رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم مريم محمد

الصفحة الرئيسية

             رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الرابع والثلاثون بقلم مريم محمد غريب 



رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل  الرابع والثلاثون  


_ اليأس مثلنا ! _ "1"
خائفة و مرتبكة، جلست "نسمة" إلى جوار "رزق" بسيارته ملتزمة الصمت، بينما كان يقود عائدًا بها إلى "حي الجزارين" ... 
كانت تستبد بها حالة غريبة من الخرس منذ أن طلب منها حزم الأمتعة و الاستعداد للعودة، بالأحرى كانت مصدومة، و في الحال وردت إلى ذهنها أبشع الظنون، لوهلة فقدت ثقتها المهزوزة به _ خاصةً بعد تلك الليلة التي فيها أتى إليها مغطى بالدماء لسبب تجهله _ صارت تخاف منه مؤخرًا 
هذه المشاعر تزعجها، تنغص عليها قصة حبها، تساهم في زيادة قلقها و خوفها، هي لا تريد أن تقلق، لا تريد أن تخاف منه.. إنه ملاذها الوحيد، حييبها، كل شيء بالنسبة لها 
ماذا يمكن أن يكون قد فعل ؟ 
و علام ينوي بها يا ترى ؟؟؟؟؟ 
-هو إحنا راجعين ليه ؟! .. تقطع "نسمة" الصمت فجأة بسؤالها الآلي 
لم تكن تنظر إليه، بل وجّهت ناظريها للأمام مباشرةً مسبلة جفنيها قليلًا كأنما هي منتشية، أو لا مبالية !! 
إلتفت "رزق" نحوها و ألقى عليها نظرة فاترة، ثم قال و هو يشيح بوجهه تجاه الطريق ثانيةً : 
-وضعك مابقاش زي الأول.. ماينفعش أسيبك لوحدك تاني 
نظرت له بسرعة هاتفة بلهجة أقرب للذعر : 
-إنت مرجعني معاك عشان تسقطني عند أهلك ؟؟؟؟
مش عايز العيّل إللي في بطني و حابب تخلص منه بالسرعة دي و هو لسا مادبتش فيه الروح يا رزق ؟؟؟!!! 
إنعقدا حاجباه بشدة و هو يلتفت ناحيتها مرةً أخرى مرددًا بغضبٍ : 
-إنتي بتخرفي بتقولي إيه ؟؟؟
مين قالك الكلام ده ؟
إنتي متصوّرة إني ممكن أقتل روح بريئة ؟ و كمان حتة مني ؟ إبني و لا بنتي ؟؟؟؟؟
إنتي إتجننتي يا نسمة !!!!!!! 
تلبكت كثيرًا مع سماع كل كلمة توبيخ من فمه الذي و دأنه فوّهة بركانٍ و انفجر ... 
أجفلت قائلة بتوترٍ : 
-أومال طيب إنت واخدني هناك تاني ليه ؟ أنا عارفة إن أهلك معترضين عليا. و بصراحة أنا خايفة من ابوك أحسن يئذيني هناك. خايفة على ابني !! 
و بسطت كفها فوق بطنها التي لم تظهر حملًا بعد ... 
أغمض "رزق" عينيه، و أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بثقة صارمة يسكّن روعها : 
-ماتخافيش يا نسمة. محدش يقدر يمسّك و لا يمس إللي في بطنك طول ما أنا عايش و بتنفس.. و بعدين ماتنسيش. إنتي شايلة إبن رزق الجزار. حفيد سالم الجزار.. مهما كان أبويا جبروت. عمره ما يفرط في دمه و لحمه 
أرادت بشدة أن تصدق كلامه و أن تطمئن على الأخير، لكن هناك العديد من العوائق لا تنفك تقفز أمام عينيها واحدة فواحدة.. و مع كل هذا لم يسعها إلا أن تفكر بصوتٍ عالٍ علّه يفتها بكلمات تقضي على هذا القلق كله : 
-طيب و عروستك !
رد فعلها هايبقى إيه لما تشوفك داخل عليها بضرة و هي لسا ماربعتش حتى. لأ و إيه ضرة حامل كمان !!
و اخواتك و عمامك و الست دلال
يلاهوي يا رزق إنت بتحطني تحت القطر !!! 
سمعته يزفر بحنقٍ واضح، ثم أنتفضت بخوفٍ حين صاح بنفاذ صبر و هو يشدد قبضته العصبية حول المقود : 
-أوووووووف بقى.. قولتلك خلااااااص. لو حد جه كلمك إبقي اشتكي براحتك. لكن ماتصدعنيش من دلوقتي. كلمتي تتسمع و بس سامعة ؟!!! 
حملقت فيه شاخصة العينين و ردت على الفور بدافع الرعب من شخصه الغريب كليًا عليها : 
-حاضر.. حاضر !! 
و نكست رأسها ضاغطة على شفتيها بقوة تكبح نشيجًا مريرًا من الافلات، فهو قد فاجأها حقًا، هذا ليس "رزق".. هذا ليس الرجل الذي أحبّته 
إنه رجلًا آخر ... 
______________ 
-فات اسبوع بحاله.. مش ناوية تعقلي بقى و تطلعي تطمني على جوزك ؟! 
بهذه العبارة جلبت "نجوى" على نفسها طوفانًا من الغضب المستطير الذي نزل على إبنتها "فاطمة" و هي تقفز من مرقدها صارخة : 
-إن شالله يموت و لا يغور في ستين داااااهيــــــة.. أنا مش طالعة لحد. كمان عايزاني أطلعله برجلي ؟؟؟
أنا نفسي أعرف إنتي أم إنتي ؟
و الله حرام عليكي. مش قادرة أنطق و الله !!! 
بلغت "نجوى" عتبة باب الغرفة بلحظة و هي تهتف بحدة شديدة : 
-جرى إيه ياب بت هاتفضلي عايشة الدور ده كتير و لا إيه ؟
هو كان إيه إللي حصل لكل ده.. و إن ماكنش أصلًا الواد خد جزاته قصاد الخلق كلهم
هو إذا كان غلط فهو غلطان في حاجة واحدة. لما شكك في عرضك بالباطل. لكن غير كده هو رااااجل و من حقه إللي عمله 
تدلى فك "فاطمة" و هي تنظر لأمها بذهول، و نطقت غير مصدقة : 
-من حقه إللي عمله ؟!
إنتي شايفة كده ياما ؟ بجد.. يعني هو من حقه يمسكني يكتفني بطرحة فستاااااني و يغتصبني و إنتوا كلكوا قاعدين ورا الباب و سامعين ؟؟؟؟
رررددددي عليا من حقه بجد ؟؟؟؟؟؟؟؟ 
بعينٍ قوية ردت "نجوى" بقساوةٍ فجّة : 
-أي راجل مكانه مراته تستعصى عليه في ليلة زي دي يعمل كده و أكتر من كده.. انتي لسا صغيرة يا حبيبة أمك و ماتعرفيش حاجة عن الجواز. ماتعرفيش أصلًا أبوكي عمل معايا إيه ليلة دخلتنا. بس الست المحترمة المتربية بتسكت لمصلحتها. باين دي غلطتي فعلًا على رأي ستك. كان لازم أقعد أفطمك كويس على إللي بيجرى 
هزت "فاطمة" رأسها بعنفٍ مغمضة العينين و غمغمت بحرقةٍ : 
-بس بس بس... مش طايقة أسمع أكتر من كده.. حرام عليكي. أنا مش مسمحاكوا كلكوا. ليوم الدين. لحد الموقف العظيم.. هاقف قدام ربنا و هقوله مش مسمحاكوا ! 
و إنهارت مجددًا باكية فوق سريرها، تئن و تشهق بصوتٍ مكتوم، و هي تدفن وجهها بوسادتها التي شربت دموعها أيامٍ و ليالٍ ... 
بالجهة الأخرى تقف "نجوى" ناظرة إليها بأسى، و في الوقت ذاته لا تجرؤ على مد يد المواساة لها، فلئن فعلت تشبثت إبنتها أكثر بموقفها و اعراضها عن زوجها 
لن تفعل ذلك، لن تساهم في هدم إستقرار بيت إبنتها، ينبغي أن تصر على رأيها، و أن تكف "فاطمة" و لو رغمًا عنها عن عنادها 
زمت "نجوى" فمها و استعادت قسوتها من جديد لتملي إرادة الجميع القاهرة فوق إبنتها، لكنها لم تكد تفعل.. إذ بزغ ضجيجٍ مفاجئ بالخارج 
فاضطرت للذهاب إلى الشرفة المطلة على باحة المنزل لترى ماذا يجري ... 
°°°°°°°°°°°°°°° 
داخل مقهى الحي الشهيرة ... 
خلف منضدة المالك الاشبه بالمكتب الاداري، جلس "سالم" أمامه كوب الشاي المخصوص، بينما يسحب نفسان عميقان من مبسم النرجيلة خاصته، لينفثهما عاليًا على شكل سحابة كبيرة من الدخان الرمادي 
ثم إذا به ينظر إلى ضيفه الجالس قبالته تمامًا مبتسم المحيا.. على قدر من الترقب أيضًا ... 
-قلت إيه يا معلم سالم ؟! 
مد "سالم" يده آخذًا حفنة من حبوب المكسرات من صحنٍ خزفي أمامه، أسقط البعض بفمه و راح يطحنهم باضراسه و هو يصوّب نظراتٍ ثاقبة إلى عينيّ نظيره قائلًا بتحفظ : 
-في إيه يا معلم رضوان ؟ 
علّق "رضوان السويفي" مدهوشًا : 
-في إيه ؟
الله !
إنت مش معايا و لا إيه يا معلم. معقول ماسمعتش إللي قاعد أقوله من الصبح !! 
تنهد "سالم" بصبرٍ و قال : 
-لأ سمعت.. بس في أصول. و إنت سيد من يعرف الأصول يا معلم رضوان.. كلام زي ده ماينفعش يتقال هنا. على القهوة. وسط الخلق كده... لا مؤاخذة أنا كأني ماسمعتش حاجة. ماتستناش مني أي رد. أنا كنت فكرك ندهتلي على القهوة نلعب لنا دور طاولة. نشد حجرين و ندردش سوا.. مش نتكلم في خصوصيات ! 
أومأ "رضوان" و هو يزن كلماته بدقة، ثم قال مدركًا صحة رأيه : 
-لأ ليك حق يا معلم أنا غلطان و محققولك 
-و لا يهمك يا سيدي.. ماحصلش حاجة 
-طيب تحب أجيب عاصم و الحجة و نيجي نزوركم امتى ان شاء الله ؟؟ 
إبتسم "سالم" بفتورٍ قائلًا : 
-لأ يا رضوان مافيش داعي تتعب الحجة. لو مصمم إستنى مني تليفون.. أول ما يرجع رزق بالمشيئة هاكلمك. إنت عارف ماليش غنى عنه هو إيدي و رجلي و  الأمور دي كلمته تهمني بردو 
وافق "رضوان" محبورًا : 
-ماشي كلامك يا سيد المعلمين. إن شاء الله نيجي أنا و عاصم لما يرجع الغالي.. موفق ان شالله راح على فين كده ؟! 
كذب "سالم" بكل أريحية و برود : 
-بعته إسكندرية لأمه يشقر عليها. أصل حتى لو مطلقها.. هاتفضل أمه و لازمًا يودها و يسأل عليها 
-صح صح. عداك العيب.. و بعدين هو راجلها بردو. لازمًا يبص عليها كل فترة كده 
آيده "سالم" برفعة حاجب و هو لا يزال محتفظًا بابتسامته، ثم ما لبثا أن انخرطا بأحاديثٍ شتَّى، لا تمت بصلة لأيّ تفاصيل خاصة ...
°°°°°°°°°°°°°°°
و كأنه عرَّابًا سحريًا، و كأنه معجزة أو غيثٍ من السماء، ما إن هلّ بالحي حتى إجتمع ال٠ظيع من حوله يخبرونه بظهورهم دفعة واحدة بأنهم فردًا فردًا لاحظوا غيابه و تأثروا به 
شبابًا و صغار، تقدموا من "رزق" ليلقوا التحية.. لكن بعضهم بقوا بأماكنهم عندما لمحوا تلك الفتاة معه ! 
إنهم يعرفونها جيدًا... هذه تُدعى "نسمة".. و كان هو بنفسه قد أحضرها و عرّف الجميع عليها و أوصاهم بها، أن يعاملونها كابنة و أخت 
و لكن لماذا هي برفقته بعد أن شوهدت بأم العين و هي ترحل ؟ 
مهلًا ! 
لقد رحلت برفقته أيضًا ... 
ماذا يعني هذا يا ترى ؟ ما علاقتها به ؟!!! 
على كلٌ لم يطيل "رزق" مكوثًا بين القوم، أخذ "نسمة" و اصطحبها معه إلى داخل المنزل، إلى شقة جدته تحديدًا.. و التي ما إن رأت "نسمة" أمامها حتى أيدت امتعاضًا و رعونة كبيرة بالقول : 
-آه يا فاجرة يا و××× !
و أنا إللي كنت مفكراكي بت غلبانة و فرحت لما جابك وسطينا نستؤك و نراعيكي من كلاب السكك
أتاريكي ×××××× بصحيح !!! 
الرد الوحيد الذي حصلت عليه "دلال" كانت تلك الدموع التي تتساقط من عينيّ "نسمة" في صمت.. و رأسها المكرق بخزيٍ و عار شديدين 
لكن أيًّا من هذا لم يلقى صدى عند "دلال" التي راحت تتلاعب بحاجبيها مغمغمة : 
-بتعيطي !
بتعيطي يا ×××××× ؟ و لا أنعي هم دموع التماسيح دي يا بنت الـ آ ا ... 
-خلاص بقى يا نينا ! .. صاح "رزق" مقاطعًا بحزم 
تطلعت "دلال" إليه، فاردف و هو يضع ه فوق كتف "نسمة" : 
-مالوش لازمة الكلام ده من هنا و رايح. نسمة بقت مراتي.. ماينفعش يتقالها الكلام ده نهائي. من فضلك 
رفعت "دلال" أحد حاجبيها معقّبة : 
-و الله يا سي رزق !
بكل جرأتك بتقول كده و كمان جايبها لحدنا ؟ إنت عارف لو أبوك شافها هايعمل فيها إيه ؟!! 
رزق بغلظة : و لا يقدر يعمل أي حاجة.. نسمة مراتي. و شتيلة إبني !!! 
و فجأة إنضم طرف رابع إليهم و صدح الهتاف العنيف و المصدوم من الخلف : 
-شايلة مين يا روح أمك ! ..........
لم يكن أيّ شيء مستبعدًا في هذه اللحظة، لم يكن قد وضع أيّ حدود لتلك المواجهة المرتقبة، بل كان ينتظرها بشدة.. و كأنه يتوق لكسر صندوق الادخار ذاك الذي اختزن بداخله كل خيباته و مرارته و أحزانه 
كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة كي ما يتحرر من الحالة البائسة التي سجن بها منذ بضعة أيام، الآن سيفعلها.. و ربما بعدها يعود كما كان ... 
-خشي جوا يا نسمة ! 
نطق "رزق" آمرًا بثباتٍ يُحسد عليه، كان يشير لزوجته ناحية غرفة بأقصى الرواق الشمالي، بينما كانت الأخيرة تبكي و تكاد لا ترى بسبب الدموع الساخنة التي تغشى عينيها بالكامل 
لكنها رأته و هو يرشدها، فبدون جدال حملت حقيبتها و شقت طريقها للداخل... ليلتفت "رزق" الآن نحو والده و نظرة الاحدي السافر تعتلي وجهه الوسيم 
قابل نظرات "سالم" النضّاحة بالغضب ببرودٍ تام و هو يقول : 
-هي دي حمدلله على السلامة ؟
لما فتحت الموبايل لاقيت اتصالات كتير منك.. ده أنا قلت وحشتك يعني !
يتمالك "سالم" أعصابه بصعوبةٍ، كان يرتجف قليلًا و قبضتاه مطبقة، غمغم بينما تلوح بعينيه مشاعر العنف و الحنق : 
-بص يابني. بمنتهى الهدوء.. لو الكلام إللي قولته دلوقتي ده حقيقي ف انت مافيش قدامك غير اختيارين. يا تتعامل انت مع المصيبة دي و تصلحها بنفسك. يا تسيبني أنا أصلحها بمعرفتي 
يعقد "رزق" ساعديه أمام صدره  و يرفع رأسه مستوضحًا : 
-يسلام !
طيب بغض النظر عن المصيبة إللي انت شايفها. متخيل مثلًا انت و لا أنا ممكن نصلحها إزاي ؟! 
جاوبه "سالم" دون أن يرف له جفن : 
-يا تاخدها من سكات و بكرامتها تنزل العيّل ده عند دكتور يا إما أنا هانزله بطريقتي !!! 
وقع صمت ثقيل بينهما لم يحيد كلاهما ينظرات الغضب العنيف عن بعضهما، ثم قال "رزق" سائلًا بلهجة هادئة : 
-هاتنزله بطريقتك.. عظيم !
إللي هي إزاي بقى ؟!! 
قدم له أبيه جوابًا آخر بنفس الاسلوب المجرد من الرحمة و الانسانية : 
-ماعنديش في الحتة أكتر من النسوان إللي شغلتهم كده أساسًا.. أو عشان ننجز و يكون أسهل أكتر أخلص عليها خالص. و حالًا ! 
و أزاح طرف عباءته مظهرًا غمد سلاحه الناري ... 
و هنا ينظر "رزق" إلى أبيه نظرة وحشية صِرف، تعلو حشرجة الهيجان في صدره للحظات، أخذ يضغط و يحك أضراسه بقوةٍ، و بعد صمتٍ سحيق... اقترب من "سالم" خطوتين، و مد يده لامسًا سلاحه بطرف أنامله و هو ينظر إليه بعينين ضيقتين 
ثم قال بصوتٍ خالٍ من أيّ شعور : 
-في اللحظة إللي بتكلم فيها عن حتة مني
بتكشف عن سلاحك ؟
عاوز تقتل إبـنــي ؟؟؟؟؟؟ 
سالم بغضبٍ : و إيشعرفك إنه إبنك ؟؟؟
يا أهبل يا إللي سمحت لبت زي دي تلبسك في جواز و دلوقتي في عيّل. بت زي دي أخرها تكون ××××ك. ×××××ك.. مش مراتك و أم عيالك !!!!
نظرا في عيون بعضهما البعض لبرهةٍ بدت دهرًا، حتى قطع "رزق" الصمت مشيرًا بسبابته بتحذيرٍ شديد اللهجة صوب كلًا من أبيه و جدته : 
-بص يابويا. و الكام لستي كمان.. كلمة بجرة خط.. نسمة مراتي و شايلة إبني. و هاتعيش في المكان إللي انا عايش فيه. أي حد يفكر يمسها بسوء. بربي و ديني.. تشوف بعنيك بحر دم هنا في مملكتك العزيزة. و انت عارف. اللي يعمل حاجة مرة.. يعملها مليون مرة ! 
كانت إشارة صريحة لجريمة القتل البشعة التي ارتكبها قبل إسبوعًا 
استطاع "سالم" أن يقيس بين نبرة إبنه و نظراته جسامة الاضرار المحققة لهذا الوضع، بالنسبة له لم ينتهي الحديث إلى هنا.. و لكن ليبقى هادئًا الآن 
قليلًا فقط ...
______________ 
كانت في قمة السعادة، غمرة الشغف، أوج الحماسة ... 
تعيش مشاعر عنيفة، جديدة كليًا عليها، تجتاحها و كلماتٍ تسمعها تخفف من ثقلها، لتجعلها تطير و تحلّق بسموات الغرام 
لم تستطع أبدًا منع نفسها من الاستلام لهذا الاغراء، أن تستمع إلى صوته العذب الحنون، و حديثه الواعد و هي ترسم على وجهها تلك الابتسامة البلهاء : 
-كنت خايف المرة دي ماترديش عليا.. طول الايام إللي فاتت دي مافيش يوم ماحاولتش أكلمك. و لا حتى كنتي بتردي على رسايلي.. عارف إنك كنتي بتشوفيها كلها. بس ماكنتيش بتردي. رغم كده كنت مبسوط لمجرد إني بتخيلك بتقريهم... ماكنتيش مصدقاني ؟ و يا ترى لسا مش مصدقاني يا سلمى ؟ أكيد مصدقة
لو ماكنتيش واثقة في كلامي ماكنتيش هاتردي بعد ما بعتلك أخر رسالة و قولتلك و بكررها تاني.. أبويا راح طلبك ليا من أبوكي ! 
خفق قلبها بسرعة شديدة و مؤلمة، استطاع أن يسمع صوت لهاثها و أن يستشعر اضطرابها، فصمت لهنيهة قبل أن يقول باغواءٍ مدروس : 
-هاخطبك يا سلمى.. هاتبقي مراتي أنا... هاتبقي ليا و ملكي لحد آخر يوم في عمري. مش قادر استنى اليوم إللي هاتكوني فيه على اسمي.. أنا من ساعة ما شوفتك مش ببطل تفكير فيكي. جننتيني خلاص يا بنت الجزار.. بحبك يا سلمى !!! 
ارتعدت فرائصها فجأة لحظة انفتاح باب الغرفة، أسدلت شعرها هلى جانبي وجهها بسرعة لتخفي سماعتي البلوتوث، ثم إلتفتت لترى من المقتحم 
فكانت أمها التي ولجت إلى غرفتها في الأصل حيث أن إبنتها هي التي تشاطرها إياها ... 
-في إيه يا ماما ؟!! .. تساءلت "سلمى" محاولة أن تبدو طبيعية 
بينما تعدو "هانم" حتى وصلت عند الخزانة، فتحتها و أخذت إحدى عباءاتها و هي تغمغم مجيبة : 
-أبوكي تحت بيزعق مع أخوكي رزق ! 
تقفز "سلمى" في هذه اللحظة صائحة بابتهاجٍ : 
-رزق !
رزق جه ... 
و تلاشت ابتسامتها و هي تكمل : 
-طيب أبويا بيزعق معاه ليه ؟! 
زفرت "هانم" بضيقٍ و هي ترتدي العباءة على عجالةٍ قائلة : 
-أنا سامعة مصايب بتتقال تحت.. و المحروس مش راجع بإيده فاضية. ربنا يستر.. أنا قلبي مش مطمن من ساعة ما هج يوم صبحيته.. العيلة دي واخدة عين شديدة أوي !! 
عبست "سلمى" معلّقة بعدم فهمٍ : 
-هو إيه إللي حصل يا ماما مش فاهمة.. و رزق جاي و معاه مين ؟؟ 
لفت "هانم" وشاح الرأس حول وجهها بعصبيةٍ صائحة : 
-خلاص يا سلمى مافياش دماغ لاسئلتك دي. انا لسا ماعرفش حاجة اصلًا ... 
تبتلع "سلمى" كلماتها كلها الآن، بينما تمضي "هانم" إلى الخارج مسرعة و هي تملي عليها بعض الأوامر : 
-الأكل على البوتجاز خمس دقايق و تطفي عليه.. بعدين تسألي أخوكي مصطفى إن كان يتغدى و شوفي طلباته لحد ما أطلع ! 
______________
بالكاد تبلل عروقها ببعض الطعام و الشارب الذي يقدم لها يوميًا في المواعيد، إذ يبعث عمها بفتاةٍ من أبناء الحي تراها و تراعها، و لكن دون أن تمس قيودها 
كانت سجينة هنا، لكنها لم تيأس، لم تتخلّى عن حياتها حتى، أيقنت أنها ستخرج من هنا في يومٍ قريب.. كما ظنت خلاصًا من بين براثن خالها... خالها الذي لا زالت تجهل ما ألمّ به حقًا 
و هل ما سمعته عنه صحيحًا أم كذب.. هل هو حيٌ أم ميت ؟ ... لا تدري.. و لكنها و من كل قلبها تشتهي أن يكون حيًا.. لكي تقتله هي بيديها، لا يجب أن يفعلها أحدٍ سواها !!! 
°°°°°°°°°°° 
اليوم لم ترى وجه أحد بتاتًا ... 
الهزل الذي أحست به هذا الصباح و الضعف كان شديد الوطأة، الطقس صار شتاءّ، و ملابسها باتت لا تقيها قساوة الجو، فضلًا عن احتقان أنفها و إنسداد حلقها 
شعرت بالمرض و الهوان، و كانت تهرب من كل هذا بالنوم، إلى أن سمعت صوت المفتاح يدور بقفل باب الشقة 
ظنّت بأنها الفتاة التي تداوم على خدمتها، في نفس الوقت كانت تجلس على ذات الآريكة المقيّدة فوقها منذ إسبوعًا.. كانت آشعة الشمس تضرب وجهها مباشرةً.. إذ كانت قد نسيت الفتاة الستار مفتوحًا فتسللت شمس الصباح هكذا و ما برحت تحرقها حرقًا منذ مطلع الفجر 
لكنها كعهدها دومًا، تحمّلت ! 
استيقظت "ليلة" من غفوتها الثقيلة بصعوبة، لم تميّز أيّ حركة غريبة، بل و خرج صوتها متثاقل الأحرف ساخرًا : 
-لسا فاكرين ؟ أنا كملت فطاري نوم.. مالهاش لازمة الوجبة إللي جايبنها. رجعيها للي باعتك يا مستكة ... 
شعرت بخطبٍ ما عندما لم تحصل على ردًا في المقابل.. فتحت عينيها ببطءٍ، و كان هو أو ما أبصرت عيناها... بشحمه و لحمه !!!! 
إنقطع نفسها و إختلجت جميع اعضائها للحظاتٍ و هي تراه لأول مرة منذ أيامٍ لم تحصيها، كانت رؤيته الآن مبعث على التوتر و الريبة و الارتباك الشديد 
على عكس ما خططت و دبرت لتلك المقابلة، إنعقد لسانها و لم تنطق... بينما يغلق الباب من خلفه و يمضي نحوها بخطى حثيثة 
تعلّقت نظراتيهما و قد مضى وقت خالت بأنه دهورًا، حتى وصل عندها.. و إنبعث صوته لمسامعها جافًا غريبًا كأنها تسمعه للمرة الأولى : 
-شكلي كنت ندل معاكي بجد ! 
نظرت "ليلة" للقيد الحديدي بيديها، ثم تطلعت إليه مغمغمة بخشونة تعبة : 
-أنا متصالحة مع نفسي طول عمري.. كده كده عارفة إن ماليش حظ مع الرجالة. مش مستغربة أبدًا !! 
-رجالة !
أفهم من كده إن كان في كتير في حياتك ؟! 
-مش من حقك تسأل سؤال زي ده. إنت مالكش فيا حاجة فيا حاجة أصلًا.. و لا حد هنا له عليا سلطان. و حبسي هنا ده أبوك أول واحد هايندم عليه !!! 
بعد هذا التهديد الجريئ، شاهدته يومئ برأسه مرتان، ثم ينحني مطرقًا و هو يستلّ من جيبه مفتاحًا عرفته فورًا 
و خلال لحظات كان قد فك قيودها.. ثم نهض ثانيةً و إتجه نحو باب الشقة من جديد هاتفًا بمتتهى الهدوء : 
-محدش حابسك من اللحظة دي.. إمشي. أوعدك محدش هايتعرضلك مننا يا ليلة !

يتبع الفصل الخامس  والثلاثون  اضغط هنا 

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الرابع والثلاثون 34  بقلم مريم محمد
ranosha

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent