رواية خلف أسوار الجليد الفصل التاسع 9 - بقلم نور سيف
مرّت ثلاثة أيام بعد المواجهة.
ثلاثة أيام اختفى فيها آدم من الشركة تمامًا
لا مكتب لا اجتماعات لا إيميلات. لا حتى السيارة السوداء أمام المبنى.
سيف كان بيدير الشغل بتوتر شديد وكل ما حد يسأله آدم باشا فين؟ يردّ بنفس الجملة المحفوظة
— آدم باشا في إجازة شخصية قصيرة أي استفسارات وجّهوها ليا.
لكن عيون سيف كانت بتقول حاجة تانية
عيون سيف كانت بتقول
أنا نفسي مش عارف هو فين والراجل مش بيردّ على تليفونه وأنا قلبي في رجليا
مجموعة عملية تذويب الجليد كانت في حالة طوارئ قصوى
سيف آدم باشا مش بيردّ عليا من تلات أيام حد عنده خبر؟
كريم عم أنور قالي إنه كويس ومحتاج وقت لوحده.
عم رضا العربية بتاعته مش في الجراج من يوم الجمعة يعني مش في البيت
حسن من سيوة يمكن راح الصحرا. آدم بيه لما بيزهق من الدنيا بيروح الصحرا
سمية يا جماعة أنا قلقانة
كريم سمية متقلقيش
آدم مش من النوع اللي يعمل حاجة في نفسه هو من النوع اللي بيتعامل مع الألم بإنه يفضل ساكت لحد ما يهضمه
عم رضا وإنتِ يا نور ساكتة ليه؟
نور لم تكتب شيئًا في المجموعة من ثلاثة أيام.
لأن نور كانت في حالة لا يعرفها إلا ربنا
الحقيقة؟
نور كانت بتموت من القلق.
بتموت وهي بتشتغل بتموت وهي بتجهز للوفد الإيطالي بتموت وهي بتراجع خطط الرحلات بتموت وهي بتردّ على إيميلات العملاء.
بتموت وهي بتبتسم.
لأن نور جمال عبد الحميد لا تملك رفاهية الانهيار عندها أم وتلات إخوات وإيجار شقة وفواتير كهربا ومصاريف مدارس الانهيار ده بتاع الأغنيا
الغلابة بينهاروا بس وهم شغالين.
في الليل بقى — لما البيت يهدى والأنوار تتطفي وأمها تنام وإخواتها ينامو — كانت نور تقعد على سريرها وتحضن جاكيت التوم فورد وتحدّق في السقف وتسأل نفسها
هو فين؟ هو كويس؟ هو بياكل؟ هو زعلان مني ولا مش زعلان؟ هو حذف الصورة ولا لسه؟ هو لسه بيحط سكر في القهوة ولا رجع مُرّ؟
ثم تضحك على نفسها ضحكة مريرة
يا نور يا مجنونة إنتِ قلقانة عليه وهو أصلاً يمكن مش فاكر إنك موجودة.
يمكن قاعد في مكان ما بيفكر في سارة وفي ليلى وفي حياته.
وإنتِ آخر حاجة في باله. إنتِ الموظفة اللي لقت ورقة. مش أكتر.
ثم تحضن الجاكيت أكتر.
ثم تشمّه.
ثم تضرب نفسها على خدها
— بطّلي شمّ جاكيت الراجل ده
يا نور ده مش طبيعي
اليوم الرابع. الثلاثاء.
الساعة السادسة مساءً.
نور راجعة البيت من الشغل. تمشي في شارع التحرير في الدقي ماسكة كيس فاكهة — أمها طلبت منها تجيب مانجا — وعلى كتفها شنطة الشغل وفي ودانها سماعات
بتسمع أغنية حزينة عبد الحليم حافظ أهواك وأتمنى لو أنساك
المانجا تقيلة والشنطة تقيلة وقلبها أتقل من الاتنين.
دخلت العمارة.
صعدت الدرج — أربع أدوار
وصلت للدور الرابع وهي بتلهث.
حطّت كيس المانجا على الأرض وأخرجت المفتاح.
وقبل ما تحطّه في الباب سمعت صوت أمها من جوّا الشقة.
صوت أمها بيضحك.
لا. مش بيضحك بس. بيقهقه.
ثم سمعت صوت تاني
صوت رجالي.
صوت عميق هادئ مألوف.
صوت بتسمعه في المصعد كل يوم.
تجمّدت نور.
لا.
مش ممكن.
مش ممكن.
فتحت الباب.
ودخلت
في صالون شقة الدقي الصغير الصالون اللي فيه كنبة قديمة مغطّاة بملاية مشجّرة وتليفزيون عمره أكبر من عمر نور وسجادة بتحبها أم نور أوي رغم إنها مبهدلة
كان يجلس
آدم الصياد.
رئيس مجلس إدارة مجموعة الصياد للسياحة.
الرجل الذي يملك فيلا في التجمع الخامس وسيارات لا تُعدّ ومكتب يطل على النيل.
جالس.
على الكنبة المغطّاة بالملاية المشجّرة.
وفي إيده.
كوب شاي.
بالنعناع.
في كوب عليه رسمة وردة ومكتوب عليه ذكرى حلوة من الحسين
وقبالته أم نور — الست فاطمة — جالسة على الكرسي المقابل وعلى وجهها ابتسامة عريضة أعرض من شارع الهرم وبتتكلم بصوت عالي
— والله يا آدم بيه إنت شكلك ابن ناس. وطولك ما شاء الله. ده أنا رقبتي وجعتني وأنا بطلّع فيك
آدم — آدم الصياد اللي الشركة كلها بتترعش منه — جالس بابتسامة مهذبة وبيقول:
— تسلمي يا طنط فاطمة. الشاي ده تحفة والله.
— ده لسه يا ابني! أنا عاملالك بسبوسة! هجبهالك حالاً. إنت بتحب الحاجة الحلوة ولا مش بتحب؟
— بحب. بقيت بحب من فترة قريبة.
— ده كويس! المرارة مش كويسة. خلّي حياتك حلوة يا ابني.
نور واقفة عند الباب.
كيس المانجا على الأرض.
فمها مفتوح.
عينيها واسعة زي صحنين.
وعقلها بيحاول يعمل Processing لكن الـ Processing بيفشل بيفشل بيفشل ERROR ERROR ERROR.
آدم الصياد.
في بيتها.
في الدقي.
على الملاية المشجّرة.
بيشرب شاي من كوب "ذكرى حلوة من الحسين".
ومستني بسبوسة.
أم نور شافت بنتها واقفة عند الباب:
— نور! تعالي يا حبيبتي! ما تسلّمي على الضيف! آدم بيه جالك!
آدم وقف من على الكنبة.
ولما وقف في الصالون الصغير ده — بطوله وعرض كتافه — بدا وكأن الصالون انكمش للنص. راسه تقريبًا بتلمس السقف. الشقة كلها بقت صغيرة عليه.
نظر لنور.
ونور نظرت له.
والست فاطمة بتنظر للاتنين وابتسامتها بتكبر بتكبر بتكبر لحد ما وصلت لودانها.
— ماما.
— أيوه يا حبيبتي.
— ممكن... ممكن لحظة لوحدنا؟
— طبعًا يا حبيبتي! أنا هروح أجيب البسبوسة. خدوا وقتكم!
ومشت الست فاطمة نحو المطبخ.
لكن مش قبل ما تمرّ جنب نور وتهمس في ودنها:
— ده؟! ده صاحب الجاكيت؟! يا بنتي ده ماتش مش تاكسي! ده بوينج سفنمية وأربعين سبعة! اتصرفي يا بنتي!
ودخلت المطبخ وقفلت الباب ورا وراها.
لكن قفلت الباب شكليًا بس. لأن ودنها ملزوقة في الباب من الجهة التانية.
نور وآدم.
وحدهما.
في صالون الدقي.
هو اللي اتكلم الأول
— مش هتقعدي؟
— أنا كويسة
— أنتى طلعتى اربع ادوار اقعدي.
— إنت عرفت ازاى؟
— أنا طلعت أربع أدوار على رجلي يا نور اكتشفت بنفسي.
تخيّلت نور المشهد آدم الصياد بالبذلة الأنيقة يطلع سلالم عمارة الدقي القديمة ويعدّي على باب الدور الأول حيث أم حسام تقف تراقب الداخل والخارج كأنها رادار بشري.
ويعدّي على الدور التاني حيث عم صبري الميكانيكي يصلح حاجة في الممر دايمًا — محدش عارف إيه اللي بيصلحه بس هو دايمًا بيصلح
ويعدّي على الدور التالت حيث ثلاثة عيال بيلعبوا كورة في السلّم. ويوصل الدور الرابع ويطرق باب شقة عائلة عبد الحميد.
— إنت... إنت جيت إزاي هنا؟ ومين قالك العنوان؟
— انتى نسيتى انى كنت بوصلك
— طب جيت ليه؟
— عشان... عشان كان لازم أجي.
— لازم ليه؟
وقف آدم صامتًا لثانية.
ثم عمل حاجة ما عملهاش قبل كده.
قعد.
مش على الكنبة. على الأرض. على السجادة المبهدلة بتاعت أم نور.
ونظر لنور من تحت وقال:
— عشان من تلات أيام بفكر. مش بنام. مش بآكل — لا متقلقيش عم أنور كان بيجبرني آكل عنده في الفيوم.
— كنت في الفيوم؟
— كنت في الفيوم. قعدت في المزرعة تلات أيام. مع الغنم والبقر والفراخ. أنا — آدم الصياد — قعدت تلات أيام في حظيرة.
— ليه؟
— عشان كنت محتاج أفكر. والمكان الوحيد اللي مفيهوش حد بيطلب مني حاجة هو حظيرة الغنم بتاعت عمي.
الغنم مش بتطلب تقارير ومش بتستنى قرارات. بس بتبصلك وخلاص.
ضحكت نور رغم نفسها. ضحكة صغيرة هربت منها:
— وفكرت في إيه؟
— فكرت في كل حاجة. في سارة. في ليلى. في الحادثة. في التلات سنين اللي ضاعوا. في الذنب اللي كنت شايله. في الرسالة اللي لقيتِها.
صمت.
ثم قال:
— وفكرت فيكِ.
كلمة فيكى ملت الصالون الصغير
— فكرت إنك لقيتِ رسالة ممكن تستخدميها عشان تبعدي ليلى وتاخدي مكانها.
بس معملتيش كده. فكرت إنك ممكن تجيلي تقوليلي عشان تكسبي نقط عندي.
بس معملتيش كده. فكرت إنك ممكن تسكتي وترميها عشان تبعدي نفسك عن المشاكل. بس معملتيش كده.
نظر لها بعينين مختلفتين عن أي عيون شافتها منه قبل كده.
عيون مفتوحة. بلا قناع. بلا جليد. بلا أسوار.
عيون عسلية دافئة مجروحة حية خايفة شجاعة — كل المتناقضات مع بعض.
— إنتِ روحتى لعمي. وسلّمتيه الرسالة. وقلتيله
حتى لو كرهني بعدها المهم يكون حر.
— مين... مين اللي بتحب حد وتقول حتى لو كرهني؟ مين اللي بتستعد تخسر عشان هو يكسب؟ مين يا نور؟
— أنا مش...
— مين غير حد بيحب بجد؟
سكتت نور.
لأن الإنكار — في هذه اللحظة — كان هيبقى كذب. والكذب مش من طبعها.
آدم كمّل:
— وأنا قعدت تلات أيام في حظيرة عمي أسأل نفسي سؤال واحد يا آدم... هل إنت مستعد تعيش تاني؟"
— ومش بسأل عشان الشغل ولا عشان الفلوس ولا عشان الشركة. بسأل عشان الحياة
. الحياة اللي بطلت أعيشها من تلات سنين.
الحياة اللي كنت بشوفها بالأبيض والأسود. لحد ما واحدة جت بمقلاة وجردل ونعال مقلوبة ولغة إسبانية وأب سواق تاكسي بيقرا عن الأمازيغ وقلبتلي الدنيا رأسًا على عقب.
نزلت دمعة من عين نور.
لا اتنين.
لا تلاتة.
— آدم أنا...
— مخلصتش.
ابتسم ابتسامة مرتعشة
— وأنا في الحظيرة لقيت خروف صغير لسه مولود. مكانش بيعرف يمشي. كل ما يقوم يقع.
كل ما يقوم يقع. وأمه واقفة جنبه بتستناه. مش بتشيله. مش بتمشيله. بس واقفة. عشان تعرفه إنها موجودة لما يقف.
نظر لنور:
— إنتِ عملتِ كده معايا. ما شلتنيش. ما مشيتنيش. بس كنتِ موجودة.
وكل ما أقع كنتِ واقفة. وكل ما أبعد كنتِ فاضلة. حتى لما رفضتِ التوصيلة — وعرفت بعدها من كريم إنك عملتِ كده عشان سمعتِ كلامي لليلى في المكتب
— حتى ساعتها كنتي بتحميني مش بتعاقبيني.
— إنت عرفت إني سمعت؟!
— عم أنور حكالي كل حاجة. كريم حكالي كل حاجة. حتى عم رضا حكالي كل حاجة. وبالمناسبة...
نظر لها بنظرة فيها بداية شيء يشبه الدعابة:
— أنا عارف إن في مجموعة واتساب اسمها عملية تذويب الجليد
جمدت نور.
— عم أنور قالي. وكريم اعترف. وعم رضا بعتلي سكرين شوتات.
— يا خبر!
— وعارف إن سيف خسر ميتين جنيه رهان على ابتسامتي.
وعارف إن عم رضا حاطط صورتك بروفايل. وعارف إن حسن من سيوة بيبعت تمر عشان يحلّي قلبي
نور غطّت وجهها بيديها:
— أنا هموت من الإحراج.
— لا متموتيش. أنا لسه مخلصتش.
أزاحت يديها عن وجهها ونظرت له بعيون حمرا من الدموع ومبتسمة في نفس الوقت:
— باقي إيه؟
وقف آدم من على السجادة.
وقف بطوله الكامل في الصالون الصغير واللمبة فوقه والسقف تقريبًا على راسه.
وخطا خطوة نحوها.
واحدة بس.
— باقي إني أقولك حاجة مقلتهاش لحد من تلات سنين.
قلبها توقف.
— حاجة كنت فاكر إني مش هقولها تاني في حياتي.
قلبها ضرب دقّتين مرة واحدة يعوّض اللي وقفهم.
— حاجة الغنم في الحظيرة زهقوا مني وأنا بكررها لنفسي.
ضحكت نور ضحكة مخنوقة بالدموع:
— الغنم؟!
ابتسم آدم.
ابتسامة كاملة.
ابتسامة أضاءت وجهه بالكامل وغيّرت ملامحه وحوّلته لشخص تاني — شخص أصغر وأخف وأحلى وأكثر حياة.
ومدّ يده.
مش عشان يمسك إيدها. بل عشان يشيل خصلة شعر وقعت على عينها من كتر العياط.
أصابعه لمست خدها وهو بيشيل الخصلة.
وكلاهما حسّ بنفس الصعقة الكهربائية اللي حسوها يوم كوب الشاي في الصحراء.
لكن هذه المرة محدش سحب إيده.
— نور.
— أيوه.
— أنا مش هقولك بحبك.
قلبها وقع.
— مش لأني مش حاسس. لأن الكلمة دي صغيرة أوي على اللي أنا حاسس بيه.
وعشان أنا راجل كان ميت من تلات سنين وبدأ يتنفس من أسبوعين. ومش عايز أوعدك بحاجة مش متأكد إني أقدر عليها دلوقتي.
— طب هتقولي إيه؟
— بقولك إنك أول حاجة حلوة حصلتلي في تلات سنين. وإنك أول بني آدمة خلّتني أحس إن العالم لسه فيه نور.
وإن اسمك على مسمه. وإني مش عارف أنا رايح فين ومش عارف الطريق هيوديني على فين. بس عارف حاجة واحدة.
— إيه؟
— إني مش عايز أمشيه لوحدي.
نزلت دموع نور بلا توقف.
ابتسمت ابتسامة مشرقة من خلال الدموع — ابتسامة شمس وسط مطر:
— يعني... يعني إيه بالظبط؟
— يعني... ممكن نبدأ؟
— نبدأ إيه؟
— مش عارف. أنا عمري ما بدأت حاجة من غير خطة.
بس إنتِ خلّيتيني أعمل حاجات كتير لأول مرة. سكر في القهوة. ضحك عند جردل. نوم في حظيرة. وقعدة على ملاية مشجّرة.
نظر حوله في الصالون الصغير:
— أول مرة في حياتي أحس إن مكان ضيق هو اوسع. عشان إنتِ فيه.
— آدم...
— أيوه.
— ماما سمعت كل كلمة. ودنها في باب المطبخ.
التفت آدم ناحية باب المطبخ.
فعلاً — الست فاطمة واقفة عند الباب بعينين دامعتين وصينية بسبوسة في إيدها وابتسامة أعرض من الكوبري.
— أنا مسمعتش حاجة! أنا كنت بس جاية أجيبلكم البسبوسة!
— يا ماما!
يا نور! أنا كنت بقطّع بسبوسه ومسمعتش غير آخر جملة! اللي بتاعت الملاية المشجّرة!
آدم نظر للست فاطمة.
والست فاطمة نظرت لآدم.
ثم قالت بدموعها:
— يا ابني... ربنا يخلّيك لبنتي.
— ماما!
— أنا ساكتة! خدوا بسبوسة!
حطّت الصينية على الطرابيزة ورجعت المطبخ وقفلت الباب.
وبعد ثانيتين صوتها من ورا الباب:
— نور! ده راجل محترم لو قالك نبدأ قوليله أيوه!
— مامااااا!
— أنا ساكتة
آدم نظر لنور.
ونور نظرت لآدم.
واللحظة كانت مشحونة بكل مشاعر العالم — حب وخوف ورجاء وأمل وإحراج وبسبوسة.
ثم ضحك آدم.
ليس ضحكة الجردل. ليس ضحكة المقلاة. ليس ضحكة عين ولا نص ابتسامة.
ضحكة حقيقية كاملة من القلب خرجت من أعمق مكان فيه.
ضحكة مسمعش زيها من تلات سنين.
ونور ضحكت معاه.
وضحكوا مع بعض.
ومن المطبخ صوت الست فاطمة بتبكي من الفرحة وبتكلم حد على التليفون:
— أيوه يا أم كريم قوليلي مبروك بنتي يا أختي لقت العريس
أيوه طويل أوي ما شاء الله عليه وعنده عربية أيوه سودا
— مامااااا
بعد ساعة.
أكلوا البسبوسة.
آدم أكل تلات قطع.
الست فاطمة كانت هتطير من السعادة. عمر — أخو نور الصغير اللي عنده أربعتاشر سنة — قعد جنب آدم يسأله عن العربية:
— دي رانج روفر ولا بي إم؟
— رانج روفر.
— بكام؟
— عمر!
صاحت نور.
— ما هو بيسأل سؤال عادي يا نور!
آدم ابتسم
— طب ممكن أنزل أشوفها؟
— ممكن.
— طب ممكن أركبها؟
— ممكن.
— طب ممكن أسوقها لفة صغيرة حوالين البيت؟
— عمر عندك أربعتاشر سنة.
— الحلم ببلاش يا آدم بيه!
ضحك آدم ضحكة حقيقية تانية ده بقى تالت ضحكة في ساعة واحدة. رقم قياسي
الساعة التاسعة مساءً.
آدم لازم يمشي.
نور مشيت معاه لحد باب العمارة.
نزلوا السلّم مع بعض — أربع أدوار — والعمارة ساكتة.
عند باب العمارة وقفوا.
الشارع برّا هادي. الأنوار خافتة. ريحة ياسمين من شجرة في الرصيف المقابل.
آدم نظر لها.
ونور نظرت له.
وبينهم مسافة خطوة واحدة.
— نور.
— أيوه.
— اللي أنا قلته فوق ده... أنا قصدت كل كلمة.
— أنا عارفة.
— ومش هيبقى سهل أنا مكسور يا نور مش هنجبر في يوم وليلة.
— أنا عارفة وأنا مش مستعجلة. أنا صبرت عليك وإنت كنت غريب. يبقى لما تبقى ملكى أصبر عليك أكتر.
كلمة ملكى خلّت حاجة في صدر آدم تنبض بقوة.
ملكك
— أيوه ملكى فى مشكلة؟
— لا. مفيش مشكلة. بس كنت عايز أسمعها تاني.
— ملكى
ابتسم.
ثم عمل حاجة أخيرة.
مدّ يده ومسك إيدها
وبينهم حكاية ابتدت بمقلاة وجردل ونعال مقلوبة.
ووصلت لصالون في الدقي وبسبوسة وأم بتتسمّع من ورا الباب.
— تصبحي على خير يا نور.
— تصبح على خير يا آدم.
سابها.
مشي ناحية عربيته.
فتح الباب.
وقبل ما يركب التفت ليها وقال بصوت عالي بما يكفي إنها تسمعه
— بالمناسبة... البسبوسة أحلى من أي حاجة أكلتها في حياتي.
ثم ركب.
والعربية اتحركت.
ونور واقفة عند الباب ممسكة في الحيطة عشان ركبها بتترعش.
وابتسامتها بتنور الشارع.
ودموعها على خدها.
والياسمين في الرصيف المقابل ريحته أحلى من أي يوم.
طلعت السلّم. أربع أدوار. مسحت دموعها. فتحت الباب.
لقيت أمها واقفة في الصالون ماسكة تليفونها وعلى الخط أم كريم وأم حسام ومراة عم صبري الميكانيكي
— أيوه يا أم حسام البسبوسة أكل تلات قطع أيوه ومسك إيدها عند الباب أنا شفت من البلكونة
— يا مامااااا!
— أنا ساكتة
وفي عربيته على طريق الأوتوستراد.
آدم بيسوق.
النافذة مفتوحة والهوا بيدخل.
وللمرة الأولى من تلات سنين... فتح الراديو.
وأغنية طالعة. بالصدفة. أو بالقدر. مش فارقة.
عبد الحليم حافظ:
أهواك وأتمنى لو أنساك..
سمع الكلمات.
وابتسم.
وقال بصوت هادئ
— لا يا عبد الحليم. أنا مش عايز أنساها.
وكمّل سوقه
والنجوم فوقه بتلمع.
ونجمة سهيل — نجمة الوحيدين — لسه مكانها في السما.
بس هو مبقاش وحيد.
وفي سريرها في الدقي.
نور مستلقية تحدّق في السقف.
جاكيت التوم فورد جنبها.
وإيدها — الإيد اللي هو مسكها مرفوعاها قدام وشها وبتبصلها.
وبتبتسم ابتسامة مجنونة.
ماما دخلت عليها بطبق مانجا مقطّعة:
— نور يا حبيبتي.
— أيوه يا ماما.
— هو امتى هييجي تاني؟
— مش عارفة يا ماما.
— طب قوليله الجمعة الجاية عندنا محشي.
— حاضر يا ماما.
— وقوليله يجيب معاه عمه اللي في الفيوم. الراجل شكله محترم.
— عم أنور؟ ماما!
— ما هو لازم نعزم الأهل! إحنا ناس أصيلة!
— ماما إحنا لسه مبدأناش! مفيش حاجة رسمية!
— يا بنتي أبوكِ الله يرحمه كان بيقول اللي بييجي البيت ويأكل من أكلنا يبقى ابن البلد.
والراجل أكل بسبوسة يبقى خلاص.
ضحكت نور:
— يعني البسبوسة عقد يا ماما؟
— في بيتنا أيوه. البسبوسة دي من أيام جدتك. مفيش حد أكلها ومرجعش. آدم بيه مش هيبقى استثناء.
باست نور أمها على جبهتها:
— بحبك يا ماما.
— وأنا بحبك يا حتة من قلبي. ونامي بقى عشان وشك باين عليه محتاج أسبوع نوم.
ونامت نور.
ولأول مرة من أسابيع طويلة... نامت بابتسامة.
وبإيد لسه حاسة بدفّة أصابعه.
وبقلب أخيرًا... أخيرًا... مرتاح.
•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية