رواية شمس حياتي الفصل الثامن 8 - بقلم نور محمد

 رواية شمس حياتي الفصل الثامن 8 - بقلم نور محمد

الحلقة الثامنة 
الصمت اللي سيطر على المكتب كان أتقل من الرصاص. سليم قاعد على كرسيه، ملامح وشه اتغيرت من الفرحة والترحيب، لجمود وقلق أب خايف على بنته اللي لسه يادوب بتتعافى من كابوس مرعب.
 برة الباب، "شمس" كانت واقفة متسمرة، حاطة إيدها على بوقها تكتم أنفاسها، وودانها معلقة بكل حرف هيخرج من الدكتور حمزة.
سليم بصوت مليان حذر: "سر إيه ومسؤولية إيه يا دكتور حمزة؟ إنت دكتور كبير وسمعتك تسبقك، إيه اللي ممكن يكون في حياتك يخلي أب يرفض يجوزك بنته؟ اتكلم يا ابني، أنا قلبي اتقبض."
حمزة أخد نفس عميق، وضم إيديه لبعض، وعينيه اللي كانت بتلمع بالثقة دايماً، ظهر فيها وجع وانكسار مدفون من سنين.
حمزة بصوت هادي وموجوع: "أنا كنت متجوز من سبع سنين يا حج سليم.. اتجوزت بنت خالي، 'ليلى'. كانت قصة حب من أيام الجامعة، وعشنا مع بعض أجمل أيام حياتنا. ربنا رزقنا بـ 'فريدة'.. بنتي ونور عيني. بس الفرحة مكملتش. من تلات سنين، كنا راجعين من سفر، وأنا اللي كنت سايق... عربية نقل كسرت علينا فجأة على الطريق السريع."
حمزة سكت ثانية، بلع ريقه كأنه بيبلع شوك، وكمل:
"الحادثة كانت بشعة. ليلى.. ليلى حضنت فريدة عشان تحميها بجسمها. ليلى ماتت في ساعتها يا حج سليم. أنا طلعت بكسور وجروح، وفريدة طلعت سليمة جسدياً.. بس روحها ماتت مع أمها.
فريدة من يوم الحادثة، من تلات سنين، ما نطقتش ولا حرف. جالها 'صدمة نفسية وخرس اختياري'. بنت عندها خمس سنين، مبتتكلمش، مبتلعبش، مبتضحكش، بتترعش لو سمعت صوت عالي، وبتقوم من النوم تصرخ من غير صوت."
سليم قلبه وجعه، وعينيه دمعت على مأساة الشاب اللي قدامه.
سليم بتعاطف أبوي: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. ربنا يرحمها ويشفي بنتك يا ابني. ده قضاء ربنا ومفيش حد يلومك عليه.. إنت راجل بتراعي بنتك، دي حاجة تكبرك متصغركش."
حمزة رفع عينه وبص لسليم:"الموضوع مش بس فريدة يا حج. والدة ليلى.. 'الحاجة صفاء'. الست دي ربتني يتيم، ولما بنتها الوحيدة ماتت، عقلها مقدرش يستوعب الصدمة. جالها زهايمر مبكر وصدمة عصبية.. بقت بتنسى كل حاجة، إلا إن ليلى لسه عايشة. أنا أخدتها تعيش معايا في بيتي، رافض أوديها دار مسنين. أنا اللي بأكلها، وأنا اللي براعيها، وهي طول الوقت بتناديني كأني لسه جوز بنتها، وساعات بتدور على ليلى في أرجاء البيت وتعيط."
حمزة وقف، ومشى خطوتين في المكتب، وكمل بنبرة حاسمة:
"أنا لما جيت أطلب إيد شمس، مكنتش جاي أدور على جليسة أطفال لبنتي، ولا ممرضة لحماتي. أنا أقدر أجيب جيش من الخدم يخدمهم. أنا جيت أطلب شمس لأن قلبي دق ليها هي. بس أنا مبكدبش.. اللي هتدخل بيتي، هتعيش مع طفلة معقدة نفسياً ومحتاجة صبر أيوب، ومع ست كبيرة فاقدة الذاكرة وممكن في أي لحظة تقولها 'إنتي مين وبتعملي إيه في بيت بنتي ليلى'. شمس لسه طالعة من صدمة قاسية، ومحتاجة تدلع وتعيش سنها وتتبسط.. وأنا حياتي فيها جزء كبير من العتمة. عشان كدا قولتلك.. أي أب هيخاف يرمي بنته في الحمل ده."
سليم سكت فترة طويلة. كلام حمزة لمس قلبه كإنسان، بس كأب.. الحسبة مختلفة.
سليم بحزن وحكمة: "إنت راجل زين يا حمزة. ندروا الرجال اللي بيشيلوا الجميل ويصونوا العشرة زيك. بس أنا أب.. بنتي شمس انطفت ورجعت نورت من تاني بمعجزة. أنا مصدقت شفت الضحكة على وشها النهاردة. مقدرش أخدها من ضلمة أوضتها، أحطها في بيت مليان وجع وماضي حزين. شمس رقيقة وضعيفة، ومش هتقدر تستحمل طفلة مريضة وست مريضه كده.. أنا آسف يا ابني. إنت تستاهل كل خير، وبنتي تستاهل تعيش من غير شيلة تقيلة على كتافها."
برة الباب، شمس كانت دموعها بتنزل زي الشلال.
كلام حمزة عن بنته وحماته كسر قلبها، ورفض أبوها المنطقي وجعها أكتر. حست إنها بتضيع فرصة عمرها مع راجل حقيقي، بس في نفس الوقت.. كلام أبوها صح. هي لسه بتتعافى، هتقدر إزاي تشيل كل ده؟ انسحبت شمس بسرعة وراحت على أوضتها وقفلت الباب، وانهارت في البكاء.
حمزة ابتسم بوجع وتفهم، وقرب من سليم وباس راسه.
حمزة:"أنا مقدر خوفك، وكنت متأكد من ردك. يكفيني شرف إني قعدت معاك يا حج سليم. أستأذن أنا، ومبروك ليونس وزينة."
خرج حمزة من البيت، وقلبه مقبوض، بس ضميره مرتاح.
روايه شمس حياتي بقلمي نور محمد 
بعد مرور ثلاثة أيام - يوم عقد قران (كتب كتاب) يونس وزينة
البيت كان عبارة عن خلية نحل مليانة فرحة. نعيمة جابت أكبر فرقة مزمار بلدي في الشارع، وأهل الحتة كلهم متجمعين. يونس كان لابس بدلة كحلي في غاية الأناقة، وعكازه في إيده، بس ضحكته كانت منورة الدنيا.
أما زينة.. زينة كانت حكاية. لابسة فستان أبيض رقيق جداً ومحتشم، تاج بسيط على راسها، وميكب مخليها زي الملايكة. كانت قاعدة جنب يونس، والمأذون في النص، وسليم حاطط إيده في إيد يونس كوكيل للعروسة.
المأذون: "بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."
الكلمة طلعت، والزغاريد ملت الشارع. يونس شد زينة لحضنه قدام الكل وباس راسها بقوة.
يونس بدموع الفرحة: "أخيراً بقيتي حلالي.. عوضي الجميل اللي ربنا جبر بخاطري بيه. بحبك يا زينة."
زينة وهي بتبكي من السعادة: "أنا اللي بحبك يا يونس.. إنت أهلي ودنيتي وكل ما ليا."
بدر (أخوهم الكبير اللي عقله طفل) جرى عليهم وهو ماسك بوكيه ورد صغير، ولبس زينة طوق من الورد.
بدر بفرحة وبراءة: "زينة بقت عروسة يونس! زينة مش هتمشي وتسبنا صح؟"
يونس حضن بدر بايد، وزينة بالايد التانية: "زينة عمرها ما هتمشي يا بدر.. إحنا كلنا هنفضل سوا دايماً."
شمس كانت واقفة بعيد شوية، بتبصلهم ومبتسمة وبتسقف، بس عينيها كانت بتلمع بحزن خفي.
الفرحة دي كانت ممكن تكون فرحتها لو الظروف اختلفت. يونس لمح نظرة شمس، ساب الناس كلها وراح ناحيتها.
يونس بحنية: "عقبالك يا نور عيني. بكرا يجيلك سيد الرجالة اللي يشيلك جوة عينيه وأفرح بيكي."
شمس ابتسمت بوجع وضمته: "أنا فرحتي الحقيقية في فرحك إنت يا يونس.. ربنا يسعدك إنت وزينة."
في اليوم التالي - غرفة شمس
شمس كانت قاعدة على السرير، ماسكة كراسة الرسم بتاعتها. من يوم ما حمزة مشي، وهي مش قادرة تبطل تفكير فيه. في نبرة صوته، في أمان عينيه، وفي الوجع اللي كان بيحكيه عن بنته 'فريدة'.
قامت وقفت قدام المراية. بصت لنفسها. افتكرت كلام حمزة ليها في الجنينة: "اللي شايفه قدامي مش بنت مكسورة.. أنا شايف محاربة".
سألت نفسها بصوت مسموع: "إنتي بجد محاربة يا شمس؟ ولا إنتي ضعيفة زي ما بابا قال؟ لو حمزة كان ضعيف، كان ساب حماته في دار مسنين ورمى بنته لمربية وراح عاش حياته. بس هو راجل.. ليه أنا مكنش ست وتتحمل؟ ليه أهرب من الوجع بدل ما أداويه؟"
حسمت شمس قرارها. لبست هدومها بسرعة، وطلعت الصالة
شمس بجدية: "يونس.. أنا عايزاك تاخدني مشوار مهم جداً دلوقتي."
يونس استغرب من لهجتها القاطعة: "مشوار إيه يا شمس على الصبح كدا؟"
شمس بإصرار: "عايزة أروح عنوان بيت الدكتور حمزة."
يونس برّق عينيه: "نعم؟ بيت دكتور حمزة؟ ليه يا شمس؟ أبوكي لو عرف ممكن يزعل، إحنا قفلنا الموضوع ده خلاص."
شمس بدموع لمعت في عينيها: "بابا قفل الموضوع عشان خايف عليا.. بس أنا اللي هعيش يا يونس. أنا سمعت كل حاجة يومها. أنا من حقي أشوف بعيني قبل ما أحكم على نفسي بالإعدام من الحب ده. وديني هناك يا يونس.. عشان خاطري."
يونس مقدرش يرفض طلبها لما شاف اللمعة دي في عينيها. وافق وأخدها في عربيته.
أمام فيلا الدكتور حمزة - حي المعادي
الفيلا كانت هادية، محاطة بجنينة كبيرة بس تحس إن روحها مطفية. البواب فتحلهم، ودخلوا. يونس رن الجرس، وفتحتلهم شغالة كبيرة في السن.
يونس: "السلام عليكم، دكتور حمزة موجود؟ قوليله يونس سليم وأخته شمس."
الشغالة دخلتهم الصالون. المكان كان راقي جداً بس هادي لدرجة مرعبة، مفيش أي ألوان مبهجة أو صوت لعب أطفال.
بعد دقايق، نزل حمزة من على السلم. أول ما شاف شمس، اتسمر مكانه. عيونه وسعت بذهول، قلبه دق بسرعة كأنه مراهق. كان لابس بنطلون جينز وتيشيرت بيتي، ملامحه كانت مرهقة بس وسيم كالعادة.
حمزة بصوت متفاجئ:"يونس؟ شمس؟ أهلاً وسهلاً.. أنا مش مصدق عيني."
يونس سلم عليه: "أنا آسف على المجيء المفاجئ يا دكتور، بس شمس أصرت إننا نيجي."
حمزة بص لشمس، اللي كانت واقفة بكل ثقة ورقة.
شمس بثبات: "أنا سمعت كلامك مع بابا يا دكتور حمزة. وبابا رفض لأنه خايف عليا.. بس أنا مش طفلة. أنا جيت النهاردة عشان أشوف فريدة.. وأشوف الحاجة صفاء."
حمزة حس إن في جبل اتشال من على صدره، بس في نفس الوقت خاف عليها من التجربة.
حمزة بابتسامة حزينة:"إنتي شجاعة أوي يا شمس.. بس أنا خايف عليكي تتصدمي."
شمس: "أنا شفت الموت بعيني ورجعت منه.. مفيش حاجة هتصدمني تاني."
وفجأة.. سمعوا صوت تكسير إزاز جاي من أوضة في الدور الأرضي، ووراه صوت ست كبيرة بتزعق وبتعيط.
حمزة وشه اتخطف: "دي الحاجة صفاء!"
جرى حمزة ناحية الأوضة، ويونس وشمس جريوا وراه.
دخلوا الأوضة لقوا ست كبيرة (الحاجة صفاء)، شعرها أبيض، قاعدة على الأرض وسط إزاز فازة مكسورة، وماسكة صورة لـ "ليلى" وبتعيط بهستيريا.
الحاجة صفاء بانهيار: "فين ليلى يا حمزة؟ إنت خبيتها مني فين؟ بنتي مخرجتش من الصبح.. إنت زعلتها؟ هاتلي بنتي!"
حمزة نزل على ركبه قدامها وحاول يمسك إيديها: "يا أمي اهدي عشان الإزاز ميجرحكيش.. ليلى في مشوار وزمانها راجعة.
بس صفاء كانت في حالة نوبة عصبية، زقت حمزة بقوة: "إنت كداب! إنتو كلكم كدابين!"
شمس قلبها اتقبض. بصت للست، وشافت فيها نفس العجز والضياع اللي كانت هي فيه من شهور
شمس مفكرتش مرتين. نزلت على ركبها على الأرض، متجاهلة الإزاز المكسور، وقربت من الحاجة صفاء ببطء.
شمس بصوت دافي جداً ورقيق زي النسمة: "يا ماما صفاء.. بتعيطي ليه بس؟"
صفاء رفعت عينيها وبصت لشمس باستغراب. شمس حطت إيدها على إيد صفاء بحنية، وكملت كلامها بابتسامة صافيه:"ليلى بعتتني أطمنك عليها.. قالتلي قولي لماما إني كويسة ومبسوطة، ومبحبش أشوفها بتعيط أبداً. وقالتلي كمان أقولك إن حمزة بيحافظ عليها وحاططها في عينيه."
صفاء سكتت فجأة، دموعها وقفت، وبصت لشمس كأنها ملاك نزل من السما.
صفاء بصوت بيترعش: "بجد؟ بنتي قالتلك كدا؟ يعني هي مش زعلانة؟"
شمس وهي بتمسح دموع الست العجوزة:"أبداً والله. دي بتضحك دايماً. بس هي زعلانة عشان إنتي قاعدة على الأرض وسط الإزاز. يلا نقوم نغسل وشنا عشان لما ترجع تلاقيكي زي القمر؟"
صفاء ابتسمت ابتسامة طفولية، ومدت إيدها لشمس. شمس ساندتها وقومتها براحة، وطلعتها من الأوضة مع الشغالة.
حمزة كان واقف ورا شمس، متجمد في مكانه. عيونه كانت مليانة دموع لأول مرة من سنين.
 البنت دي مش بس جميلة.. دي فيها معجزة من الرحمة جبرت كسر حماته في ثواني، الحاجة اللي هو كدكتور ساعات بيفشل يعملها!
يونس ابتسم بفخر بأخته، وطبطب على كتف حمزة: "قولتلك أختي ست البنات."
شمس لفت لحمزة، وابتسمتله: "أظن كدا نص المهمة خلص.. فين فريدة بقى؟"
حمزة بلع ريقه بإعجاب لا يوصف: "فريدة في الجنينة الخلفية."
روايه شمس حياتي بقلمي نور محمد 
في حديقة الفيلا الخلفية 
شمس طلعت الجنينة لوحدها، وطلبت من يونس وحمزة يراقبوها من بعيد.
كانت هناك "فريدة".. طفلة عندها خمس سنين، ملامحها زي القمر، عينيها سودة وواسعة زي أبوها، بس وشها خالي من أي تعبير. قاعدة على المرجيحة لوحدها، ماسكة عروسة لعبة مقطوعة، وبتبص للفراغ بسكون مرعب.
شمس قلبها وجعها عليها أوي. قربت منها بخطوات هادية جداً عشان متخضهاش.
قعدت شمس على الأرض قدام المرجيحة، بحيث تكون في نفس مستوى نظر فريدة.
فريدة بصت لشمس بخوف، وضمت العروسة لحضنها وكشت في نفسها، كأنها بتستعد للهروب.
شمس بصوت واطي ومريح، ومبتسمة:"إزيك يا فريدة؟ أنا اسمي شمس."
فريدة مردتش، فضلت بتبصلها برعب.
شمس مطلبتش منها تتكلم. طلعت من شنطتها كراسة الرسم اللي كانت ماسكاها، وطلعت قلم رصاص، وبدأت ترسم على الورقة.
فريدة عينيها راحت للورقة بفضول طفولي. شمس رسمت شمس بتضحك، وجنبها بنت صغيرة، وقالت بصوت هادي وهي بترسم: عارفة يا فريدة.. أنا من فترة قريبة أوي، كنت خايفة زيك كدا. كنت قاعدة في أوضة ضلمة، ومكنتش قادرة أتكلم، ومكنتش قادرة أمشي كمان. الناس كانت بتدخل تقولي اتكلمي.. بس هما مكنوش فاهمين إن الخوف كتم صوتي وقفل عليا."
فريدة لما سمعت الكلام ده، عينيها وسعت. لأول مرة تحس إن في حد فاهم هي حاسة بإيه. حد مش بيضغط عليها عشان تتكلم، حد كان "زيها".
شمس كملت بابتسامة حزينة:"بس بعدين اكتشفت إن الضلمة دي بتخوفنا أكتر لما نفضل لوحدنا فيها. وإننا لو مسكنا في إيد حد بيحبنا، الخوف هيقل. أنا مسكت في إيد بابا ويونس.. وإنتي ليكي دكتور حمزة، بيحبك أكتر من روحه."
شمس خلصت الرسمة، وقطعت الورقة، ومدت إيدها بيها لفريدة.
"أنا رسمتك وإنتي بتطيري.. عشان إنتي أكيد قوية وتقدرى تطيري. الورقة دي ليكي."
فريدة فضلت باصة للورقة ثواني طويلة. حمزة من ورا الإزاز جوة الفيلا كان حاطط إيده على قلبه وبيدعي.
ببطء شديد، فريدة مدت إيدها الصغيرة اللي بتترعش، وأخدت الورقة من شمس. ولأول مرة من تلات سنين.. ابتسامة خفيفة جداً، تكاد تكون غير مرئية، اترسمت على شفايف فريدة الصغيرة.
فريدة محتضنتش الورقة وبس.. دي نزلت من على المرجيحة ببطء، وقربت من شمس، وحطت راسها الصغيرة على كتف شمس في حضن صامت، كأنها لقت الملاذ الآمن اللي كانت بتدور عليه.
شمس دموعها نزلت غصب عنها، لفت إيديها الاتنين حوالين فريدة ودموعها بتنزل على شعرها: "بسم الله عليكي يا حبيبتي.. بسم الله عليكي. أنا جنبك ومش هسيبك، وهنعدي الخوف ده سوا."
حمزة مقدرش يمسك نفسه أكتر من كدا. خرج للجنينة، ويونس وراه. شمس رفعت راسها وهي حاضنة فريدة، وبصت لحمزة وابتسمتله بدموع.
شمس بنبرة قوية وواثقة: "أنا موافقة يا دكتور حمزة. أنا موافقة أكون مراتك، وأم لفريدة، وبنت للحاجة صفاء. أنا لقيت نفسي فيكم، ولقيت قوتي في إني أكون السند اللي يطمنكم، زي ما إنت طمنتني في أكتر وقت كنت مكسورة فيه."
حمزة نزل على ركبه قدامهم هما الاتنين، وباس راس شمس باحترام شديد ورجولة، وباس إيد فريدة.
حمزة بصوت مخنوق من الفرحة: "أنا بوعدك قدام ربنا.. إني هشيلك جوة عيوني، وهعوضك عن كل وجع شفتيه، وهخليكي أسعد ست في الدنيا يا شمس. إنتي معجزة ربنا ليا أنا وفريدة."
يونس سقف بفرحة وزعق بضحك: "ألف مبروك يا عريس! يلا بينا بقى على أبويا عشان نقرأ الفاتحة، ده أنا هنفخك في المهر والشبكة عشان تعرف قيمة اللي أخدتها دي!"
في بيت العائلة - بعد أسبوعين (يوم الخطوبة)
سليم اقتنع أخيراً بعد ما شاف الإصرار في عين بنته، وشاف التغيير الإيجابي اللي حصلها بمجرد ما قررت تكون قوية ومرتبطة بـ حمزة.
الحفلة كانت بسيطة جداً في فيلا حمزة، مقتصرة على العيلتين. شمس كانت زي القمر بفستان خطوبة وردي، وحمزة لابس بدلة سودة في منتهى الشياكة. فريدة كانت لابسة فستان أبيض صغير وماسكة إيد شمس مابتسيبهاش نهائياً، والحاجة صفاء قاعدة بتبصلهم ومبتسمة. زينة ويونس كانوا بيشاركوهم الفرحة، والجو كان مليان دفا وحب.
حمزة طلع الخاتم الألماس، ولبسه لشمس وسط تسقيف الكل، وهمس في ودنها: "بحبك يا شمس.. بحبك من أول لحظة عيني وقعت عليكي فيها وإنتي بتترعشي في المستشفى، وعشقتك لما شفتك قوية وبتمسحي دموع بنتي."
شمس وشها احمر وابتسمت: "وأنا لقيت أماني فيك يا حمزة."
وفجأة... وسط الضحك والمزيكا الهادية.. الباب الرئيسي للفيلا اتفتح بقوة وعنف خلى الكل يسكت ويلتفت.
دخل راجل في أواخر التلاتينات، لابس بدلة غالية جداً بس ملامحه مليانة غطرسة وشر، ووراه محاميين واتنين حراس شخصيين. الراجل ده كان ملامحه فيها شبه كبير من "ليلى" (الزوجة المتوفية).
حمزة أول ما شافه، وشه قلب 180 درجة، والدم هرب منه، ووقف قدام شمس وفريدة كأنه درع بيحميهم.
حمزة بغضب مكتوم وصرامة: "إنت إيه اللي جابك هنا يا 'طارق'؟ وإزاي تدخل بيتي بالطريقة دي؟"
طارق (أخو ليلى) ضحك بسخرية مستفزة، وقرب منهم ببطء وهو بيبص لشمس من فوق لتحت باحتقار.
طارق:"أهلاً بالعريس.. والله وكبرت ونسيت ليلى اللي ماتت بسبب إهمالك ورعونتك يا حمزة، وجاي تتجوز وتفرح وتهيص!"
يونس الدم غلى في عروقه، ولسه هيتقدم ويضربه، سليم مسكه من دراعه عشان يفهم الأول.
حمزة بحزم: "ليلى ماتت في حادثة قضاء وقدر، وإنت عارف كدا كويس. اطلع برا بيتي يا طارق بدل ما أطلبلك البوليس بتهمة التعدي على أملاك الغير."
طارق طلع ملف ورق من إيد المحامي بتاعه، ورماه ببرود على الترابيزة قدام حمزة: "بوليس؟ اطلب البوليس يا دكتور عشان ينفذوا قرار النيابة. أنا مجيتش أباركلك.. أنا جيت أستلم لحمي. الورق ده فيه قرار وصاية قانوني عليا لأمي 'صفاء' بصفتي ابنها، عشان أنقلها مصحة وأستلم إدارة أملاكها اللي إنت حاطط إيدك عليها بحجة مرضها!"
شمس شهقت بصدمة، وفريدة صرخت صرخة مكتومة واستخبت في حضن شمس وهي بتترعش برعب.
حمزة بذهول وغضب زلزل المكان: "إنت بتقول إيه يا مجنون إنت؟ أمك أنا اللي براعيها من سنين وإنت مكلفتش خاطرك تسأل عنها! والفلوس دي بتاعتها مش هسمحلك تنهبها وترميها في مصحة!"
طارق بابتسامة خبيثة :"القانون معايا في دي. أما بقى بالنسبة لفريدة.. فبصفتي خالها، أنا رفعت دعوى مستعجلة لإسقاط ولايتك وحضانتك ليها."
حمزة بصدمة: "إنت اتجننت؟ القانون مابياخدش بنت من أبوها الولي الطبيعي عليها!"
طارق ضحك بخبث: "صح.. القانون مابياخدش البنت من أبوها الولي الطبيعي.. بس بياخدها لو الأب ده غير أمين عليها وبيعرضها لخطر نفسي واجتماعي. المحكمة مش هتسيب طفلة مريضة نفسياً وعندها صدمة، تتربى مع أب بيجيب لها البيت ست مريضة هي كمان وماضيها كله فضايح والناس كلها بتتكلم عن شرفها في المحاكم والمنطقة!"
طارق نطق جملته الأخيرة وهو بيبص لشمس بنظرة قذرة ومقززة.
يونس مفكرش ثانية، هجم على طارق وضربه بالبوكس في وشه وقعه على الأرض والدم نزل من بوقه.
يونس بزعيق وجنون:"ده أنا أقطع لسانك وأرميهولك للكلاب ياللي متعرفش يعني إيه شرف!"
الحراس بتوع طارق سحبوا سلاح، وسليم طلع مسدسه في لحظة، والموقف اتحول لساحة حرب جوة الفيلا.
شمس ضمت فريدة اللي كانت بتنهار من البكاء الصامت، وحمزة عيونه كانت بتطق شرار، حاسس إن طمع طارق في أملاك أمه، وخباثته في استغلال وجع شمس عشان ياخد فريدة ويهدد بيها.
يتبع.. نور محمد

•تابع الفصل التالي "رواية شمس حياتي" اضغط على اسم الرواية

تعليقات