رواية نزيف الجدران الفصل الأول 1 بقلم سيد داود المطعنى

الصفحة الرئيسية

   رواية نزيف الجدران الفصل الأول  بقلم سيد داود المطعنى


رواية نزيف الجدران الفصل الأول 

نهض سعد من فراشه بعد منتصفه الليل، وهو يرتعد خوفا من تلك الرؤية التي رآها.
حاول أن ينادي على أحد أولاده يتسغيث به، كالذي يقاوم الغرق في بحر الظلمات ويبحث عن أي قارب نجاة.
بدا وكأنه فقد النطق، وخارت قواه، وبدأ يتصبب العرق من جبينه.
يا إلهي! أي حلم هذا؟ وأي رؤية ليلية التي جعلت رجلا قويا مثل سعد يصرخ صامتا هكذا؟.
خرج من الغرفة متجها ناحية المطبخ ليشرب قليلا من الماء فقد أصاب ريقه جفافا من هول ما قد رأي. 
عاد من المطبخ و هو ينظر ناحية باب الشقة يظن أن أحدا ما سيهاجمه بالأسلحة, فجري إلي فراشه.
ما هذا الذعر الذي أصابه رغم قوة شخصيته و صلابة قلبه الذي لا يخشي شيئا, هل ينتابه كل هذا الخوف بسبب رؤية ليلية قد تكون كابوسا مثل الذي يتعرض له الملايين من البشر يوميا فيوقظهم من نومهم مذعورين؟.
بدأ ينظر إلي الجدران و يدقق النظر في السقف, و ينظر في ساعته يستعجل خروج الصباح ليروي تلك الرؤية علي أولاده, أملا في أن يستريح بعد ما يروي لهم عن تفاصيلها.
لم يكن خوفه من الرؤي والأحلام وليد اللحظة, و لكنه رأي منذ سنين أن جدران بيته تتهدم, وفي الصباح ماتت زوجته, مما جعله يظن أن وفاته قد اقتربت وهي تفسير رؤيته تلك الليلة, و هذا ما يجعله خائفا من تأويلها.
لم يستطع النوم حتي الصباح, وهو يتحرك كثيرا بين غرفة نومه والصالة, حتي استيقظت ابنته راندا, فرآها متجهة ناحية المطبخ لتحضر الإفطار لها و لأفراد الأسرة قبل نزولها الجامعة, فخرج مسرعا إليها و كأنه وجد سفينة النجاة التي يفضفض لها ما رأي.
ــ صباح الخير يا راندا يا بنتي.
ــ صباح الخير يا بابا, معقولة جاي تحضر معايا الفطار؟
ــ فطار ايه بس يا راندا, ده أنا صاحي من امبارح و الله.
ــ ليه يا بابا؟ و ايه اللي مطير النوم من عينك كده؟
ــ شفت حلم فظيع يا راندا, حلم مخوفني جدا جدا.
ــ يا ساتر يا رب! حلم ايه ده ؟
ــ شفت عصابة مسلحة بالسكاكين و المطاوي, و كلهم متلتمين, دخلوا البيت بتاعنا و أنا واقف بتفرج عليهم, و بدأوا ينحتوا حيطان البيت بتاعنا, والحيطان بتنزف دم, وأنا مذهول, ازاي حيطان من الطوب والإسمنت بتنزف الدم ده كله, و العصابة ايديها متلطخة بالدم , قمت مفزوع والله.
ــ أكيد كابوس يا بابا, حيطان ايه اللي هتجيب دم دي.
ــ خايف يا راندا خايف, انا أحلامي مش بتنزل الأرض, هو انتي مش فاكرة الحلم اللي حكيته لك يوم وفاة أمك الله يرحمها.
ــ الله يرحمها.
ــ يومها شفت كل حيطان البيت بتوقع, و صحيت زي كده مفزوع, و سمعت صرختك و زعيق أخوكي عصام لما امك ماتت .
ــ متشغلش بالك بس انت يا بابا بالأحلام و الكلام ده, علشان ميخليش مزاجك يبقي متكدر اليوم كله.
ــ حاضر يا راندا.
ترك سعد لها المطبخ و خرج ينتظر الإفطار في الصالة و هو يراقب الجدران كالطفل الخائف من شبح الظلام, ترك لها المطبخ وهو مشفق عليها, مشفق علي حرمانها من طفولتها, مشفق علي عدم تمتعها بما تتمتع به قريناتها من الفتيات اللاتي تنعمن بوجود الأم التي تحمل عنها كل ما تعانيه الآن.
خرجت راندا من مطبخها إلي غرف إخوتها تطرق عليهم الأبواب تباعا لتوقظهم من نومهم, ليلحق كل ذي عمل عمله, و كل ذي مدرسة مدرسته.
كان يراقبها وبداخله خوف عليها من الأيام, خوف من الأسي الذي قد تلاقيه لو مات أبوها.
خرج الرائد عصام الابن الأكبر من غرفته وهو يرتدي البدلة العسكرية, ويمسك حقيبته بيده, ووضعها علي الأرض بجوار المائدة واتخذ مكانه عليها فرآه سعد بالملابس العسكرية.
ــ ايه يا عصام يا بني, هو انت مسافر ولا ايه؟
ــ أيوة يا بابا, الإجازة خلصت, والتمام بتاعي النهاردة.
ــ خلصت ازاي ده انتي مكملتش 3 أيام.
ــ 3 أيام ايه بس يا بابا, أنا ليا اكتر من أسبوع هنا.
ــ لا حول ولا قوة الا بالله, الأيام مفيهاش بركة خالص.
ــ آه والله يا بابا, الأسبوع بقي يمر في ساعة.
ــ ما تطلب نقلك في الهايكستب هنا يا عصام, خليك قريب مننا.
ــ ما الاسماعيلية مش بعيدة بردو يا بابا و في النهاية كله جيش.
ــ والله ندمت ندم عمري اني دخلتك الكلية الحربية.
ــ و الله انا مش هنسالك الجميل ده أبدا يا بابا.
أحضرت راندا أطباق الطعام, و جلست سمر الطالبة بالثانوية العامة, و كذلك رائف الطالب بالإعدادية علي المائدة.
ــ ايه يا سي رائف, مال عيونك حمرة كده؟
ــ أصله صاحي الليل كله ع الفيسبوك يا بابا؟
ــ الله يقطع الفيس بوك, ده اختراع زفت؟
ــ و انتي مالك انتي أسهر ع الفيس ولا مش أسهر؟
ــ عيب يا ولد, أختك عايزة مصلحتك.
ــ ما تركز هي في الثانوي بتاعتها وتطلعني من دماغها يا بابا.
ــ والله انتوا ما عندكو دم كلكم, ربنا يبارك لي فيكي يا راندا.
ــ ويخليك لينا يا بابا.
ــ و احنا يا بابا, ملناش نصيب في الدعوي ولا ايه؟
ــ بدعيلكو كلكم يا سمر والله, بس راندا دي اللي شايلة البيت كله.
ــ فعلا يا بابا, مش عارفين بعد ما تتجوز هنعمل ايه.
ــ ما انت هتتجوز قبلها يا سي عصام, ومراتك هتعيش معانا هنا.
ــ دي حاجة في علم الغيب يا والدي.
  لم يتوقفوا عن تبادل الحديث كعادتهم, حتي خرجوا تباعا, وانطلق سعد إلي المحكمة يراوده ذلك الحلم المخيف الذي يحتل جزءا من تفكيره منذ ساعات.
حاول سعد كثيرا أن يقنع راندا كي توافق على الاستعانة بخادمة في منزلهم، تساعدها في أمور البيت، كي تلتفت هي الأخرى لمذاكرتها، ولتأخذ قسطا من الراحة باقي يومها، وأن تدخر لصحتها ذلك المجهود البدني الخارق الذي تقوم به.
لكن راندا كانت تأبى فكرة الخادمة، ترفض أن تعكف امرأة غريبة في بيتهم عند غياب الجميع وانشغالهم بأعمالهم أو مدارسهم.
كانت راندا قد تقمصت شخصية الزوجة لأبيها، والأم لأشقائها بما فيهم شقيقها الأكبر عصام، ولا تستطع أن تتراجع عن ذلك الدور أبدا مهما تكبدت من مشاق.
وسرعان ما تراجع سعد عن ذلك الاقتراح الذي كان يطرحه دائما أمامها.
(لمعرفة تفسير الرؤية اقرأ الحلقة القادمة بعد تجدها بعدها مباشرة) 

يتبع الفصل الثاني اضغط هنا
رواية نزيف الجدران الفصل الأول 1 بقلم سيد داود المطعنى
ranosha

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent