رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع 9 بقلم مريم محمد

الصفحة الرئيسية


   رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع بقلم مريم محمد غريب 



رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع 

تلك الرائحة الغالية ... 
العزيزة على قلبه و خاطره، لا ينساها أبدًا، في عمق ذاكرته موجودة كما توجد هي بملامحها و عبقها المميّز الذي يحفظه كخطوط كفيه منذ طفولته 
النهار المعتدل الساطع بحي "سان ستيفانو".. صباح منعش بروائح مختلطة... عطر أمه.. تبغ أبيه.. و وجبة الفطور الأساسية المؤلفة من الخبز الطازج المخصوص الذي لا يخرج بمذاق أكثر روعة إلا من يديّ والدته الجميلة فقط... الشاي الأخضر بالقرنفل خاصتها.. قهوة والده.. و الحليب بالكاكاو.. مشروبه هو المفضل دائمًا 
كانت العادة أن يستيقظ كل يوم بين أحضان أمه حتى لو لم يغفو إلى جوارها، لم تدعه أبدًا أن يرى شيئًا في بداية يومه سوى وجهها، و أن يشم رائحتها و تحتضنه و تقبله 
كان يحب هذا بشدة، أن تحتضنه و تغرقه بالقبلات و كأنها لتأكله إن جاز ذلك، لطالما استشعر حبها الكبير له بهذه الطريقة و غيرها 
و بدوره كان يعبر لها عن حبه بأن كان طفلًا مهذبًا للغاية، مطيعٌ و متعاون.. فبينما يكون أبيه جالسًا بالتراث المطل على البحر مباشرةً يقرأ صحيفته بانتظار الفطور.. يكون هو برفقة أمه بالمطبخ يلبي لها متطلباتها البسيطة ... 
-بتعمل إيه يا رزق ؟! 
تفاجأ بسماع صوتها من خلفه، إنتفض بقوة و غمره الارتباك، إذ لم يتوقع أن تلاحظه الآن.. فلم يمر عليه منفذًا خطته السرية سوى ثلاث دقائق بالضبط 
لمح الصغير "رزق" طيف والدته يقترب من الوراء، فصاح يجمدها محلها : 
-لأ يا مامي.. إوعي تبصي دلوقتي بليزززز !!! 
عبست "كاميليا" و قد أذعنت لطلبه و لم تقترب أكثر، لكنها سألته باهتمامٍ : 
-طيب قولي بتعمل إيه.. لو في حاجة باظت منك و خايف إني أشوفها Don't Worry حبيبي. فداك أي حاجة ... 
رد الصغير بتصميمٍ : 
-مافيش حاجة باظت. خليكي بس مكانك ثواني.. ثواني ! 
احترمت أمه رغبته و بقيت بانتظار ما يعدَّه سرًا .. 
و رغم أنه استغرق أكثر من ثوانٍ، لكنها صبرت.. إلى أن إستدار ناحيتها حاملًا بيديه الصغيرتين طبقًا كبير فوقه قطعة كبيرة من الخبز الفرنساوي و قد زيّنه بحبات الكرز الأحمر مشكلًا كلمة Happy Birthday Mommy ... 
-surpriiiiiiise !!!
صرخ "رزق" بحماسة كبيرة و هو يمد يديه لها 
تدلى فكها من المفاجأة، و سرعان ما أطلقت ضحكة مدهوشة و هي تقترب منه أكثر قائلة : 
-إيه إللي عملته ده يا رزق !! 
تلاشت ابتسامة الصغير تدريجيًا و هو يقول بخيبةٍ : 
-ماعجبكيش ! أنا عارف انها مش كيك. بس أنا كنت عاوز أعملك مفاجأة قبل بابي ! 
رقت نظراتها كثيرًا و هي تنحني صوبه ممسدة على شعره الأشقر، و تقول بصوتها الحنون : 
-حبيبي دي أحلى مفاجأة. إنت لوحدك أحلى حاجة في حياتي.. أنا قصدي أقولك يعني إنك مش محتاج تعمل أي حاجة عشان تعبرلي عن حبك. أنا عارفة إنك بتحبني.. و أنا بموت فيك يا روحي ... 
و أحاطت وجهه بكفيها و دنت منه قليلًا لتقبْله على خديه، ثم قالت بنصف عين تشاكسه :
-إنت بقى قولتلي عملت كده قبل بابي.. يعني إنت عارف إن عيد ميلادي لسا بالليل الساعة 12 ف قلت تقولي كده دلوقتي و بالطريقة دي قبل ما بابي يجي و يقولي Happy Birthday الأول صح ؟ 
أومأ لها برأسه مقرًا صحة كلامها 
فابتسمت بحب وحملته لتجلسه فوق الطاولة الرخامية أمامها، أخذت منه الطبق و قالت برقة : 
-طيب إيه رأيك مافيش تورتة إنهاردة و مش هانطفي الشمع إلا على الكيك بتاعتك دي ! 
-بجد يا مامي ؟! .. سألها غير مصدقًا 
لتؤكد له و هي تداعب خصيلات شعره الملساء الشذية : 
-طبعًا.. انت عارف ان باباك كل سنة بيجبلي دهب و ألماظ. بتشوف كده صحيح ؟ 
-أيوة بشوف. و بيبقى نفسي أكبر بسرعة عشان أقدر أجبلك زيه ! 
كاميليا بجدية : حبيبي.. صدقني كل المجوهرات إللي جبهالي سالم دي ولا ليها قيمة عندي. و أنا قولتله كتير الكلام ده. قولتله إنها مجرد حجارة بالنسبة لي. و إن حبه و احترامه ليا دول بس إللي يهموني.. و إن إنت أجمل و أغلى هدية منه. رغم كده ماسمعش كلامي و عمره ما بطل يجيبلي الحاجات دي.. بيقول إن قيمتي أكتر منها و إن الغالي للغالي.. ممكن ماتكونش لسا فاهم كلامي و قصدي كويس. بس خليك فاكره. و كمان عاوزاك توعدني وعد. ممكن ! 
رزق بتأكيدٍ شديد : 
-Sure ! 
نظرت "كاميليا" بعينيه مباشرةً و قالت كأنما تنقش على جدار ذهنه كلماتها : 
-أكبر هدية ممكن تقدمهالي طول العمر. أكتر حاجة ممكن تبسطني و تخليني طايرة و فخورة بيك دايمًا.. إنك تبقى راجل. راجل ذكي. قوي. حنون.. جامع كل الصفات إللي بحاول أغرسها فيك من صغرك. عاوزاك تبقى بطل يا رزق. بطل حكايتي. علامة ليا في الدنيا دي.. توعدني ؟ 
بتلقائية و سذاجة الاطفال نطق دون أن يعي وقتها أنه قد برم ميثاقٌ : 
-أوعدك ! 
°°°°°°°°°° 
التصادم بينهما قد تم بالفعل ... 
إشتبكا من جديد و البطش الأعظم كان من نصيب "رزق" هذه المرة، حيث أمعن في أخيه ضربًا مبرحًا و لكماتٍ مدمية و محطمة 
و كأنه كان عاميًا، كان يضرب فيه كل أعدائه دفعة واحدة، و الدنيا... الدنيا كانت أكبر عدو له، واقعه الذي يرفضه و يعيشه قسرًا عنه، كل شياطينه السوداء و كوابيسه البشعة كأنما تجسدت كلها في "مصطفى"... فلم يرحمه "رزق" لحظة واحدة 
حتى أجهز عليه بالكامل.. و لولا مجيئ أبيه المفاجئ و صعوده شخصيًا إلى الحلبة لكي يحول بينهما ما كان ليتركه قبل أن تفيض روحه في يديه ... 
-رزق !!! .. صاح "سالم" بضراوة شديدة يضع كفه فوق كتف إبنه 
جمدته تلك الحركة و جعلته يكفّ بالفعل عن جنونه ... 
أفاق مذهولًا على صورة أخيه من تحته، وجهه المثخن بالجراح النازفة.. كان مغميًا عليه... رخوًا بشكلٍ مزري 
أما الخلفية، كيث العائلة و الجمهور... كان الصمت مطبقًا على الأجواء.. فجأة لم تعد للمباراة أيّ أهمية.. بدا المشهد و كأنه مسرحية... مسرحية فجر الخليقة.. الأخوان.. و أول الأعداء من جنس البشر على وجه هذه الأرض 
كان الجميع يترقب.. هل حقًا سيشهدوا موت أحدهما الآن ؟ هل سيكرر التاريخ نفسه مرة أخرى ضمن ملايين المرات و أمام أعينهم ؟!!! 
لكنهم لم يكونوا على علمٍ تام، بأن هذا من المستحيل أن يحدث طالما "سالم الجزار" على قيد الحياة... مستحيل ! 
-قوم عن أخوك !!!! .. برز صوته الغليظ وحده مثل السهم يشق الصمت شقًا 
لم يجعله "رزق" يكرر كلمته مرة ثانية 
وثب قائمًا من فوق "مصطفى".. كان يتنفس بعنفٍ و هو ينظر لأخيه الغائب عن وعيه... ثم ينظر إلى أبيه عابس الوجه 
كان غضبه واضح جدًا، رغم ذلك قابله "رزق" بابتسامة خبيثة.. ثم استدار و عبر أسفل حواجز الحلبة... و هكذا غادر المباراة محسومة النتيجة 
لقد فاز... لكنه خسر الوعد مجددًا !!! 
________ 
عادت إلى بيتها محملة بصدمة عمرها، عمرها الذي لم يبدأ اصلًا إلا حين رأته، و حتمًا هو الذي سيضع حدًا لهذا العمر أن ينتهي بيوم من الأيام ! 
الآن فقط 
عندما صارت بمفردها أخيرًا، و بعد أن شاهدته يتغلّب بسهولة على أخيه و يحقق فوزه.. بعد أن اطمأنت عليه 
دلفت إلى غرفتها و تركت العنان لدموعها أن تهطل و تغرق وجهها، حتى أنها قطرت فوق الأرض.. لكنها لم تعد تعبأ لمطلق شيء، كانت لا ترى أمامها سوى مصيبتها 
املها الوحيد يتحطم و الدمار يصيب حياتها على غفلة منها، إذن هو يخطط للزواج ؟! 
لا يعلم بأنها صارت على معرفة بذلك ... 
عظيم... لم يترك لها خيارٌ آخر !!! 
إتجهت "نسمة" صوب خزانتها، فتحتها و سحب أحد الأدراج الجانبية، عبثت بداخله حتى عثرت على بغيتها.. قنينة دواء صغيرة، تحوي حبوب منع الحمل 
قبضت عليه بشدة، و بكل غضب إندفعت للخارج قاصدة دورة المياه، أفرغت محتوى القنينة كله بالمرحاض و سربت عليه الماء، ثم عادت إلى غرفتها و أمسكت بهاتفها 
كتبت له رسالة : "عاوزاك ضروري.. لو ماعرفتش تجيلي الليلة هستناك بكرة. ضروري يا رزق !"... و بعثت بها دون تردد 
ارتمت فوق سريرها و طفقت تبكي وهي تدفن وجهها بالوسادة التي يضع رأسه عليها، لم تستخدما قط خشية أن يذهب عبقه منها... الآن صارت كل مخاوفها ألا يترك لها أيّ أثر منه 
إذا قرر أن يرحل ببساطة، إذا فشل مخططها... ماذا ستفعل.. كيف تعيش بدونه !!!!

يتبع الفصل العاشر اضغط هنا

google-playkhamsatmostaqltradent