وعد بسرعة قبل أن تفضح أمرها و قالت بحدة قاطعة :
- ماما .. لو سمحتى مش عاوزاه يعرف حاجة عن شعرى .. علشان خاطرى .
هزت سلوى رأسها بيأس و قالت بإبتسامة خافته :
- اللى تشوفيه يا بنتى .. بس حرام يتصدم فيكى فى أول يوم ليكم سوا .. هتبقى مفاجأة صعبة على أعصابه .
لم يفهم جاسم تلميحاتها فقال بخوف :
- إوعى تطلعى قرعة يا وعد .
ضحكت وعد ضحكة عالية و قالت بسخرية :
- إنت و حظك .. يا هطلع حمرا .. يا هطلع قارعة .. بس الأكيد إنى محضرالك مفاجأة .
- إستر يا رب .

...................................................................................................................
...................

عدل جاسم من هندامه بسعادة و هو يتأمل جمال حبيبته الساحرة التى تخطت كل الحدود اليوم .. إتسعت إبتسامته و قال لائما نفسه بقوة :
- دى قرعة برضه .. دى حمرا و مرملة كمان .. يخرب بيت حلاوتك يا شيخة .
كادت عينيه أن تخرج من محجرها و هو يتابع تقدمها نحوه و هى متأبطة ذراع والدها و الموسيقى حولهم تترجم مايحدث ب " طلى بالأبيض طلى " ففستانها الأبيض الواسع و الذى لا يترك مساحة لوالدها الذى يسير بجوارها بسعادة .. فها هو سيسلم إبنته لزوجها ....
كانت وعد تتنفس بصعوبة و هى تسير ببطء تجر فستانها الواسع المرصع بالاحجار اللامعة و الذى جعلها أميرة هذه الليلة .. و كعادتها تعلقت عيناها بعينيه و هو يبتسم إبتسامة واسعة تعكس سعادته و لهفته .. لم تخفى إنبهارها بوسامته و جاذبيته التى إنعكست على ملامحها المبتسمة بخفوت هادئ يحمل الشغف .. و أخيرا سلمها والدها إليه و قبله و طلب منه أن يحافظ عليها و يسعدها .. قبله جاسم بحب و إحتضنه و أكد له أنه سيضعها بعينيه و قلبه ....

مد جاسم كفه ناحيتها .. فمدت يدها نحوه و سلمته كفها و زمام أمورها و حياتها بأكملها .. فحمل كفها و قبله و قبل جبهتها ببطء شديد مستمتع بحصوله عليها أخيرا .. ثم تطلع داخل عينيها و قال بصدق آسر :
- بحبك يا أحلى حاجة حصلتلى فى حياتى .

أطرقت وعد برأسها بخجل فتعالت التصفيقات حولهم .. فسار بها لمنتصف قاعة الزفاف و حيوا الجميع و بدأت مراسم الزفاف بتلك الرقصة الرومانسية .. كانت وعد متحفظة فى البداية حتى إعتادت قربه منها و حاوطت عنقه بيديها مقتربة منه بخجل لذيذ ....
ربتت إمتثال على ذراع روضة التى كانت تبكى بقوة و هى ترى صغيرتها عروسا جميلة .. مالت عليها إمتثال و قالت بصوت عالى :
- إهدى يا روضة مش كده .. كلنا زعلانين و هتوحشنا بس دى سنة الحياة .
أجابتها روضة و هى تكفف دموعها فى نقابها بصوت مرتجف قليلا :
- هروح البيت من غيرها يا تيتة .. جاسم أخدها منى .
ضحكت إمتثال بسخرية و إحتضنتها بذراعها بحنو و قالت بهزل :
- ليه هو إنت ناوية تطولى معانا .. إنتى دلوقتى متقدملك عريس فكرى و لو وافقتى هتحصليها بسرعة .
إعتدلت روضة بجلستها و قالت بقوة حازمة :
- مش وقته يا تيتة .. أنا أصلا مش بفكر فى الجواز .. خلينا فى فرح حبيبة قلبى و بس .

رقصت وعد مع جاسم طوال الوقت لم يتركها تبعد عنه و أصدقائهم و أقاربهم يحاوطوهم بسعادة .. شعرت وعد بإرهاق من فستانها الثقيل و طلبت من جاسم الجلوس قليلا .....
إقتربت منها منتقبة و عينيها الرمادية ممتلئة بالدموع .. وقفت وعد مسرعة و إحتضنتها بقوة و سعادة و قالت بعدم تصديق :
- قطتى .. وحشتينى جدا يا لمى .
إحتضنتها لمى بقوة و قالت من بين دموعها :
- مبروك يا وعد .. لو ما كنتش جيت النهاردة كنت هتجنن .
إبتعدت وعد قليلا و قالت بإبتسامة متسعة :
- حبيبتى .. أنا اللى فرحتى كملت النهاردة لما شوفتك .
ثم أشارت وعد لروضة التى تقدمت نحوها .. فطلبت منها وعد أن تجلس لمى معها هى و علا .. فأومأت روضة برأسها و أشارت للمى بأن تسير معها .. و جلست بجوار علا تتابع الحفل و الذى يحييه نجوم الغناء المشهوريين و الذين أسعدوا الجميع بغنائهم .. و كانت وعد فى أسعد لحظات حياتها و هى لا تترك كف جاسم الذى يتطلع لسعادتها براحة .......

....................................................................................................................
...................

إتسعت عينيه بفزع و صرخ قائلا بخوف :
- إيه اللى إنت بتقوله ده .. إنت متأكد يا إبنى إنت .
هدأه قائلا بثقة و ذعر :
- و الله متأكد يا باش مهندس سامر .. الجهاز اللى زرعينه لأمير فى مكتبه سمعت منه إنه كلم واحد على التليفون و إتأكد منه إنه جوة قاعة الفرح و طلب منه يقتل العروسة .
تعالت شهقات سامر و هو يهدر بغضب مهلك و قال له بحدة و تركيز :
- إنت تسمع اللى هقولك عليه كويس جدا .. التسجيل الصوتى اللى معاك إبعته للرائد أحمد زى ما فهمتك قبل كده .. و إطلب منه يتحرك فورا يقبض على أمير قبل ما يهرب و يبعت قوة للقاعة بسرعة علشان لو قدرنا نمسك الراجل ده .. فهمت .
- أيوة يا أهندسة هنفذ اللى إنت قولته بالحرف يا كبير .. سلام .

أغلق سامر الهاتف و إتجه ناحية قاعة الفرح يأكله القلق على وعد .. و لمى .. ولج للداخل و عينيه تلتقط ما حوله بسرعة شديدة .. رن هاتفه فرد مسرعا :
- أيوة يا إبنى عملت اللى طلبته منك و كلمت سيادة الرائد .
- الرائد .. هو فى إيه بالظبط يا سامر .
إنتبه سامر للصوت فوجده مالك .. فتنهد بأسى و قال بعصبية :
- معلش يا مالك أصل الكلب اللى إسمه أمير باعت حد يقتل وعد يوم الفرح .. عاوز يحرق قلب جاسم عليها الحيوان .
أتاه صراخ مالك و هو يقول بغضب :
- يا نهار إسود .. وعد .. إنت فين .
- أنا واقف فى القاعة بس مش شايف حد غريب .
أسرع مالك بسيارته و قال منهيا حوارهم :
- أنا جايلك حالا سلام .
وضع سامر الهاتف بجيب سترته .. و أخذ يطوف بعينيه على و جوه الجميع .. حتى توقف عندها .. كم كانت بهية تسر الناظرين .. بفستانها الفضي .. لعن ذكائها فى إختيار ما يناسبها و يجعلها فاتنة .. هز رأسه بقوة و قال لائما نفسه :
- و ده وقته إنت كمان .. فوق كده علشان تلحق المصيبة دى من غير ما حد يحس .
بعد دقائق ضربه مالك على كتفه و سأله بلهاث :
- هااه .. لقيت حد .
هز سامر رأسه نافيا و قال بضيق :
- ﻷ .. بس الكلب أمير مكلم الراجل ده و كان جوة القاعة .. يا ترى بس مستخبى فين .

وقعت عينى مالك على وعد الساحرة .. كم مرة تخيلها بفستانها الأبيض و كم مرة تمناها بين يديه .. فصرخ قلبه متألما و هو يراها تراقص جاسم برومانسية .. و عيونهم متعلقة ببعضهم .. وضع يده على قلبه المتألم و إبتلع ريقه بصعوبة و هو يراها تلف و حولها فستانها تحت ذراع جاسم المنتشى من الفرحة ثم ضمها إليه ليصبح ظهرها ملامس صدره القوى و تمايل بها بنعومة ساحرة مرددين كلمات الأغنية سويا .. ثم لفها ناحيته بحركة واحدة متقنة و كبل خصرها بذراعه و كفها بين راحته على صدره و جبهته ملامسه لجبهتها .. ثم قبل جبهتها مطولا برقة .. إمتعض وجه مالك بشدة و إكفهرت ملامحه بغضب و هو يضغط أسنانه بعصبية .. فرفع سامر حاجبيه بأسى و مال عليه قائلا بعتاب هادئ :
- مش وقته يا مالك .. أنا حاسس بيك بس فى ورانا مصيبة لو حصلت هيتحرق قلبنا كلنا .. ساعدنى الله يخليك .
هز مالك رأسه بإستنكار و قال بحدة :
- كانت المفروض تبقى فى حضنى أنا مش هو .. سرقها منى يا سامر .. نار و قايدة جوايا .
أنهى كلماته و هو يعتصر قبضته بشدة جعلت مفاصل كفه تبيض .. ثم إشتعلت عينيه بقوة و قال بصوت أجش غاضب و هو يضرب صدره بقبضته :
- هو ما يستاهلش السعادة دى .. دى من حقى أنا .
كبل سامر ذراعه و قال بإستعطاف :
- أبوس إيدك إمشى .. مش هيبقى موت و خراب وديار .
إنتبه عمرو لوقفة مالك و تحفزه الغاضب فإقترب منهم بتوجس و سألهم بحدة :
- فى إيه مالكم واقفين كده ليه ؟!
إتسعت عينى مالك بشرار نارى و دفع ذراع سامر و ركض بغضب يعكس ما بداخله مسرعا .. فصرخ سامر بصوته العميق مذعورا :
- إستنى يا مجنون .
أثناء تمايلهم الرومانسى إنتبه جاسم لركضة مالك نحوهم .. فعبس بقوة و ضغط أسنانه متوعدا له .. حتى لاحظ نظراته النارية خلفه .. فإلتفت بجسده خلفه .. فرأى ملثما يحمل سلاح نارى و يصوبه ناحية وعد .. ففرد جسده كالطاووس أمامها ليحمى حبيبته و رغم ضخامة فستانها إلا أنه غطاها بالكامل بجسده .. بينما حمل مالك عمود حديدى مذهب موضوع ديكورا بجوار منصة العروسين و هبط به على رأس الملثم و هو يصرخ بغضب :
- يا إبن الكلب .. هموت أمك .
و إنهال على جسده بالعامود الحديدى حتى أوقفه سامر مسرعا و هدر به بعصبية :
- خلاص يا مالك هيموت فى إيدك .
إنحنى عمرو و حمل سلاحه ثم ضربه بقدمه فصرخ الملثم مستغيثا :
- آآآه .. إرحمونى .. خلاص .
فطن جاسم لما يحدث حوله فترك وعد و هم بالإنطلاق نحوهم فتمسكت به و قالت برجاء :
- متسبنيش يا جاسم علشان خاطرى .
إلتفت إليها و إحتضن وجهها المستدير كالبدر بين راحتيه و قال بنبرة حانية لطمأنتها :
- متخافيش يا حبيبتى إنتى دلوقتى فى أمان .

هزت وعد رأسها بقوة و قالت نافية :
- ﻷ .. أنا مش خايفة على نفسى أنا خايفة عليك إنت .
ضم رأسها لصدره براحة و قبل جبينها و قال بهدوء :
- حاضر مش هسيبك بس إهدى ما تخافيش .
وقف الجميع يتابع ما يحدث بذعر .. فإنصرف أغلب المدعويين .. و أخيرا و صلت الشرطة و تم القبض على الملثم .. بعد هدوء الحال نسبيا بحث جاسم بعينيه عن مالك .. فلم يجده .....

إقترب سامر من لمى الجالسة بجوار روضة و علا و على عيناها من أسفل نقابها علامات الخوف الشديد .. وقفت علا و هى تتأمل وسامته ببدلته الرمادية و قميصه الأوف وايت و الذى أبرز جمال عينيه .. إعتقدت أنه سيحدثها كعادته و لكنه تجاهلها و قال للمى :
- يالا يا لمى علشان تروحى .

صعقت علا من تجاهله لها .. و جلست بخجل عارم .. بينما وقفت لمى و ودعتهم و إحتضنت وعد و إطمأنت عليها و إنصرفت مع سامر ....

إطمئن الجميع على العروسين و طلب فضل من جاسم أن ينصرفوا .. و بالفعل غادر الجميع بعدما ودعوهم .. وصلوا أخيرا لمنزل أهل جاسم و صعدوا لشقتهم .. أغلق جاسم باب شقتهم خلفهم متنفسا الصعداء ......
سحب جاسم نفسا طويلا و زفره ببطء و قال براحة :
- أخيرا بقينا مع بعض .. لقد هرمت من أجل هذه اللحظة .
إبتلعت وعد ريقها بتوتر و هى تعبث بفستانها بخجل .. ثم سألته بصوت متحشرج :
- هما قبضوا على أمير ده و لا هرب .
نزع جاسم رابطة عنقه بضيق و ألقاها على أريكة بجواره و قال بلوم :
- أمير إيه و بتاع إيه بس فى ليلة زى دى .. إنسى كل حاجة و أى حاجة تانية غيرى .
شعرت بالخوف من تقدمه نحوها بعيون تلتهمها و نظرات كالصقر تخترق روحها فتصنعت الجدية و عبست قليلا ثم قالت بجمود زائف :
- خليك مكانك لو سمحت .. لأنك لو قربت منى هزعلك على فكرة .
ضحك جاسم ضحكة عالية و فى لحظات كان قد كبلها بذراعيه محاوطا خصرها بتملك .. ثم همس أمام وجنتها لإثارتها :
- مكسوفة منى للدرجة دى .. إنتى مش عارفة و متأكدة إنى بحبك و بموت فيكى .
حاولت تخليص نفسها و لكنه باغتها بقبلة ساخنة على شفتيها إنتظرها طويلا جدا .. شهقت وعد من فعلته الجريئة و دفعته بقوة شديدة فإرتطم بالحائط خلفه متألما من رأسه .. بينما رفعت هى سبابتها أمام و جهه و قالت بغضب :
- إنت قليل الأدب .. و أنا لو كنت أعرف إنك كده ما كنتش وافقت أتجوزك .. كلكم زى بعض بتحكمكم رغباتكم و بس .. حاجة تقرف .
و إلتفتت تجر فستانها حتى ولجت لغرفتها و أغلقتها بالمفتاح و جاسم يتابعها بذهول ممسكا برأسه التى تؤلمه من إرتطامه بالحائط .. ثم إبتسم بخفوت و قال ساخرا :
- يا بنت المجنونة .. طب و حياتك عندى لو طولتك لهاكلك مرة واحدة .
ثم خلع سترة بذلته و إقترب من باب الغرفة و طرقها .. فلم تجيبه .. فطرقها مجددا و قال بضيق :
- إفتحى يا وعد ربنا يهديكى .
جائه صوتها و هى تقول بعصبية :
- إيه شايفنى مجنونة .. و إتفضل إمشى روح أوضة تانية نام فيها يا قليل الأدب .
ضرب كفيه ببعضهما متعجبا .. ثم إتسعت إبتسامته و هو يقول بهدوء :
- طب أنا آسف .. و هبقى مؤدب .. إفتحى بقا الباب .
- قولتلك ﻷ .. و يالا سيبنى لواحدى بقا أنا تعبانة و عاوزة أنام .. و إبقى خلى قلة أدبك تنفعك .. كلكم زى بعض .
حك جاسم مؤخرة رأسه و إبتعد عن باب الغرفة و هو يلعن حظه العثر قائلا بحنق :
- الليلة إتضربت خلاص .. دى عين بنت لذين هى الجوازة دى منقوق عليها .. ماشى يا وعد .
..................................................................................................................
....................

وقف سامر خلف مالك يتابع شروده بالنيل .. ثم إقترب منه و قفز عاليا و جلس بجواره على سور الكورنيش و نظر أمامه بشرود أيضا .. ساد الصمت بينهم لدقائق كثيرة و كلا منهما يرثى حبه .. حتى إبتسم سامر بخفوت .. و تحولت إبتسامته لضحكة عالية ثم إستند بذراعيه على السور و وقف و سار عليه دون توقف ذهابا و إيابا .. إلتفت إليه مالك يطالعه بغرابة حتى جلس سامر بجواره و هو يلهث و قال ساخرا :
- مش غريبة االى حصل معانا .. طارق ياخد منى علا .. و جاسم ياخد منك وعد .
ثم عاد لضحكاته الساخرة مرة أخرى و قال بهزل :
- مش عارف ألوم الظروف و لا ألوم نفسى و لا ألومها هى .. تعرف إنى دلوقتى نفسى أسأل ربنا هو عمل فيا كده ليه .. حرمنى منها ليه .
عنفه مالك بشدة قائلا :
- إستغفر ربنا يا سامر .. كل شئ قسمة و نصيب و إحنا نصيبنا فى حتة تانية خلاص .
زفر سامر بحدة و قال ببرود يجمد الحمم :
- أنا هتقدم للمى .. و أتجوزها و أنسى و أعيش بقا .
حك مالك ذقنه و قال بإبتسامة ساخرة :
- المحارب إستسلم خلاص .. عموما اللى فيه الخير يقدمه ربنا و لمى على الأقل مش لقيطة هى معروف أهلها مين .. و أتمنى تكون سعادتك معاها .
أغمض سامر عينيه مستنشقا نسمات الليل الحانية و قال بأسى :
- أنا سعادتى و راحتى مع اللى ملكت قلبى من وهى عيلة صغيرة .. بس هحاول أبنى قلب و عقل و روح جداد علشان أقدر أسعد لمى .

إلتف مالك بجسده و قفز على الطريق .. تبعه سامر الذى تطلع إليه بإبتسامة ماكرة .. ضيق مالك عينيه و قد وصله فحو رسالته فحدجه بتحدى .. بينما رفع سامر رأسه مستهزئا بتحديه و بلمح البصر إنطلق الإثنان ركضا يسابقن الريح و صوت أنفاسهم يشق صمت الليل حتى تعبا و وقفا يلهثان و يلتقطان أنفاسهما بصعوبة ......
إنحنى مالك و تمسك بركبته محاولا التنفس بينما تعالت ضحكات سامر عليه و أشار بسبابته ناحيته و قال بإزدراء :
- عجزت يا مالك .. مش قادر تجرى كام متر .. عليه العوض فى الشباب .
ثم مال عليه قليلا و قال له نصيحة مهمة للغاية :
- نصيحة من أخوك .. إلحق إتجوز قبل القطر ما يفوتك .
أجابه مالك و هو ما زال يحاول إلتقاط أنفاسه قائلا بصعوبة :
- أخد نفسى بس و هعرفك مقامك .
تعالت ضحكات سامر مجددا و تابع سخريته قائلا :
- تاخد نفسك .. ده إنت فاتك القطر و القطر اللى بعده و هنشوفلك تاكسى بعد كده .
إبتسم مالك بخفوت متناسيا ألمه .. فسأله سامر بمداعبة :
- عارف إزاى تجيب لبن من الخيط .
قطب مالك جبينه بتعجب و إنتصب فى و قفته و قد زادت إبتسامته و قال بفضول :
- ﻷ مش عارف .. قولى يا ظريف .
- تقعد تلف الخيط .. و تلف الخيط لحد ما يبقى بكرة و تحلبها .. ههههههه .
شمر مالك ساعديه بضيق و ركض ورائه و هو يقول بصوت مكظوم :
- ده أنا هحلبك إنت يا غتت .
ركض سامر أمامه و قد تعالت ضحكاتهم حتى إستند على سيارته ليلتقط أنفاسه .. و قف مالك بجواره و قال بنبرة ماجنة :
- شوف المفارقة يا أخى .. يوم ما أخسر وعد .. أكتشف إن فى واحدة تانية بتحبنى و أنا ما كنتش حاسس بيها .
عقد سامر ذراعيه أمام صدره و قال ببساطة :
- الأستاذة روضة .. صح .
إلتفت إليه مالك برأسه و على وجهه علامات التعجب و الصدمة فأردف سامر بصوت متسلى :
- بس تعرف إنها لايقة عليك جدا .. و محترمة جدا .. و إنت حمار جدا .
هز مالك رأسه مؤيدا كلامه و سأله بفضول :
- عرفت إزاى إنها بتحبنى .
- بص يا سيدى .. أولا عنيها كانت دايما وراك .. ثانيا فاكر لما تعبت و إنت كلمتنى طلبت رقم الدكتور .. ده كان نفس اليوم اللى سيادتك قولت لوعد إنك بتحبها و أكيد وعد قالت لها .. فامستحملتش و جالها إنهيار عصبى .. تخيل إنها معانا فى الهوا سوا و وعد خطفتك منها .
كأن سامر ضربه على رأسه بقوة .. لم يلحظ من قبل أنها تكن له مشاعر .. رغم أن الجميع على ما يبدو كانوا على علم بما داخلها فكلمات والده الدائمة عن تمنيه لروضة زوجة له .. و كلمات والدته الدائمة عن جمالها و طيب أخلاقها .. و كلمات روان الساخرة كلما تحدث مع روضة بمفردهم عن مشكلة أحدهما ......
تجلت أمامه الآن نظراتها التى لم يفسرها سابقا و هى تخبره بعذابها .. أطبق عينيه بقوة لاعنا نفسه كيف سبب لها هذا الألم و الأصعب كيف تعايشت بينهم و كأن شيئا لم يكن .....
تنفس مطولا و زفره دفعه واحدة هامسا بعذاب :
- روضة .

إنتبها على آذان الفجر .. فتوجهها لمسجد البحر القريب منهم و توضئا و صلوا فرضهم و كلا منهم يدعوا ربه بوصال قريب مع من يستحقهم ....

يتبع الفصل التالي اضغط هنا

 الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية كاملة: "رواية وعد بلا رحمة" اضغط على أسم الرواية
رواية وعد بلا رحمة الفصل الثامن عشر 18 بقلم ياسمين ابو حسين
princess

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent