رواية ومنك اكتفيت الفصل الثامن 8 - بقلم داليا الكومي

 رواية ومنك اكتفيت الفصل الثامن 8 - بقلم داليا الكومي


للمرة العاشرة أنبت نفسها لغبائها وتهورها .. ألم يحذرها معتصم من السفر بمفردها والقيادة على الطرقات السريعة والغير مأهولة؟؟

إن كان  قد تهاون عندما أصرت على تعلم القيادة لكنه لن يتهاون في غبائها هذا ..

تعلم القيادة قد يسمح به لكن أن تقود بنفسها وعلي طريق السفر فذلك ذنبًا لا يغتفر‘ لكنها فور معرفتها للأحداث والمجلس العرفي الذي عقد بدونه والأخبار التي انتشرت كالنارفى الهشيم والتي تتحدث عن وجود طفل أجنبي ارسله معتصم من الخارج وسجنه في غرفة ووضع حراسة مشددة على بابها لم تتمالك نفسها ولم تخبر حراستها ووجدت نفسها تنطلق في سيارتها الرياضية الحمراء لتترك فيلا القاهرة التي تقيم فيها أثناء دراستها وتتوجه للنجع في محاولة منها لفهم الأمور ودعم معتصم في محنته وفي تهوره الذي أحيانًا يكون جامحًا جدًا ..

ثم طفل من هذا ؟؟ وكيف يحتجز شقيقها طفلًا ..؟؟ هل جن أم ماذا ..؟؟ حتى لو كان يقصد حمايته من خطر ما وجعله في آمن عن طريق احتجازه فتلك الطريقة سترعب الطفل لا تجعله يشعر بأي أمان ولا تصلح مطلقًا وقد تترك في نفسيته أثرًا سيئًا لن يمحوه الزمن ..

وربما في حقيقة الأمر هرعت لمساندته لأنها تشعر بتأنيب الضمير فهى شاركت في ذبحه يوم أن شاهدت ابنة عمها تهرب ليلًا من المنزل ولم تحاول إخباره ..

كانت تراها تذبل أمامها وكأنثى وتحمل دمًا حاميًا وعلى رغم من سنوات عمرها التي لم تتعد السادسة عشررفضت ما فعله شقيقها بها وزواجه منها علي آخرى ومعاملتها بتلك الطريقة المهينة لكنها لم تكن تعلم ما تنويه شيرويت وظنت فقط أنها ستغادر لوالدتها هربًا من جحيم زواجها ..

لسانها جف من تريدد الدعوات وأعصابها المشدودة بلغت أشدها مع اشتداد الظلام من حولها ..

أن تسافر مصحوبة بحراسة مشددة كالتي يفرضها عليها معتصم شيء وأن تسافر للصعيد بمفردها شيئًا مختلفًا تمامًا ..

الطريق يتحول لطويل ومهجور وخصوصًا في ساعات الليل ومع تحول الجو للبرودة المفاجئة يفضل الناس البقاء في المنازل .. أي غبية هى ألم تكن تتوقع أن يهبط عليها الليل في أثناء قيادتها ..؟؟!!

أو لم تكن تتوقع تلك الرياح التي تصدر صريرًا مخيفًا .. علي الأقل كانت تذكرت تحذيرات الأرصاد من احتمال تعرض الصعيد لسيول قريبة ..

لكنها فور علمها بما حدث من شقيقتها وبلا تفكير وجدت نفسها على الطريق لتغادر من منزل معتصم للسيارة مباشرة ودون اخبار أي أحد من الحراسة أو الخادمة التي أوكلها معتصم بملازمتها وحينما استوعبت فعلتها كانت قد قطعت منتصف المسافة للمنيا .. ليتها لم تتوقف في الاستراحات كما فعلت لكنها كان عليها التوقف للصلاة واستعمال دورات المياه ..

في الواقع المنيا لا تعتبر من محافظات الصعيد البعيدة أو الصعيد الجواني كما يسمونها وهذا ما أعطاها الطاقة لتواصل لكن قيادة أكثر من مئتين وخمسين كيلو بصورة متواصلة أمرًا مرهقًا ومخيفًا للغاية ..

وبوصولها لمشارف المدينة تنفست الصعداء .. انتهى الجزء الصعب وعليها مواصلة الطريق للنجع .. ربما ستصل في حدود العاشرة وهو وقت يعتبر متأخرًا نسبيًا في بيئتهم لكن ما حدث قد حدث ولاحقًا ستتلقى عقابها المناسب من معتصم لكن ما يهم الآن أن ترى منزل عائلتها أمامها لتتنفس أخيرًا بعد ساعات طويلة من حبس الأنفاس..

هانت‘ يتبقى فقط عدة كيلومترات وتصل وتريح أصابعها التي تشنجت من القيادة وقدمها التي تخشبت وأصبحت كعصا خشبية من البرودة التي تغلغلت لتحت فستانها الصوفي الطويل  ..

حتى كنتِ ارتديتِ ملابس أثقل يا غبية أو سروال من الجينز علي الأقل بدلًا من ملابس الخريف تلك ..

لكن من كان يتوقع ..؟؟ هذا ليس جو  شهر نوفمبر على الإطلاق .. الخريف يتنكر في صورة الشتاء ..

معك حق معتصم القيادة علي طرق السفر ليست للسيدات .. هذه بالتأكيد ستكون آخر مرة أفعل فيها ذلك.. وسأخبرك بصراحة أنك كنت محقًا .. وتنبيهاتك تلك لم تكن مجرد تحكمًا أعمى كما كنت أظن ..

ومع  وصولها لبداية طريق النجع ازداد الجو سوءً ... رحمتك يا إلهى ..

ماذا تتوقع أسوء ليحدث ..؟؟ رياح وأمطارتحجب عنها الرؤية  وبرودة شديدة تحت جناح الظلام الدامس..

" أنا قوية ولا أخشى شيئًا " تشجعي يا فتاة ... حتى الطريق الذي أصبح يتحول لغير ممهد لن يخيفها والسيارة تتأرجح فوقه ..

لكنه القدر .. ربما لسوء حظها أو لحسنه لا تدري لكن بعد أن قطعت ثلاثة أرباع الطريق للنجع سقطت فجأة شجرة عملاقة بسبب الرياح  المخيفة على بعد خطوات من سيارتها التي كانت تجاهد للسيطرة عليها على الأرضية المبتلة والتي تعرضت الطبقة الأسفلتية عليها للتآكل في بعض المناطق وتحولت الأخرى للزجة بفعل عوامل غريبة ..

الشجرة قطعت عليها الطريق واضطرتها لإيقاف السيارة بصورة مباغتة كانت تتوقع معها الاصطدام بالشجرة بصورة مأساوية .. صرخت برعب وهي تنزلق بقوة وقلبها وصلت دقاته لحد الخطر ..

لكن الاصدام الوشيك لم يحدث وتوقفت السيارة على بعد سنتيمترات من الشجرة وبقوة جعلت كل الأشياء الموجودة في مقدمة السيارة تتساقط أرضًا بعنف والسيارة ترتفع  ثم تنخفض بشكل مرعب قبل أن تتوقف تمامًا ..

أف .. هذا كان وشيكًا ..

لكن ربما الاصطدام كان أفضل من وضعها الحالي بسيارة معطلة في طريق مقطوع وفي ظروف أمنية حالية غاية في السوء .. تلفتت حولها بارتياع .. ماذا ستفعل وحيدة في الخارج ؟؟

امتدت يدها لتلتقط هاتفها الجوال ..

لا بديل عن طلب المساعدة من شقيقتها الكبري " زبيدة " والتي بالتأكيد ستسمعها ما لا يسرها  لكن يدها انغمرت في سائل رطب .. من أين تسرب الماء لأرضية السيارة .. ؟؟ والمفاجأة القاتلة كانت في إصابة هاتفها بسكتة دماغية ..

لطالما حذرت الشركة المصنعة عملائها من تعرض أجهزتهم للمياه لكنها لم تتوقع أن يصاب بالسكتة بعد لحظات فقط من تعرضه لها ..

الليلة المريعة يبدو أنها لن نتهي .. لكن علي كل حال هي اقتربت من النجع والكيلو مترات البسيطة المتبقية تستطيع قطعها سيرًا علي الأقدام ..

لطالما مارست رياضة الهرولة في النادي وقطعت فيها الكيلومترات بلا تعب ..

" توكلت على الله " .. حملت حقيبة يدها وأغلقت السيارة جيدًا وواصلت طريقها تحت المطر ..

                                                           **

منذ الصباح وهي تدور في غرفتها كالليث الجريح .. لمن هذا الطفل الذي أخفاه معتصم عن الجميع ..؟؟

كانت صدمة قاسية أن تستيقظ على  خبر وصول طفلًا أجنبيًا لا يتحدث العربية ووضعه في غرفة الضيوف بالطابق الأرضي من المنزل ويضع على باب الغرفة حراسة مشددة لا يغمض لها جفن كما أخبرها علوان جاسوسها وأحد خفر معتصم الغير أوفياء سوى للنقود وهي تعطيه الكثير منها ليبوح ..

لو فقط تعلم من هو ؟؟ أو ماذا يدور في عقل معتصم لكانت هدأت ..

هل من المعقول أنه تزوج أجنبية وهذا يكون طفله ؟؟ في كم جهة ستحارب.. ستحارب طيف الهاربة أم طفل من المحتمل أنه طفله من زواج ثالث ..؟؟

لا تدري لماذا لكنها منذ سفره وهي تشتم رائحة الخوف .. هذه المرة مختلفة وعواقبها لن ترضيها بالتأكيد..

صرخت بقهر .. ماذا أفعل لتحبني يا معتصم ؟؟ أو لا لا يهم أن تحبني فيكفي أنني زوجتك الرسمية ولن يزيدني حبك مكانة  لكن ماذا أفعل لتنساها وتمحوها من قلبك كي أتوقف عن  الشعور بالتهديد ..؟؟

تلك اللعينة سأحاربها بكل الطرق حتى الغير مشروعة حتى اخفي أثرها من هذه العائلة .. ولكن أولا سأبدأ بالطفل ..

- علوان .. ما الأخبار ؟؟

زفر بتعجب وهو يجيبها ..

- لم تمضي حتى ساعة منذ أن اخبرتك بكل ما اعلمه .. معتصم بيك يمنع دخول أي شخص للغرفة وفقط الحراسة الت احضرت الطفل من البداية هي المسؤلة عن تأمينه ولا أنا ولأي خفير من خفر المنزل مصرحًا لنا بدخول الغرفة .. فأي أخبار جديدة سأكون استطعت تجميعها في خلال ساعة زمنية في ظل هذه الظروف ..؟؟

هتفت بضيق ..

 - لا تتذمر علوان وتحدث معي بصورة أفضل .. أنت تعلم جيدًا أن فتحك لفمك يساوي الكثير من النقود.. أنت المستفيد الأكبر من نقل الأخبار  تذكر ذلك ..

تغيرت لهجته للخنوع وهو يقول ..

- عذرًا سيدتي لكني فعليًا لا أعلم سوى ما اخبرتكِ به ..

- هل رأيت الطفل ..؟؟ كيف يبدو ؟؟

 - لا سيدتي لم أره ..  تولت الحراسة الخاصة  ادخاله في دقائق معدودة وبدون أن تمنح أحدًا فرصة حتى للمشاهدة .. أنتِ تعلمين عنف حراسة القاهرة وتشددهم ..

لا أمل في المزيد من المعلومات فاغلقت الخط بحدة .. يبدو أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من المفاجأت التي تتمنى ألا تكون بالسوء الذي تتوقعه ..

يكفي انقلاب الجو بالخارج لتشعر بأنها على وشك قتل احدهم .. طوال عمرها تكره الشتاء وينقلب مزاجها فيه للأسوء وهاهو يكشر عن أنيابه مبكرًا هذا العام ..

اقسم لك شيرويت ستعانين يومًا حتى يتحول وجهك لنفس درجة سواد قلبي ..

انتظري وسترين .. ستعانين طالما معتصم مازال يفكر بك حتى ولو في أحلامه ..

                                           **

أول ما يجب مناقشته في المجلس العرفي القادم سيكون ضرورة  الاسراع بإصلاح الطريق المتهدم ..

لقد عرض معتصم من قبل أن يصلحه بالكامل على حسابه لكنه لا يعلم لماذا تراخى عن فعل ذلك .. لكن في النهاية إن لم يفعلها معتصم سيتكفل هو بها أو يتشاركا في التكاليف لكن هذا الوضع المأساوي عليه أن يتوقف فورًا ..

أهالي النجع يستحقون حياة أفضل .. ربما يتسابقان للعطاء داخل النجع وتحسين حياة الأهالي لكن الطريق الخارجي هام ليس لأنه مجرد عنوان لكنه أصبح مصدرًا للخطر في الفترة الأخيرة مع ازدياد النتوءات وتشقق الأسفلت ..

المسؤلية التي يمنحها له منصبه كأحد رؤس النجع لا تعن فقط أن تضمن للناس قوت يومهم وامنهم بل تعنى حتى حمايتهم من المجهول ..

ربما هو لا يغادر النجع كثيرًا في الأونة الأخيرة لذلك لم يكن يستوعب حجم الدمار الذي أصاب الطريق لكنه منذ أن مرضت والدته واضطر لإدخالها مشفى في القاهرة وهو أصبح يستعمل الطريق بصورة شبه يومية للاطمئنان عليها والعودة ليلًا..

التوتر الذي شعر به في الأونة الأخيرة جعله يطلب الاستعانة بعقار منوم ليجعله يستغرق في النوم على الفور بلا مزيد من التفكير الذي كاد يعصف بعقله لكن اليوم يشعر أنه سيغرق في النوم من شدة ارهاقه وبدون أية عقاقير وتحمل الطريق بجلد يحسد عليه وبعناد منعه من اصطحاب حراسته معه وكان من المفترض أن يقضي الليلة في القاهرة نظرًا لحالته لكنه لم يستطيع المبيت هناك وعاد من فوره ليترصد أخبار فالح ويمنع المزيد من الأذى عن معتصم ..

وربما قلة نومه في الأونة الأخيرة في حقيقتها بسبب ليال التي سرقته من عينيه منذ أن شاهدها في حفل زفاف شقيقه " فادي " حينما حضر معتصم بصحبة كل عائلته ..

وانغمس في حبها حتى النخاع من يومها ومن بعدها كان يراقبها من بعد كمراهق صغير كلما سنحت له الفرصة فكانت ضحكتها التي تنير وجهها تسبب لها قشعريرة غريبة ونشوة لا توصف لكن من أكثر ما كان يقلقه ويجعله يخشى طلبها من معتصم هو فارق السن الكبير بينهما الذى يتخطى العشر سنوات بقليل وخصوصًا أن زيجة معتصم التي كانت تحمل نفس فارق العمر باءت بالفشل ..

استخدام فوري للفرامل اضطره للخروج من أفكاره ..

من هذا الغبى الذي يوقف سيارته في منتصف الطريق ..  شاب مستهتر بالتأكيد وسيـ..

لكن الكلمات اختنقت في حلقه حينما كان قد اقترب بصورة كافية وشاهد الشجرة العملاقة التي تقطع الطريق واقتراب السيارة  المتهمة بالاستهتار من الشجرة حد الخطر ..

يا إلهي ربما قائدها مصاب .. قفز من سيارته على الفور وهو يتمسك بهاتفه النقال ويتفحص السيارة ..

حمدًا لله السيارة خالية ولم تصطدم بالشجرة في الواقع بل توقفت علي بعد سنتيمتر واحد منها .. إذًا قائدها بخيرعلى الأقل لدرجة ما جيدة لأنه غادرها بارادته بل وكان بصحة جيدة مكنته من اتمام غلق الأبواب باحكام ..

الحادث يبدو طازجًا فالسيارة مازالت ساخنة على الرغم من برودة الجو .. وربما لم يبلغ أحدهم عن قطع الطريق وإلا لكان علم من رجاله .. رفع هاتفه لأذنه وانتظر لبعض الوقت قبل أن يهتف باهتمام ..

- حسونة طريق النجع مقطوع بسبب شجرة عملاقة سقطت وأغلقت الطريق بالكامل ..

- حسنًا سأجمع الرجال ونرفعها .. انتظر حيث أنت سنأتي على الفور ..

- لا حسونة سأخذ الطريق الترابي .. أرغب في النوم بشدة ولا استطيع الانتظار .. ابلغ مركز الشرطة  وانشر الخبر في النجع ..

-  كما تريد سيدي .. اطمئن ..

في الواقع  الطريق الترابي أفضل ويختصر الوقت لكنه غير ممهد وبوضع الطريق الأسفلتي الحالي يصبح هو له الأفضلية ..

كان قد اتخذ قراره فعاد لسيارته وادارها لليمين ولحق ببداية الطريق الترابي المختصر ..

على الرجال الاسراع في فتح الطريق وإلا سيصاب النجع بالشلل وتتعطل مصالح الناس ..

صحيح أن الطريق الترابي يفي بالغرض لكن مع وجود الأمطار  يتحول لوحلة والسيارات الصغيرة قد تغرز فيها أما سيارته الضخمة ذات الدفع الرباعى فلا خوف عليها مطلقًا ومع مهارته الشديدة في القيادة إلا أن الطريق زلق لذلك سيقود بسرعة متوسطة .. الحذر واجب ..

لم يكد يلتحق ببداية الطريق بعدة أمتار حتى لمح من بعيد جسد رجل ينحني على جانب الطريق بطريقة مريبة .. لا يعلم لماذا لكن غريزة الخطر بدأت في العمل واستنفرت كل حواسه بتوتر .. هناك أمرًا خاطئًا يحدث ..

بهدوء ركن سيارته على جانب الطريق واستل سلاحه المرخص الذي لا يفارقه وخصوصًا في أثناء سفره واتجه لحيث ينحني الرجل وهتف بصرامة ..

- انهض فورًا ودعني أرى يديك ..

كاد يقسم أنه يستطيع أن يرى ارتجافة الرجل فور سماعه صوته .. وفورًا استدار إليه وهو يقول بصوت مرتعب ..

- راضي بيك .. الرحمة أنا لم ألمسها بعد ..

يلمسها .. ؟؟

ماذا يفعل هذا الحيوان الذى يبدو أنه من النجع لأنه تعرف عليه حتى من صوته وقبل أن يستدير على ما يبدو وبدون أي صعوبة ؟؟؟

- ابتعد للخلف فورًا ودعني أرى كفيك بوضوح ..

أطاعه علي الفور وابتعد عدة خطوات للخلف ليكشف عن جسد فتاة ملقاة أرضًا ويغطيها الطين ..

الحقير .. أوطى المخلوقات من يفعل فعلته عديم الشرف ..؟؟

 ذئب في هيئة بشري عفن ..

لكن الحمد لله باعترافه أنه لم يلمسها بعد .. لكن الفتاة كانت بلا حراك وربما اذاها بعنف ..هتف بصوت ناري ..

- ماذا فعلت لها يا حقير ..؟؟ ومن تكون هي ..؟؟

كان مازال يرتعد وصوته المهزوز عبرعن رعبه ..

- لا أعلم من هي .. في الواقع كانت تسير في اتجاه النجع وفقط تهجمت عليها من الخلف وقيدت حركتها ثم ضربتها على رأسها فسقطت أرضًا لكن أقسم لك لم ألمسها بعد ..

الوضع سيء للغاية .. مشتت ومحير .. ماذا عليه أن يفعل أولًا ...؟؟

 صرع ذلك الحيوان أم الاهتمام بتلك المسكينة التي ربما تكون اصابتها خطيرة وجسدها غمرته المياه حتى تخشب  ..

البرق كان يضىء للحظة واحدة فيحول الظلام الدامس إلى ظهيرة ويصاحبه صوت رعد في ظاهرة بعيدة عن موعدها تمامًا في هذا الوقت من العام ويجعل السيطرة على الموقف شبه مستحيلة‘ هذا الخسيس قد يستخرج سلاحًا من طيات ملابسه في أي لحظة .. لا يمكن أن يكون تجرأ علي مهاجمة الفتاة بدون أن يكون مسلحًا ..

وفجأة دوى  صوت رعد يصم الآذان أعقبه صاعقة هوت بالقرب منهم لتشعل النيران في الحقل بجوارهم  وتشتت انتباهه للحظات تابع فيها مسار الصاعقة فاستغلها الرجل ليركض هاربًا داخل الحقول الممتدة على جانب الطريق ..

صرخ بأعلى صوته ليصل لمسامع الهارب ..

- اهرب كالنعجة الجبانة يا حقير .. ثق أنى سأجدك أينما اختبئت وستدفع الثمن غاليًا .. لو كنت أريد صرعك الآن ما ترددت لكن تلك المسكينة أولى باهتمامي لكن اعلم أنني سأجدك قريبًا .. صورتك وصوتك طُبِعا في عقلي ولن تجد  حجر في الكرة الأرضية يأويك بعيدًا عن انتقامي ..

أي حقارة رضعها هذا الرجل ليفعل فعلته الدنيئة .. يتهجم علي فتاة مسكينة بنية اغتصابها .. البشر فاقوا الحيوانات في الغدر والتوحش ..

لديه أوليات للاهتمام بها .. النيران التي اشتعلت تولت الأمطار اخمادها يتبقي أن يتأكد من أن إصابة الفتاة ليست خطيرة ثم لاحقًا سيقتل ذلك الخنزير ..

اعاد سلاحه لجيبه وانحنى يتفحص المسكينة باهتمام‘ كان وجهها لأسفل .. لقد طليت بالوحل تمامًا ..

أدارها برفق وكانت صدمته قاتلة حينما ازاحت الأمطار الوحل عن وجهها الذي ظهر جليًا لعينيه .. مستحيل تلك المسكينة  التي هرع لانقاذها بدون أن يعلم هويتها هى حبيبته ليال السمالوطي بشحمها ولحمها ..

الصورة بدأت تتضح .. ليال كانت في السيارة وغادرتها مع سقوط الشجرة ليتهجم عليها ذلك الحيوان اللعين وهي بمفردها في العراء .. 

كانت مشاعره مضطربة بين خوف وقلق ورهبة وغضب عاتي ورغبة في قتل ذلك الذي التى تجرأ وحاول الاعتداء عليها  .. لكن القلق على إصابتها  الجسدية كان يحتل المرتبة الأولى .. كان يخشى تحريكها فيزيد من حالة إصابتها التي لا يعرف مدى خطورتها ..

ساعدني يا إلهي ..

لكن قلقه تحول لصدمة قاسية حينما بدأت تستعيد الوعى بين ذراعيه ثم تصرخ فجأة بصوت حمل رعب الدنيا كلها وهي تلملم أطراف فستانها حول ساقيها بعنف  ثم تقول برعب ..

-  ابتعد عني يا حقير .. لا تلمسني وإلا قتلت نفسي ..

                                          **

نظرت لساعتها بتأفف .. علي الرغم من عشقها لعملها لكن حينما يتعلق الأمر بحفل حتى ولو خيري تبدأ في الشعور بالضيق ...

سبحان من له الدوام .. كيف كانت في الماضي تعشق الخروج والحفلات وارتداء الملابس أو بالأحرى عدم ارتدائها واليوم تشعر بالكتمة والضيق حتى من الحفلات الخيرية التي تنتهي في الحادية عشر على أقصى تقدير ويحضرها صفوة المجتمع وترتدي فيها أكثر ملابسها احتشامًا وأناقة..

فعلًا سبحان من له الدوام .. غرفتها في شقتها التي اشتراها لها حازم قبل سفره أصبحت هى ملاذها الآمن واكتفت بها عن كل متع الحياة .. على الأقل هو قضى بضع ليال فيها معها قبل رحيله وستظل تستنشق رائحته في هواء الغرفة حتى تراه مجددًا ..

عدلت وضع  حجابها علي رأسها وهى تستعد لإلقاء كلمتها على المنصة في القاعة الفخمة الملحقة بفندق فاخر علي النيل استطاعت مساومة والدها للتكفل بتكلفتها بسهولة ..

اليوم افتتاح المستوصف الخيري الجديد الملحق بدار الأيتام .. تم الانتهاء من المبنى بالكامل وتشطيبه لكن يتبقى هم تجهيزه داخليًا والأجهزة الطبية مكلفة بدرجة كبيرة ..

كانت تتعشم انشاء مختبر حديث وقسم للأشعة وعيادة للأسنان واعداد المبنى قضى على آخر قرش تملكه والمعدات التي تريدها تتخطى عدة ملايين جديدة ..

لو فقط تم الانتهاء من المستوصف كما تريد سيخدم شريحة كبيرة من الفقراء الذين يموتون بسبب احتياجهم للفحص الطبي الدقيق ..

لكن الحق يقال زوج والدتها لم يبخل عليها بالأموال التي مكنتها من وضع البذرة الأساسية للعمل ولولاه ما كانت أصبحت هنا الآن ..

تنحنحت لتصفي صوتها قبل أن تتجه لمكانها وتبدأ في الحديث ..  الحضور اليوم كبير واكتظت القاعة برجال الأعمال الذين لبوا الدعوة وحضروا لاستكشاف الأمر وربما تستطيع التأثير عليهم كما تفعل كل مرة .. قد تكره الحفلات بكل تأكيد لكن رغبتها الشديدة في اتمام العمل جعلتها تسترسل بطلاقة ..

تحدثت عن أهداف العمل وعن ما تم انجازه .. عن رؤيتها المستقبلية للمستوصف ورغبتها في توفير العناية الطبية للمحتاجين ..

- من سيشارك معنا اليوم سيترك بصمة على الإنسانية بأكمالها .. سيضع رأسه على وسادته وهو راض عن نفسه وستصله دعوات المرضى في كل  وقت..

ثم أشارت بخفة لحوض زجاجى شفاف ..

- هنا مكان وضع التبرعات وسأقولها مجددًا لا تستهين بأي مبلغ حتى ولو صغير حينما يمرض طفل وترتفع درجة حرارته قد تنقذه بضع جنيهات يشتري بها خافض حرارة يحميه من ضرر دائم لمخه أو نساعد بها سيدة على الوضع وحمايتها وحماية رضيعها من مخاطر الوضع في المنزل .. في الواقع بضع جنيهات قد تصنع فارقًا هامًا لمن لا يملك حتى القروش  ..

ثم أكملت بنبرة مرحة ..

- العشاء الفاخر للجميع لكن اعتقد أن من سيدفع فقط سيستمتع بالطعم ..

تعالت صوت الضحكات وتنافس معظم الحضور على الاقتراب منها ووضع شيكات بداخل الصندوق ..

بالتأكيد هناك من يرغب في المساعدة برغبة صادقة منه في نيل الثواب ومساعدة المحتاجين وهناك من يفعلها للنفاق وتحسين صورته أمام وسائل الإعلام  .. أما الأسوء ذلك الذي يفعلها للتقرب منها .. تعودت على سخافات البعض الذى كان يظن أنه يستطيع مصاحبتها بعدما يتبرع لكن الهدف النبيل الذي تعمل لأجله جعلها تتحمل وتتعلم كيف تصد تلك السخافات بسهولة.. " ستتفاجأ أنني لست تلك القديمة سيئة السمعة بعد الآن  "..

وكعادتها وفي حركة دفاعية احتياطية وضعت رأسها في أوراقها للتظاهر بالانشغال وتجنب نفسها محاولات التطاول والاستظراف .. كانت هناك خطوات ثقيلة تقترب منها ورائحة عطر مميزة جلبت لمعدتها الألم .. على الرغم من مرور السنوات لن تنساها .. بأي حق تستعمل عطره ..؟؟ّ!!

انبت نفسها .. غبية !! هل العطر حكرًا على شخص ..؟؟

كانت ما تزال تتجاهل القادم وتلملم أوراقها .. غالبًا هذا سيكون المتبرع الأخير فهى لمحت بطرف عينها اتجاه جميع الحضور للبوفيه .. وفجأة تحول ألم معدتها لرغبة حقيقية في القيء وشعرت أن قلبها سيخترق قفصها الصدري ليقفز خارجًا حينما سمعت القادم يقول بنبرة افتقدتها كالجحيم لسنوات ..

- أنا سأتكفل بتجهيز كامل المستوصف بمفردي وسأحرمكِ من متعة التعامل مع الرجال يكفي هذا ..

ألن ترحبي بزوجك العائد بعد غيبة طويلة يا زوجتي العزيزة ؟؟

                                                             **

كان مازال يشعر بالذهول من الوضع الذي تورط فيه لكنها لحظة الحسم .. محاولة التصرف بتهذيب الآن مع اقتراب وصول الرجال وتورط اسمها في فضيحة يجعله يتصرف فورًا... ربما تطاول ذلك الحقير عليها ولا يريد لأحد أن يعلم ذلك .. هو سيتكفل بقطع عنقه بنفسه في أقرب فرصة وستظل رأسها تلامس السماء .. ما ذنب تلك البريئة فيما فعله خرتيت يحسب على صنف الرجال ..؟؟

لكن للأسف وعلى الرغم من معرفة الجميع بأنها مجنيًا عليها لكن مع ذلك ستوصم بالعار ومن فضل الله الرحيم أنه كان الشخص الذي شهد علي تلك الواقعة ..

بالتأكيد اخراجها من هنا بأقصى سرعة هو الحل الأمثل وتلك الحاجة الملحة للتنفيذ الفوري جعلت صورة الحبوب المنومة التي وصفها له الطبيب تهتز أمام عينيه في فكرة مجنونة جعلته يبدو كمغتصب حقيقي بامتياز ..

سامحيني حبيبتي قد تكرهيني لكن لأجلك سأفعلها ..

هي كانت بلغت الحد الأقصى من الرعب منه وتعتقد بالفعل أنه من تهجم عليها  لذلك ما سيفعله الآن لن يزيد الأمر سوءً‘ أنه سيئًا جدًا بالفعل ..

وفي حركة مفاجئة رفعها بين ذراعيه وكتم فمها بكفه  ..

كان حريصًا على عدم القسوة عليها والافراط في استخدام العنف .. كم هي رقيقة وجميلة ولن تتحمل عنفه‘ لكنها كانت تناضل بشراسة وتركله بعنف مما اضطره لإحكام قبضته عليها ثم يلقيها علي المقعد الخلفي من سيارته ..

وأمام محاولتها للقفز من السيارة ثبتها من كتفيها ليأمرها بصوت صارم ..

- اهدئي وإلا صفعتكِ ..

كانت تلك هي المرة الأولى التي يتحدث فيها معها منذ أن استردت وعيها ..

لكن العرق السمالوطي فيها لم يكن ليستسلم بسهولة .. لذلك واصلت محاولة مغادرة السيارة وهي تركله بقدميها وتصرخ بفزع ..

ليال ليال ليال .. أنت تجبريني على استخدام القوة معك ..

كانت محاولتها الثانية أكثر نجاحًا ووصلت يدها لمقبض الباب وفتحته بالفعل .. أنها تجبره علي فعل ما لم يكن يريده منذ البداية .. في لحظات كبلها جيدًا بكل قوته فلم تصمد قوتها للحظة واحدة أمام قوته الهائلة التي اضطر لاستخدامها بكاملها وشلها عن الحركة تمامًا وثبتها على ظهرها على المقعد الخلفي وجثم فوقها بكل ثقله ..

يا للهول رائحة عطرها الخفيف تعذبه وقربها منه بهذه الدرجة مع حالة ملابسهما التي ابتلت بفعل الأمطار تثيره حد الجنون  وتجعله يفقد التفكير السليم و..

لكن رجفتها التي تهز السيارة بأكملها من شدتها أعادت إليه عقله ..

ماذا دهاك يا راضي هل جننت أم ماذا ؟؟

المسكينة ستموت رعبًا منه  وخصوصًا حينما اصدم سلاحه بداخل جيبه بجسدها.. لكن أصوات الرجال تقترب .. أنه يستطيع تمييز أصوات رجاله بوضوح الأن وضجة السيارات التي تقترب علي التوالي .. لابد وأن يتصرف لحمايتها حتى النهاية ..

وبحركة حاسمة امتدت يده للأقراص المنومة خاصته والتقط أحدهم بحرص ثم قبض على فكها بقوة .. نظرة الرعب في عينيها لن ينساها مطلقًا لكن لا وقت للشرح الذي لن تصدق منه حرفًا ..

لا بديل ليال صدقيني .. كان يقول بندم هائل وهو يرفع لسانها بطرف أصبعه ويضع القرص تحت لسانها..

- سامحيني حبيبتي .. أنا أفعل ذلك لأجلك ..

قاومت كعصفور جريح وقع في شرك صقر جائع لكن مقاومتها كانت بلا جدوى وبدء النعاس يتسلل لعينيها رغمًا عنها قبل أن تغلقهما باستسلام كملاك صغير هادىء ..

يتبقي أمرًا غاية في الأهمية .. وللمرة التي لا يعلم عددها لليوم هتف بتوتر ملحوظ نادرًا ما يشعر به ..    " سامحيني حبيبتي لكن هذا أيضًا لا بديل عنه " ..

حاول أن يعطي الأمر صفة رسمية وهو يرفع فستانها لللأعلى كثيرًا ويتأكد من حالة ملابسها الداخلية ..  ليس كرجل شرقيًا فقط يتأكد من حالة اغتصاب حبيبته من عدمها لكن نظرًا لقراره الحتمي باصطحابها لمنزله حتى يطلعها على الحقيقة  لاحقًا حينما تهدأ لذلك سيكون عليه التأكد من حالتها الصحية وعدم إصابتها بتهك أو نزيف مثلًا إن كان قد فعلها ذلك الحيوان واغتصبها فوقتها سيكون عليه طلب طبيبة نسائية بجانب طبيب الأعصاب .. وحمد الله كثيرًا حينما تأكد من أنها ترتدي سروالًا داخليًا ضيقًا بصورة ملحوظة وشديد الالتصاق بجسدها ويصعب خلعه عنها بدون رغبتها أو تمزيقه وكان أمامه في حالة سليمة تمامًا ..

تنفس بارتياح مشبوب بالألم .. وهو يرفع ثقله عنها ويهنىء نفسه بمرارة .. " هنيئًا لك يا راضي لقد حافظت على سمعتها وحميتها من القيل والقال لكنك كسبت كراهيتها للأبد .. "

لكن حتى المرارة لا وقت لها الآن .. انحنى يعدل وضعها بحنان ويثبت حجابها على رأسها ويتأكد من سترها بالكامل قبل أن يغادر سيارته ويصيح بصوت عالِ سمعه رجاله الذين انتشروا حتى بداية الطريق الترابي  ..

- إلى هنا يا رجال على الفور‘ لقد وجدت قائدة السيارة الحمراء فاقدة الوعى من أثر الحادث الذي تعرضت له سيارتها وارتطامها بالشجرة ..

أنها الأنسة ليال السمالوطي وأنا سأنقلها لمنزلي لأنه الأقرب وسأطلب لها طبيبًا هناك بعدما أبلغ شقيقها بما حدث ...

•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية

تعليقات