رواية نزيف الجدران الفصل الثامن 8 بقلم سيد داود المطعنى

الصفحة الرئيسية

   رواية نزيف الجدران الفصل الثامن بقلم سيد داود المطعنى


رواية نزيف الجدران الفصل الثامن 

سعد ذلك الشخص الجسور الذي تهتز لصيحاته قاعات المحاكم، ويهابه الخصوم من زملائه، ويهوى العمل معه كل القضاة الذين يعرفونه أو سمعوا عنه.
سعد الذي لا يلين قلبه لإنسان مهما كانت درجة قرابته، أو صلابة شخصيته، أو حتى نفوذه.
سعد الذي لم يتجنب الحرام إلا خوفا على أولاده، ولم يحذر الظلم إلا خشية أن يصيبهم أذى.
كل تلك الصفات الصلبة تجعل من نفسها ثيابا يلبسه، وبالرغم من ذلك هو أضعف أهل الأرض أمام أولاده.
هو أكثر ولد آدم حنانا على راندا وأشقائها، وما جعل من قوته سوى سياج يستند عليه جميع أولاده، ومرآة تصور لهم الابتسامة فيروها فيبتسموا لها وتبتسم لهم الحياة.
لو عرف أن الخطر يقترب من رائف، لفتح صدره متلقيا سهامه حتى تبتعد الأخطار عن ولده، ثم يستدير إليه ضاحكا ليصنع له من بين أنياب المخاطر ابتسامة تبرز له جمال الدنيا بين أحضان أبيه.
وسمر..
سمر التي انكسر فؤادها بعد وفاة أمها، كانت الأم هي الأكثر حنانا عليها من أبيها الذي يقسو تارة، ويحن أخرى، وبين هذا وذاك كان يعاملها بدكتاتورية الأب الذي يغلب رأيه دائما حتى لو صاح في وجه سمر لتستجيب، بغض النظر عما تريد القيام به أو تحقيقه.
سمر التي جعلت سعد يبكي بشدة في الذكرى السنوية الأولى لوفاة أمها، يوم أن رأت الأمهات في المدرسة تحتضن بناتهن في حفلة تخرج المرحلة الإعدادية، ولم يكن بين الحضور سوى أبيها وأشقائها، ولا أم لها.
بكت سمر وقتذاك، حتى بكى سعد بين الحضور، ولم يستطع بكل ما أوتي من قوة أن يسيطر على دموعه، حتى اضطر لصعود منصة التتويج، ليوهم الناس أن دموعه هي دموع الفرح بابنته التي تخرجت الآن لتحقق له ذلك الحلم.
حتى أنه استغل براعته في المرافعات الشفوية، ليبث السرور على ابنته حينها، وأجلس سمر بين المسئولين على المنصة وكأنها قاضي المحكمة، وأخذ يتلو عليها مرافعة ساخرة، يطلب منها إصدار الحكم بحقه في احتضانها بين الناس، وأن يمسك بشهادة التقدير للحظات.
فضحكت سمر، وضحك الحضور وضحك المسئولون وهم يصفقون لسعد.
وعانقها سعد عناقا طويلا، لترتشف من دفء قلبه رشفات الحنان التي ظنت أنها فقدتها بوفاة أمها.
عانقها سعد ليبث له رسائل الطمأنينة أن الأب الذي كان قاسيا بالأمس لم يعد سوى إنسانا يملأ الحنان قلبه، وما قسى من قبل إلا اعتمادا على بئر الحنان التي كانت تخفف عن أولاده عواقب قسوته.
أما اليوم وقد ماتت زوجته، فلن يجدوا على تلك الأرض إنسانا أحن عليهن من أبيهن.
أسرع سعد بسيارته وكأنه شابا غير مسئول عن تصرفاته، كمن لا يبالي بآداب القيادة، وهو يتخذ من السرعة الجنونية وسيلة للحاق بمدرسة رائف.
وكأن الإرهاب يقف بالمرصاد خلف الفصل الذي يتلقى فيه رائف دروسه، ليطلق عليه وابلا من الرصاص الحي في صدره وحده.
هكذا حال الآباء حينما يستشعرون أن خطرا ما يهدد أبنائهم .. ترى الأب يشك أن قطرات المطر التي تهبط من السماء تحمل الخير لكل الدنيا، وتحمل لولده الهلاك المبين، فيحيطه بذراعيه وينحني عليه بظهره حتى لا تبتل ثيابه بتلك القطرات.
وصل سعد إلى المدرسة، ودخل إلى مكتب المدير وهو ينصبب عرقا، وطلب منه التصريح بإجازة مفتوحة لابنه رائف، لا يطلب بعدها للحضور إلى المدرسة أبدا
المدير: ايه سبب الإذن ده؟
سعد: سبب خاص بيا ويخص ابني.
المدير: بس احنا من حقنا نعرفه.
سعد: سبب فيه حرج شديد ومش هينفع أذكره.
المدير: بس ده مسئولية يا أستاذ سعد، ولازم أعرف السبب.
سعد: أنا مش بطلب إجازة مدفوعة الأجر لمدرس عندك يا حضرة المدير، أنا بطلب تصريح غياب مفتوح لإبني ميتعرضش للفصل بعده، وأنا هكتب تعهد إني مسئول عن أي تراجع في مستواه، لأني مش هتخلى عن تعليمه في البيت وتعويضه عن المدرسة.
المدير: بس انا مش هقدر أكتب لك تصريح زي ده.
سعد: يبقى هتضطرني أجرجر حضرتك للمحكمة ونعيش مع بعض شوية، وأخليك تستلم كل يوم إعلان من محكمة شكل، واتهامات عمرك ما كنت تتوقعها، وان سألت عني في المحاكم هتلاقي أي خصم ليا بيكون مدان، سواء الخصم ده مجني أو مجني عليه.
المدير: بس ده تهديد!
سعد: تهديد ايه يا مدير .. هو انا رفعت عليك السلاح .. أنا بقول لك هستخدم ضدك القانون، وعمر التهويش بالقانون ما كان تهديد.
المدير: أنا معنديش مانع أكتب تصريح لابنك يغيب زي ما هو عايز، و ده لسبب واحد هو إني متعاطف معاك، ومش عايز أكون سبب ضرر لابنك في حاجة مجهولة أنا مش عارفها.
سعد: يبقى شكرا لتواضعك وتعاطفك وتعاونك .. يا ريت تسلمني التصريح وكمان تسلمني رائف ابني.
شرع المدير في كتابة التصريح، واستدعى الطالب رائف سعد الدين، وسلمه لوالده الذي عاد به مسرعا في سيارته
ــ هو في ايه يا بابا, ليه أخدت لي اذن مفتوح من المدرسة؟
ــ هجيب لك  مدرسين يذاكرولك في البيت, مش هتروح المدرسة تاني
ــ ليه يا بابا؟
ــ علشان  القنبلة اللي لقيوها امبارح دي
ــ بس دي مطلعتش قنبلة يا بابا
ــ عارف , بس معرفوش مين اللي رماها
ــ ما هم عرفوا النهاردة يا بابا 
ــ عرفوا ايه؟
ــ ده كيس مسامير بتاع الناس اللي جات زينت المدرسة في الحفلة الأخيرة, وواحد منهم ركن الكيس ورا أوضة الموسيقي ونسي ياخده, راح قابل عم ابراهيم الفراش امبارح وقال له, ان الكيس بتاعهم.
ــ مليش دعوي, بردو مش هتروح المدرسة لحد الامتحانات, لما نشوف الموضوع ده آخرته ايه
ــ مش مهم المدرسة, أنا كده كده مخنوق منها

يتبع الفصل التاسع اضغط هنا
رواية نزيف الجدران الفصل الثامن 8 بقلم سيد داود المطعنى
ranosha

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent