رواية عطر الخيانة الفصل التاسع 9 - بقلم داليا الكومي

 رواية عطر الخيانة الفصل التاسع 9 - بقلم داليا الكومي


ليلة ليلاء

عندما تتمنى شيء بقوة فاحذر وقت تتحق فيه الأمنيات فلربما تكون بتمنيك هذا تخط نهايتك بيدك..

ببساطة هكذا ..

ببساطة هكذا تدمرني وبجرة قلم تصلح فعلتك وتصبح شهمًا ..

لا وألف لا .. الموت أهون ألف مرة من القبول بهذا الوضع  ..

لم تكره أحدًا في حياتها مثلما كرهته .. الاغتصاب شعور مقيت قاتل يقتل الروح قبل الجسد .. ويأتي الحقير المغتصب المقزز ويعلن زواجه منها ..

لقد خسرت كل شيء بسببه .. عائلتها احترامها لنفسها عذريتها كل شيء  كل  شيء .. لم يتبقى لها سوى كراهية واحتقار عائلتها وشرشف تلتف بها كالعاهرات التي سعت بعزم ما فيها لتكن منهم  ونالت ما تمنت ..

والحقير كان يمن عليها بعرضه الزواج,, وانكسار أشقائها أمامه جعلهم يصمتون .. لقد وضعت رأسهم في الوحل .. لن ينسى أبدًا أحدهم منظرها البشع ولا الصورة التى وجدوها عليها .. ربما لو حضروا قبل دقائق لكانوا استمعوا لصراخها لكنها كانت استنزفت حينما حضروا .. وصفعات سامي غطت على صفعة غسان وعنفه تجاهها وبات كل جسدها ملغمًا بالكدمات التي لا تعرف من منهما مصدرها بالتحديد ..

والانكسار والحسرة التي كادت تعصف بشقيقها الكبير جعلاها تصرخ  باحتقار وكراهية:

- لا لن اتزوجه أبدًا أنا أفضل الموت ..

وكان رد فعل سامي الأسرع .. هجم عليها بعنف لم ترى مثيله من قبل وجذبها من شعرها وانهال عليها بالركلات قبل أن يتمكن حتى غسان من التدخل وكان يقول بغضب هادر:

- اذًا تريدين أن تصبحي  *** رسميًا يا سافلة ..

أصبح هذا لقبها رسميًا من الآن ..

وأخيرًا تمكن غسان من تخليصها من يديه بعدما كانت انهارت أرضًا .. سامي كان يضربها بغباء ويركلها في بطنها وظهرها وربما يقتلها فعلًا من النزيف الداخلي اذا ما اصاب عضوًا هامًا كالكبد أو الطحال ..

والغريب أن فاروق كان مازال مبهوتًا ويرفض التدخل .. فصاح به بغضب:

- فاروق اغلق باب الشقة ..

واليأس بلغ بها مبلغه لقد كتب عليها الذل للمات إذًا فلما لا تعجل به وترحم سامي من تنفيذ ذلك سيتهور وسيفعلها هي أكيدة من هذا ولن تدمره أكثر ..  وسيطرت فكرة الموت علي رأسها .. سامحني يارب هذا ليس كفرًا لكن طلب للعودة إليك ..  اليوم كان يوم رقصتي الأخيرة ..

وصرخت بانهيار:

- اكرهك غسان,, اكرهك من كل قلبي والموت أكرم لي من العيشة مع خنزير مثلك ..

واختطفت السكين الذي سقط من يد سامي وصوبته لقلبها وهى تقول :

- سامحوني ..

كانت لحظة فارقة في حياة الجميع .. أشقائها وقفوا مصدومين بين تمزقهم عليها وتمزقهم منها.. ربما الموت أشرف لها وبانتحارها تغسل عارها بيديها .. تتطهر‘‘ لكن غسان ذنوبه تشكلت أمامه.. أنا السبب .. أنا السبب فلولا فعلته القذرة ما كانت تلك المسكينة انتحرت ..

وهجم عليها بكل قوته بسرعة ولحسن حظه أنه كان مازال قريبًا وابعد النصل الحاد عن قلبها لكن السكين واصل طريقه مع قوة ضربها ومزق عضلات ساعدها الأيسر بالكامل وانطلقت نافورة من الدماء الساخنة لتغطيها وتغطي كل الشرشف بدمائها ..

                                        **

لحظة واحدة أعادت له نفس الشعور القاتل بالدونية والضآلة ..

مجددًا يا هبة تعيدين الماضي كله بكل كوابيسه والامه ..

كان يائسًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. وكان يعلم أن سعادته مؤقته وأنها لا يمكن أن تدوم .. الواقع لا يمكن أن يكون رائعًا هكذا .. الحروب والسواد في كل مكان في العالم فلما هو بالذات سيكون سعيدًا؟؟

شعوره لا يوصف وتحققت أسوء كوابيسه..

وسمع صوت خطواتها تقترب فتجمد‘‘ كان لا يعلم ماذا عليه أن يقول أو يفعل ولدهشته وجد هبة تشم كفها باشمئزاز وهي تقول..

- رائحة الصابون هنا سيئة للغاية ..

شهق بتعجب‘‘ صابون فندق بريزيدنت ويلسون رائحته سيئة؟؟!! .. أنه الفندق الأغلى والأشهر في جنيف .. والصابون من ماركة هيرميس المشهورة ..

كان لا يزال لا يستوعب ما تقوله هبة عندما اكملت بقرف لتكمل عليه..

- أيضًا لم يعجبني الأكل هنا أبدًا..

- الطاهي هنا هو الطاهي الفرنسي الشهير ميشال روث يا هبة ..

- أيًا كان اسمه‘‘ أكله سيء بكل المقاييس ..

- عجًبا .. الناس تأتي من كل بقاع العالم لتتذوق طبخه هنا ..

-  حقًا؟؟!!  لا اعلم لماذا .. أدهم أنا أريد أن اكل شيئًا غريبًا ..

 - سمي ما تريدين وسيكون عندكِ في دقائق ..

غمغمت بحيرة ..

- تلك هى المشكلة .. أريد أن اكل شيئًا لا أعلم ماهو ..

حيرته بلغت عنان السماء .. ما بها هبة؟

 وفزع على صوتها تصيح بانتصار وجدتها..

 - أريد أم الخلول ..

سألها باستغراب..

- وماهي تلك الخلول؟؟

-  اسمها أم الخلول ألا تعرفها ..

هز رأسه بالنفي ..

- شيء أشبه بالمحار ويكون مملحًا .. في المرة الوحيدة التي أخذني فيها والدي للأسكندرية وأنا طفلة اشتراها لي من على الشاطىء..

 - هبة .. ترفضين أكل  ميشال روث وتطلبين محارًا مملحًا اسمه أغرب ما يكون واكلتيه من على الشاطىء منذ سنوات عديدة ..

- معك حق لا لا .. لا أريد أم الخلول بل أريد مانجو ..

- حسنًا في خلال دقائق سأحضر لكِ المانجو ..

 - لا أنا لا أريده من هنا أنا اريد مانجو مصري ..

وتحولت حيرته لاذبهلال..

- نحن في الربيع مازال هناك بعض الوقت حتى تظهر المانجو في مصر ..

ردت بإحباط..

- إذًا لا اريد أي شيء ..

 - هبة حبيبتىي‘‘ هل أنتِ بخير؟؟

- لا‘‘ نعم ‘‘ فقط جائعة ولا استطيع الأكل ..

يا إلهي ربما هي مريضة ..

- شيكولاته .. نعم  ..

في لحظات تغيرت وهتفت بشيكولاتة بمرح واتجهت للثلاجة الصغيرة لتفتحها وتلتقط لوح شيكولاتة وتبدأ في أكله بمزاج ..

حسنًا الحمد لله لقد وجدت شيئًا يرضيها حتى العشاء..

- حبيبتي .. سنجرب اليوم مطعمًا أخرًا في المدينة  طالما لم يعجبكِ أكل ميشال ..

توقفت عن أكل الشيكولاتة وصرخت بامتعاض..

- مطعم لا .. رائحته تسبب لي الغثيان ..

 ووضعت كفها على فمها وانطلقت كالصاروخ للحمام مجددًا ..

لا هذا الوضع لا يحتمل الانتظار .. هبة بها خطبًا ما ..

كان يريد اللحاق بها لكنه تخشب من اليأس ومن العجز ..

ثم خطرت فكرة عجيبة في رأسه .. هل هذا وحمًا ..؟؟

ولمجرد الفكرة انتفخت أوداجه وشعر بالفخر ..

هبة حامل؟؟!! معقولة ..

أخيرًا ..

وحينما عادت كانت مجهدة ووجهها شاحب للغاية وتقول باعياء..

- أدهم‘‘ لا تقول كلمة مطعم أمامي مرة أخرى .. تعبت من التقيؤ ..

                                       **

ربما كان يظن أنه يريد موتها لكن رؤية الدماء تغطيها شلته .. كان لابد له من رؤية الدماء  ليعلم كم هي غالية .. ووارتعشت كل خلاياه وهو يراقب غسان ..

كل معلوماته عنه التي تحصل عليها من صديقه في المرورأنه طبيب فهل هو طبيب فعلًا ؟؟

وغسان من فوره تفحص الجرح ومن ثم بدأ يستشعر نبضها الذي أخذ يتسارع من النزيف .. الجرح أسوء ظاهريًا من حاله الفعلي ..

جرح قطعي طويل عميق  لكن منتظم وبعيدًا عن أي أوعية دموية هامة أو أعصاب وفقط يحتاج للتقطيب الجيد والعلاج المناسب ولحسن حظه يحتفظ دائما بحقيبة اسعافات محترمة بها كل ما قد يحتاجه الجراح عدا الدم والمحاليل بالطبع ..

وفي ثوان امر فاروق بأن يحضر له الحقيبة وهو يغلق الجرح بكفه ويهتف في أشقائها بغضب:

- فليساعدني أحدكم ..

كانت آريام مصدومة وباردة من النزيف ومن الاغتصاب ومن الصدمة ..

الفتاة تدمرت حرفيًا وقد يفقدها بالكامل في أي لحظة ..

أي انجاز فعله في حياته في الماضى  تواري الآن ولم يعد له أي وجود والانجاز الحقيقي الآن هو أن يعيد لتلك المسكينة حياتها من جديد حتى  لو كانت عاهرة فعلًا فمن من حقه حسابها ؟؟

الوضع هذا هو خلقه بنفسه .. لم تكن فوضى خلاقه أبدًا تلك التي يواجهها الآن,, آريام من صدمتها بدأت في فقدان الاحساس حتى أنها لم تشعر بالألم ولم تصرخ بل كانت مستسلمة بشكل عجيب .. واكتشف أنه لا يملك مخدرًا موضعيًا يستعمله أثناء التقطيب لكن هذا لا يهم في وضعها المستسلم ذاك ..

وبدأ في تطهير الجرح ولأول مرة تهتز  يداه أثناء جراحة ..

صعب أن تكون القاتل والطبيب المنقذ في نفس الوقت ..

لكن أي غلطة الآن ستتوج جريمته لتصبح الجريمة الكاملة ..

- احتاج لبعض الأشياء من الصيدلية على وجة السرعة .. وأنت يا فاروق احضر زوجتك لهنا على الفور ..

محاليل مضادات حيوية والعديد من الأشياء يحتاجها لأنه فقط يحتفظ بالمعدات لكن الأشياء التي تفسد بالوقت كالادوية لا يحتفظ بها في داخل الحقيبة واهتز حتى وهو يركب جهاز وريدى بسيط..

من حسن حظه أن الحقيبة كان بها العديد من أجهزة الوريد ليجرب واحد تلو الأخر حتى استطاع أخيرًا وستكون الغرز تحديًا آخر له .. الجراح الشهير يعجز عن تقطيب جرح طوله عشرة سنتيمرات وهو الذي سوى العجائب من قبل واحيا جلود من العدم ..

أطول عملية تقطيب مر بها لكن في النهاية انتهى بوصول نبيل الذي حضر علي الفور بكل الأشياء التي طلبها ..

وضمد الجرح ولفه جيدًا بالشاش المعقم وعلق لها المحاليل التي تعوض جزءً من الدم الذى فقدته حتى لا تدخل في صدمة ..

وفور انتهائه طرقت زوجة فاروق الباب المفتوح بلطف وهي تشعر بالتوتر لتعلن عن وجودها:

- ادخلي يا أم قاسم .. ساعديها على تبديل ملابسها ..

وانسحب أشقائها للخارج بالطبع ليمنحوها الخصوصية اللازمة ومن مفارقات القدر تركوها لغسان فهو أصبح زوجها ولو عرفيًا ..

- لن اتمكن بمفردي يا دكتور .. هي ليس بها أي مجهود لتساعدني واخشى أن اضر الجرح .. ثم هذا الجهاز الذي في يدها الذي يعطيها المحلول قد ينخلع من مكانه .. لن استطيع دكتور صدقني..

بالفعل آريام كانت كالورقة البيضاء .. دخلت في صدمة عصبية عنيفة ومع النزيف كانت ستدخل في صدمة أخرى في أي لحظة ..

لا بديل ,, سيساعدها هو ..

وحقارته تجلت واضحة أمام عينيه وهو يحصي الكدمات على جسدها .. ولم تفرق كثيرًا إذًا كان هو المتسبب فيهم أم شقيقها لأنه هو السبب من الأساس ..

وعرضه للزواج منها على يد مأذون لم يكن تكرمًا منه عليها في الواقع بل  كان مجرد محاولة تعويض من جانبه ..

عليه هو الأخر دفع ثمن .. لا يعلم أي شيطان ركبه وجعله يفعل ما فعله ..

الاحداث في اليوم الأخير لم تكن منطقية أبدًا وتصرفاته لم تكن تشبهه اطلاقًا.. وسيكون الثمن زواجه من فتاة فلتانة صحيح هي عذراء لكن الغشاء ليس دليل الطهارة وهو تأكد بنفسه لكنه يستحق ..

فليسامحني الله على جريمتي..

كان يعلم أن ذنبه أكبر من مجرد استحضار نية التوبة ليغفر له ..

ذنبه يحتاج لاعادة تاهيل وتوبة نصوح ووقت فقد لا يمهله الله الوقت اللازم ليتوب ..

وسؤال أم قاسم اعاد له تركيزه:

- ماذا سترتدي تلك الفتاة ..؟؟

ها قد هلت عقبات فعلته .. أم قاسم تتحدث عنها باحتقار ..

علاقته بآريام شيء ومنظرها أمام الناس شيئًا آخر ففي  النهاية ستصبح زوجتهولو لفترة .. وأم قاسم سيدة صعيدية في منتصف العمر ومتحجرة الدماغ ولن يسلم من لسانها ولا من نظراتها لذلك هتف وهو يضغط على اسنانه:

- ابحثى لآريام عن شيء يصلح في الدولاب لترتديه .. ستبدل ملابسها لاحقًا بنفسها بشيء تختاره هي من ملابس هيلين التي تتركها هنا عندما يأتي المأذون ..

إذًا الطبيب جدي وسيتزوجها فعلًا كما قال لها فاروق .. لقد لخص لها ما حدث علي عجالة هو يجرجرها للأعلى ..

واحضرت أم قاسم قميص قطني قصير لتحت الركبة بشبرين وله كم قصير جدًا وجدته ضمن أغراض هيلين وساعدته في ابدال ملابسها الممزقة الغارقة في الدماء..

هل كانت آريام تعلم وهي ترتدى ملابسها في الصباح أن هذا سيكون مصيرها ..؟؟ هل كانت تعلم أنها ستغتصب وستحاول الانتحار بعدها ؟؟

هل كانت تعلم أن طريقهما تداخل بصورة مرعبة ..؟؟

بالطبع لا .. كان يومًا عاديًا كأي يوم لكن بسبب جريمته تحول ليوم أسود قضى عليها وتركها حطام ..

والآن لتتجاوز صدمتها تحتاج لمنوم لكن يستحيل الحصول عليه من الصيدليات العادية وعليه أن يتصرف في حدود الامكانيات المتاحة أمامه .. ومن المطمئن أنها بدأت في الاستجابة قليلًا بعد انتهاء عبوة المحلول الأولى..

- حضري شوربة دافئة فورًا يا أم فاروق ..

بالطبع في خلال وجوده في القاهرة تطبخ أم فاروق الطعام يوميًا حتى ولو أكل في الخارج لكنها كانت تجهز المنزل بالكامل .. هكذا اعتادت ..

وخرجت أم فاروق لتحضر الشوربة وتركته معها ..  حتى وهي في مرحلة اللاوعي ارتسمت ملامح الكراهية على وجهها ..

لن يستطيع البقاء في الغرفة أكثر من ذلك مع جريمته ومع تأنيب ضميره لكن هناك أمور يجب أن تنجز اولًا.. كنقلها للفراش مثلًا ,, وحملها بين ذراعيه وأرقدها على الفراش الذي كان مرتبًا ولم تطاله أثار العدوان الغاشم الذي دمر الأريكة ..

تلك الأريكة لا يجب أن تظل في الغرفة للحظة واحدة لذلك انتشل منها السوار ووضعه في جيب سرواله ودفعها لخارج الغرفة وغادرها في نفس اللحظة التي عادت فيها أم قاسم وهى تحمل الشوربة:

- اطعميها كل الصحن ولو بالاجبار ولا تتركيها للحظة,, راقبيها جيدا ..

كان يخشى أن تعيد محاولة الانتحار مجددًا .. يارب الستر من عندك ..

 وخرج أخيرًا من مسرح جريمته ليواجهه ثلاثة من الأشقاء الذي لا يجد حتى وصف لوصفهم به,, فالغضب الهائل المدمر لا يعبر عن حتى جزء ضئيل مما يشعرون به  لكنه لم يكن جبانًا يومًا وسيواجه ليثبت لنفسه على الأقل أنه ليس شبه رجل ..

                                         **

وانتهزت حقيقة أن ياسين لا يستطيع الرؤية وجذبت يد حماتها وقادتها للخارج وفور ابتعادهما عن الباب بمسافة كافية صاحت فيها بغضب:

- هذا لم يكن اتفاقنا ابدًا ..

وربتت حماتها على يدها الغاضبة بحنان:

- شيماء حبيبتي اسمعيني .. أنا اعتبركِ ابنتي اقسم بالله .. أحيانًا على الاخرين اتخاذ القرارات التي تفيدنا نيابة عنا وأنا فعلتها .. تذكري حالتكِ قبل أن احضر لكِ نور .. أنتِ كنتِ ستلحقين بياسين من شدة حزنكِ عليه حتى ولو انكرتِ .. كنتِ تنتحرين ببطء وكلاكما كان سيموت وماذا كنت سأفعل أنا وقتها حينما اخسر كليكما ..؟؟ أنا اعمل لمصلحتكِ حتى لو لم تدركي ذلك..

هتفت باستنكار:

- مصلحتي أم مصلحة ابنكِ ..؟؟

 - مصلحتكِ ومصلحة ياسين شيئًا واحدًا .. أرواحكما مرتبطة ببعضها البعض حتى لو انكرتِ هذا من هنا للمريخ .. ونعم اجبرتكِ للرجوع لابني لكن هذا كان الحل الوحيد لمنحكما فرصة ثانية فربما تجد في الأمور أمور.. أنا اعلم انكِ لم تكني لتغفري له مهما حدث ولولا ضغطي عليكِ بنور لما كنتِ ستوافقين .. ولولا ما فعلته كنت سأفقدكِ وافقد ياسين وربما افقد نور أيضًا وببعض الأنانية كما تسمينها تمكنت من صنع أمل .. والأمر الغير متوقع ومن عجائب القدر أن يكون طفل نتج من خيانة هو هذا الأمل .. نور كان النور الذي اعاد الحياة إليكِ وبالتالي اعادها لياسين .. أنا لا اطلب منكِ العودة لفراش زوجكِ فكما تعلمين هو غير قادر على ذلك حاليًا وبكل المقاييس وأمامه على الأقل شهر حتى يتخلص من الجبس ويستطيع المشي وبعكاز واعدك في خلال هذا الشهر سأصلح كل ما افسدته فقط ابقي معنا في المنزل لشهر حتى يستعيد ياسين صحته بالكامل وفي نهاية الشهر سأترك لكِ نور لتعتني به .. نور يحتاج لكِ بقدر ما أنتِ تحتاجينه ولأجله اطلب منكِ التضحية بشهر من حياتك ..  فقط شهر يا شيماء وبعدها ستكونين بكامل حريتكِ ومعكِ نور..

 السكوت علامة الرضا .. وشيماء صمتت .. فهل ستوافق ؟؟؟

كانت تدعو الله أن تحدث معجزة في ذلك الشهر ويفلح القرب في اعادة وصل ما قطع ..

أن تعود للمعيشة معه لشهر كامل وفي وجود نور ربما يجعلها تلين ..

أنا لست أنانية يا شيماء اقسم لكِ بقدر ماهي محاولة ولأجلك حبيبتى ..

كانت تعلم أن شيماء مازالت تحب ابنها وهذا واضح بوضوح الشمس لكن كرامتها لن تسمح لها بالعودة إليه حتى ولو ابدى كل الندم والأسف ..

على قدر الحب كان الألم وسيكون العقاب وياسين لم يتوقف عن حبها يومًا وستدعمه وستمنحه تلك الفرصة كما طلب منها وهو يبكي بدل الدموع دماء..

سامحني يارب للكذب على شيماء فأنت تعلم نيتي ..

مرحلة فقدانه للذاكرة كانت مؤقتة وفقط لأيام نتيجة الصدمة وعاد إليه كل شيء وفجأة وبصورة كادت تدمره لولا دعمها له وحيلتها التي جعلت شيماء تذهب لزيارته وحينما شعر أنها طريقة مؤكدة ستجعل شيماء تعود إليه اتفقا على استمرار تظاهره بها وترجاها لتمنحه الفرصة وفعلت .. أما مسألة عماه فحقيقية تمامًا لكنها تتعشم أن تزول هى الأخرى حينما يشفى قلبه ويكفيه ساقه التي تهشمت وتشوهت للأبد ..

ربما تكون فعلت جريمة أ خلاقية في حق شيماء لكن ما يشفع لها أنها فعلًا تعمل لمصلحتها حتى ولو استعانت بالكذب والخداع ولن يلمسها ياسين كما وعد ..

                                        **

أنهم فقط بضع ساعات يسمونوهم " سواد الليل " لكن كانت ساعات تفرق في حياة الجميع والجميع كان يترقب بشغف ..

وكحبيبة مغدورة ظلت شيماء توازن المكاسب مقابل الخسائر طوال الليل ..

ياسين بصعوبة قبل البقاء في المستشفى حتى الصباح التالي بعد محايلات عديدة وكان هذا وقتًا منح لشيماء لتحسم فيه أمرها ..

وحسام نام قرير العين وهو يعد الدقائق التي تفصله عن رؤية حبيبته فيتصالحا وتغفر له أو تصر فتجبره على تنفيذ خطته المجنونة  ..

أما أدهم فكان شعوره لا يوصف حينما تأكد فعلًا أن هبة حامل بعد عمل اختبار منزلي بسيط أكد لهما المفاجأة وحتى غثيانها منه لم يعد يضايقه بل يزيده فخرًا واتصل بوالده الذي اقام الأفراح والليالي الملاح ابتهاجًا بوصول ابن الغالي الذي انتظره طويلًا .. اخيرًا سيرى ابن أدهم قبل وفاته الحمد لله ..
وربما الأفراح امتدت للشمال قليلًا لتصل لنجع السمالوطي الذي كان مازال يغلي لتخفف من حدة غليانه ..

هذا النجع لن يرتاح أبدًا ففالح حُكم عليه بالاعدام ..

عقوبة قاسية لكن عادلة ومع عدلها هذا تكتب عهدًا جديدًا غريبًا ..

العائلة أكلت وجه معتصم وغالب .. كيف سيعيش أولاد فالح في النجع بعد الحكم على أبيهم بالاعدام ..؟؟

وكان القرار الذي اتخذ بدون أي شفقة أو رجعة ولم يستطع غالب الوقوف في وجهه هو ضرورة زواج أرملة فالح بعد وفاته من غالب شخصيًا طالما هو من لغى المجلس العرفي وتسبب في فضيحة لأولاد ابن عمه..

أرملة فالح بعد اعدامه واستيفائها لفترة العدة يجب أن تصبح زوجته شرعيًا وإلا سيعيد فتح أبواب جهنم على النجع ..

أه يا زبيدة لو تعلمين .. أنا زاهد في كل النساء سواكِ لكن ..

معتصم,, راضي .. أين أنتما ..؟؟

يبدو أن شيطان الجحيم يأبى أن يتركنا لحالنا ..

كلما اعتقد أن الأمور تتحسن تعود لتظلم من جديد ..

مازال الظلام يسيطر على رؤس عجائز النجع الذي لن يرى التقدم مطلقًا طالما هذه طبيعة تفكيرهم ..

الرجل لم يعدم بعد ويزوجون امرأته  التي ربما لم تكن تريد الزواج مرة أخرى من الأساس ..

لكن التغيير الذي يناضل من أجله له ثمن عليه دفعه ويتمنى ألا تكون زبيدة هو ذلك الثمن ..

وعلى الجانب الاخر كان منزل الحاج مبارك الهلالي يغلي هو الآخر ..

ستظل صورة منزل غسان في الغربة تحتل رأس الحاج مبارك الذي أقسم على التبرأ من ولده ما لم يعود لرشده .. ويبدو أنك يا غسان لم تأخذ تهديدي محمل الجد لذلك قرر السفر له على الفور ووضع النقاط فوق الحروف ..

أما منزل غسان في القاهرة فالغليان كلمة لا تعبر عن حقيقته ..

كانت ليلة ليلاء اضطر فيها أشقاء آريام لقضاء الليل في الصالة أمام غرفتها مع عدوهم اللدود ..

لم يتجرأ النوم على الاقتراب من عيني أحدهم وظلوا على حالهم يعدون الساعات ..

كانت تجربة مريرة تركتهم جميعًا بلا حول ولا قوة وينتظرون الصباح حتى يأتي غسان بالمأذون وما زالت أفكار قتلهما الآن تروادهم بكل شراسة ..

ونطقها سامي .. حقيقة بشعة لكنها تظل الحقيقة وبكل كراهية قال سامي:   - سترى ما فعلته في شقيقتي في شقيقتك .. ستجدها في شقة رجل وستشعر بنفس ما اشعر به الآن فكما تدين تدان .. فقط انتظر وسترى ..

انهيتها يا سامي وانتقمت مني بجملة ..

" إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ "

وبالفعل سينتظرعقاب الله له وليس هو فقط من كان ينتظر ..
فالجميع كان ينتظر وينتظر ولا أحد يعلم ماذا سيحمل له الصباح الجديد ..

•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات