رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثامن 8 - بقلم نور سيف

 رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثامن 8 - بقلم نور سيف


لم تنم نور تلك الليلة

ليس بسبب الأرق العادي — ذلك الأرق الكسول الذي يأتي حين تشربين شايًا ثقيلاً قبل النوم أو تشاهدين فيلم رعب بالغلط.

هذا أرق من نوع مختلف.

أرق المسؤولية.

المغلف كان على الكومودينو بجانب سريرها.

تنظر له وينظر لها. كأنه كائن حي يتنفس ويقول إيه يا نور؟ هتعملي فيا إيه؟

قلّبت الخيارات في رأسها مليون مرة:

الخيار الأول: تدّي الرسالة لآدم مباشرة.

— لا. لو عملت كده هيتدمر. هيقرأ إن سارة كانت مجروحة يوم الحادثة بسبب رسالة ليلى.

هيحس إن الحادثة مش بس ذنبه — فيها ذنب ليلى كمان. وهيحس بخيانة مضاعفة: خيانة ليلى لسارة وخيانة ليلى ليه لما سكتت تلات سنين.

الخيار الثاني: تواجه ليلى الأول.

— ممكن. بس ليلى ذكية وهتنكر وممكن تقلب الموقف على نور وتقول إنها بتفبرك عشان تبعدها عن آدم.

الخيار الثالث: تسكت وتنسى وترجّع المغلف مكانه.

— لا. مش هينفع. لأن آدم عايش في سجن ذنب مش بتاعه لوحده. وكل يوم بيعذّب نفسه.

وكل يوم ليلى بتستغل العذاب ده عشان تفضل قريبة. ده مش عدل.

الخيار الرابع: تكلّم كريم الأول.

— أيوه. ده الخيار الأعقل.

نظرت للساعة. الثالثة صباحًا.

أخذت هاتفها وكتبت رسالة لكريم:

"كريم. في حاجة مهمة جدًا جدًا جدًا. محتاجة أقابلك بكره قبل الشغل لان مش هينفع على الموبايل.

لازم وجهًا لوجه. ومحدش يعرف."

ردّ كريم بعد دقيقة — الراجل صاحي بيلعب بابجي:

"خير يا نور؟ كل حاجة تمام؟"

"لا. مش تمام. بس هتكون تمام إن شاء الله."

"طب قابليني الساعة ٧ في كافيه سيلانترو اللي جنب الشركة."

"تمام."

وضعت الهاتف.

ونظرت للسقف.

وتمتمت:

— يا بابا... لو كنت هنا كنت هتقولي أعمل إيه؟

صمت.

ثم ابتسمت:

— أنت كنت هتقولي: "يا نور الحق زي النور. مهما كان صعب لازم يطلع."

والنور اسمك يا بابا. واسمي. ومش هخلّي الضلمة تكسب.

---

***

الساعة السابعة صباحًا.

كافيه سيلانترو.

نور جالسة في الزاوية الخلفية أمامها كابتشينو لم تلمسه.

شعرها مربوط على عجل. عيونها فيها هالات سودا من السهر. لكن نظرتها صافية وحاسمة.

دخل كريم.

لابس تيشيرت عليه صورة دب وبرمودا وشبشب.

— صباح الخير يا كابتن. إيه الطوارئ؟

— كريم. اقعد. واسمعني كويس. ومتقاطعنيش.

جلس كريم وابتسامته المعتادة اختفت حين شاف وجهها. فهم إن الموضوع جدّي.

أخرجت نور المغلف من شنطتها ووضعته على الطاولة وقالت:

— ده لقيته إمبارح في أرشيف الشركة. وقع من رف بالصدفة. جوّاه رسالة من ليلى حسام لسارة.

— رسالة؟

— اقرأ.

أخذ كريم الرسالة وقرأها.

وكل ما كان بيقرأ وجهه كان بيتغيّر.

أول سطرين: حيرة.

نص الرسالة: صدمة.

آخر سطر: غضب.

والتاريخ المكتوب بالأحمر — "سارة قرأتها — ١٠ يوليو ٢٠٢١" — عند السطر ده وضع كريم الرسالة على الطاولة وقال بصوت مخنوق:

— يوم الحادثة.

— أيوه يا كريم. يوم الحادثة.

— يعني سارة قرأت إن صاحبتها بتحب خطيبها... يوم ما ركبت العربية وحصل الحادث.

— أيوه.

— يعني ممكن... يعني لو كانت متضايقة ولا اتخانقوا في العربية بسببها...

— مش عارفة بالتأكيد. بس الاحتمال موجود.

وضع كريم رأسه بين يديه:

— يا ساتر.

— كريم... آدم بيحمّل نفسه مسؤولية الحادثة من تلات سنين.

بيقول لو مسوقتش بسرعة.
بيقول لو أخد طريق تاني.

بيعذّب نفسه كل يوم. وليلى عارفة الحقيقة دي وساكتة.

مش بس ساكتة — بتستغلها. بتقعد جنبه كل يوم كإنها الصديقة الوفية.

وهي في الحقيقة... هي اللي ممكن تكون السبب اللي مالهوش ذنب فيه.

— وآدم مش عارف إن الرسالة دي موجودة.

— أكيد مش عارف. لأن لو كان عارف مكانش سمح لليلى تقرب من حياته تاني.

جلس كريم صامتًا دقيقة كاملة يفرك عينيه تحت نظارته.

ثم قال:

— نور... الموقف ده أكبر مننا.

أنا و أنتي مش نقدر نروح نقول لآدم كده ببساطة.

الراجل ده لو عرف هيتدمر. مش عاطفيًا بس — حرفيًا ممكن يعمل حاجة غلط.

لأن آدم لما بيتجرح مش بيعيّط ولا بيزعل زي الناس العادية. بيولّع.

— طب نعمل إيه؟

— في حد واحد ممكن يقوله.

— مين؟

— عمه.

أنور الصياد. أخو أبوه. هو اللي ربّاه بعد ما أبوه سافر.

وهو الإنسان الوحيد اللي آدم بيسمع كلامه.

الراجل حكيم ومتزن وبيحب آدم زي ابنه.

— وفين عمه ده؟

— عنده مزرعة في الفيوم. بيجي القاهرة كل أسبوعين. وبالصدفة... هييجي بكره.

— بكره؟

— أيوه. عنده اجتماع مجلس إدارة. لأنه شريك في الشركة.

— طب أنا أقدر أقابله إزاي؟

— سيبي الموضوع ده عليا. أنا هرتّبلك المقابلة. بس نور... في حاجة لازم تكوني مستعدة ليها.

— إيه؟

— إن لما الحقيقة تطلع... آدم مش هيبقى زعلان من ليلى بس. ممكن يزعل منك إنتي كمان.

— مني أنا ليه؟

— عشان إنتِ اللي لقيتِ الرسالة ومقلتيلوش فورًا.

عشان كلمتي عمه الأول.

عشان اتصرفتي في حياته من وراه. آدم بيكره حد يتحكم في حاجة تخصّه

حتى لو بنية كويسة.

صمتت نور.

— يعني ممكن يكرهني.

— ممكن. مش أكيد. بس ممكن.

— وممكن أخسره قبل ما أكسبه.

— أيوه.

نظرت نور لفنجان الكابتشينو البارد أمامها.

ثم قالت بصوت هادئ ثابت:

— مش مهم.

مش مهم يكرهني.
المهم يعرف الحقيقة. المهم يبطل يعذّب نفسه على ذنب مش بتاعه لوحده.

حتى لو كرهني بعدها... يبقى على الأقل هيبقى حر.

نظر لها كريم بعينين لامعتين:

— أبوكي ربّى إنسانة يا نور.

ابتسمت:

— أبويا ربّى بنت سائق تاكسي بتحب الحق وبتكره الظلم وبتعرف تستخدم المقلاة.

ضحك كريم رغم ثقل الموقف:

— ربنا يستر يا بنتي. ربنا يستر.

---

***

اليوم التالي. الجمعة.

الساعة العاشرة صباحًا.

الشركة شبه فارغة — يوم الجمعة مش يوم عمل رسمي لكن الإدارة العليا بتيجي لاجتماعات مجلس الإدارة.

نور جاءت بطلب من كريم الذي رتّب لها مقابلة مع أنور الصياد في كافتيريا الشركة "بالصدفة".

جلست على طاولة وأمامها ملفات — كغطاء — وبتتظاهر إنها شغالة.

الباب اتفتح.

ودخل أنور الصياد.

رجل في الستينيات. طويل — أطول من آدم بقليل — بشعر أبيض كثيف مسرّح للخلف.

وجه محفور بالتجاعيد لكنه وسيم بطريقة كلاسيكية.

عيون بنية هادئة ذكية حانية. يرتدي جلابية بيضاء مكوية بعناية وفوقها بليزر كحلي — مزيج غريب بين الفلاح والبرنس يليق به وحده.

كريم كان بجانبه:

— تعالَ يا عم أنور أعرّفك على نور. المرشدة الجديدة اللي كانت مع الوفد الإسباني.

نظر أنور لنور بعينيه الهادئتين ومدّ يده:

— نور أنا سمعت عنك كتير يا بنتي.

كارلوس مونتيرو بنفسه بعتلي إيميل يمدح فيكِ.

— تشرفت يا عم أنور.

— وأنا كمان. كريم قالي إنك عايزة تتكلمي معايا في حاجة مهمة.

نظرت لكريم الذي أومأ لها بهدوء ثم انسحب وأغلق الباب خلفه.

جلس أنور أمامها وطلب شايًا من العامل. ثم نظر لها بتلك النظرة الأبوية الصبورة:

— اتكلمي يا بنتي. أنا سامعك.

أخذت نور نفسًا عميقًا.

ثم بدأت تحكي.

حكت كل شيء.

من أول يوم في الشركة.

المصعد. المقلاة. الصحراء. العاصفة. الشاي بالنعناع.

العود في الظلام. القهوة بالسكر. الجاكيت. ليلى. المطعم. رفض التوصيلة. الأرشيف. المغلف.

والرسالة.

أخرجت الرسالة ووضعتها أمامه.

قرأها أنور ببطء.

كل سطر كان ياخد منه ثواني أطول. كأنه بيقرأ كل كلمة مرتين. ثلاث مرات.

حين وصل للتاريخ المكتوب بالأحمر — "سارة قرأتها — ١٠ يوليو" — أغمض عينيه.

وحطّ الرسالة على الطاولة.

وحطّ يده على فمه.

وصمت.

صمت طويل.

نور لم تتكلم. تركته.

بعد دقيقة كاملة فتح عينيه. وكانتا حمراوين.

— تلات سنين.

قالها بصوت مخنوق.

— تلات سنين الولد ده بيعذّب نفسه.

بيحمّل نفسه ذنب موت خطيبته. وأنا شايفه بيموت كل يوم وعمّال أقول ده وقت وهيعدّي.

وطلع في سبب تاني مكناش عارفينه.

— يا عم أنور... أنا مش بقول إن ليلى هي السبب في الحادثة.

الحادثة ليها أسباب كتير. السرعة والطريق والقدر.

بس اللي بقوله إن سارة كانت مجروحة يوم الحادثة.

وإن آدم لو يعرف ده ممكن يفهم إن اللي حصل مش بسببه لوحده. ممكن يبطل يحمّل نفسه كل الوزر.

— وليلى؟

— ليلى عارفة إن الرسالة دي موجودة.

وعارفة إن سارة قرأتها. وسكتت. تلات سنين سكتت. وبتستخدم ذنبه عشان تفضل جنبه.

ضرب أنور بقبضته على الطاولة ضربة واحدة مكتومة لكنها هزّت فنجان الشاي:

— يا بنتي... ليلى دي كانت بتيجي بيتنا كل أسبوع بعد الحادثة.

كانت بتعيّط وبتقول "سارة صاحبتي ومش هسيب آدم." وإحنا كنا بنحمد ربنا إن في حد بيقف جنبه. وطلعت...

لم يكمل الجملة. ابتلعها.

ثم نظر لنور بعينين فيهما شيء عجيب — مزيج من الامتنان والألم:

— إنتِ يا نور... ليه عملتِ كده؟ ليه مجبتيش الرسالة امام ادم وخلاص وسيبتي الموضوع عليه؟ ليه جيتي ليا الأول؟

— عشان بخاف عليه.

قالتها ببساطة.

بدون تزويق. بدون لف ودوران. بدون ما تدّعي إن السبب مهني أو إنساني أو أي حاجة تانية.

— بخاف عليه.

وعارفة إنه لو قرأ الرسالة لوحده ممكن يتدمر.

وعارفة إنه محتاج حد يحبه يكون جنبه لما يعرف. وأنا... أنا لسه مش الحد ده.

لسه مأخدتش المكان ده في حياته. لكن حضرتك أخدته.

فحبيت الحقيقة توصله من حد يثق فيه.

ابتسم أنور ابتسامة حزينة مليئة بالحنان:

— يا بنتي... أنا فاهم كل حاجة.

— فاهم إيه يا عم أنور؟

— فاهم إنك بتحبي ابن أخويا. وفاهم إنه بدأ يحبك.

وفاهم إنكم الاتنين خوّافين. وفاهم إن اللي عملتيه ده... مش بنت عادية تعمله.

نزلت دمعة واحدة من عين نور مسحتها بسرعة:

— عم أنور بالله عليك... متقولوش إني أنا اللي لقيت الرسالة.

— ليه؟

— عشان مش عايزاه يحس إني دخلت في خصوصياته.

ومش عايزاه يحس إني بعمل كده عشان أبعد ليلى وآخد مكانها.

أنا مش عايزة آخد مكان حد يا عم أنور. أنا عايزة بس آدم يكون حر.

نظر لها أنور طويلاً.

ثم قام ووقف أمامها ووضع يده على رأسها وقال:

— أبوكي مبسوط منك دلوقتي أوي يا نور. ربنا يرحمه ويحسن إليه.

ثم أخذ المغلف ووضعه في جيب بليزره:

— سيبي الموضوع عليا. أنا هتصرف. وهتصرف صح إن شاء الله.

ومشى.

وقفت نور وحدها في الكافتيريا الفارغة.

ونظرت لكوب الشاي بتاعه اللي مشربهوش.

واكتشفت إن إيديها بتترعش.

ومعدتها فاضية.

ورجليها تقيلين.

أخرجت هاتفها وكتبت لكريم:

"خلصت. عم أنور أخد الرسالة. اللي هيحصل هيحصل."

ردّ كريم: "ربنا معاكِ يا نور. وأنا فخور بيكِ."

ردّ بعدها بثانية: "وعم رضا بيعيّط."

ردّت نور: "قوله ميعيّطش. أنا اللي المفروض أعيّط."

ردّ كريم: "عيّطوا انتو الاتنين. الحمام فاضي."

---

***

الساعة الثانية ظهرًا.

مكتب آدم الصياد.

آدم جالس خلف مكتبه يراجع تقارير الربع الثالث حين فُتح الباب بدون طرق.

الشخص الوحيد اللي بيدخل من غير ما يطرق هو عمه أنور.

دخل أنور. أغلق الباب خلفه بهدوء. وجلس في الكرسي المقابل.

رفع آدم رأسه:

— عم أنور؟ الاجتماع خلص؟

— خلص.

— في حاجة؟

— في حاجة.

نظر آدم لعمه بانتباه. يعرفه جيدًا. يعرف أن أنور حين يقول "في حاجة" بهذه النبرة الهادئة يكون الموضوع خطير.

— اتكلم يا عم أنور.

أخرج أنور المغلف من جيبه ووضعه على المكتب.

آدم نظر للمغلف. قرأ الكتابة عليه.

"خاص — سارة / رحلة الساحل الشمالي — يوليو ٢٠٢١"

تجمّد.

كل عضلة في جسمه تجمّدت.

— ده إيه يا عم أنور؟

— اقرأ.

— مش عايز أقرأ.

— اقرأ يا آدم.

— قلت مش عايز!

— وأنا قلت اقرأ!

صوت أنور لم يكن مرتفعًا. لكنه كان صلبًا كالحجر.

صوت الرجل الذي ربّى هذا الطفل وحوّله لرجل ويعرف متى يكون حنونًا ومتى يكون حازمًا.

مدّ آدم يده ببطء.

أخذ المغلف.

أخرج الرسالة.

وقرأ.

***

القراءة استغرقت دقيقتين.

لكن خلال الدقيقتين دول حصلت أشياء على وجه آدم لو حد صوّرها بالسلو موشن كانت هتبقى أعنف مشهد في أي فيلم.

أول ثلاثين ثانية: ارتباك.

دقيقة: فهم

والفهم جه ومعاه صدمة عنيفة شدّت ملامحه كلها لأسفل كأن الجاذبية اتضاعفت.

دقيقة ونص غضب.

عروق رقبته انتفخت. فكّه اتشدّ لدرجة إن أسنانه كادت تتكسّر.

الدقيقة الأخيرة الألم.

ألم من النوع اللي مبيطلعش صوت. ألم صامت كاتم. زي رصاصة بكاتم صوت — بتخش من غير ما حد يسمع

لكن الدمار من جوا

وضع الرسالة على المكتب.

ووضع يديه على وجهه.

وصمت.

أنور لم يتكلم. جلس بصبر ينتظر.

بعد دقيقة رفع آدم وجهه.

وجهه كان مختلفًا. ليس حزينًا. ليس غاضبًا.

شيء أبعد من الاتنين. شيء يشبه الانهيار المتحكّم فيه — كمبنى بينهار لكن بالديناميت المحسوب عشان

ينزل على نفسه مش على اللي حواليه.

— ليلى.

قالها. كلمة واحدة. لكنها حملت كل الخيانة والغدر والكذب.

— ليلى كانت بتحبني.

وبعتت لسارة جواب. وسارة قرأته يوم الحادثة.

وطول التلات سنين اللي فاتوا ليلى ساكتة.

ليلى قاعدة جنبي بتعيّط على سارة وبتقولي "أنا صاحبتها ومش هسيبك." وهي عارفة...

صوته اتكسّر.

— عارفة إن سارة كانت مجروحة بسببها يوم ما ماتت.

وإني أنا... أنا بحمّل نفسي ذنب مش بتاعي لوحدي.

قام فجأة وضرب المكتب بقبضتيه ضربة مدوّية خلّت الأقلام تتطاير والكوب يقع ويتكسر

— تلات سنين يا عم أنور

تلات سنين بموت كل يوم
بصحى الصبح وأول حاجة بشوفها وشّ سارة

وآخر حاجة بالليل بحلم بالعربية وهي بتنقلب

ومفيش يوم مسألتش نفسي لو مسوقتش بسرعة... لو خدت طريق تاني... لو...

— يا آدم...

— وطلع في سبب تاني! كان في جواب

سارة كانت مجروحة قبل ما تركب جنبي يمكن كانت بتعيّط

يمكن كانت متشتتة يمكن هي اللي طلبت مني أسرّع عشان عايزة ترجع البيت

مش فاكر مش فاكر يا عم أنور عشان أنا بعد الحادثة ذاكرتي لخبطت ومبقتش فاكر تفاصيل اللي حصل قبلها!

دموعه سقطت.

آدم الصياد. الجبل الجليدي. تمثال الرخام. الرجل الذي لا ينكسر.

بيعيّط.

ليس بكاء صامت أنيق هادئ.

بكاء حقيقي من ذلك النوع الذي يهزّ الكتفين ويشوّه الملامح ويطلّع أصوات ما ينفعش تتوصف.

أنور قام وراح لابن أخوه واحتضنه.

راجل ستيني يحضن راجل تلاتيني كأنه طفل.

وآدم لأول مرة من تلات سنين سمح لحد يشوفه بينهار.

— اهدى يا آدم. اهدى يا حبيبي.

— هي كانت مجروحة يا عم أنور. سارة ماتت وهي مجروحة. ومفيش حد قالها إن الدنيا هتبقى كويسة.

— سارة ماتت وربنا بيحبها يا ابني. وهي دلوقتي في مكان أحسن.

وإنت لازم تعيش. مش عشانك. عشانها. عشان لو سارة تشوفك كده مش هترضى.

بعد عشر دقائق هدأ آدم.

جلس على كرسيه. عيونه حمرا ومنتفخة. كرافتته مايلة. شعره مبعتر. قميصه مجعّد.

ومع ذلك... شيء تغيّر.

شيء خفيف.

كأن ثقلاً كان على صدره — ثقل رهيب من الذنب — اترفع

مش كتير. بس كفاية إنه يتنفس أحسن بدرجة واحدة.

— عم أنور.

— أيوه يا ابني.

— مين لقى الرسالة دي؟

صمت أنور.

— مين يا عم أنور؟

— مش مهم يا آدم.

— بالعكس

مهم جدًا. مين اللي حطّها في إيدك بدل ما يحطها في إيدي؟

مين اللي فكّر إن أنا مش أقدر أستحمل الحقيقة لوحدي فراح لعمي الأول؟

نبرته فيها شيء مش واضح لسه — ممتن ولا مجروح؟ عاجبه ولا زعلان إن حد اتصرف من وراه؟

— يا آدم... اللي عمل كده عمله عشان بيحبك وخايف عليك.

— مين؟

أنور نظر لآدم.

وقرر إنه مش هيكدب

— نور

الصمت اللي ملا المكتب بعد ما أنور ما قال الاسم ده كان من النوع اللي بيسمعه الكون

آدم لم يتكلم

لم يتحرك.

لم يرمش.

جلس ينظر للمكتب أمامه.

ثم قال بصوت بالكاد مسموع:

— نور.

— أيوه. نور.

— نور لقت الرسالة. ومجاتش قالتلي. وراحتلك إنت.

— عشان خايفة عليك يا ابني. خايفة تتدمر لو قرأتها لوحدك. فراحت لحد تثق فيه.

وده دليل عقل مش خيانة.

— أنا مقلتش خيانة.

— طب قلت إيه؟

صمت.

ثم قال شيئًا غريبًا. شيئًا لم يتوقعه أنور:

— هي... هي كانت عارفة إن ممكن أزعل منها وهي عملتها برضو؟

— أيوه

وقالتلي كده بالظبط. قالتلي حتى لو كرهني بعدها... المهم يكون حر

ابتلع آدم.

وأغمض عينيه.

و"حتى لو كرهني" دي دارت في دماغه كصدى في كهف عميق.

حتى لو كرهني.

دي بنت مستعدة تخسرني عشان أنا أكسب نفسي.

مين بيعمل كده غير...

فتح عينيه

— عم أنور.

— أيوه يا ابني.

— أنا عايز أشوف ليلى.

— دلوقتي؟

— دلوقتي.

— إنت متأكد إنك في حالة تقابلها؟

— أنا عمري ما كنت متأكد من حاجة في حياتي زي دلوقتي.

أخذ هاتفه واتصل بليلى

— ليلى. أنا عايزك في مكتبي خلال نص ساعة.

صوت ليلى مفاجأ لكنه سعيد

— حاضر يا آدم في حاجة؟

— في حاجة.

وأغلق الخط.

وفي مكتبها الصغير في الطابق الثالث كانت نور جالسة في الظلام.

لم تشعل النور.

جالسة على كرسيها ورجليها مرفوعتين على المكتب ورأسها مسنود على ضهر الكرسي وعيونها مفتوحتين على السقف.

هاتفها رنّ.

كريم.

— نور.

— أيوه.

— آدم عرف.

— عرف إيه بالظبط؟

— كل حاجة الرسالة ليلى وإنك إنتي اللي لقيتِ الرسالة.

صمت.

— نور؟ إنتي رحتى فين؟

— موجودة.

— إنتي كويسة؟

— مش عارفة.

— نور... عم أنور قالي إن آدم لما عرف إنك إنتي اللي عملتي كده

— زعل مني؟

— لا.

— اتضايق؟

— لا.

— طب إيه؟

— عم أنور قال إن آدم بعد ما عرف إنك إنتي قعد ساكت دقيقة كاملة وبعدين قال جملة واحدة بس.

— إيه هي؟

— قال: "حتى لو كرهني."

صمت.

— وبعدين؟

— وبعدين طلب ليلى تيجي مكتبه.

— يعني المواجهة

— المواجهة دلوقتي يا نور

أغلقت نور الهاتف.

ووضعته على المكتب.

ونظرت للسقف.

ونزلت دموعها

لكن هذه المرة... مكانتش حزن.

كانت دموع شخص عمل الصح. ومستنّي ربنا يكمّل الباقي.

همست:

— يا بابا... النور طلع.

ومن الطابق الخامس كانت أصوات مكتومة تتسرب من مكتب آدم الصياد.

صوت ليلى آدم أنا أقدر أفسّرلك

صوت آدم هادئ. منخفض. أخطر من أي صراخ.

مش محتاج تفسير يا ليلى

محتاج بس أفهم حاجة واحدة إنتي وقفتى على جنازتها وعيّطتى وإنتى عارفة إنها ماتت وهي مجروحة بسببك.

إنتى عيّطتى على إيه بالظبط؟ على سارة ولا على ذنبك؟

صمت.

ثم صوت كعب عالي يطقطق بسرعة نحو الباب.

وباب ينفتح وينقفل.

وصوت مصعد ينزل.

وصوت بكاء يبتعد.

وفي مكتبه جلس آدم وحده.

نظر لشاشة هاتفه.

الصورة المقفولة.

العيون الخضراء.

فتحها.

نظر لها طويلاً.

ثم فعل شيئًا لم يفعله من قبل.

قال

— سامحيني يا سارة.

مش عشان الحادثة عشان ضيّعت تلات سنين من عمري عايش في قبرك بدل ما أعيش في حياتي

إنتى مكنتيش هترضي بكده
أنا عارف.

ثم ضغط على الصورة.
وحذفها

ليس من الهاتف فقط.

من القفل. من السجن. من الذنب.

سارة ستبقى في ذاكرته دائمًا. لكنها لن تبقى سجنه.

نظر من النافذة

الشمس بتغرب.

والسماء بتتلوّن
وهو لأول مرة من تلات سنين شايف الألوان.

مش أبيض وأسود.

ألوان.

ثم همس

— نور.

واحدة.

مجرد اسمها.

لكنه قالها بطريقة مختلفة عن أي مرة قبل كده.

قالها كإنها بداية جملة طويلة أوي.

جملة هيستغرق وقت يكملها.

لكنه بدأها.

وده يكفي.


--- تم وابعتلك الفصل الجديد على الخاص

ليلى خرجت من حياة آدم
والقلب اللي كان ميت بدأ ينبض.

لكن نور لا تعلم بعد ماذا حدث في المكتب.

ولا تعلم أن آدم حذف الصورة.

ولا تعلم أنه همس باسمها فقط

كل ما تعرفه أنها عملت الصح... وإن الباقي على الله.

•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية

تعليقات