رواية ورقة التين الفصل التاسع 9 - بقلم داليا الكومي

 رواية ورقة التين الفصل التاسع 9 - بقلم داليا الكومي


وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود..

للاستمتاع بطعم العسل عليك تحمل لدغات النحل لكنك أثرت السلامة واخترت أكل المش لأنه متوفر في مخزونك                                              ولن تضطر للمخاطرة مع النحل لكن أحيانًا المش يفسد من سوء التخزين..

جمع العسل مؤلم حقًا لكنه فيه شفاء دائمًا في النهاية..

كلمات فوزية تصفر في أذنيه.. حقًا بخطبته لبرلنتي كان يحافظ على نفسه بعيدًا عن الألم لو كان فقط اعترف لنفسه بحبها منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها ما كانت تألمت هكذا.. من سوء حظها أنها أحبته ووثقت فيه بدون أي ضمانات كانت كمن يعطي شيكًا على بياض وهو خذلها.. بعدما اعترفت له بكل الألم والقهر الذي عانت منهما يسبب لها هو المزيد من الألم وهذه المرة في قلبها مباشرة ..

آه لو فقط يعود الزمن للوراء؟؟!!

لكن الزمن لا يعود وخطايانا علينا دفع ثمنها ومضاعفًا.. 
 والحل دائمًا في اتباع الشرع.. حينما نتجه بقلوب صافية ومؤمنة لله عز وجل نجد الخلاص.. حفظه لكتاب الله وبالتفسير نفعاه ولطالما فعلا.. ومعه هو ليس بحاجة لاستشارة محامي لكنه فعل.. صحيح ملك اليمين لم يعد موجودًا في الإسلام حاليًا لكن هناك من قد يمرره بحجج عدة  وتحت مسميات كثيرة لذلك وجب عقد قرانه على ربى ليبطل عقد الرق كما يقول الشرع الذي قد يتخذونه حجة  ومن ثم حمايتها حتى لا يتخذ هذا الحيوان أي ذريعة لإيذائها..

عقد قرانه عليها لم يكن قرارًا متهورًا كما كان يفعل في الأسابيع الأخيرة بل كان أكثر قرار عقلاني توصل إليه وحتى حينما كان الشيخ مترددًا في عقد القران اضطر لإخباره بالحقيقة التي أخفاها حتى عن والده فوافق الشيخ بسهولة أكبر ثم فوجئ بدخول والده.. هل سمع ما قاله له لذلك دعمه؟؟  والده يتحدث قليلًا لكن يفعل الكثير..

كل همه الآن صحتها وحمايتها وأمنها حتى لو قررت الطلاق حينما تستفيق فسيكون هذا ما يستحقه تمامًا.. 

وفي رحلة قراره الصادم هذا دعمه والده وفوزية دعمًا غير مشروط وتردد الشيخ فتحي وعاطف في البداية لكنهما رضخا في النهاية أما غندور فرفض بشدة..

آه غندور كم أحتاجك؟؟ّ!! يعطيه كل العذر في موقفه لكنه بحاجه إليه ولا يملك رفاهية الوقت.. ربى بحاجة إليه وكل دقيقة يضيعها بعيدًا عنها تحرق قلبه..

لذلك تحدث مع فوزية بكل صراحة وطلب منها إقناع غندور..

 - أرجوكِ فوزية أنا بحاجة لهذا هي بحاجة لهذا..

- أنا أعلم أنها كانت تريدك لكنك ضيعت فرصتك.. والله لو اجتمع الناس على قول ما يسيء إليك ما صدقت ودافعت عنك بضراوة لكن أنت لم تفعل هذا لها وصدقت عنها وأنت تعرفها جيدًا فكيف تريد منها الثقة فيك مجددًا بل وحتى النظر في وجهك ؟؟

- قولي كل ما تشائين وأنا أستحق أضاعف ما تقولين لكني سأصلح كل شيء.. ستفيق بإذن الله من غيبوبتها وستسامحني .. أنا أحبها فوزية من كل قلبي..

حينما كنت أقسو عليها كنت أعاقب نفسي لا أعاقبها فهي نفسي والآن نفسي مريضة وسأفعل المستحيل من أجلها..

                                            **

" الفتاة مازالت في المستشفى وحالتها خطيرة "..

وأشار معوض لزميله بسخط.. - هو السبب سيد يزيد لم ينصت لي حينما أمرته بالاختفاء حتى تكون الفتاة بمفردها.. لقد تعرفت علينا على الفور فألقت نفسها أمام السيارة..

وأشار إليهما يزيد بتهديد.. - لو تسببتما في حرماني من وليمتي الجميلة سأخلع عينيكما من محجريهما ثم أقطع ألسنتكما وأشويها..

اذهبا فورًا واجعلوني على علم بكل صغيرة وكبيرة..

- لكن هذا الرجل لا يبرح مكانه.. يقف كحارس على رأسها أربع وعشرون ساعة.. لا نستطيع الاقتراب منها.. سيضربنا إن فعلنا..

وصرخ يزيد بعصبية.. - أغبياء اختفيا من أمامي فورًا..

لماذا يبتليه الله بالحمقى ؟؟ الأمر أصبح يتخطى حدودهما..

ورفع هاتفه.. - زكريا.. أريدك في خدمة من خدمات الأيام الخوالي..

وقهقه بصوت عال.. - نعم نعم تركنا الشقاوة لكن لا يخلو الأمر.. أريد تصفية شخص ما.. سأرسل لك كل بياناته في رسالة..

                                              **

" قلبي عليك يا خي من حر قولة أي "

بشهادة الزور يا فوزية؟؟!!

كان غندور يهز رأسه بعدم تصديق.. - لا لا مستحيل أن أوافق على هذا إني أخاف الله رب العالمين..

وجذبته فوزية ليجلسا تحت الياسمينة.. وقالت بحزن ..- السيدة زينب رحمة الله عليها قالت لأمي يوم وفاة والدي لن أترك فوزية إلا وهي في بيت عدلها  ومرت السنوات ولم يتركوني حتى بعد الزواج ..
وسألته بلوم شديد..

- هل شعرت يومًا أنك أجير هنا؟؟ هل وضعت مائدة طعام واحدة بدوننا وتركنا لنأكل البواقي؟؟ كم تنفق من راتبك وأنت لا تدفع قرشًا في إيجار أو أكل؟؟ راتبك لك توفره كله حتى نستطيع شراء أرض خاصة بنا يومًا.. هل مر عليك عيد ولم تلبس فيه الجديد وتشعر بدفء العائلة؟؟ هناك حق عليك تجاههم عليك الوفاء به الآن أو لن أبقى على ذمتك ليوم واحد.. من يخون العيش والملح يخونني..

 - حاشي لله يا فوزية أن أكون خائنًا أنا فقط أخاف من التزوير في أمر كهذا ..

- منذر أخ يا غندور افهم هذا .. وأخ في محنة .. هل نتخلى عنه ؟؟ ما فرقنا عن الغريب؟؟ ادعمه الآن وأنبه لاحقًا لكن لا تكن نذلًا ناكرًا للجميل ..

- والله أنا أفديه بعيناي لكن الآنسة في غيبوبة ولا تعلم عن الأمر ماذا لو لم تكن ترغب في الزواج منه .. هذا سيكون تزوير..  

- وأنا أخبرك بكل فمي ربى توافق على هذا الزواج بل وتتمناه إذًا أين التزوير في الأمر؟؟ 

تخيل معي الفتاة محطمة وبلا مأوى‘‘ تخيل أن تعلم حينما تستفيق أنها أصبحت زوجته هل هناك دليل على الحب أكبر من هذا إذا كنت أنت برأس ثور ولا تفهم في الحب فارحل عني ولا تريني وجهك.. 

وصمت غندور يصارع نفسه.. 

فوزية محقة في الصميم لكن مازال ما سيحدث خطأ عرفيًا، ربما ليس خطأ شرعيًا لأنه لن يتمم الزواج لكن عرفيًا بحكم نظرة الناس للأمور وبحكم حالة مرضها وكانت الحرب أيهما ينتصر الشرع أم العرف ؟؟

لكن إذا كان عم قدري بنفسه موافقًا إذًا فليوافق هو الآخر..

وهز رأسه في علامة على الرضوخ لرغباتها وهتفت فوزية بفرحة غامرة..-  الحمد لله..

                                                    **    

من عجائب القدر أن يفكر هو في الشيخ فتحي في نفس اللحظة التي فكر فيها منذر فيه ليتقابلا هناك..  لم يكن يعلم لماذا يذهب إليه لكنه يرتاح بالحديث معه حتى شاهد منذر يدخل قبله وسمعه يخبر الشيخ أمرًا زلزل كيانه..

لكنه تمالك نفسه وفكر سريعًا.. منذر محق حتى ولو كان في ظاهر طلبه السوء لكن باطنة الرحمة والحق..

وبعد انصراف منذر ليحضر الشهود     عاد ليتحدث مع الشيخ بمفرده، كان يحمل من الهم ما يوازي وزن الكرة الأرضية بكاملها.. هناك صراع بين العقل والقلب وغالبًا حسم لصالح قلبه..

- كان سيقع المحظور يا شيخ لو لم أزوجهما هذا كان القرار الوحيد الصائب.. قطبي 

 المغناطيس يجدا بعضيهما ويلتحمان مهما حاولنا تفريقهما..  لذلك وجد منذر الحل الأمثل حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.. على الأقل سيضمن أنها لن تكون لغيره فيهدأ ويفكر بعقلانية ويصلح ما أفسده تهوره السابق .. شكرًا لك يا شيخ على تفهمك وعلى ثقتك في منذر..

- أنا لم أكن لأوافق لو جاءني أي شخص بخلاف منذر.. أنا فعلت ما فعلته لإراحته لكني أعلم أنه لن يستغل القسيمة في أي شيء هي مجرد ورقة لجعل الأمور أفضل نفسيًا ومتأكد تمامًا أن منذر سيحفظها ويحافظ عليها بوجود قسيمة أو بدونها..

ودخل منذر بصحبة غندور وعاطف اللذان وقعا في صمت وخرجا على الفور بدون إضافة حرف لكن نظراتهما كانت تخبر الكثير ..

" نحن نثق بك فلا تخذلنا "

وتنفس منذر الصعداء الآن سيعلنها للجميع ..  " ربى زوجته "

ومد الشيخ يده بالقسيمة بتردد لكنه عاد وحبسها ثم أعطاها إياه مجددًا بعد لحظة من التردد قائًلا.. - الآن أصبحت زوجتك أمام الناس بشهادة غندور وعاطف لكن ليس أمام الله فتذكر هذا.. 
وهجم عليه منذر ليحتضنه وقال بامتنان.. - يشهد الله على هذا..

" وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا "

لكنه قد يجادل لاحقًا ويخترع الحجج ويحلل لنفسه الدخول بها لأنها زوجته.. لكن من يعرف الله بقلبه له دائمًا رادعًا..

لذلك عاد ومد بيده الأخرى كتاب الله وقال..

- احلف على هذا.. احلف على كتاب الله.. أنا أعلم أنك لن تخلف وعدك إذا حلفت على هذا..

                                               **

الشمس كانت تشرق مرتين في حضورها والآن أظلمت السماء ..

اختفت كل الشموس وفقدت الدنيا حيويتها حينما افتقدها كل ركن من منزله ومن قلبه..

هنا كانت تجلس تحت الياسمينة أو تعد الفطور .. أو حينما كانت تسكره بدون خمر فتصنع من التين خمرًا لذة للشاربين .. كانت تخبز الفطير وتلاعب الفراشات في الحديقة وكأنها فراشة مثلها مثلهم ..

لكن فراشته بهتت بسببه وتحطم جناحها فلم تعد تستطيع الطيران وهو السبب ..

فراشته زاهية الألوان أصبحت رمادية شاحبة ومقيدة لفراش بعشرات الأسلاك ..

تسلل خلسة كي لا يراه عاصم.. يريد الاستحواذ على كل الوقت المتاح لهم بمفرده..

ووقف على باب العناية ينتظر بلهفة.. الوقت لا يمر حتى تفتح الزيارة..

اليوم يختلف.. " أنتِ زوجتي أنتِ زوجتي "

كان غارقًا في أفكاره فلم يشعر بالطبيب الذي خرج من العناية وتحدث إليه ثم انتبه.. - عفوًا هل تحدثني؟؟

- نعم كنت أسألك.. أنت ابن عمة المريضة ربى أليس كذلك ؟؟

وخفق قلبه بعنف وابيض وجهه حتى حاكى الموتى وتحشرج صوته وسأله.. - هل هي بخير؟؟

 وأومأ الطبيب برأسه.. - نعم بخير أو لا جديد على الأقل ..

وعاد روحه تسري في خلاياه.. " الحمد لله "

لكن الطبيب أكمل.. - أنا الدكتور شادي رمزي وأقدم أسفي نيابة عن والدي لما أصابها..  الفتاة رقيقة جدًا ولا تحتمل لكنها ستكون بخير.. أنا أبذل قصارى جهدي..

ماذا يقول؟؟ هل تعجبه ربى.. يا رب اللهم قوة وصبر.. منذر القديم قد يرتكب جناية لكن مصلحة ربى هي الأهم وتمالك أعصابه بصعوبة بالغة ليقول..

- قدر الله ما شاء فعل دكتور بالتأكيد العم رمزي لم يكن يقصد دهسها لكنها مشيئة الله وزوجتي ستكون بخير وشكرًا لاهتمامك لكن لا داعي للشعور بالذنب أبدًا.. النصيب لا مفر منه..

وغمغم بإحباط واضح..

 زوجتك؟؟ أبي لم يخبرني أنها متزوجة.. -

الصبر من عندك يا كريم..

- الحقيقة لم نعلن بعد كنا سنعلن يوم حادثتها لكن أنت تعلم ما حدث..

آه يا ربى أشعر بغيرة قاتلة..

والحقيقة أشعر أيضًا بالخوف.. أين أنا من الطبيب الشهير؟؟ من أنا في الواقع؟؟ مجرد مزارع أحمق لا ميزة في على الاطلاق سوى أني أحبك كما لن يحبك بشر على وجه الأرض..

وفتح باب الزيارة كان وكأنه باب الجنة فركض ليدخل منه.. كانت هناك ممرضة شابة تعتني بها.. وسألها والدموع تغلبه.. - كيف حالها ؟؟

كانت ستجيب " كما هي" لكنها نظرت لجهاز رسم القلب وقالت بابتسامة اطمئنان.. - أعتقد أنها تشعر بك منذ لحظات كانت ضربات قلبها في المعدل الطبيعي والآن زادت مع سماعها صوتك.. علميًا لا يوجد دليل على أنها تشعر وتتفاعل لكن بارتفاع نبضها أؤكد لك أنهم مخطئون..

وغادرت من فورها بدون إضافة المزيد.. ووضع يده على قلبها ليشعر بنبضاتها وخفقان قلبها.. وقال بحنان مقاومًا لدموعه.. - من اليوم أنتِ زوجتي.. لقد عقدت قراننا عند المأذون.. أنا أعلم أني لا أستحقكِ لكن أعدكِ لن تبكي دمعة واحدة بعد اليوم.. سأهدم العالم كله لأجلكِ.. أنا أحبكِ ربى.. أحبكِ لكني أحمق غبي عنيد..

أحبكِ لكني لم أعلم كيف أعبر عن حبي.. لكني أخيرًا تعلمت.. 

ووضع يده في جيبه وأخرج خاتم العقيق الناري ووضعه في إصبعها.. - أقسم لكِ اشتريته منذ اليوم الذي عدت فيه لإحضار الجرو ولأجلك فقط .. لم أكن أعلم هل عدت لأحضره أم لأحضر الجرو لكن في النهاية عدت وهما معي لأجلكِ.. أحبك ربى وأحب عاصم وأحب حتى الجرو.. سامحيني حبيبتي واعطيني فرصة للتصحيح.. وضم قبضتها بقوة في قبضته.. كان يبتهل أن تحدث المعجزة.. العقيق يبعد قوى الشر ويؤلف القلوب.. - أرجوكِ ربى لا تجعلي هارون ينتصر.. ربما أذيتكِ ببعض دمائي التي لا تخلو من دمائه لكن باقي دمائي من دماء قدري أبو الحسن.. ومن دماء زينب تيجان.. قاومي ربى لأجلي.. حسنًا ليس لأجلي فأنا لا أستحق حتى أن تنظري في وجهي لكن لأجل عاصم..

كان في أقصى لحظات يأسه وحزنه وندمه.. وشعر بيد والده تربت على ظهره..

كان والده يصطحب عاصم الذي ألقى بنفسه فوق بطنها كالمعتاد محتضنًا إياها..

- لم أستطع رفض طلبه في الحضور..

وهز منذر رأسه بتفهم ورغمًا عنه اتجهت عيناه لجهاز رسم القلب..  مع حضور عاصم زادت النبضات زيادة.. أما عم قدري فقرأ بعض آيات القرآن وبدأ في الرقية الشرعية وهو يطلب من عاصم وضع يده على رأسها ثم وضع يده في جيبه وأخرج قلادة زينب ووضعها في يدها الأخرى وقال بحب.. - لقد وجدتها من أجلكِ يا فتاتي.. القلادة بخير فقط تمزقت تمزقًا بسيطًا من السهل إصلاحه وستعود كما كانت، أنتِ أيضًا يجب أن تعودي كما كنتِ بل أفضل مما كنتِ لأننا جميعًا لا نقوى على الحياة بدونك.. أخيرًا أصبح لدي عزوة من أربعة أبناء وفيهم ابنة تشبه زينب.. أنتِ أعدت الحياة لنا جميعًا.. وارتفعت شهقاته وعجز عن إكمال حديثه..

كانت الزيارة على وشك الانتهاء.. وبدأوا في اخراج الزوار لكن عاصم انهار فجأة وصرخ.. - لا ربى هذا كثير لم أعد أحتمل.. أرجوكِ افتحي عينيكِ.. لن أذهب لأي مكان سأبقى معكِ..

وحضر طبيب شاب على الصياح وقال بتساؤل.. - أنتم أسرتها أليس كذلك؟؟

وهز قدري رأسه بالإيجاب ..

فأكمل الطبيب ..- مؤشرتها الحيوية جيدة وتبدي استجابة معقولة نسبيًا ولا يوجد سبب الآن لبقائها على الجهاز لكن لن نعرف حقًا إلا بالتجربة كنا سنقوم بمحاولة فصل جهاز التنفس عنها " الفطام من الجهاز "  صحيح الزيارة انتهت لكن ربما في مصلحتها بقائكم لكن فليبقى فرد واحد فقط..

ولم يكن الموقف يحتمل الكثير من الكلام وخرج والده على الفور.. في الواقع عاصم هو أحق فرد بالبقاء، أحق فرد ليس لأنه شقيقها بالدم لكنه أحق فرد بحبه اللا مشروط لها.. بخوفه الحقيقي عليها.. لأنها كل دنيته وهو كل دنيتها..

" تحملت شروطك لأجل عاصم " لذلك انسحب منذر في صمت وهو يبتهل.. وجود عاصم سيفيدها أكثر منه..

لكن الطبيب استوقفه.. - أنت زوجها كما علمت أليس كذلك؟؟ 

وهز منذر رأسه بحزن..  وعلق الطبيب.. - من المفترض خروجكم جميعًا لكن في اعتقادي أن المريض في الغيبوبة يشعر بوجود من يحبهم ويحتاجهم لجواره..

هل مازالت تحبني بعد كل ما فعلته لها؟؟ والإجابة قد لا تكون لصالحها إذا ما بقي.. كان يتمزق من الألم.. وهم بالانصراف.. حقًا حبها لعاصم لا شك فيه أبدًا..

لكن عاصم تمسك بكفه وخاطب الطبيب قائلا بتأكيد.. - هو أيضًا يحبها.. كلانا لم نعرف الحب إلا في بيته..

 - إذًا ابقى أنت أيضًا..

الحمد لله.. شكرًا عاصم.. بل أنا الذي لم يعرف الحب الكامل حتى تعرفت عليكما..

واحتضن عاصم بقوة.. كان يستمد منه الدعم..

وقال الطبيب لعاصم ..- سأسمح لك بالبقاء شريطة ألا تصرخ أو تفتعل المشاكل .. دعمها يكون عن طريق الكلام لا الصراخ .. أنت كنت تصرخ من قليل فهل تعدني بعدم الصراخ ؟؟

وفقط هز رأسه بقوة .. لم يستطع الكلام فحلقه الجاف التصق ببعضه .. لن يصرخ .. لن يصرخ مهما حدث..

وتمسك عاصم بمنذر بقوة أكبر حتى التصقا وأصبحا ككيان واحد ..

وحضر طبيب آخر وحقنها بمادة في الجهاز الصغير في ذراعها.. وتمتم.. - توكلنا على الله.. ومد يده ينتزع الخرطوم من فمها برفق..

                                      **

الروح هبة من الخالق عز وجل يهبها لمن يشاء ويستردها ممن يشاء ..

لكن كيف تكون الروح نفسها في جسدين؟؟

كان يشعر بنفس ما تشعر به وشعر بالخرطوم وكأنه ينسلت من فمه هو وشهق بعنف بحثًا عن الهواء .. وشعر بروحه تلامس روحها .. " ربى أنا هنا وعاصم أيضًا ليتني كنت مكانكِ .. قاومي لأجل عاصم .. ربى أنا أحبكِ نعم أنا أحمق غبي عصبي متسرع غيور لكني في المقابل أحبكِ حقًا .."

كان حديث للأرواح والخواطر .. شعر بها تلمسه وهي ترتعد أم هل كانت روحها تلامس عاصم الملتصق به؟؟ لن يعرف أبدا لكنه فور ملامستها لهما شهق مجددًا وشهقت هي الأخرى فنظر للطبيب برعب لكنه كان يهز رأسه برضا ..

ومسحت الممرضة فمها بعناية وقام أحد الأطباء بقرص أذنها بقوة لكنها لم تبدي أي استجابة .. ونظر لعاصم بإشفاق .. الصغير كان متماسكًا بدرجة تثير الاذبهلال .. ربى كل حياته وكل حياته تنهار ..

وانهمرت دموع عاصم في صمت وامتزجت بدموعه .. لا هذا يفوق احتمال عاصم سيخرجه .. كان يجب عليه منعه من البداية .. إذا كان هو لا يحتمل فهل سيحتمل عاصم .. واتجه به في اتجه الباب لكن عاصم قاوم بشدة وهو يضم شفتيه بعنف إنفاذًا للوعد .. فلو تركهما سيصرخ بألم .. لكن منذر واصل تقدمه نحو الباب وهو يشعر بروح ربى تنفصل عنهما ..

وفجأة هتف عاصم بلوعة ..- ربى حركت كفها ..

والتفت منذر بحدة وسقط عاصم من يده .. كانت يد ربى معلقة في الهواء وكأنها تمنع عاصم من المغادرة .. حقًا روحها كانت تلامس روحيهما وعلمت ما كان ينتويه فحاولت منعه .. حتى في غيبوبتها تهب للدفاع عن عاصم .. صدق حقا " عاصم هو روحها " وركع عند فراشها يبكي وهو يتمسك بكفها ..  وأنبه الطبيب بلوم كبير .. -  لماذا البكاء الآن ؟؟ المريضة وضعها جيدًا جدًا وتستجيب .. فقط واصلا على الكلام وستستفيق ..

وقرصها الطبيب الآخر مجددًا لكن هذه المرة من أنفها فحركت كفها مجددًا بضعف ..

وابتسم الطبيبان بتشجيع وقال الأول ..- الحمد لله .. سنأخذها للأشعة الآن واصلا الدعاء فالدعاء يغير القدر ..

                                              ** 

هل اتخذت الغاب مثلي ..  منزلًا دون القصور
فتتبعت السواقي    ..       وتسلقت الصخور

الشعور بالحرية والانطلاق والعفوية .. كانت تركض مع عاصم وسط مروج منذر المزدهرة وتطلق الضحكات .. الحرية والأمان والحب أشياء تتعلمها للمرة الأولى في حياتها .. أشياء تقدرها حتى النخاع وتصقلها لتجعل منها إنسانة أخرى تعرف معنى العطاء وتقدر الحب وتدفع الحب بالحب والضغينة بالصبر ..

في حياة القصور لم تجد سوى الهم والحزن والقهر والحرمان والخوف وفي حياة الغاب عادت لبراءتها التي كادت أن تنتزع منها انتزاعًا ..

هل تحممت بعطري .... وتنشفت بنور ..
وشربت الفجر خمرًا ... في كؤوس من أثير..

عطرها كان عطر الأرض .. عطر النقاء .. عطر الطبيعة .. عطر الأمان ..

والحمرة التي كست بشرتها الشاحبة وشفتيها الباهتتين لم تكن صناعية بل طبيعية تماشت مع حمرة شعرها الطبيعية بتناغم لتتوهج صحةً وجمالًا ..

والشمس الساطعة في محيط منزله تصبغهما بلونها الرائع فتتنشف بنورها من الحقد ومن الغل وحتى من الألم..

هل جلست العصر مثلي ... بين جفنات العنب ..
والعناقيد تدلت .. كثريات الذهب ..

جلسة الياسمينة والحديقة كانت تمنح روحًا لروحها وتشحن طاقة لجسدها المنهك .. أي سحر زرعته عمتها في الحديقة وأي سحر ألقى به عمها عليها حينما منحها قلادتها؟؟ الراحة النفسية كانت حتى تغطي على ألم زواج منذر ..

وانتفضت بعصبية عندما تذكرت زواجه وخيانته لها ..

كان الطبيب يراقبها عبر الزجاج ونظر إليه فني الأشعة باهتمام قائلًا ..- ستفسد الصورة هكذا .. يجب أن تكون هادئة تمامًا ..

- ها قد عادت لهدوئها .. أعد المقطع السابق وسيكون الأمر على ما يرام ..

هل فرشت العشب ليلًا ... وتلحفت الفضاء ..
زاهدًا في ما سيأتي ... ناسيًا ما قد مضى ..

لا تتريد أن تتذكر أي شيء .. لا تريد أن تعود للألم ..

أنين الناي كأنينها يبقى بعد أن يفنى الوجود ..
 اعطني الناي وغن .. وانسى داء ودواء ..
إنما الناس سطور ..   كتبت لكن بماء ..

أنت داء ودواء لكن سطورك كتبت بماء فلم يعد الدواء فعالًا ..

                                        **

- سننقلها لغرفة عادية .. لا حاجة لوجودها في العناية المركزة بعد الآن ..

الحمد لله .. على الأقل سيكون معها طوال الوقت .. سيكون مرافقها ورفيق روحها ..

وهلل وكبر واحتضن عاصم ..

- الأشعة أفضل كثيرًا وتوقف النزيف وخف الارتشاح المائي  لكن ستبقى بضعة أيام تحت الملاحظة المشددة  وكان من الممكن بقائها في العناية يومًا آخرًا لكن مما لاحظته أن وجودكما يفرق لذلك ستكون في غرفة عادية  مع العناية المكثفة فيها إن شاء الله بأمر دكتور شادي.. صحيح لا توجد غرف منفصلة لكن الدكتور شادي أمر بتوفير غرفة خاصة وستكون لها ..

الحمد لله مجددًا مع أنه أصبح يكره سيرة هذا الطبيب لكنه يفعل المستحيل لأجل ربى وهذا يجعله يقدره حتى ولو كرهه من كل قلبه  ..

وأخيرًا ..

كانت نائمة كالملاك بدون أي أجهزة أو خراطيم فقط إبرة المحلول تنساب عبر أوردتها الرقيقة ..

وأعاد خصلة نارية فرت من تحت غطاء شعرها الطبي لموضعها .. الآن يستطيع وضع الخاتم الذي أعطوه له قبل دخولها للأشعة .. وأعاد وضع الخاتم في إصبعها ليشعر بالنيران تنبعث منه ..

وانهار عاصم لم يعد يستطيع التحمل .. سينكث بوعده وسيبكي فانسحب في صمت ليغسل وجهه في الحمام ..

وفور انسحابه فتحت ربى عينيها فجأة .. ونظرت إليه نظرة شقت قلبه لنصفين وأشارت بكفها مجددًا بإشارة مبهمة ثم عادت وأغلقتهما وهي تتقوقع على نفسها ..

وخرج منذر يصيح في الخارج قائلا .."  فتحت عينيها .. فتحت عينيها .."

 وهرع الطبيب لداخل الغرفة وباشر في فحصها .. وعاد عاصم لأحضان منذر يترقبون .. ينتظرون .. يتلهفون ..

وسأل عاصم بلهفة ..- هل حقًا فتحت عينيها ؟؟ هل سألت عني؟؟

وضمه منذر بحنان ..

من المحبط أن الأطباء أخرجوهما لخارج الغرفة أثناء فحصها .. ومرت ساعة والثانية والثالثة والرابعة ولا جديد ..  ودخل العديد من الأطباء حاملين العديد من الأجهزة وبدأ قلبه يأكله من القلق ..

ماذا حدث ..؟؟ هل هي بخير؟؟ كيف يتلبس بالصبر ؟؟  وواصل والده على قراءة القرآن دون ملل أو كلل في الممر حيث جلس منذ الصباح ..

وأخيرًا خرج الطبيب شادي بنفسه ليقول بأسف ..- المريضة استعادت وعيها حقًا على المستوى الطبي .. لكنها يبدو أنها فاقدة للرغبة في الحياة .. بعد استشارة أطباء النفسية لم نجد لحالتها أي تفسير سوى أنها تقوقعت على نفسها واتخذت وضعية الجنين .. قد تدوم حالتها لسنوات وقد تنتهي اليوم لا أحد يعلم .. هناك حالات موثقة لكلتا الحالتين .. لا يوجد بأيدينا حل سوى الانتظار ومواصلة العناية الطبية بها ولا يوجد بأيديكما سوى مواصلة الدعاء والدعم  وتقديم الكثير من الحب.. 

الجنين ينمو في رحم أمه ويخرج للنور حينما تغذيه أمه الحب والطعام .. وطعامها  هي سيكون الحب.. والله وحده أعلم ..  

•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية

تعليقات