رواية فارس بلا مأوى الفصل الثامن 8 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ تمكث لدي والديها منذ الأمس، فعندما كانت معه في طريق العودة لم يتفوه معها بحرف واحد وأكتفي بنظرات الإتهام لها التي كانت بمثابة سهام نارية تخترق قلبها، وكلما فتحت فاهها لتتحدث يسكتها بصيحة تجعلها تتراجع إلي الخلف آلاف الخطوات.
دلفت إليها والدتها داخل الشرفة تحمل طاجن صغير من الحلوي :
_ ندوش حبيبة ماما، دوقي بقي طاجن أم علي هتاكلي صوابعك وراه.
وبدون أن تلتفت إليها قالت بحزن دفين:
_ بالله عليكي يا ماما مش قادرة أكل حاجة فمتضغطيش عليا.
تنهد والدتها بحيرة من إبنتها التي منذ أن جاءت وتلتزم الصمت ولاتريد أن تخبرها مابها:
_ أنتي عرفاني مبحبش أتدخل في حياتك أنتي وجوزك، بس لما ألاقيكي بالمنظر ده من إمبارح ولا بتاكلي ولا بتنامي يبقي حصلت مشكلة كبيرة مابينك وبين أكرم، خلته يقطع أجازتكو من الساحل.
لا تريد أن تخبر والدتها بشئ لأنها تعلم ما ستلقنها إياه من توبيخ وكلمات لاذعة ليست في حمل إليها، فقامت بتأليف كذبة مقنعة إليها:
_ يا ماما مفيش حاجة، كل الحكاية إننا لسه مكملناش أول يوم هناك وجاله تليفون من الشغل لازم يرجع ومكلفينه بمأمورية، ده الي مخليني متنكده ومرضتش أرجع علي شقتي وقولتله أنا هاروح لماما.
عقدت ساعديها أمام صدرها ورمقتها بنظرات أربكتها فأردفت:
_ مالك يا ماما بتبصي لي كده ليه؟ .
أجابت:
_ عشان قلبي مش مطمن وحاسه فيه حاجه تانيه وأنتي مخبياها عشان عارفه هديكي علي دماغك كلام مش هايعجبك.
زفرت الأخري بتأفف وقالت:
_ لاء أطمني مفيش، دي مشكلتي الي مبتخلصش مع أكرم شغله.
_ هحاول أصدقك، بس عايزه أقولك علي حاجه الراجل مش غلطان في حاجة ومن أول ما دخل الكلية وأنتي عارفة طبيعة شغله أي، أومال لو تعملي أي لو جوزك بيسافر بره وبيجيلك مرة في السنة يقعد معاكي شهر ولا أتنين زي جوز إسراء بنت خالتك! .
نهضت من أمام عينين والدتها وأستندت بظهرها لدي حافة السياج الحديدي الذي يعلو سور الشرفة :
_ يا ماما والله عارفه ومقدره كل ده بس ساعات بيجي عليا وقت وأتخنق.
_ ألهي نفسك في الشغل، أومال لو مكنتيش بتشتغلي كنتي هتعملي أي في جوزك!.
أجابت بتوتر وترجع خصلات شعرها المتطايره خلف أذنها:
_ ما هو أنا يعتبر سبت الشغل.
ضيقت مابين حاجبيها وقالت بدهشة:
_ أي؟.
ولجت صغيرتها لارا إليهما تهلل بفرح:
_ مامي، مامي طنط مروة جت بره.
خرجت ندي إلي صديقتها التي تنتظر في غرفة الضيوف، نهضت مروة لتعانقها قائلة :
_ حمدالله علي السلامة ياقلبي.
بادلتها ندي العناق وقالت:
_ الله يسلمك يا حبيبتي.
صافحتها والدة ندي بترحاب وقالت:
_ يعني لو ندي مش هنا متجيش تسألي عليا؟.
ردت مروة بإستنكار مبتسمة:
_ لاء طبعاً يا طنط، هو بس والله الشغل الي واخد وقتي يا دوب برجع منه أتغدي وأترمي علي السرير، مفيش غير النهارده عشان المدير مشي بدري، فعرفت أزوغ وأجي أسلم عليكو وأشوف الحاجة بنتك وأطمن عليها.
_ طيب أروح أنا أجيب لكو تتغدي أنتي وندي.
أشارت لها:
_ ميرسي يا طنط والله ما قادرة القولون عندي عامل عمايله.
قالت والدة ندي:
_ يا دي القولون الي مش سايب ولا صغير ولا كبير، خلاص هاجبلك طاجن أم علي لسه عملاها، انا عارفه إنك بتموتي فيها.
أبتسمت وقالت بمكر:
_ خلاص أشطا ماشي، ده أنا بموت فيها وفي إبنها.
رمقتها ندي تهز رأسها يميناً ويساراً بسأم، ضحكت والدة ندي وقد تفهمت إن لمروة حبيب بهذا الإسم، فذهبت لجلب الطواجن إليهما.
ألتفتت مروة إلي ندي وتساءلت:
_ قلقت عليكي لما أتصلت علي جوزك وقالي إنك ولارا عند مامتك، قولت يبقي حصلت مشكلة عشان كده رجعتو.
زفرت ندي بحزن وألم:
_ أنا في كارثة يا مروة ومش عارفة أتصرف إزاي.
أنتبهت إليها الأخري بكامل حواسها:
_ كارثة أي بعد الشر؟.
نهضت وقالت:
ثواني بس.
وذهبت تطمأن بأن لايوجد أحد أمام الغرفة، فوجدت والدتها فحملت منها الصينية التي تعلوها الطواجن، وتركتها مع صديقتها، دلفت وأغلقت الباب، وضعت الصينيه علي الطاولة وجلست بجوار صديقتها:
_ هحكيلك كل حاجة من البداية خالص بس أوعي ماما تعرف بحاجة.
بدأت تسرد لها علاقتها بعلي الحسيني عندما كانت تدرس في الجامعة ومدي تقاربهما التي أنجرفت إليه بدون وعي لتعوض ما تفقده في غياب أكرم الذي كان خطيبها آنذاك، وعندما وجدت علاقتهما تتطور يوماً بعد يوم وخاصة لدي علي الذي أصبح متعلقاً بل مهوساً بها أبتعدت فجاءة، وفي هذا الوقت عاد إليها أكرم فندمت كثيراً، وكانت العودة بتحديد موعد الزفاف، وبالطبع علم علي من إحدي صديقاتها بالموعد وتفاجاءت بإتصاله عليها بعدما علم رقم هاتفها الجديد، أخذ يتوسلها ويرجوها أن لا تتخلي عنه فهي له كل شئ، فكان جوابها بأن ما كانت تشعر به نحوه مجرد صداقة تجاوزت بعض الحدود قليلاً لذا أبتعدت عنه وإنها لم تحب يوماً سوي أكرم عشق طفولتها وصباها.
ومرت الأيام والسنين وها هو قد عاد إليها بثوبه الجديد، ثوب الإنتقام الذي سيدمر حياتها ويقلبها رأساً علي عقب ويبدو من وصوله إلي زوجها فهذا دليل أن لديه خطة محكمة هدفها هو أن تدفع الثمن باهظاً علي قلبه ومشاعره التي أستغلتها أسوء إستغلال من وجهة نظره.
كانت مروة تستمع إليها غير مصدقه فقالت عند إنتهاء الأخري من سردها:
_ غلطانة ومليون غلطانة كمان، والي بيحصلك ده نتيجة عمايلك وتهورك.
_ يعني أنا بحكيلك عشان تقوليلي كده!.
_ مش قصدي بس الي حكتيه أي حد هايسمعه هيقولك كده وأكتر، وكمان بتغلطي غلط أكبر لما خبيتي عن أكرم وسيباه في شكوكه، الله أعلم في دماغه أي، ده مش بعيد يفتكر إنك بتخونيه.
صاحت ندي بصدمة:
_ بخونه!.
_ الراجل يا ندي خاصة الشرقي أكتر حاجة بتوجعه لما بيكتشف إنه مخدوع أو مضحوك عليه، أو بتكدبي عليه ومخبيه عنه، والمفروض من قبل جوازكو كنتي تصارحيه وتقوليلو إنها كانت نزوة وراحت لحالها.
نهضت ندي وقالت بإستنكار وتهكم :
_ مستحيل، أنتي بتهزري!،عيزاني كنت أقوله معلش يا أكرم لما بعدت عني روحت لغيرك الي بيحبني ويعوضني عن غيابك ولما فوءت وعرفت غلطي رجعتلك تاني، وهو بقي لما يسمع كده هياخدني بالحضن ويطبطب عليا!.
ردت مروة قائلة:
_ المفروض كنتي قولتيلو وقتها علي الأقل هيبقي ليكي عذر تداري غلطتك وراه، لكن دلوقت ممكن تجبيهاله واحده واحده وفهميه إنك كنتي لسه صغيره وقتها و طايشه ، بصي الحل إنك تاخديه في أي مكان هادي بره وتحكي له.
نظرت ندي نحو هاتفها الذي بين يديها:
_ ما أنا في نيتي أقوله بس يرد عليا الأول، من وقت ما جابنا علي هنا ومشي ما أتصلش حتي يطمن علي بنته.
ربتت مروة علي يدها لتطمأنها:
_ سبيه بس لحد ما يهدي وهو هيكلمك.
رن هاتفها بداخل حقيبتها، ألقت نظرة علي المتصل فضغطت علي الزر الجانبي للهاتف ونهضت قائلة:
_ معلش بقي يا ندوش مضطرة أمشي، ماما بترن عليا رايحين مشوار.
نهضت ندي وقالت:
_ ولا يهمك يا حبيبتي، أبقي سلميلي عليها كتير.
_ حاضر وأنا هابقي أكلمك وأطمن عليكي وهاشوفك عملتي أي مع أكرم .
قالتها ثم عانقتها فبادلتها الأخري العناق:
_ أدعي لي ربنا يهديهولي.
_ إن شاء الله.
وبعد أن غادرت المنزل، هبطت عبر المصعد وقامت بالإتصال:
_ أيوه أنا نزلت خلاص وجاية لك، خليك في مكانك.
خرجت من الفناء وتلفتت يميناً ويساراً لتطمأن أن لا يراها أحد، سارت حتي وصلت إلي سيارة فضية اللون، فقامت بفتح الباب ودلفت وهي تلتقط أنفاسها ثم نظرت علي يسارها وقالت:
_ زي ما توقعت، أكرم سايبها هي والبنت عند مامتها وشكله ناوي لها علي نية سودة، وزي ماقولتلي شجعتها تحكيلو.
تحدث بسعادة وفرح:
_ حلو أوي أوي، هي تحكيلو من هنا وأنا هثبت له كلامها بالأدلة بس مش زي ما هتقوله بالظبط.
_ ناوي تعمل أي بالظبط.
إبتسم بشرٍ وقال:
_ هاتعرفي كل حاجة في وقتها، وحياتك مبقاش علي الحسيني لو مخلتهوش يمرمط بكرامتها الأرض ويرميها في الشارع، ساعتها مش هتلاقي أدامها غير إيدي الي تتمدلها و هرد لها الي عملته فيا أضعاف، بس الصبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إنصراف يا ميس فاطمة.
قالتها العاملة المسئولة في دار الحضانة، فبدأت الأخري بإلمام متعلقاتها و وضعها داخل حقيبتها، لتغادر من مقر عملها وهي تنظر إلي ساعة هاتفها، تأففت من حرارة الشمس التي لم تتحمل الوقوف بها ولو دقيقة واحدة.
وقفت علي جانب الطريق تنتظر وسيلة مواصلات تقلها حتي أمام منزلها، لكن في هذا الوقت كان الطريق شاغراً، لم تجد سوي أن تذهب سيراً علي الأقدام، فأخرجت من حقيبتها دفترها الذي لم يفارقها لتتحامي به من قيظ الشمس الحارقة، همت بالعبور إلي الجهة الأخري، ظهرت فجاءة سيارة من تقاطع لإحدي الشوارع المتفرعة، ألتفتت يمينها لتراها قادمة بدون توقف، قررت تفاديها بإلقاء جسدها علي الرصيف لكن تعثرت في حجر، ألتوي كاحلها و وقعت علي الأرض تصرخ من الألم.
توقفت السيارة بصعوبة بعد أن ضغط صاحبها علي المكابح، ترجل منها والقلق والخوف يعتريان ملامحه الرجولية، دنا نحوها قائلاً :
_ أي الي حصل، أنا مجتش جمبك.
صاحت بألم مبرح:
_ بعد عني، أنت السبب.
تنهد بضيق وقال:
_ طب أنتي كويسه؟ .
تمسك بقدمها وتجز علي أسنانها:
_ لو كنت زينة، أي الي يخليني راقده في الأرض يا ذكي.
لم يهتم لفظاظة كلماتها، لكنه تفهم إنها تتألم بسبب كاحلها، فقال لها:
_ طب ثواني هاجيب حاجة من العربية وراجع لك.
لم ترد وزفرت بتأفف لتهم بالوقوف، عاد إليها مسرعاً وصاح بها:
_ أوعي تقومي، خليكي مكانك.
رمقته بحده ثم تبدلت نظرتها عندما رأته يحمل زجاجة مياه وحقيبة وضعها علي الأرض وقام بفتحها فظهرت محتواياتها من أدوات طبية وبعض الأدوية، أقترب منها وجلس علي ركبتيه قائلاً :
_ ممكن تسيبي رجلك.
حدجته شزراً قائلة :
_ عتسوي أي يا چدع أنت؟ .
تنهد بضجر فأجاب:
_ أطمني أنا دكتور، ممكن بقي تسبيني أشوف الي في رجلك ده أي بالظبط.
أذعنت له مرغمة:
_ طيب قصر لأحسن نتحرج من الشمس.
فتح زجاجة المياه وقام بغسل كاحلها من الغبار، تناول محرمة ورقية من جيبه وقام بتجفيفها ثم ألتقط أسطوانة معدنية مدون عليها بالإنجليزية، قال:
_ ده رش منه مسكن ومعالج للإلتواءات.
فقام بالضغط علي المكبس نحو موضع الإصابه، صرخت قائلة:
_ دي بيحرق جوي.
_ معلش هو كده وبعد شويه مش هاتحسي بحاجة.
ألتقط من حقيبته شئ يشبه الجبيرة لكنه بحجم يكفي الكاحل وكعب القدم، أمسك قدمها بحذر ليضع قدمها بداخله:
_ دي حاجه مؤقته كده لحد ما تيجي الوحدة ونعملك أشعة علي رجلك ونطمن ده إلتواء ولا لاقدر الله شرخ.
_ متشكرة يا دكتور.
أغلق حقيبته ونهض قائلاً :
_ علي أي ده واجبي، وبعدين أنا السبب زي ما قولتي من شوية.
وهنا رفعت وجهها لتنظر له وقالت:
_ المفروض كنت دوست كلاكس لأجل أخد بالي عاد .
تسمر في مكانه يحدق في ملامحها، حيث كان مشغولاً بإسعافها ولم ينظر إلي وجهها سوي للتو، فقال بداخل عقله:
_ بسم الله ماشاء الله، معقولة في جمال طبيعي كده.
أنتبه لها وهي تصيح به:
_ أنت يا چدع، مالك مابتردش وبتبحلج فيا ليه إكده؟ .
تحمحم بإعتذار وقال:
_ آسف، معلش.
مد يده إليها واردف:
_ ممكن إيدك؟.
أتسعت عينيها وصاحت:
_ عتجول أي؟ .
_ هاتي إيدك عشان أسندك وتقدري تقومي، هوصلك بعربيتي لحد الوحدة عشان أطمن أصدي تطمني علي رجلك.
رمقته بحده وقالت:
_ أنت أتچينت ولا أي إياك، لو حد من أخواتي ولا أهلي شافوك واجف وياي دلوق ممكن يطخوك.
زفر بملل وقال:
_ خلاص براحتك، خليكي مكانك لحد ما حد يجيلك وأبقي إستحملي حر الشمس.
ذهب نحو سيارته، تلفتت من حولها لم تجد أي أحد فهذا وقت القيلولة، أخرجت هاتفها فوجدت بطاريته فارغة:
_ أي الحظظ الهباب دي.
أنتبهت إلي سيارته وينطلق بها، فتأففت ومالبثت سوي ثوان لتجده يقترب منها وينظر لها من النافذة وقال بسخرية مازحاً:
_ ها، ناويه تستني حد يجي ينقذك من الفرن ده؟ .
ضيقت مابين حاجبيها وقالت علي مضض:
_ طيب ساعدني وحياة والدك بسرعة جبل ما يشوفنا حد.
ضحك من ردة فعلها، نزل لها وأمسك بيدها ليساعدها في النهوض.
كانت تظن إنه لايراهم أحد ولم تلاحظ هذا الذي يراقبها كظلها كما أمره رافع، أخرج هاتفه وقال:
_ واه، واه، لازماً الكبير يشوف الي بيحصل دي.
قام بإلتقاط عدة صور، فاطمة تستند علي ساعد الطبيب وأخري يفتح لها باب السيارة وهي تدلف بجوار مقعد القيادة الذي ألتفت وجلس عليه، وأنطلق.
أردف الرجل بعد إنتهاءه من التصوير:
_ كفاية إكده، لما ألحق أروح له وأفرچه علي التصاوير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يجثو أمامه يرجوه قائلاً :
_ أحب علي يدك يا رافع بيه، جولي بتي فين، ولو غلطت أني هاعلمها لك الأدب.
رمقه الآخر بإزدراء:
_ بَعد عن أهنه يا راچل يا مخبل أنت ، أني ماعرفش طريج بتك واصل، وعلي يدك چيت سألتك عنيها جولتلي ماخابرش.
_ أني أجصد الچماعة الي تابعك، الرچالة البهوات الي كانو جالبين النچع إمبارح، چُم سألو عنيها ومارتي الله يحرجها دلتهم علي مكانها، وچيت أطمن عليها من خالتها جالتلي خرچت من إمبارح ومرچعتش تاني.
كان يتفوه بها والد سمية بقلب أب مقهور علي إبنته، فباغته الشيطان الآخر بضحكة تشفي قائلاً بفحيح :
_ أحسن، عشان لما چيتلك كدبت علي، أهو لو كنت وصلتلها أني كانت زمانها حداك دلوق صاغ سليم ، لكن بجي الموضوع مبجاش في يدي ومضمنلكش ياتري هيسو وياها أي، هتلاقيها دلوق بتتمني الموت ومطايلهوشى.
يستمع له والرعب والخوف يدب في خلاياه علي إبنته، نهض غير مصدق ماسمعه للتو، فهل ستعود له وما يخبره حدسه به يكن كذباً أم عليه إنتظار خبر مقتلها علي يد هؤلاء الوحوش المفترسة التي لاتعرف الرحمة درباً لقلوبهم السوداء.
أخذ يتمتم ويردد كالمجذوب :
_ عليه العوض ومنه العوض، يارب، يارب.
رحل تحت نظرات رافع يزفر بتأفف قائلاً:
_ ربنا ياخدك أنت وبتك، منك لله طيرت النفسين.
أمسك بالملقاط الحديدي ليحمل به الفحم المشتعل و وضعه فوق النرجيلة ثم أمسك بعصاها و وضع طرفها في فمه وسحب دخاناً كثيفاً ملأ رئتيه وزفره في الهواء:
_ أيوه إكده.
_ ألحج يا رافع بيه.
يصيح بها هذا الضخم فأنتفض الآخر ملقياً مابيده:
_ الله يحرجك يا جبيصي الكلب، عتصرخ عليه إكده ليه؟ .
أمسك هاتفه وأعطاه له قائلاً :
_ ست فاطمة لاجيتها واجفه ويا راچل وماسكه يده وركبت وياه العربية كيف ما في الصور إكده.
هب واقفاً ينتقل من صورة إلي أخري وعينيه كالفحم المتقد علي النرجيلة، سأله ونبرته توحي بعاصفة مدمرة علي وشك القيام:
_ وراحت وياه فين إبن ال..... دي؟ .
حك ذقنه وأجاب بتوتر:
_ بصراحة يا كبير، أني بعد ما صورتهم چيتلك طوالي.
فاجاءه رافع بلكمة قوية في وجهه وهو يصيح به:
_ غبي وحمار، تروح دلوق يا چلوص الطين تعرفلي مين الي حفر جبره بيده دي.
أومأ له في طاعة قائلاً:
_ أمرك يا بيه.
ذهب وتركه في ذروة غضبه العارم، دلف إلي داخل المنزل، فكاد يصتدم بزوجته التي تحمل وعاء كبير مليئ بالملابس، دفعها من طريقه:
_ بَعدي عن طريجي دلوق.
صاحت بسخط وإعتراض:
_ واه وأني عملتلك أي، ما أنت الي داخل كيف الجطر.
دخل إلي غرفته تناول العباءة ليرتديها فوق جلبابه وأبدل نعله بحذاء أسود ويتمتم بتوعد:
_ والله عال ياست فاطمة، تركبي ويا راچل وعتخليه يمسك بيدك كماني، مبجاش رافع القناوي لو معلمتكيش الأدب من أول وچديد.
غادر المنزل تحت نظرات نوارة بعد أن أستطاعت سماع بعض كلماته التي كانت كالخنجر في قلبها، فقالت بصوت لايسمعه أحداً سواها:
_ فاطمة تاني يا رافع! والله ما أني ساكتة واصل، ويا أني يا هي يا إبن رسمية.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ريحيني يا ريهام الله يريح جلبك وإسمعي الي بجولك عليه.
قالتها زينب، فرمقتها الأخري بعتاب وقالت:
_ يعني عايزاني أسيبك تنزلي وتشتغلي وتتبهدلي عشان معكيش بطاقة؟.
أجابت الأخري:
_ هو أني هافضل طول الوجت نايمة واكلة شاربة عندك وكمان بتچيب لي حاچات ومابترضيش تاخدي فلوسها عاد.
رمقتها بعتاب وقالت:
_ علي فكرة أنتي كده كأنك بتشتميني.
تنهدت الأخري بضيق وقالت:
_ ما أجصدش والله، ما أنتي خابراني زين، مابحبش أكون تجيلة علي حد واصل حتي لو كانو أهلي.
تعلم ريهام جيداً بأن صديقتها تملك كبرياء وعزة نفس بدرجة عالية ، فقالت:
_ أعتبريني يا ستي بردلك جميلك ووقفتك جمبي أيام الجامعة، و علي العموم سبيني أشوفلك حاجة مناسبه وفي نفس الوقت يكون عند حد موثوق فيه عشان الظروف الي أنتي فيها.
أبتسمت زينب بسعادة ونهضت لتعانقها:
_ ربنا مايحرمني منك واصل.
ربتت الأخري علي ظهرها وقالت:
_ تعرفي لو كان ليا أخت بتهيألي مكنتش هحبها أوي كده.
ردت بمزاح:
_ لكن علي الأقل متكونش هربانه كيفي أكده ولا هيكون ليها أخ إسمه رافع.
أنغمرت كلتيهما في الضحك، أمسكت ريهام بطنها:
_ يخرب عقلك يا زينب، في عز حزنك بتطلعي بكلام بيموتني من الضحك.
_ تدوم ضحكتك يا جلبي.
تذكرت الأخري شيئاً، فصفعت جبهتها :
_ يادي الزهايمر الي هيوديني في داهية.
ضيقت مابين حاجبيها وتساءلت بإهتمام:
_ خير في أي؟.
أجابت:
_ أحمد المفروض هيعدي عليا دلوقت عشان رايحين نختار سيراميك المطبخ والحمام وأنا ناسيه خالص، لما أروح ألحق ألبس بسرعة.
حدجتها زينب بسعادة وحبور:
_ ربنا يتمملك علي خير ويسعدك أنتي و أحمد يارب.
_ أمين يارب، وعقبالك يا زوزه ربنا يلم شملك مع فارس وتتجوزو يارب.
نظرت بحزن نحو الفراغ ورددت :
_ يارب، يارب.
ــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يحتسي فنجان الإسبريسو المفضل لديه ويتصفح بعض ملفات قضايا عملائه علي حاسوبه ، ينقر علي لوحة المفاتيح، قاطعه إتصال مرئي عبر تطبيق شهير، وكان المتصل صوفيا ويعلو الأسم صورة لأمرأه ذات شعر أسود و وجه طويل وعينيها زرقاء اللون، وملامحها حادة إلي حد ما، زفر بتأفف وفتح الإتصال علي مضض، لتظهر له صاحبة الصورة وتتحدث بالفرنسية:
(الحوار مترجم)
_ أعلم إنك لا تريد رؤيتي أو سماع صوتي، لكن سبب الإتصال لأخبرك إن إبنتك تريد رؤيتك.
أجاب بتهكم:
_ هناك إختراع يسمي طائرة، أرسليها لتأتي إلي هنا.
_ صلاح، لا أريد الدخول معك في جدال لا فائدة منه، أبنتي لن تسافر إلي مصر أبداً.
_ هكذا إذن، علي راحتكِ صوفيا، إمنعيها قدر ما تشائين لكن أعلمِ عندما تكبر إبنتنا فلن تستطيعين منعها من السفر إلي والدها أو ربما الإقامة معه.
قهقهت بسخريه من حديثه الذي أدركت من خلاله تهديداً صريحاً:
_ يبدو أن هناك من يحلم كثيراً.
بادلها بذات القهقه الساخره وقال:
_ وكثيراً عزيزتي تتحقق الأحلام، وكما تعلمين أنا رجل صبور للغاية وأصل إلي ما أريد وقتما أشاء.
تبدلت ملامحها من الضحك إلي الغضب، تناولت من بجوارها علبة وسحبت منها سيجارة وقامت بإشعالها وزفرت كم هائل من الدخان، تتفوه بحنق:
_ أصبر كما تريد صلاح، ولاتنسى من أكون أنا، وكما جعلتك ترحل من فرنسا رغماً عنك، أقدر أن أفعل أكثر من ذلك، وأرني ما بإستطاعتك أيها المحامي الفاش...
ضغط علي زر إنهاء المحادثة حتي لا يعطيها فرصة إستفزازه كما تفعل معه في كل مرة تتصل به، أنتبه لصوت يأتي من غرفة مغلقة، فتذكر تلك التي تركها منذ الأمس تغط في النوم من أثر المخدر، ذهب إليها وأخرج من جيب بنطاله مفتاح لكي يفتح الباب الذي أوصده خشية من أن تستيقظ وهو نائم.
وعندما فتح وجدها علي الأرض بجوار التخت، كانت مقيدة اليدين والقدمين ويكمم فاهها قطعة من الشريط اللاصق، تزوم وتحرك جسدها في محاولة التخلص من قيودها، أقترب منها حتي أصبح في مجال رؤيتها، فتوقفت عن الحركة.
دنا منها وقال:
_ متخافيش أنتي هنا بأمان ومحدش أبداً هيأذيكي.
رمقته بعدم ثقة لكلماته، تنهد وأردف:
_ بصي أنا علشان أنقذك كذبت علي سليم إنك قولتيلي زينب موجودة في القاهرة وهو لو شك واحد في الميه إن بكذب عليه مش هقولك ممكن يعمل فيا أي وقبلها فيكي كمان، فياريت وأعتبريه رجاء مش عايز أي تصرف متهور منك وثقي فيا زي ما هديكي الثقة دلوقت وهفكلك الأحبال دي وهخليكي علي حريتك، أتفقنا؟ .
لم تومأ له بل كانت تفكر في كيفية الهروب، وبعد أن فكرت لثوان في حديثه لم تجد سوي أن تظهر له الطاعة والثقة حتي تأتي لها الفرصة وتفر من قبضته وقبل كل ذلك يجب أن تخطط جيداً فهي في وكر الأفاعي وأي خطأ ما لن يكن في صالحها بتاً.
هزت رأسها بالإيجاب فأنبلجت إبتسامة علي ثغره إليها ولم يظهر لها إنه يعلم مايدور في عقلها، لا تعلم بعد من هو صلاح أيوب، يطلق عليه البعض الثعلب نسبة لمكره ودهاءه الذي لايضاهيه أحداً فيهما، وهناك من يلقبه بالعقرب حيث يعطي الأمان لخصمه ويجعله يظن إنه مسالم حتي ينصب شراكه ويباغته فجاءة بللدغة قوية تلقي به في قاع الجحيم وكثيراً يكون الموت نهايته الحتمية.
قال وهو يشرع في فك قيودها:
_ عندك كل حاجة هتحتاجيها من أكل وشرب في التلاجة والمطبخ، بالنسبه للهدوم فأنا شوية وهنزل أشتريلك كم طقم تغيري فيهم.
أخذت تمسد رسغيها من أثر الأحبال وكذلك كاحليها، وصاحت عندما جذب لها الشريط اللاصق من فاهها:
_ سوري.
حدجته بسخط وقالت:
_ متتعبش نفسك ولا تچيب لي حاچة.
نظر لها متعجباً:
_ ناويه تفضلي بالهدوم الي عليكي؟.
ردت بحده وإمتعاض:
_ ملكش صالح عاد.
ضحك من أسلوب حديثها وملامحها المنزعجة، فقال بنفس لهجتها:
_ كيف مليش صالح بيكي وأنتي هتفضلي معاي أهنه.
رفعت إحدي حاجبيها:
_ بتتمسخر عليا إياك؟.
قهقه ورفع كفيه قائلاً :
_ أبداً والله، بس رأيكشن وشك وردودك هي الي بتضحكني.
_ والي زيك بيعرف يضحك زينا؟.
توقف عن الضحك و رد بجديه عندما تفهم ماهية سؤالها:
_ أنا إنسان طبيعي بيضحك وبيهزر يا سمية، وأديكي شايفة بعينيكي لو كنت ربع سليم كان زمانك جثة مرمية في الصحرا والديابة بتنهش في لحمك.
أبتلعت لعابها حين تذكرت ما حدث معها بالأمس وما كان علي وشك الحدوث لها لولا تدخله وإنقاذه من يد هذا المختل السادي.
رمقته بإعتذار وقالت:
_ آسفة ما جصديش الي فهمته.
نهض و أجاب:
_ أنا فاهم كويس أوي، و مقدر خوفك والقلق الي أنتي فيه، وبقولهالك لأخر مرة أي حركة هتعمليها كده ولا كده مش هتكون في صالحك والي كان هيحصل معاكي إمبارح هيبقي أرحم من الي هيعملو فيكي سليم ورجالته، خليكي ذكية وأسمعي كلامي و أوعدك طول ما أنتي معايا هتكوني في أمان.
قالت بداخل عقلها:
_ أمان برضك يا ولد المركوب!، لما نشوف أخرتها أي وياك.
نهضت و وضعت يديها علي خصلاتها لتكتشف إنها بدون حجابها، حدجته بضيق ثم اخذت تبحث عن شئ ما فوقعت عينيها علي مفرش مستطيل يكسو الطاولة، ذهبت نحو وجذبته وقامت بنفضه فوضعته فوق رأسها، أبتسم وقال:
_ هبقي أعمل حسابي في كام تحجيبه، هاسيبك بقي أحضرلك حاجة تاكليها.
لم تهتم لما تفوه به، فسألته:
_ فين الحمام؟.
أجاب مشيراً لها نحو المرحاض:
_ عندك واحد خاص بالأوضة هنا وفي واحد تاني بره في آخر الطرقه، أستخدمي الي يعجبك.
تركته وذهبت إلي المرحاض الملحق بالغرفة وصفعت الباب بقوة، أومأ بسأم ويبتسم من ردود أفعالها، ذهب لإعداد لها الطعام، بينما هي داخل المرحاض وقفت تنظر لإنعكاسها في المرآه وقعت عينيها علي حرق السيجار فمازالت تشعر بالألم، وضعت أطراف أناملها عليه:
_ اللهي تنجطع يدك يا سليم الكلب.
فتحت الصنبور وبدأت بغسل وجهها، أخذت تستنشق رائحتها فزفرت بتأفف، وجدت رداء قطني مطوي علي رف معلق علي الحائط، أنحنت نحو صنبور حوض الإستحمام لتقوم بملأه، فشرعت بخلع ثيابها لتستحم.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ
أنتهت جليلة من أداء فريضتها للتو وهناك طرقات عنيفة علي باب المنزل، فصاحت بالطارق:
_ أباه عليك يالي علي الباب، كتك خابط في نفوخك.
فتحت الباب لتجد إبن أخيها والشر يتطاير من سوادويتيه:
_ فين بتك يا عمتي؟.
تعجبت من زيارته المفاجاءة وسؤاله عن إبنتها وملامحه تنذر بالسوء:
_ رايد أي من بتي يا رافع؟.
و بدون أن يجيبها أندفع نحو غرفة فاطمة ليجدها تخرج من غرفتها وتستند علي مقبض الباب، زجرته بنظره حادة:
_ عايز مني أي يا ولد خالي؟.
جذبها من عضدها و بنبرة مرعبة قال:
_ مين الي كان ماسك يدك وركبتي وياه عربيته؟.
صاحت به:
_ وأنت باعت وراي رچالتك يرجبوني؟.
هزها بعنف قائلاً:
_ ماتچاوبيش السؤال بسؤال وردي عليا بدل وقسماً بالله لأكسر عضمك.
تدخلت جليلة تدفعه عن إبنتها:
_ بعد عن بتي يا رافع وملكش صالح بيها.
حدج عمته بنظرة نارية وقال:
_ يعني موافجة إن بتك تلف علي حل شعرها وعتدافعي عنيها كمان.
تركت المقبض وتحملت الوقوف علي كاحلها المصاب لتهبط بكفها علي وجهه، صفعته وصاحت به:
_ أخرس جطع لسانك.
ترك عضدها ورجع إلي الخلف عدة خطوات يحاول منع نفسه من التهور عليها، فقال بوعيد:
_ الجلم دي لهدفعك تمنه غالي يا فاطمة، وبالنسبة لل...... الي كنتي وياه هعرف هو مين، أبجي أدعيله ربنا يرحمه من الي هسويه فيه.
وقفت جليلة أمامه وقالت بتحذير:
_ إسمعني اني يا ولد أخوي بكفياك بجي الي عتسويه أنت، موجف حال بتي وكل ما حد يجرب منيها يا منسمعلهوش خبر عاد أو نلاجيه مجتول في حادثه ولولا أخوي الي مليش غيره كنت بلغت عنك الحكومة، هملنا وهمل بتي وخليك في دارك ومارتك، رايد مننا أي؟ .
لم يستطع كتمان ما في صدره فثار كالوحش الهائج:
_ بتك ملكي أني، ومفيش مخلوج هيجرب منيها واصل غير لما أكون مخلص عليه.
صاحت فاطمة بنفس وتيرة غضبه:
_ وأني لو أنطبجت السما علي الأرض أو لو كنت آخر راچل في العالم كله ما هكون ليك يا رافع، و سوي الي بدي لك وأحلم كيف ما أنت عايز، لكن حطها حلجه في ودنك عمري ما هكون ليك، عمري ما هكون مرات جاتل وبتاع سلاح وخمره ونسوان، عايزني كيف أرضي بيك وأنت فيك كل العبر والبلاوي دي كلاتها، هملني بجي لحالي وأنساني كيف ما نسيتك ودوست علي جلبي من زمان.
و في آخر كلمة تفوهت بها أجهشت بالبكاء، أقترب منها أوقفته بإشارة من يدها وقالت:
_ خليك مطرحك ومتجربش مني.
ذهبت نحوها والدتها لتسندها قائلة:
_ تعالي ريحي يابتي، غلط تجفي علي رچلك إكده.
هبط ببصره نحو قدمها ليجدها مضمدة وترفعها قليلاً عن الأرض، فتساءل بللهفة وقلق:
_ حوصل متي دي؟.
أجابت عمته:
_ وأني الي كنت بحسبك چاي تطمن عليها لما سمعت عن الحادثة الي حوصلت وياها.
_ حادثه؟.
صاحت فاطمه ببكاء:
_ أيوه حادثه وچاي تتهمني بالباطل وما تعرفش إن الراچل الي كانت هتخبطني عربيته، هو الي كان ماسك يدي لأچل يساعدني وياخدني علي الوحدة ويعالچ رچلي، لكن كيف رافع بيه يحسن النية لازماً ولابد إن تبجي فيه مصيبة.
جلست علي أقرب كرسي بمساعدة والدتها التي قالت له:
_ أرتاحت لما عرفت الحجيجة؟.
أعتراه الخجل والإحراج من نفسه كيف يتحدث معها بتلك الكلمات الفظه وكيف له أن يتهمها بالإنحلال!، خطي نحوها حتي توقف أمامها مباشرة وجثي علي إحدي ركبتيه، مد يده نحو كاحلها المصاب وكاد يلمسه لكنه تذكر عمته التي ترمقه بتحذير علي ماهو مُقبل عليه، نظر في عينيها الباكيتين وقال كالحمل الوديع:
_ حجك علي، أني آسف.
توقفت عن البكاء تحدجه بصدمة غير مصدقة أذنيها، رافع يتأسف ويعتذر عن خطأ أرتكبه!، ألهذا الحد مازال يعشقها ولن ينس حبها الذي يأسر قلبه!.
و في تلك اللحظة، أنفتح باب المنزل ودخل الشيخ واصف زوج عمته يلقي التحية:
_السلام عليكم يا اهل الدار.
نهض رافع منتفضاً عند سماع صوته فبرغم كل قوته وجبروته فإنه يكن كامل الإحترام والتقدير إلي الشيخ واصف وهو الحائل الوحيد الذي يمنعه عن زواج فاطمة عنوة عنها،حيث أخبره عند رفض إبنته له أن إبنته فتاة حرة تملك قرار زواجها ولن يرغمها يوماً علي شئ ضد رغبتها.
نظر واصف إلي ثلاثتهم بإستفهام، رحب برافع أولاً:
_ كيفك يا رافع يا ولدي؟.
أجاب الآخر بإحترام ووقار:
_ الحمدلله زين يا شيخ واصف.
فقال وهو يشير إلي زوجته:
_ واجفة حداكي ليه إكده يا چليلة؟، يلا همي وحطي الواكل لأچل يتغدا ويانا ولد أخوكي.
وقبل أن تنطق چليلة قال رافع:
_ متشكر يا عمي، أنا كنت چاي نطمن عليكو وماشي دلوق.
_ إكده عتحرچني يا ولدي؟.
_ معلش خليها مرة تانية.
_ علي راحتك.
هندم عباءته فوق جلبابه وتحمحم قائلاً:
_ سلام عليكو.
رد ثلاثتهم السلام وذهب وقلبه مليئ بالندم والحزن، فكلماتها كانت كالمياه المثلجة التي أنسكبت فوق رأسه، فهو كما قالت قاتل وتاجر سلاح ويحل لنفسه ما حرمه الله فكيف كفتاة مثلها إبنة لشيخ قام بتربيتها علي الخُلق والدين تقبل أن تكون زوجة لهذا الأبليس اللعين!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ده كل الي قدرت أوصله في القضية لحد دلوقت.
قالها عبد المجيد المحامي الخاص بفارس الذي يلقي نظرة علي الملف الورقي الموجود بين يديه.
قال فارس:
_ ولا معلومة تجدر تفيدني ولا تكون حتي دليل علي براءتي عاد!.
رفع عبد المجيد كتفيه بقلة حيلة قائلاً :
_ كل الي في أيدي عملته، مفيش غير حل وحيد.
بدي علي نظراته اللهفة قائلاً:
_ أي هو؟.
رمقه الآخر بتوتر:
_ هو أنك تطلب زيارة رافع إبن عمك وتطلب منه زي ما لبسك القضية يخرجكك منها.
قامت كلمات هذا المحامي بسبر أغواره فقال بغضب:
_ مستحيل، عايزني كيف أتذلل ليه وأجوله خرچني من المصيبة الي وجعتني فيها!، دي ماصدج دخلني السچن وأتخلص مني.
_ تمن الحرية غالي يا باشمهندس يا فارس، ومهما حصل أنتم في النهاية ولاد عم.
تعجب فارس من حديثه فقال:
_ أنت الي بتجول إكده يا متر؟، أنت أكتر واحد خابر رافع لولا صلة الدم وبعدت عن أخته كان ماترددش لحظة وجاتلني.
لاحظ عبد المجيد نظرة التعجب بداخل عينيه:
_ أنا عرضت عليك الأمر وفكر براحتك، مش بجبرك علي حاجة ده مجرد إقتراح، وياريت متتأخرش في التفكير عشان هيصدر أمر بترحيلك علي النيابة.
صمت فارس يفكر، فأردف الآخر لتتوالي فوق رأسه صدمة ثانية :
_ بالنسبة للأمر التاني الي جايلك فيه هو إعلان الوراثة، إكتشفت إن والدك الله يرحمه أوصي بالبيت والأراضي الي يملكها يتقسمو ما بينك وبين عمتك وعمك.
_ و أبوي عمره ما جال حاچة إكده واصل.
رد الآخر وهو يضبط من وضع نظارته الطبية ويمسك بورقة يقدمها له:
_ أهي الوصية وتحتها إمضة الوالد رحمة الله عليه.
جلس علي الكرسي بوهن يقرأ وصية والده الذي لايعلم عنها شيئ وتعجب من أمرها، فذلك المنزل وتلك الأراضي جميعها تعود إلي ميراث والده عن جده، فكل من عمه وعمته أخذ حقه و والده قام بالحفاظ علي ورثه ولم يبدده مثل أشقاءه بل قام بتمنيته وزيادته، فلما أتخذ هذا القرار في وصيته!، شعر فارس بأن هناك أمر يحدث من وراءه، ربما يوجد خائن!.
نهض وألقي الورقة أمام عبد المجيد وقال:
_ أرجو متفهمنيش غلط يا متر، أني عايز منك تعرض الوصية علي خبير يتوكد من أن أبوي الي كاتبها بعد ما تفرچه علي خطه الي في المستندات الي حداك.
أزدرد الآخر ريقه، وبإمتعاض زائف قال:
_ أمرك يا باشمهندس الي تشوفه.
ألتمس فارس عتاب الآخر من كلماته:
_ أعذرني الي حوصل معاي خلاني أشك في صوابع يدي، ريحني وسوي الي جولتلك عليه.
لملم أوراقه وأدخلها حقيبته قائلاً:
_ ولايهمك يابني، حقك طبعاً ولو عايزني أقوم لك محامي تاني غيري لقضيتك أنا تحت أمرك.
زفر فارس بضيق من نفسه، ربت عليه وقال:
_ حجك علي يا متر، وسبج وجولتلك ماتفهمنيش غلط، و إن كان علي القضية مفيش محامي غيرك هو الي عيترافع عني وبإذن الله هطلع براءة.
_ بإذن الله يا باشمهندس، كله بأمر الله.
_ ونعم بالله.
أنفتح الباب وظهر العسكري قائلاً:
_ وجت الزيارة أنتهي يا باشمهندس.
مد عبد المجيد يده وبإبتسامة مصتنعة قال:
_ أشوفك علي خير إن شاءالله، وتكون فكرت في الي عرضته عليك، وحاول تبص لقدام.
تنهد فارس وقال:
_ إن شاءالله.
وبعد مغادرته للمخفر أخرج هاتفه وقام بالإتصال قائلاً:
_ كله تمام يا رافع بيه، عملت زي ما قولتلي بالظبط.
تمتم الآخر بإبتسامة شيطانية:
_ وإكده مفاضلش غير حاچة واحدة.
_ بتقول حاجة؟.
رد رافع:
_ إكده دورك أنتهي، عايزك تختفي الأيام الچاية وماتعاودش غير لما أجولك، وماتخافش فلوسك كلها هتكون حداك لما توصل دلوق.
إبتسم الآخر بسعادة عارمة:
_ تسلم يا يارافع باشا، ومبروك مقدماً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وفي قرية مجاورة لنجع الشيخ نور الدين، حيث ما زالت توجد المنازل القديمة وبداخل إحدهم، تمسك تلك المرأه بإناء تسكب منه الماء لزوجها ليغسل يديه، فيقول لها:
_ هي البت دي لساتها نايمه لحد دلوق؟.
أجابت عليه:
_ هملها دي يا حبة عيني طول الليل كانت بتبكي من بطنها لحد ما نعست.
جفف يديه بالمنشفة وقال بصوته الغليظ :
_ لو لساتها تعبانة خديها علي الوحدة.
_ حاضر، أنت خارچ ولا أي؟.
رد وهو يسحب نعله من أسفل الأريكة الخشبية:
_ أيوه، فيه مصلحه إكده أدعيلي إنها تتم.
رفعت يديها في وضع الدعاء:
_ ربنا يرزجك من وسع ويفتحها في وشك قادر يا كريم.
أخرج محفظته من جيب جلبابه وأخذ منه بعض ورقات من المال، مد يده بها إلي زوجته قائلاً:
_ خلي الجرشين دول معاكي.
أخذتهم والسرور ينبلج علي وجهها:
_ خيرك سابج يا سي مچاهد.
تحمحم وقال:
_ فوتك بعافية، سلام.
وغادر المنزل، فذهبت هي لتطمأن علي تلك النائمة في الغرفة، جلست بجوارها علي التخت وربتت عليها:
_ بت يا ورد، أنتي يابت، كفاياكي نوم عاد إحنا بجينا العصر ، همي كوليلك لقمة، ده أنتي علي لحم بطنك من عشية إمبارح.
فتحت عينيها بصعوبة:
_ مچاهد أهنه؟.
ردت وهي تفتح النافذة لتهوية الغرفة:
_ أخوكي لساته رايح مشوار حدا چماعة أصحابه وكان بيسأل عليكي وجالي لو لساتك تعبانة كيف إمبارح، أخدك ونتدلي علي الوحدة نطمنو.
نهضت بجذعها والتوتر يعتري ملامحها قائلة:
_ لع، جصدي مفيش داعي، أني بجيت زينة.
_ طب يلا جومي وروحي أفطري الواكل عندك فوج البوتچاز، وأني هلم الخلچات وأشغل عليهم الغسالة.
قالتها وذهبت لتمسك بثياب ورد التي تذكرت شيئاً ما، نهضت بفزع لتمسك بثوبها قبل أن تمد الاخري عليه:
_ هملي ده، لساته نضيف ملحجش يتوسخ.
حملت الثياب لتهم بمغادرة الغرفة:
_ أبجي هاتيلي فرش سريرك أغسله بالمرة.
أجابت ورد تراقبها حتي أطمأنت إنها أبتعدت عن الغرفة:
_ حاضر، هشيلو أهه.
أسرعت خطاها نحو الباب وأغلقته، تنفست الصعداء كاد يُفتضح أمرها أمام زوجة أخيها، نظرت للثوب الذي تحمله علي ساعدها و دست يدها بإحدي جيوبه الجانبية وأخرجت تنظر له وهي تتذكر أحداث ليلة أمس عندما أنتابتها آلام شديدة أسفل بطنها وفي ظهرها، ظنت ربما هي عادتها الشهرية سبب ما تشعر به، فأمسكت بهاتفها لتري تاريخ اليوم فأنتفضت، قد مر أكثر من أسبوعين ونصف، أخبرها حدسها يجب عليها أن تتأكد من شئ ما، خرجت عبر نافذة غرفتها حتي لا يراها شقيقها وينهال عليها بالأسئلة، ذهبت إلي صيدلية تقع علي أطراف القرية وقامت بشراء إختبار حمل وعادت إدراجها سريعة الخطي.
وعندما دلفت أيضاً إلي غرفتها عبر النافذة، تسحبت إلي المرحاض بعد أن تأكدت شقيقها و زوجته وابناءهم الصغار يغطون جميعاً في النوم.
و ها هي تنتظر النتيجة بعد إتباع التعليمات، ظهر خطاً داكناً، فتعالت خفقات قلبها وتدعو في نفسها أن تخيب ظنونها، لكنها خابت وأنهارت كالطامة فوق رأسها حين ظهر الخط الثاني كدليل إثبات إيجابية الحمل.
كتمت شهقاتها بوضع كفها علي فمها وركضت إلي غرفتها، أغلقت الباب لتطلق العنان لدموعها تنعي حظها العثر:
_ يا مُرك يا ورد.
وأخذت ترددها، في تلك الأثناء أستيقظت زوجة أخيها لتجلب زجاجة مياه من البراد، فوصل إلي سمعها صوت أنين وعويل، وقفت أمام غرفة ورد وسمعتها تبكي وتتمتم بكلمات لم تفهم منها شيئاً، طرقت الباب وقالت:
_ بت يا ورد أنتي زينه؟.
أسرعت الأخري بتجفيف عبراتها وخبأت الإختبار في إحدي ثيابها و قامت بطيه:
_ تعبانه هبابة يا مرات أخوي.
فقالت الأخري:
_ أعملك حاچة سخنه تشربيها؟.
أجابت من خلف الباب:
_ ماتتعبيش نفسك، دول حبة مغص وهيروحو لحالهم لما أنعس دلوق.
_ طب لو محتاچة حاچة أبجي نادمي علي.
قالت الأخري بإمتنان:
_ شكراً يا مرات أخوي.
أنتهت من تذكر ما حدث، حدقت لدقائق في الإختبار، تناولت هاتفها من أسفل الوسادة وأبدلت الشريحة بواحدة أخري حتي يجيب عليها ولا يتهرب منها كالعادة، فقامت بالإتصال به لتطلب منه رؤيته، فلابد أن يعلم نتيجة علاقته معها.
ضغطت علي الأسم ثم علامة الإتصال.
وفي مكان آخر بداخل غرفة معتمة يصدر ضوء من شاشة هاتفه وصوت ذبذبات الإهتزاز بدون إصدار رنين، شعرت بها من تتمدد بين زراعيه وتتوسد صدره العاري، ربتت عليه لتوقظه قائلة:
_ زكريا، يا زكريا، موبايلك عمال يعمل ڤيبريشن وينور، شكل حد بيرن عليك.
رد عليها بصوت يغلب عليه النعاس:
_ خليه يرن براحته.
أنتهي الإتصال ليعاود مرة أخري، فلكزته:
_ أهو بيرن تاني، شوف ليكون حد من أهلك.
تأفف و أستدار ليأخذ هاتفه ويري المتصل، وجده رقم غير مسجل فأجاب:
_ الو من معاي؟.
أتاه صوتها وبتوسل قالت:
_ أني ورد ياسي زكريا، بالله عليك ماتجفل السكه، أني كنت عايزه أجابلك ضروري وأجولك علي حاچة مهمة جوي.
زفر بضيق وقال:
_ ما تخلصي وجوليها دلوق، أني مش فاضي للعب العيال بتاعك دي.
_ أني عارفة إنك مش بالنچع وكماني ويا الغازية، ميهمنيش كل الي ريداه منك تجابلني ضروري.
شعر من كلماتها بأن هناك أمر هام ربما يخص إتفاقها مع رافع، فقال:
_ خلاص نبجي نتجابلو في البيت إياه بعد العشا، يلا سلام.
أغلق المكالمة ونهض يزفر بضجر، فنهضت سمارة خلفه وقالت:
_ مين دي يا زيكو؟.
أجاب وهو يتناول المنشفة:
_ دي البت الخدامة الي كانت بتشتغل عند عمي، شكلها محتاچة جرشين.
رفعت جانب ثغرها بتهكم:
_ نعم يا روحي أنا!، أنت هاتصيع عليه، من أمتي معاك فلوس وبتساعد حد، وإشمعنا بتتصل بيك أنت؟.
ألتفت لها وحدجها بتحذير قائلاً:
_ حاسبي علي حديتك يا سمر، وبلاش شغل الغوازي دي معاي.
وضعت يدها في خصرها وقامت بهزه ساخره:
_ ومالهم الغوازي يا سي زكريا.
لا يريد أن يدخل معها في جدال فأقترب منها و وحاوط خصرها، أبتسم بتصنع وقال بنبرة جذابة خادعه يعلم مدي تأثيرها عليها:
_ دول خطفو جلبي من أول نظرة، بعشجهم وبموت فيهم.
تساءلت بدلال:
_ هم مين دول؟.
قام بتقبيل عنقها وأجاب:
_ الغوازي يا جلبي.
حاوطت عنقه وبنظرات جريئة نحو شفتيه قالت:
_ سيبك منهم وركز في غازية واحده يا روحي أنا.
رمقها بنفس نظراتها لكن عينيه تتجول علي أنحاء وجهها بشهوة:
_ و رايدني أركز كيف يعني؟.
أجابت وهي تدفعه علي التخت:
_ إكده يا عينيا.
أرتمت فوقه لتغمره بحبها وتغرقه بداخل ملذاتها المحرمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية