رواية ورقة التين الفصل الثامن 8 - بقلم داليا الكومي
لم أكن أعلم حين قصدت بابك أتوسل حمايتك أن الأمان قد يكون مؤلمًا ومخيفًا بنفس قدر عدمه وأن الحب يجفف الروح من منبعها كالكراهية تمامًا وأن ورقة التين التي سترتني بها كانت كدثار من نار أحرق روحي ألف مرة، فتبًا لك ولمأواك مئة ألف مرة..
وجدت عندك وفي مأواك الأمان والحب لكن للأسف كانا أكثر ألمًا من عدم الأمان ومن الكراهية وحرقا روحي..
مع التهديد ومع التشرد وحتى مع الكراهية كانت تملك روحًا أما الآن فلا تملك واحدة.. كيف ستعيش بدون أي شيء حتى بدون روحها التي سلبها منذر إياها.. لقد تركت روحها هناك لتصبح مجرد جثة تمشي على قدمين..
قد تكون ضمة القبر على الرغم من فظاعتها أحن عليها من ضمة الحياة..
ماذا تبقى لديها لتعيش لأجله؟؟ حتى عاصم وجودها سيدمره بدونها سيحتويه منذر ومعها مصيره الضياع لا محالة ولا بديل.. وكبرت في ذهنها فكرة الانتحار.. ربما سيسامحها الله.. ليس على المضطر حرج وهي مضطرة للخلاص.. الانتحار ليس يئسًا من رحمة الخالق لكن طمعًا في الخلاص والراحة الأبدية التي لا تشقى بعدها أبدًا..
وركضت بكل قوتها لا تعلم حتى أين تتجه وشاهدت أهل القرية ينظرون إليها بطريقة غريبة.. هل فاحت سيرتها؟؟ هل علموا عن شك منذر فيها؟ كيف ستواجه الناس الآن إذا كانت وهي شريفة لم تستطع فكيف ستفعل وهي موصومة بالعار؟؟
ثم فجأة توقف قلبها.. هناك بين الحشود التي تراقبها وجدت زوجين من العيون تعرفهما جيدًا ويعيدا إليها كل الماضي الأليم بخوفه وهلعه وألمه.. وتحولت فكرة الانتحار لقرار.. لن تحصل علي يزيد إلا وأنا جثة هامدة فما سيفعله بها أسوء من الموت ذاته.. ووجدت خلاصها سريعًا.. الماء المتدفق في الترعة سيغسلها من كل شيء حتى من الحب.. وبحركة مفاجئة غير متوقعة غيرت اتجاهها لتلقي بنفسها في الترعة لكن ظهرت سيارة مسرعة فجأة من طريق جانبي فتسمرت في مكانها وصدمتها السيارة بعنف وسقطت أرضًا لتغسل في دمائها فتغسل كل آلامها وتغمض عينيها بارتياح أبدي وتنتهي حكايتها معها..
**
يمكن للنظر أن يكون شموليًا وعامًا فترى صورة زائفة رسمها العقل لتناسب أهوائك لا لتماثل الحقيقة خاصة إذا كان النظر من منظور واحد وضيق عنوانه الغيرة..
عودة لوقت سابق..
الحية لا تكشف عن أنيابها مباشرة بل تنتظر الوقت المناسب لتغرزها في طريدتها في مقتل..
خطتها تسير بشكل جيد لذلك حان وقت الانتقال للخطوة الثانية..
- منذر أتمنى أن تكون طفلتنا الأولى فتاة صهباءً كجدتها وسنسميها زينب..
صهب منكِ أنتِ؟؟ أعوذ بالله هذا لن يحدث أبدًا ..
وشرد بأفكاره.. أطفاله اللذين يريدهم سيكونون من واحدة فقط.. من صهباء جميلة سلبت عقله منذ اللحظة الأولى التي شاهدها فيها ترفع صبيًا ليشرب من مبرد عام ..
من صهباء توارت الشمس خجلًا من جمالها وتختبيء منذ ذاك الحين خوفًا من المقارنة .. سيكونوا من صهباء أحبها وعلم معنى الحب للمرة الأولى في حياته ..
من صهباء أرادها بجنون كما لم يرد رجلًا امرأة من قبل ... يريدها لدرجة العذاب والألم ويحبها لدرجة الجنون والآن فقط علم سبب عصبيته وجنونه لأسابيع ..
" الحب " هو السبب .. وخفق قلبه بعنف ..
كانت تتحدث وتتحدث بلا توقف عن الأطفال وعن المنزل وعن الزفاف وعن المستقبل وعن طلباتها .. وحينما تجاهل ما تقوله هتفت بغل.. - منذر هناك أشياء أرغب في الحديث عنها بصراحة فهل أستطيع؟؟
وهز رأسه بضيق لكنه قال.. - بالطبع ..
ورفعت إحدى حاجبيها لتقول.. - هل تتذكر يوم خطبتنا؟؟ يومها أصبت بانهيار بالغ وتعالت صرخاتي هل تعلم لماذا؟؟
وهز كتفيه بضيق بالغ.. لا ولا أريد أن أعلم لكنه بالطبع لم ينطقها..
لكن تجمدت الدماء في عروقه حينما قالت متصنعة الضعف وقلة الحيلة.. - لأن ربى أفسدت حذائي.. سكبت عليه عامدة شربات الورد..
- ماذا تقولين؟؟ لماذا؟؟
واكتملت أركان خطتها.. سقط شاكر والآن يسقط منذر في فخ الخديعة.. ليس ذنبها أن الرجال جميعهم أغبياء وخاصة حينما يتعلق الأمر بتلك الصهباء اللعينة.. وهمست تتصنع الحزن.. - لأني نصحتها بالابتعاد عن شاكر.. كانت تتعمد لفت انتباهه وتحاول إغراءه وهو سقط في حبها كالغر الساذج لكني أعلم أن بنت القصور لن تنظر إليه ولا لأي أحد من الفلاحين أمثالنا بالتأكيد هي تسلي إقامتها في الأرياف وهناك من ينتظرها في دنيتها السابقة ليعيدها إليها.. لن تنظر حتى إليك أنت القوي الوسيم فما بالك بشاكر الضعيف المثير للشفقة..
قالتها متعمدة استفزاز مشاعره وإثارة مشاعر الدونية لديه.. لا يخفى على أحد في القرية قصة زينب تيجان وشقيقها المتكبر هارون الذي أطلق الكلاب على منذر ووالده لأنهما أقل من أن يتعامل هو معهما بنفسه فترك كلابه تقوم بالواجب..
هو منذر الفلاح الذي لم يتعلم الأكل بالشوكة والسكين بل وعمل في الصرف الصحي بيديه ولم ينهي حتى الثانوية أو يتحصل على شهادة فيها .. وهي سليلة القصور خريجة المدارس الأجنبية التي حتى لا يعلم اسمها وحتى ولو تعثرت ماديًا في السنة الأخيرة تظل ربى تيجان ..
كانت والدته تخبره دائمًا عن الرسميات في قصر تيجان وعن ارتدائهم للملابس الرسمية في كل الوجبات والتصرف وكأنهم بداخل لوحة سخيفة .. هل ستنظر إليه حقًا وهو تفوح منه رائحة العرق بعد يوم طويل من العمل في الأرض وفي الحظيرة؟؟ هل ستقبل ببيته البسيط بعد القصر الضخم الذي كان يسد عين الشمس من ضخامته ..
وأكملت بخ سمها.. - لم أخبرك لأني لم أتوقع أن ينالنا منها أذى حقيقي واكتفيت بتحذير شاكر لكنه للأسف لم يستطع المقاومة وبقلبه النقي سقط في حبها بقوة واليوم حطمت قلبي حينما أخبرتني بكل جبروت أنها ستذهب خلفه لإغوائه ليسقط تحت قدميها وأن متعتها اجتذاب الرجال حولها ومن ثم السخرية منهم.. أرجوك منذر لا تدعها تحرق قلبه أنا ليس لي سوى شقيق واحد..
وانسالت دموعها بغزارة وحاولت أن تبدو دموعها بريئة وعفوية..
كان مازال يقاوم.. هي صحيح ابنة هارون لكن لا يمكن أن يكون ما تقوله صحيحًا تلك ليست ربى التي عرفها أبدًا من تتحدث عنها.. ربى بريئة جميلة جدًا وضعيفة جدًا في نفس الوقت كحبة فراولة ناضجة وشهية لا تتحمل حتى النقل من مكان لآخر..
كلامها غير صحيح بالمرة والدليل والدته .. الحسب والنسب لا يكونا بالتكبر على الخلق .. والدته بنت الذوات لم تجبره يومًا على الأكل بالشوكة والسكين بل تركته يأكل بيده بحرية المهم أن يكون سعيدًا وراضيًا ومكتفيًا وأحبت والده القروي البسيط وتركت العالم لأجله .. وربى مثلها تمامًا .. برلنتي كاذبة لعينة ..
هناك ربى التي يعرفها جيدًا وأحبها بجنون وهناك ربى المحملة بسم هارون حتى النخاع .. أيهما هي الآن ؟؟
وحربه الداخلية بلغت أشدها .. وشعرت بها برلنتي .. ولزيادة تأثيرها على مشاعره أخرجت صورة حذائها من على هاتفها ورفعتها أمام وجهه.. - انظر حرقت قلبي لكن لا يهم قلبي طالما شاكر سيكون بخير..
لا أنتِ تتحدثين عن شخص آخر بالتأكيد وصرخ بغضب.. - أنتِ كاذبة ربى لا تفعل هذا أبدًا..
وانطلقت ضحكتها الساخرة تجلجل.. - كاذبة؟؟ إذًا انظر خلفك لقد أنصفني الله وسترى بعينيك..
كانت تتابع من موقعها ما يحدث وحينما حانت اللحظة الحاسمة جعلته يستدير كان شاكر يجذب القلادة بعنف ليقتلعها منها بغل وهي اقتربت منه لتحاول الحفاظ عليها بيد ودفعه بيدها الأخرى لكن الصورة ليست دائمًا كالحقيقة.. الصورة مجرد انعكاس للواقع وقد يكون هناك مؤثرات مستخدمة لتظهر الصورة في شكلها النهائي ومؤثرات الصورة كانت متقنة للغاية.. متقنة بغل ..
وعلى مقدار الحب يكون الألم وعلى مقدار الألم يكون رد الفعل.. أن تقول برلنتي كلامًا حتى ولو كان يحمل جزءً من الحقيقة شيء وأن يرى الحقيقة تلك بنفسه شيئًا آخرًا.. شعور يحرق الروح ويفقد العقل..
الفتاة التي وعدها بالزواج منذ ساعات فقط وفي أكثر اللحظات صدقًا وحميمية تخونه وجسديًا مع رجل آخر وفي منزله.. لكن في النهاية من تكون في الأصل؟؟ الدماء التي تسري في عروقها مسمومة ولن تنظف مطلقًا..
والصفعة التي ألقتها أرضًا لم تشفي غليله.. كان يريد قتلها وقتل نفسه.. وهجم عليها ليجعلها على قدميها مرة أخرى لكن لم يلاحظ عدم اتزانها وصفعها مرارًا حتى سال خيط من الدماء على ذقنها ..
وحاولت الدفاع عن نفسها لكن انحشر صوتها في حلقها.. تريد الصراخ لكن لا صوت يخرج من حنجرتها ولا تستطيع حتى التركيز ونظراتها تعلقت بالقلادة التي غطاها التراب واختفت تمامًا ولن تجدها.. كل الأشياء التي أحبتها تختفي من حياتها حتى القلادة ..
وواصلت برلنتي على البكاء وهي تقول بحرقة مصطنعة.. - أفسدتِ أخي كما أفسدتِ حذائي.. اللعنة عليكِ يا ساقطة ..
آه.. ماذا تقول تلك؟؟ أنا التي أفسدت شاكر؟؟!! منذر لا لا تصدق هذا .. حتى حذائها لم أفسده لأني شريرة .. بل لأني أحبــــــــــــــــ..
لكن دفعها منذر بعنف بالغ قبل أن تدافع عن نفسها فسقطت مجددًا تحت قدميه وتدخل شاكر أخيرًا ليقول بلهجة الضعف.. - أرجوك منذر لا تؤذها أنا على استعداد للزواج منها.. زوجني إياها اليوم وسنلم الفضيحة..
وصرخت أخيرًا بعنف وتحرر صوتها وهي تصرخ.. - لا لا.. ثم ركضت وهي لا ترى أمامها..
لا تعلم ماذا سيحدث ولا بما سيجيبه منذر لكنها واصلت الركض.. ستهرب حتى تنشق الأرض وتبتلعها وشاهدت عاصم يلهو ببراءة كعادته مع مهند.. لن ألوثك معي صغيري.. الوداع.. أنا لا مكان لي في هذا العالم..
**
من الجيد أنه ذهب خلف شقيقته .. سيشرب القهوة مع الوجه الحسن ليلطف عليها قليلًا.. حقًا هي لا تظهر مشاعرها لكنه يعلم أنها تعاني .. ومنذر يعاني أيضًا والسبب هارون لكنه لن يتركه ينتصر عليهم حتى وهو ميت .. اليوم سينهي الموضوع بحكمة تجعل الجميع يخرج بأقل الأضرار .. سيتحدث مع حمدون صراحة ويخبره أن برلنتي تستحق شخصًا أفضل من منذر وأنهم سيخبرون الجميع في القرية بأن برلنتي هي من أنهت الخطبة لا منذر بسبب عصبية منذر الشديدة وربما يضيف حتى وبخله.. سامحني منذر لكنك لن تخرج من الأمر دون دفع ثمن ..
- شكرًا على القهوة فوزية .. وبما أن شاكر ذهب لمنذر اذًا فلتنادي ربى لتشربها معي بدلًا منه ..
لكن مهند قال بتوضيح ..- ربى ليست في المنزل لقد رأيتها تخرج من الباب الخلفي أثناء إخراجي للدراجات من المخزن ..
لماذا غيرت رأيها؟؟ فكرت فوزية في صمت لكنها احتفظت بما تفكر فيه لنفسها وفي نفس الوقت شعر قدري بالقلق البالغ ..
هناك شيء غير مريح لماذا خرجت ربى من الباب الخلفي؟
ونهض ليستكشف الأمر وفي الطريق لمح من بعيد منذر وشاكرو برلنتي ومنذر يضع كلتا يديه على رأسه فغير اتجاهه ليبحث عن ربى في الاتجاه الآخر قد تكون الفتاة تبكي في أي ركن وفجأة لمع شيء في عينه فاقترب ليستكشف الأمر ووجد الشيء اللامع قنينة صغيرة غريبة المنظر فانحنى ليلتقطها كانت القنينة نظيفة جدًا .. اذًا هذا يعني أنها سقطت لتوها من أحدهم وفاح منها من الخارج رائحة عطر تعرف عليه على الفور.. كان نفس العطر المستفز الذي وضعه شاكر اليوم ..
إذًا قد تكون لشاكر.. ربما سقط منه دوائه..
واحتار لبعض الوقت لكنه حسم أمره وحمل القنينة في يده ليسأله عنها لاحقًا وواصل بحثه عن ربى لكنه لم يجدها وعاد أدراجه لكن هذه المرة لم يكن منذر يتحدث مع شاكر بل كان ينهال عليه باللكمات..
منذر جن حقًا الوضع فاق التصور .. حتى شاكر؟؟
- منذر ..؟؟!!
لكن منذر لم يتوقف وسمع برلنتي تقول ..- ما ذنبه هو ؟؟ هي السبب تلك الساقطة..
فركض بكل قوة يسمح له سنه بها ولحقت به فوزية وغندور ليستكشفا الأمر‘‘ هما أيضًا شاهدا ما يحدث فحضرا على عجل ..
وجذب قدري منذر من الخلف بعنفه ليطوقه بكل قوته وهو يقول ..
- اهدأ فورًا ..
لكن منذر لم يهدأ .. وواصل الصراخ ..
- لا تهدده منذر .. الفتاة التي استضفتموها في منزلكم أدخلت الفتنة بيننا كالشيطان تمامًا ..
كانت الخبيثة تنعق كبومة .. لا هذا فاق الحد ربما بدأ يتفهم سبب غضب منذر بل وسيسانده ضدهما.. شاكر وشقيقته الأفعى يستحقان الضرب حقًا لخوضهما في عرض ربى البريئة الشفافة .. وترك قدري منذر ليوقف برلنتي عند حدها .. وأشار لها بتهديد باليد التي يحمل بها الزجاجة قائلًا ..
- كلمة أخرى في حق ابنتي وسيكون حسابكِ عسيرًا .. أنا لن أصمت على ظلمها بعد الآن .. اخرسي فورًا وحديثي سيكون مع والدكِ حتى لن يكون مع شقيقكِ المخنث هذا..
وجحظت عينا شاكر وتحشرج صوته وهو ينظر للزجاجة في يده .. العم قدري علم كل شيء وسيفضحهما .. وهتف بضعف مشيرًا لبرلنتي ..- هذا المخدر لها هي .. والله هي السبب يا عمي .. هي من أحضرت المخدر وليس أنا .. هي المخطط الرئيسي لكل شيء .. وركع أرضًا يبحث عن قلادة ربى كالمجنون ..
- هي فقط كانت تدافع عن قلادتها حينما هاجمتها وكممت أنفها بالمخدر الذي أعطتني برلنتي إياه .. ربى أشرف مليون مرة من الحية التي تقف خلفك .. هذه هي الحقيقة حتى ولو كانت برلنتي شقيقتي ..
لثاني مرة في فترة قصيرة يصدم بحقيقة تخالف كل ما يراه أو يعتقده .. لكن الضربة هذه المرة قاضية .. الضربة قتلتها في مقتل .. وهو السبب لن تسامحه هذه المرة أبدًا.. كل همه اللحاق بها وتقبيل قدميها لتسامحه حتى برلنتي لا تهمه ولا يهمه عقابها فألقى دبلته أرضًا وهتف بقرف ..- حقيرة حتى لن أضيع الوقت في سبكِ سأترك عقابكِ لله وسترين الويل في حياتكِ ..
لكن فوزية لم تستطع التصرف مثله.. إن كان هو لا يريد لكن هي تريد وستفعل وقالت بغل.. - اتركها لي أنا سأعلمها الأدب والحق أنت بربى..
وتركها بالفعل للبحث عن حبيبته.. كل ما كان بينهما حوله هو لهشيمًا تذروه الرياح بغبائه وركض بكل قوته بحثًا عنها لكن في طريقه قابل مهند أبيض الوجه من الخوف وهو يسابق الريح على دراجته وقال بكلمات سريعة مرتعبة.. - منذر.. ربى صدمتها سيارة على بداية الطريق الزراعي وحالتها خطرة وقام عم رمزي بنقلها للمستشفى الجامعي في بنها في سيارته..
**
الثواني لا تمر.. الزمن توقف في تلك اللحظة التي فقدتكِ فيها..
لو من الممكن استبدال روحه محل روحها لفعل فورًا..
كلماتها الأخيرة التي كتبتها في دفترها تعذبه لكنه يستحق العذاب في كل ثانية وبكل حرف.. " كنت دائمًا أظن أن الجنة بعيدة المنال ومحرم علي دخولها لأني أحمل وزرًا كتب على جبيني منذ ولادتي حتى حينما كنت في مهدي بدون أن يكون لي أي ذنب فيه سوى أني ابنة هارون حتى حضرت لأرضك وعلمت أن الجنة هي حيث تكون أنت ولا يلزمها مكان معين ولا حدود معينة وأن المأوى ليس مكانًا ماديًا بل قلبًا يظلل بالحب وأن الحب الحقيقي لا يشترط معه أن يكون تبادليًا بل يكفي أن أحبك أنا فحبي يكفينا سويًا "
آه.. قلبه يتمزق من الألم.. الجنة لم تعد جنة بل أصبحت " خاوية على عروشها "
منذ أن وجد والده الدفتر وهو يبحث عن هوية ربى لتقديمها للمستشفى وأعطاه إياه لم يفارق يده.. " منذر أنا لم أقرأ منه حرفًا.. أعتقد أنك الوحيد الذي له الحق بقراءة ما كتبته "
بل قل الوحيد الذي عليه حق العذاب مع كل حرف يقرأه.. وجلس أرضًا يبكي ولجواره عاصم.. كان عاصم يبكي بحرقة هو الآخر اليوم هو اليوم الثالث ولا جديد فقط يرونها يوميًا لمدة ثلاثين دقيقة وهي محاطة بالخراطيم ولا تستجيب ويتمسك عاصم كفها ويبكي بانهيار وهو يتقطع من الشهقات.. - رجاءً ربى لا تتركيني..
ولم يكن هو وحده يبكيها بل حتى منذر وعمه قدري وفوزية الجميع كان يبكي من حوله.. غيابها كان كغياب الشمس فحلت البرودة وحل الظلام..
ولعن نفسه مجددًا وهو يرى انهيار عاصم..
كيف كان غبيًا هكذا؟؟ لكنه يندم حيث لن ينفع الندم..
وقلب صفحة أخرى ليتعذب أكثر وأكثر.." تحملت صفاقة برلنتي وسوء خلقها لأجلك حتى حينما وصفتني بالخادمة.. حينما أكون خادمة لك أكون سعيدة فمنتهى أملي كان خدمتك وحينما أخدم الأب الوحيد الذي عرفته في حياتي لا يقلل هذا مني بل يرفع من قدري.. وحينما أخدم عاصم ومهند فهذا دليل على حبي لهما وحرصي على راحتهما فهما مسؤوليتي وحينما حتى كنت أجمع التين كنت أضعه بحب في الصندوق لأنها ثمار زرعتها أنت بيدك وتركت فيها جزءً من روحك لكن!!
حينما أمرتني برلنتي بكل وقاحة بتلبيسها لحذائها لم أشعر بالألم لأنها امتهنت كرامتي بل شعرت بالألم لأنها تتزين لك.. ألم الغيرة حارق أكثر بكثير من ألم الكرامة وحينما سكبت المشروب على حذائها كنت أتمنى ألا تخرج إليك لك فتعطيها وعدك الأبدي بالامتلاك، لم أسكبه لأنتقم لكرامتي كما ظنت هي لكني كنت أغار كالجحيم وتمنيت حدوث معجزة تمنع إتمام الخطبة.. هل جربت الغيرة يومًا ؟؟ الغيرة حارقة كاوية تشل العقل والجسد.. "
وقلب صفحة أخرى..
اليوم يوم يختلف عن أي يوم، اليوم حظيت بالحضن الذي لطالما حلمت به.. كان حلمًا؟؟!! ربما!! لكنه يظل الحلم الأروع في حياتي..
في حلمي كنت في حضنه ووعدني أنني سأكون له فإن كان حلمًا فهو من أروع ما يكون وإن كان حقيقة فلماذا مازالت ستأتي برلنتي اليوم ؟؟ لكن كيف يكون حلمًا و و.. وصوته يتردد في أذني.. كيف يكون حلمًا وهو يقترب مني بطريقة لم أعرفها من قبل فكيف سيعرفها حلمي؟؟ كيف يكون حلمًا وهو يطلب مني فتح فمي ليتمكن من تقبيلي؟؟
ووصل أخيرًا للصفحة الأخيرة.. حتى خطها لم يكن بنفس وضوح ولا جمال الخط السابق وكأنها تكتب بقطعة جمر لا بقلم..
آه اللعنة سأجن برلنتي اللعينة حضرت لغرفتي فقط لحرق دمائي كعادتها متعللة برؤية الغرفة.. كانت تقول بكل بجاحه أن منذر سيختلي بها وسيقبلها كالعشاق.. هل أستطيع الجلوس في الغرفة وأنا أعلم ما سيحدث بينهما؟؟
وأغلق الدفتر وانهمرت دموعه.. كان موعد الزيارة قد حان.. وترجى عاصم قائلًا.. - أرجوك يا عاصم دعني معها بمفردي فقط لبضعة دقائق..
ووافق عاصم على مضض وواصل جلوسه على الأرض منتظرًا دوره وهرع منذر لزيارتها.. كانت مثلما تركها بالأمس ملاكًا يغط في سبات عميق.. وتمسك بكفها بحنان وقال بهمس.. - لم أحب ولن أحب غيركِ في حياتي.. أنا أعلم أني لا أستحقكِ لكن لو منحتيني فرصة أخيرة لن أخذلكِ أبدًا..
لكنها لم تسمعه حتى.. الأنابيب والمغذيات حولها تساعدها على الصمود لكن بدون رغبة حقيقية منها ستتوقف مقاومتها.. ما وصل إليه على استحياء من الناس أنها ألقت بنفسها أمام السيارة.. لقد دفعها لقتل نفسها لتتخلص منه.. الرحمة يا إلهي وتساقطت دموعه وتعالت شهقاته وانتهت المهلة التي طلبها من عاصم وحضر عاصم باكيًا لكنه لم يتحدث إليها بل فقط وضع رأسه على بطنها وأغلق عينيه..
وتركه يبثها حبه وألمه وذهب يبحث عن الطبيب وسأله بألم.. - كيف حالها؟؟ وغمغم الطبيب بأسف.. - كما هي..
وسأله منذر بلهفة.. - هل من الأفضل لها نقلها لمستشفى خاص؟
وهز الطبيب رأسه بالنفي.. - لا مطلقًا.. العملية التي أجريناها لها تمت بنجاح والعناية المركزة هنا نظيفة ومجهزة تجهيزًا عاليًا بالإضافة المريضة عناية الدكتور شادي رمزي بنفسه فوالده من صدمها بالسيارة ويشعران بالمسؤولية تجاهها..
وشعر بالغيرة تقطع قلبه لكنه تحمل لأجلها.. عناية من تكون المهم أن تكون بخير حتى ولو كانت عناية رجل آخر غيره يستحقها.. وعاد لمكانه السابق لجوار عاصم يبكيان في صمت..
واحتوى عاصم بين ذراعيه قائلًا بإيمان وخنوع.. - ستكون بخير .. صدقني ستكون بخير .. الله لن يتخلى عنا..
لابد وأن تكون بخير بدونها هو وعاصم وإيجي سباركي سيموتان.. ستأخذ شعلتهم معها.. وانهمرت دموع عاصم لتختلط بدموعه..
وقال منذر بحنان.. - يجب عليك العودة للمنزل لأجل إيجي سباركي .. لابد وأنه يفتقدها.. أنت تعلم أنها تحبه.. قد يموت إذا ما غابت عنه بعض الوقت اذهب إليه لأجلها حتى تعود وتجده ينتظرها ..
وسأله عاصم بأمل ..- هل حقًا ستكون بخير؟؟
كان حقًا يسأله وسيقتنع بإجابته .. الكلمة من منذر صادقة.. لم يخلف وعده يومًا ولم يجد منه سوى الأمان والصدق.. إن قال ستكون بخير اذًا ربى ستكون بخير ..
وقال منذر أخيرًا .. - صدقني ستكون بخير لكن لا نريد أن نحزنها حينما تسترد وعيها لو أصابك أنت أو إيجي سباركي أي مكروه لن تكون بخير وهذه المرة سيكون ضررها حقيقيًا ..
واقتنع عاصم ووافق على مغادرة المستشفى أخيرًا لأجل إيجي سباركي وألهمه الله الحل الأمثل .. جلسته كالعاجز هنا لن تحل الأمور ولن تساعدها ..
والخلاص لن يكون بالكلمات ولا حتى بالترجي .. الخلاص سيكون بالعمل وبالدعاء الخالص الذي يقترن بالأمل في الإجابة ..
" اخلع عنك عصبيتك التي لم تجني من ورائها إلا الخراب ".. نصيحة غالية ليته عمل بها في وقتها .. وغادر أخيرًا مكانه بعد أيام من ثباته هناك لينفذ ما انتواه ..
وطرق باب الشيخ فتحي محفظ القرآن ومأذون القرية بضعف شديد وحينما فتح الشيخ الباب انهمرت دموعه وقال برجاء .. - رجاء لا تردني يا شيخ أنا في أشد الحاجة لك..
وأفسح له الشيخ الطريق وقدم له كوبًا من الماء قائلًا بإشفاق ..- هون عليك يا ولدي.. ستكون بخير ..
- أنا السبب .. أنا السبب في حادثتها ..
وربت الشيخ على كتفه بحنان .. - لا أحد يتسبب في حادثة لأحد.. فقط القدر يتدخل لقول كلمته..
ورفع عينين غائمتين للشيخ وقال بترجي ..- أرجوك يا شيخ فتحي لا تردني أنا أريد منك خدمة..
- أنت تعلم يا منذر أنا لا أرد لك طلبًا مطلقًا ..
- إذًا اعقد قراني على ربى ..
وقفز الشيخ من شدة صدمته ..- منذر هل جننت ماذا تقول؟ الفتاة في غيبوبة هذا لا يجوز ..
وعلق بعذاب ..- بغبائي تسببت في أذيتها وفي تلطيخ سمعتها .. رجاءً يا شيخ فلتعقد القران بتاريخ سابق للحادثة بيومين وحينها سيكون الأمر رسميًا أنا بحاجة لذلك لأكون بقربها شرعيًا .. كونها لا تحل لي يجعلني مقيدًا وعاجزًا عن مساعدتها وهي بحاجة لي مثلما أنا بحاجة إليها .. زواجنا سيساعدها لتجاوز محنتها صدقني .. ستعلم كم كنت صادقًا حينما طلبتها للزواج وكم أصبحت نادمًا على ما فعلته بها ..
- لكني لا أستطيع فعل ذلك هذا تزوير ..
- لا والله هذا هو الصواب الوحيد .. لقد وافقت قبل الحادثة على الزواج مني لكني لم أخبرها بلساني أبدًا أني أحبها وإذا لم أقلها الآن سيكون فات الأوان .. وأعدك لن أدخل بها إلا بموافقتها على الزواج وسأجعلها تأتي إليك حينما تسترد وعيها بإذن الله لتبدي موافقتها رسميًا أو تطلب الطلاق لكن لا تردني أرجوك ..
منذ أن كان منذر طفلًا صغيرًا وهو مميز بأخلاقه .. حفظه بنفسه كتاب الله حتى أتمه في سن الرابعة عشر .. كان مثالًا للأخلاق وللنبل طوال حياته .. بالطبع وصل لمسامعه بعض الثرثرة عن برلنتي ودناءتها لكنه لم يستفسر فالخبث السكوت عنه أولى حتى يموت ويندثر .. لكن هذا الذي يطلبه الآن لا يجوز وعلق بخفوت .. - هذا لا يجوز لا شرعًا ولا قانونًا أنا لا أستطيع سامحني منذر ..
وأسقط في يده .. حتى الشيخ لن يساعده وسالت دموعه بغزارة وبدأ في البوح وفقط البوح ورق قلب الشيخ لكن هذا حقًا لا يجوز مهما أن بدا كلام منذر مقنعًا وغايته مبررة وفجأة دخل قدري من الباب .. آه يا أبي ستمنعني أنت الآخر .. ونظر إليه بحسره لكن والده هتف من فوره وهو يعطيه هوية ربى الشخصية ..- أما عن الشرع فمنذر الذي حفظها ولم يكن هناك سواهما في الطابق سيحفظها حتى وهي زوجته على الورق حتى تكون زوجته شرعيًا بموافقتها على الزواج .. وأما عن القانون فالقانون يعطي غطاءً للقتل والسرقة والنهب تحت مسمى الثغرات .. هناك دائمًا ثغرات وهذه المرة ستكون من أجل الحق لا الباطل .. الفتاة دخلت منزلنا كريحانة ندية وخرجت منه محطمة وأنا أعلم أنها تعشق ولدي لذلك أبسط حقوقها علينا أن نجعلها زوجته ونحفظ غيبتها وكرامتها حتى تسترد وعيها وتقرر بنفسها ما تريد ووقتها أنا سأكون أول الداعمين لها في أي قرار تتخذه ..
هناك دائمًا القانون وهناك أيضًا روح القانون لكن لا شيء يعلو فوق كلمة الشرع فالقانون يتلون كما نريد أما الشرع فثابت حتى يوم الدين ..
وحسم أمره .. من حسن حظ منذر أنه لم يسجل أي عقد قران طيلة الأسبوع الماضي واتجه لدفتر المأذونية خاصته وخط الوثيقة بتاريخ أسبوع فائت وبقدري كوكيل للعروس ..
يتبقى الشهود لتكتمل الوثيقة رسميًا ..
**
الفضيحة أصبحت على كل لسان .. فوزية التي طاردت برلنتي لخارج المنزل وهي تنعتها بأقبح الألفاظ وتقذفها بروث الحيوانات لم تكن صامتة وهي تفعل ذلك بل كانت تردد ما فعلته برلنتي على مسامع الجميع .. - القذرة خدرت المسكينة ربى وجعلت شقيقها يهاجمها .. حسبنا الله ونعم الوكيل..
وعلق حمدون بانهيار ..- لا عيش لنا هنا بعد الآن .. سنرحل ..
وضربت ماجدة صدرها بقهر .. " العيل السو يجيب لأهله الكافية " والله ابتلاها باثنان سو .. بالطبع بعد ما فعلاه لم يعد لهما عيش في القرية ..
وباع حمدون أرضه والمنزل بثمن بخس بعد أسبوع فقط من الواقعة فحياتهم هنا أصبحت مستحيلة .. كان كل همه الرحيل حتى ولو بالخسارة بعدما استلمهم مجموعة من الصبيان من أصدقاء مهند يرمون منزلهم بالحجارة ويلقونه حتى هو بها كلما خرج من منزله حتى تحولت حياتهم لجحيم .. وتوقف الناس عن البيع لهم حتى المتطلبات الضرورية وأصبحت سيرة برلنتي على كل لسان ..
ولقب شاكر ب " الأريل " كما أطلقت عليه فوزية ..
وبالتوكيل العام الذي يحمله قدري اشترى أرض حمدون نيابة عن منذر .. هذا سيكون أفضل تعويض لربى حينما تسترد وعيها والمدهش اجتمع أهالي القرية جميعًا واشتركوا في ثمن المنزل ثم سيهدمونه لاحقًا ليكون طريقا عامًا يمر منه الجميع ويدوسون بأقدامهم على بقاياهم .. الخبيث يجتث من أصوله ..
" وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا "
وحينما خرجت برلنتي منكسة الرأس لتركب السيارة وتهرب أمسكتها فوزية من رقبتها وطرحتها أرضًا وانهالت عليها بالسباب وأمرتها ..- أين خاتم خطبتكِ؟ هيا يا بنت الـــــــ.. اخرجيه فورًا ..
وألقت برلنتي الخاتم من حقيبتها برعب ونهضت تجري وكأن الشياطين تطاردها وجذبته والدتها لداخل السيارة وحمدون يهتف بالسائق ..- هيا انطلق سريعًا ..
" ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا "
وخرجت العائلة مذمومة مطرودة وطاردهم أهل القرية وألقوا على متاعهم المحمل على الشاحنة الكبيرة البيض الفاسد وشيعتهم فوزية بالزغاريد التي انطلقت من قلبها هذه المرة ..
•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية