رواية نوفيلا نوتفكيشن الفصل الثالث 3

الصفحة الرئيسية

نوفيلا نوتفكيشن الفصل الثالث 3 بقلم دينا ابراهيم روكا

رواية نوتفكيشن كاملة بقلم دينا ابراهيم

نوفيلا نوتفكيشن الفصل الثالث 3

في اللقاء التالي بعد مرور أيام من "الهدنة" وقفت "ميرا" تنتظر هبوط "زيدان" من سيارته، مبعدة أنظارها عنه في شموخ وتعنت لأنه أجبرها على ركن سيارتها الوردية ومرافقته في سيارته المملة، تأففت حين طالت حركته البطيئة وكانه يتعمد استفزازها بالتأخير فصاحت فيه:

-أنا مش فاهمة لو الموضوع مضايقك وتقيل على قلبك كده وافقت تساعدني ليه؟

أدار "زيدان" وجهه نحوها متعجبًا من تذمرها العنيف ثم سألها في براءة مشيرًا إلى صدره:

-أنا؟، لا خالص أنا سعيد.

تحركا بؤبؤي عيناها داخل مقلتيها في تهكم عندما انفرج فمه في ابتسامة مجبرة مع نهاية جملته ثم تحركت تسبقه كي تجبره على ملاحقتها إلى بوابة النادي لكنها توقفت حين ناداها:

-استني مكانك، نسيت حاجة مهمة.

تأففت متوقفة تحبر نفسها على التزام الهدوء، تابعت يعود إلى السيارة وانكمشت ملامحها مغتاظة يخرج قلمًا منها واضعًا له في مقدمة قميصه، غلت الدماء في عروقها بسبب إصراره الصريح على استفزازها بتلك التفاهات فزمجرت فيه معترضة:

-أنت بتهرج ما تنجز يا زيدان!
وأصلًا اللي بتعمله ده ضيع استايل القميص اللي لابسه على فكرة.

مرر أصابعه فوق جيب قميصه حيث يقبع القلم في فخر قبل أن يغمز لها متعمدًا إغاظتها بكل الطرق، قائلًا في نبره واثقة بلا أي اهتمام لاعتراضها:

-أنتي تعرفي أيه في الموضة غير فساتينك المشلحه دي، أمشي قدامي.

تحركت للأمام في خطوات طفولية غير مرتبه، تستشيط غضبًا لأنه ينتقد طراز أثوابها الفريد والمتماشي مع قوامها وطولها.
ماذا؟! ففي حال لم ينتبه هي قصيرة القامة بالكاد تتعدى متر ونص، ولن ترتدي ملابس أطول منها أو تتركها تلاصق كعب قدميها!
تصلبت في مكانها منهية استنكارها الداخلي عندما صاح يوقفها من جديد:

-استني!

انعقد حاجباها في غيظ وكادت تصرخ بعلو صوتها وقد نفذ صبرها منه لولا إنها تشتت وتوقف عقلها حين راقبت خطواته المتسارعة نحوها بأعين متسعة، لماذا يتخيل لها إنه سيباغتها باقتحام مساحتها الشخصية كعادته؟
رفعت كلا ذراعيها للأمام محذرة:

-إياك تحضني أو تعمل زي المرة اللي فاتت أنا بتحرج!

-يعني مش عشان عيب؟!

تنهد ساخرًا متجاهلًا اضطراب ملامحها الحائرة في محاولة بائسة لإجابته، لكنه باغتها بإمساك يدها مستكملًا لعبته في المراوغة:

-ما تهتميش بالرد، لكن لازم أمسك إيدك عشان الحبكة الدرامية.

زحفت الحمرة محتلة ملامحها ككل مرة يبتلع فيها كفه الدافئ أصابعها الصغيرة لكنها قالت في استهجان من بين أسنانها المنغلقة:

-حبكة أيه بالله عليك!

-الحبكة، أيه مش بتتفرجي على أفلام أو تقري روايات؟

تأففت "ميرا" دون رد للمرة الألف منذ لقائهما اليوم، لكنها واكبت خطواته السريعة إلى الداخل في استسلام وما هي إلا دقائق قليلة حتى وصلها صوت ضحكات الرفاق قبل أن تراهم يتوسطون طاولتين ملتصقتان ببعضهما، ابتسمت تلقائيًا وقد غمرها شعور بالحماسة للانضمام لهم :

-هاي، عاملين أيه؟

-ميرا أيه التأخير ده يا بنتي.

كان "حازم" أول من حيا وجودها ثم انتقل ببصره نحو "زيدان" محركًا رأسه للأعلى والأسفل مرة في ترحيب صامت دون أن تتوقف أصابعه عن مداعبة خصلات "روان" الجالسة بجواره والتي تطالعه بكل ما في الدنيا من حب وهيام.
بينما اكتفت كلًا من ليلو، ريناد ورائف "زوجها السري" بتحريك أصابعهم في الهواء بإهمال، استدارت "ميرا" نحو الثنائي الحقيقي المحب "حازم وروان" داخل دائرة الأصدقاء ثم ابتسمت ابتسامة واسعة صادقة وهي تميل للجلوس جوارهما واتبعها زيدان من الناحية الأخرى.
نظرت نحو "رامي" الذي ينظر لها في صمت غامض وارسلت له ابتسامه معتذرة محركه كفها أمامه كعلامة على الترحيب تترجى السماح في صمت فهي تدري إنه منزعج بسبب ذهابها مع "زيدان" المرة السابقة معتقدًا إنها تعمدت تجاهله.
اتسعت ابتسامتها في بلاهة ورضا حين تنهد وغمز لها مشاكسًا يعلن الصفح عنها، احمر وجهها ثم نظرت جوارها خجلة إلا أن قلبها انتفض حين لاقت عيون "زيدان" المشعة بنظراته الغاضبة دون سبب، والتي نجحت في إثارة توترها فاختفت ابتسامتها ناظرة بعيدًا عنه في هلع.
سرعان ما استرخت "ميرا" بمرور الوقت بينهم وهي تستمع إلى المزاح الذي انخرط فيه الجميع عادا "زيدان" الجالس جوارها صامتًا طوال الوقت، تجاهلته ووازت ضحكاتها ضحكاتهم إلا أن مزاجها سرعان ما انقلب حين قررت "ليلو" أو "الساحرة الشريرة" كما تلقبها "ريناد" أن الوقت قد حان للتنمر والسخرية على حساب ميرا ونحافتها عندما اعترضت "روان" على طلب المزيد من الطعام متحججة بانها تتبع حمية غذائية لخسارة بعض الوزن:

-أوكي خسي يا عيوني لكن خدي بالك لتختفي زي "ميرا" أنا بقيت لما أدخل مكان هي فيه أبص على الكرسي لتكون موجودة وأنا مش شيفاها،
ده ربنا يكون في عون زيدان الحقيقة مش عارفة بيتعامل ازاي مع رفعها ده!

أنهت "ليلو" جملتها ونظراتها تتراقص فوق "زيدان" بابتسامة ساخرة، فارتعش وجه "ميرا" المتصلب الملامح في شبة ابتسامه تحاول الادعاء بإن كلماتها القاسية ومزاحها لا يؤرقها ويمزق ثقتها حتى إنها تأهبت لأن يشاركها "زيدان" المزاح فيزيد من إهانتها أمام نفسها لكنها استدارت تطالعه في صدمة حين ردد "زيدان" سابقًا بصوته نظرات "رامي" المحذرة نحو "ليلو":

-غريبة مع أن أول حاجة عيني بتشوفها في أي مكان هي ميرا، سواء موجودة أو مش موجودة فيه دايمًا مغطية على الكل.

لاحت من شفتيه ابتسامة المستفزة الشهيرة بينما ارتفعت أنامله لمداعبة أنف "ميرا" المتسمرة في وضعها المتفاجئ والتي حبست أنفاسها أكثر مما ينبغي وظلت تشاهده مذهولة من تلقائيته وسرعته في المدافعة عنها.
ولو يدري أثر وقع كلماته الكبير على قلبها القافز كالقنابل النارية!
علت أنفاسها تحاول الخروج من قوقعتها فقد أجبرها على التقهقر عائدة لنفسها الحقيقة التي تخوض شعورًا جديدًا غير مألوف بالنسبة لها؛ حيث أنها لا تتذكر أن هناك مَن دافع عنها بتلك الحمئية التلقائية، ودون أسباب أو مبررات.
التوت شفتاها في تمهل لترتسم ابتسامة واسعة تشرق تقاسيمها المليحة والتي توازي ابتسامته المساندة لها وكأنه يشجعها على نشل نفسها مما تعرضت له والعودة للواقع، جذبت شهيقًا متقطعًا عندما عادت للواقع فعلًا على صوت "ليلو" المغتاظ حين قالت متهكمة:

-ميرا الشفافة بقت مغطية على الكل.

-ليلو!

حذرها "رامي" في نبرة حادة موبخًا لها فطالعته "ليلو" بضع لحظات بنظرات حارقة تبادلت فيها أعين الأثنان حديثًا خفيًا قبل ان تتأفف معتذرة ل "ميرا":

-سوري يا ميرا، أنا اتخانقت مع مامي قبل ما أنزل ونفسيتي مش متظبطه.

-حصل خير مفيش مشاكل.

قالت ممسكه بكف "زيدان" توقف كلماته الجارحة والتي تنعكس على وجهة قبل أن يتدفق بها لسانه، أما هي فقد تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها من هذا الانتباه الغير مرغوب فيه متوقعة أن يتفحصها الجميع الآن من منظار "ليلو" ... ويكتشفوا صحة حديثها.
أحست بحرارة نظرات "زيدان" المتعلقة بجانب رأسها فالتفتت على مهل وتروي تنظر لعيناه الغائمة بلون العسل السائل سامحة لنفسها بأن تمنحه ابتسامه شكر وامتنان، فلن تنكر أن قلبها لا يزال يرفرف في سعادة لما تفوه به دفاعًا عنها.
عكس "زيدان" ابتسامتها حينما أطالت النظر إليه فصار يتفحصها بفضول وكأنها أحجية يصعب عليه فك شفراتها فهي تارة غاضبة لا تطيق رؤيته وتارة تنظر إليه وكأنه يملك عالمها بين قبضتيه.
انغمس الجميع في الحديث مجددًا متجاهلين ما حدث، والغريب انه برغم الأهمية التي تضعها "ميرا" لهم إلا أن لا أحد منهم يهتم بأمرها بالشكل الجلي أو المبالغ فيه.
زفر "زيدان* متململًا في مقعده بعد مرور ساعة مملة ثم قرى عدم الانتظار أكثر حاسمًا أمره، فمال نحوها هامسًا في حزم مستعدًا لمواجهة اعتراضاتها:

-مش يلا نروح؟

ارتفع حاجبه وهو يحدق في عدستيها الذي يغفى في ظلامها سواد الليل، وزادت من ذهوله حين هزت رأسها في حركة خفيفة توافقه الرأي دون تفكير، ضاقت عيناه لحظة في توجس لكنه مد كفه الكبير نحوها متشكك في دوافعها إلا أنها فاجأته بوضع كفها داخله في خضوع، أحتضن كفها دون تأخير ثم استقام قائلًا:

-طيب يا شباب نشوفكم بعدين.

القت "ميرا" السلام على الجميع وتركته يجذبها خلفه دون اعتراض، حانت منه نظرات خاطفة نحوها ولم يستطع كبح ابتسامته الراضية وهو يتابع ابتسامتها الكبيرة التي لم تترك وجهها منذ أخرس صديقتها الحمقاء ليتيقن في تلك اللحظة انه كان محق في وجهة نظره عنها، فتلك الصغيرة لا تزال في طور التشكيل، متخبطة في جنبات الطريق، باحثة عن ينابيع الأمان وبقاع الانتماء.

*****


في المساء، دخل "زيدان" إلى المنزل ثم لمعت عيناه في سعادة حينما وجد والدة مستيقظًا على غير العادة فتوجه نحوه مرحبًا:

-مساء الخير يا بابا، غريبة سهران انهارده.

أغلق والده التلفاز وصب جام تركيزه على "زيدان" مجيبًا في مشاكسة:

-مساء الخير، غريبة ليه عشان قفشتك وأنت راجع البيت بعد نص الليل؟

ضحك "زيدان" أثناء جلوسه فوق المقعد المجاور لوالده ثم قال ممازحًا:

-انا سبعة وعشرين سنة يا بابا مش عشر سنين عشان تقفشني.

-الله يرحمها أمك لو كانت عايشه كانت روحتك من المغرب.

أخبره والده بابتسامه سرعان ما اهتزت على وجهه فسارع زيدان مبدلًا منحنى الحديث عن والدته المتوفية:

-صحيح يا بابا كنت عايز أسأل حضرتك عن طنط أماني اللي هي حفيدة ... أخو ... جدي.

طالعه والدة ضاحكًا على معاناته في لفظ صلة القرابة ثم أردف منهيًا مأساته:

-أسمها أماني بنت عمي على طول يا أبو سبعة وعشرين سنة مش لازم تجيب شجرة العيلة كلها،
اتفضل مالها أماني؟

أنهى مزاحه بسؤاله الفضولي منتظر التفسير لذكرها فابتسم زيدان محاولًا امتهان الاعتيادية قبل الاجابة:

-ماشي هزأني براحتك،
عادي كنت عايز أسأل عنها وعن جوزها أصلي اكتشفت اني مش عارف أسمه.

زال المرح من على ملامح والده المرهقة التي تبوح بكبر سنة، قبل أن يقول في لهجة شبه موبخه:

-تاني يا زيدان؟

-تاني أيه؟
أنت فهمتني غلط، أنا عندي فضول مش أكتر عشان اتكلمت مع بنتهم بالصدفة على النت.

رد سريعًا يحاول محض شكوك والده لكنه استمر في عناده الذي ورثه عنه:

-ميرا من تاني؟

-بابا ارجوك أنت لسه مصدق اني كنت بحبها دي كانت طفلة وقتها،
والموضوع كله ان القرابة نقحت عليا لما ابن خالتي اتنمر عليها وحسيت انه لازم يتربى.

صمت والده منغمسًا في تفكيره فكلماته لم تختاز جسر الصدق معه ثم طالعه في غموض متسائلًا:

-عايز تعرف أيه؟

ظهر الذهول بشكل لحظي على محيا "زيدان" لكنه محاه سريعًا وهو ينتهز فرصة موافقة والده مستفسرًا:

-هي عايشه مع أمها ولا أبوها؟
وأطلقوا ليه؟
وأيه رأيك فيهم كشخصية؟

-حاليا مش عارف بس عمتك كانت قالت من فترة قدامي لمرات عمك أن البنت عايشه مع أمها ووقت سفرها البنت بتروح تقعد مع أبوها.

-هي بتشتغل أيه؟

سأله في فضول بعيون متنبهه فاستكمل والده بعيون أكثر تنبه بمنتهى الريبة والاتهام:

-في الإرشاد السياحي، ومضطرة تسافر كتير بس داخلي مرة شرم مرة الأقصر وهكذا.

-لكن أنا أعرف أن والد ميرا غني جدًا وانه بيبعت مبالغ محترمه كل شهر، ليه الشحططه؟

سأل زيدان يحاول تفسير اختيارها للابتعاد عن ابنتها اللي يتضح من فقدانها للكثير من العناية والتربية فأتاه رد والده الساخرة:

-العند بيولد الكفر.

-مش فاهم.

قال "زيدان" وهو يعتدل في أريحية يحاول ترتيب المعلومات في عقله:

-على حد علمي والد ميرا راجل شديد وعملي بطريقة زايده ده غير إنه أناني جدًا واللي سمعته أن لما ربنا كرمه وعلا في مجاله كان شايف ان شغل أماني مبقاش مناسب لمركزه الجديد وطلب تسيبه،
وتقريبا هي كانت بتتلكك ومش قادرة تعيش معاه فطلبت الطلاق وتم فعلا.


-اطلقوا ودمروا بيتهم عشان شغل؟

قال زيدان مستنكرًا في ذهول من سطحية الموقف فاستطرد والده:

-مش قولتلك العند بيولد الكفر.

قال الوالد فحرك "زيدان" رأسه للأعلى والأسفل في موافقه قبل أن يستقيم متمتمًا:

-صدعتك معايا، تصبح على خير يا بابا.

رد والده في قلق واضح من قرارات طفله لكنه كالعادة يعطيه مساحته بعدم التدخل:

-وأنت من اهل الخير، وأتمنى من كل قلبي انك تبقى عارف أنت بتعمل أيه.

-ما تقلقش يا بابا.

لم يجيبه والده واكتفى بحركة من رأسه قبل أن يلتفت للتلفاز بينما توجه "زيدان" إلى غرفته يبدل ملابسه سريعًا كي يتكأ على فراشه ويبدأ في حياكة تلك المعلومات والتفاصيل مقررًا محو وجهة نظرة السطحية عنها، خاصة بعد ما التمسه منها فهي شخصية مترددة سهلة الإرضاء ممزوجة بصفات غامضة تخفيها عمدًا عن أعين الناس عكس ما توقعه ونسجه في خياله عنها كفتاة مدللة أفسدت الأموال أخلاقها.
ميرا تحب الظهور بمظهر لا يتناسب مع خضوع لؤلؤتي عيناها له مع أول زمجرة منه، قشرة القوة الوهمية والتمرد المحيطة بها تتصدع أمام حدته وعنفوانه.
ربما هي ضحية والدين أهملا واجباتهما الأبوية حين وجدا في إفلات الحبال والتغاضي عن تصرفاتها الخاطئة؛ ملاذًا سيكسبهما ثقة أبنتهم وحبها لهما.
أو ربما أكثر هي ضحية حرب شخصية صامتة بين الطرفان، هدفها تفضيل المسكينة لأحدهما على الأخر.
ولا ينسى أثر التنمر على تركيبها النفسي والفكري فبعد تفكير عميق، توصل أن تعرضها للتنمر أوصلها للمحاربة من أجل مواكبة من حولها دون تفكير في منطقية أو صحة الأفعال، ففي يومنا هذا انقلبت معايير الصواب والخطأ وصار المستقيم هو من يثير الجلبة والربكة في قلب مجتمع فاسد.
ولن يخفي شعوره بوخيزات صغيرة تشفق عليها عندما عاصر بنفسه ما تتعرض له وهذا المفترض قادم من بئر الأصدقاء.
تململ في فراشُه غارقًا في تحليلاته وقد تأكد من أتخاذه للقرار الصائب بالاندساس في حياتها حتى وان كانت الطريقة خاطئة، فهي في حاجة مُلحة إلى التوجيه والصرامة بل هي في حاجة لمن يسيطر على لجام تمردها، وإذا كانت السيطرة ما تنقصها

... هو ملك السيطرة ...

*****

بعد مرور بضع أسابيع مرت سريعة على "ميرا" و "زيدان" ولكنها بالتأكيد كانت هامة لها تأثير كبير في منحنى صداقتهم وامتزاج حياتيهما، جلست "ميرا" أمام الحاسوب الخاص بها تمارس شغفها في تصميم الصور إحدى المهارات المحببة لقلبها التي تخفيها عن الجميع وتساعدها على تخطي وحدتها منذ الصغر، انتقل بصرها نحو الهاتف تستطلع عن الوقت فقد تأخر "زيدان" عن محادثتها اليوم والغريب إنها وجدت نفسها متحمسة تواقة للحديث معه، وهذا عكس ما توقعته وما كانت عليه في الأيام الأولى لمحادثاتهما.
تنهدت ثم وضعت رأسها فوق كفيها شاردة فيه فزيدان شاب معسول الكلام يهتم بالأخرين كثيرًا نعم متعجرف أكثر من اللازم إلا أنه مراعي لشعور الأخرين، ابتسمت لنفسها هامسة:

-الله يرحم.

وهي تتذكر وعيدها بأن تنتقم منه وأن تجعل حياته جحيمًا بعد ما حدث في مطعمه وإخافته لها وكيف جلست تخطط للتحايل على القوانين التي يجبرها عليها ولكنها يوم بعد يوم وجدت نفسها تغرق في دوامة سحره الفريد حتى إنها باتت تتوق للحديث معه وحكاية أحداث يومها الممل له.
رفعت خصلاتها الغزيرة التي تهرب من الرباط كل بضع دقائق مبتسمة في تسلية فعلى الأقل هي تستمتع باهتمامه بأدق تفاصيل ورحابة صدره في سماع ثرثرتها، شعور جديد عليها لم تعهده حتى مع أصدقائها وحرفيًا هم محور تجاربها مع المشاعر الإنسانية.
زاد تأففها مع مرور الدقائق وتلقائيًا دون تفكير رفعت الهاتف في نفاذ صبر مقررة محادثته، هدأ توترها الملازم لها في كل مرة تقرر فيها رسم خطوة البداية، عندما أتاها صوته الرخيم أسرع من اللازم:

-كنت لسه برفع الفون أكلمك، عاملة أيه؟

-الحمدلله.

احمرت وجنتيها وشعرت بالغباء لوهلة لكنه لم يعطيها فرصة للانسحاب فاستطرد ممازحًا:

-ادفع نص عمري وأمسح عميله قابلتها انهارده من حياتي.

ضحكت بخفه على نبرته المرتفعة في انزعاج، ثم تساءلت في فضول:

-ليه، ضايقتك؟

-لا بتموت فيا.

اختفت ابتسامتها دون وعي منها وسألت بفم ملتوي:

-ودي حاجة تضايقك، ما أن بتحب ال attention ولفت الانتباه.

كان على طرف لسانه جملة "شوف مين بيتكلم" لكنه اكتفى بمقولته المشاكسة:

-لا لفت انتباه عن انتباه يفرق هعمل أيه بانتباه واحده عندها أربعين سنة ومطلقة مرتين.

-اوه وكمان عرفت ان عندها أربعين سنة وحالتها الاجتماعية وكل ده في مقابلة واحدة.

ساد الصمت للحظات قبل أن يصدمها ويربك ثباتها بسؤاله المشاكس:

-أنتي بتغيري عليا؟

-أيه ...لا ...لا طبعا ...ايه ده ...وأنا هغير عليك ليه، أنا بس مستغربة من تناقض كلامك.

كاد ينفجر ضاحكًا على اجابتها السريعة المتلعثمة ولكنه لن ينكر أنه شعر بسعادة داخلية تغمره بلا أي سبب واضح، فمشاعرها تلك ليست غريبة عليه فهو يعلم أنه يملك جاذبية مميزة مع الإناث، كما إنه يملك عيون ناعسة يسكنها سحر خاص ينجح في سرقة قلوبهن.

-سخيف أوي.

همست تحاول انقاذ ماء الوجه، بينما اعتدل هو في جلسته سعيدًا بما لمحة في نبرتها من مشاعر ولا يدري سر تلك السعادة لأنها ليست المرة الأولى التي تخصه فيها امرأة بتلك المشاعر.
حتى انه اعتاد على تلقي العديد من الاعترافات الصريحة والمباشرة بالحب والهيام، لكنه لا يتذكر شعوره بمثل هذه السعادة حينها بل إنه لا يتذكر إنه اعتراف في مرة لفتاة بحبه، وربما هذا هو سبب غروره ودلاله على مشاعر "ميرا" اليافعة، عاد للواقع على صوت أنفاسها العالية وقد أربكها صمته أكيد، فقرر مجاراتها بقوله:

-تناقض في أيه؟

جاءت اجابتها بعد بضع ثوان طويلة:

-أنك متضايق منها في حين انكم اندمجتم لدرجة انك عرفت معلومات شخصية عنها.

رمت "ميرا" الهاتف في خضه حين قطع حديثهما دخول والدتها التي يخجل سن الأربعين من الالتصاق بها، فهي فائقة الجمال مفعمة بالحياة والاستقلالية، صفات فشلت "ميرا" في وراثتها أو هكذا تظن وتمنتها سرًا في كل ليلة متسائلة لما لا تستطيع أن تكون في ثقة وجمال والدتها ولما عليها أن تعيش حياة المسخ المختبئ معظم حياتها:

-حبيبتي لسه هتنزلي مع ريناد الساعة داخله على تسعة مش أفضل تأجليها لبكره.

-مش هقدر طبعا هي نادرًا ما بتطلب تقابلني بعيد عن صحابنا ومش هينفع أتخلى عن حد محتاجني.

أخبرت والدتها في لهجة دفاعية مفرطة فارتفع حاجب والدتها في امتعاض مؤكدة:

-أنا مش عدوتك، أنا من حقي أخاف عليكي.

قالت والدتها في هدوء تخفي خلفه الكثير فهي تخشى خسارة أبنتها العنيدة فتعزل وجودها عن حياتها كما تفعل مع أبيها، نعم ميرا تذهب لقضاء أيام عملها معه لكن فتاتها بالكاد تقابله أو تتحدث معه.
كادت تبتسم في مرارة فرغم انها لم تتواصل معه منذ الانفصال إلا إنها متأكدة إنه لا يملك من الوقت ما يؤهله للتواصل العاطفي مع ابنته فمن غيرها عاشره لسنوات كي تعرف طباعه.

-غريبة وخوفك مش بيبان لما بتسافري للشغل وتسيبيني لوحدي؟

أشعرتها اجابة ميرا المتمردة بالحرج وكأنها تحاسبها على اختيارها للمضي في حياتها:

-ما تحاوليش تبتزيني عاطفيًا، أنا مش بسيبك لوحدك، أنتي بتكوني مع باباكي ده غير إنك المفروض كبرتي وبقيتي فاهمة إني لازم أشتغل.

-مش فاهمة الصراحة لما أنا كبرت يبقى خايفة أنزل مع ريناد ليه؟

أغمضت والدتها جفونها تستجمع أعصابها للرد على تلك الماكرة الصغيرة التي تملك من ذكاء والدها ودهائه أكثر مما تريد الاعتراف به لكنها صرحت لها عاقدة ذراعيها أمامها في نبرة مغتاظة:

-تمام طالما هنتكلم بصراحة يا ميرا، فالبنت دي مش مريحة ومش شبهك.

ضحكت "ميرا" ساخرة مجيبة في استنكار وكأنها مجنونة:

-وأنا أكيد مش بدور على اللي شبهي.

ردت والدتها باستسلام رافعة يديها في الهواء:

-تمام يا ميرا اللي يريحك أنا مش عايزة أتخانق قبل ما أسيبك وأسافر، لكن شوفي شريف هيتعامل ازاي لو عرف انك لسه مع العيال دي.

وبذلك خرجت مغلفة الباب في حدة وقلة حيلة من افعال صغيرتها، نعم كانت سعيدة بالتحول الجديد في حياتها وابتعادها عن الانطوائية لكنها بالتأكيد غير راضية عن أسبابه الآن.
تعلقت أنظار "ميرا" المتذمرة في حنق طفولي بأرداف والدتها الممتلئة والبارزة من ملابسها المنزلية الضيقة ومطت شفتيها متناسية شجارهما، ساخطة على القدر الذي قرر حرمانها من مميزات شخصية وجسدية تتمناها كثيرًا.
شهقت في خضه وهي تطالع هاتفها فقد تناست تمامًا وجود "زيدان" على الخط ولا تعرف كيف تبرر له إلقاءها للهاتف أو شجارهم، فوالدتها على علم بحديثها مع رامي وحازم ولكنهما الشابان الوحيدان في دائرة الأصدقاء وحديثهما أمامها شبه منعدم، كما انها دوما ما تلمح بأن يكون الحديث بينهم يجب أن يظل في حدود الصداقة.
أما عن "زيدان" فهي لا تعلم بوجوده من الأساس كما أن علاقتها به علاقة أخرى غامضة الملامح ومخيفة بالنسبة لها ولكنها وبكل نضوج ستتخطى تفسير مشاعرها نحوه مكتفية بإلقاء اللوم على اتفاقهم الصغير، فكرت ساخرة مضيفة إلى اللائحة خوفها من ان تكتشف والدتها انها استأجرت شاب ليدعي كونه زوجً سريً لها.
دعت بكل طاقتها أن يكون قد أغلق المكالمة ولكن بالتأكيد الحظ ميزة أخرى تفتقدها:

-ألو .. آممم... أسفة انك سمعت اللي حصل ده.

-انتي نازلة ؟

أتاها صوته الرخيم الهادئ بشكل يثير القلق داخلها دون مبرر صحي يميزه عقلها فتلعثمت تخبره:

-اه لكن مش هتأخر نص ساعة وهرجع.

-ومعاها رامي؟

-لا خالص، دي مقابلة أنا وهي بس!

-وبعدين معاكي يا ميرا؟

جاء صوته حازمًا فاقدًا الأمل في أن يتفهمها فأجابته في ارتباك كأنها طفلة يحاسبها والدها:

-أنا عملت أيه؟

-أنتي مكسوفة تحافظي على نفسك؟
يعني لو في حاجة غلط قررتي ماتعمليهاش، الناس هتشاور وتقول اللي معملتش حاجة غلط أهيه.

اشتدت حرارة الخجل فوق وجنتيها الحمراء، لكنها أجابته في نبرة منزعجة وضيق من كلماته المتهكمة:

-أنا مش بعمل حاجة غلط يا زيدان.

-مش عيب لما الانسان يعترف أنه عمل حاجة غلط رغم انه عارف إنها غلط، لكن العيب والخوف انه يبجح ويقول انها مش غلط.

ظهر الانزعاج جليًا في لهجته العالية ورغمًا عنها ارتعش قلبها في رهبه وليدة حصريه له فقط وكأنها تخشى عدم مراضاته، فأردفت معترضة:

-ممكن تبطل تهِني بكلامك كل شوية!

-أنا مش بهينك يا ميرا.

صمت قليلًا محاولًا تمالك غضبه كي لا ينهار مخططه ويعود للخانة صفر من جديد ثم زفر مستغفرًا لله مؤكدًا في هدوء مخادع:

-مش احنا أصدقاء؟
مش انتي بتعتبريني نوعًا ما صديق؟

-ايوه.

همست موافقة رغم ارتعاش نبرتها فتساءل في جدية:

-والصديق المفروض مهمته انه ينصح ويحافظ على صديقه خاصة لو الصديق ده مميز؟

-ايوه.

اعادت في خفوت مجددًا وهي تقضم أظافرها، فاندفع يؤكد في نبرته القوية الخشنة:

-جميل وأنا صديقك يا ميرا وعايز أحافظ عليكي عشان انتي مميزة عندي،
السؤال هنا هل ده سبب كافي يخليكي تسمعي كلامي؟

لم تستطع تفسير الابتسامة البلهاء المرتسمة على وجهها ولكن حرفيًا كان هذا أكثر حديث عاطفي لطيف لامس قلبها يومًا فوجدت نفسها تهمس في تلقائية:

-ايوه.

-ايوه أيه، أنتي علقتي؟

حثها على الحديث وقد هدأت نبرته المندفعة عما كانت ذي قبل، ورغم إنها تعلم أنه يريدها فقط أن تؤكد رضوخها له ليزداد عجرفة عليها إلا إنها استكملت:

-هسمع كلامك.

-الله، قوليها مرة كمان كده.

ضحكت حينما وصلتها نبرته الرجولية المشاغبة وشاركها "زيدان" الضحك راضيًا عن خضوعها الغير متوقع قبل أن يستطرد:

-روحي كلميها وقوللها انك مش هتقدري تقابليها انهارده واننا كده كده هنتقابل بكره بليل.

-هي اكدت عليا نتقابل لوحدنا من غيرك.

-اخص عليها وانا وأنتي أيه؟
.... مش واحد يا روحي.

-يا بارد.

وبخت في صوتٍ رفيع منزعج متعمدة مط كلماتها المتذمرة من استفزازه المستمر لها لكنها استسلمت لضحكاتها التي امتزجت بعد فترة مع صوت ضحكاته الرجولية فشعرت بإن قلبها تحول لحديقة مليئة بالفراشات المتراقصة في شجن على حبال صوته الرنانة، سرقها من أحلامها حين أخبرها مبتسمًا:

-هضطر أدخل أنام عشان تعبان أوي، وعلى فكرة مبسوط اني هقابلك بكره.

وصله صوت ضحكة خجولة وكأنها مراهقة حالمة ليذكره عقله بانها بالفعل مراهقة، بالكاد ستتخطى العشرين من عمرها الشهر القادم، ثم ردت في صوتها الحاني:

-وأنا كمان، تصبح على خير.

-وأنتي من أهل الخير.

أنهى زيدان المكالمة وخرجت منه تنهيدة عالية مفعمة بمشاعر حراقة في صدره فعلى غير المتوقع أثبتت ميرا انها مجرد فتاة بسيطة مليئة بالبراءة والتخبط كأي فتاة قرر ووالديها نسيان المسئولية والانسياق وراء الأنانية متناسين أولياتهم المتمثلة في تربية الأبناء، ميرا فتاة رائعة لكنها مضطربة المشاعر بلا أهداف سوى جذب انتباه من حولها وخلق مشاعر خاصة بها داخلهم وكأنها تشتاق لشخص يميزها عن الجميع.
كان هذا أول تفسير توصل له من خلال تقاربهم وعلى عكس ما كان يظن وجد نفسه يشفق عليها أكثر مما يغضب على تصرفها، بل وجد نفسه يصب جام انتباهه عليها كلما اجتمعا سويًا وسط المدعون "أصدقاءها" والذي لا يجد لهم تفسيرًا منطقيًا لوجودهم في حياتها فهم لا يتعاملون كأنها صديقتهم بالشكل المنطقي والطبيعي فأقصى نشاطها معهم هو المشاركة بالحديث وأكثر من ينتبه لها هو المدعو "رامي" والذي سيقتلع عيناه يومًا ما أن لم يتوقف علة التحديق بها طوال الوقت بعينيه القذرة.
هذا الترابط بينها وبينهم سر أخر وضع على عاتقه مهمه تفسيره!
ابتسم لنفسه يكاد يتذوق طعم الانتصار ففي خلال الأسابيع الماضية استطاع ان يستحوذ على معظم طاقتها دون أن تدري وقد حان الوقت للإسراع في رتم معركته التي قرر الخوض فيها منذ أول لقاء معها.

***

في اللقاء الأول بينهما، رفع زيدان عينيه يلتقط عيون الفتاة الواسعة، ذات الشعر القاتم الغزير وجلس يفرك اصبعه فوق شفتيه منتظرًا انتهاء المزحة التي طالت دون معنى.

-اعتبر انك موافق؟

-انتي مصره تكملي لعب؟

-لعب أو لا ده قراري أنا، قولت أيه deal or no deal.
google-playkhamsatmostaqltradent