رواية ومنك اكتفيت الفصل السابع 7 - بقلم داليا الكومي

 رواية ومنك اكتفيت الفصل السابع 7 - بقلم داليا الكومي


الطائرة التي حملتها بعيدًا عن نيوزيلاندا كانت  تقربها في كل متر تقطعه من قطعة قلبها المتنزعة منها ..

رحلة طويلة مضنية لكنها تحملتها بلهفة المشتاق لرؤية الجنة .. زيارة النجع كانت أسوء كوابيسها في السنوات المنصرمة لكنها أصبحت منتهى أملها اليوم ..

المكان بمن فيه والنجع الآن به ريان ..

حمدت الله أن معتصم لم يتخلص من حقيبة يدها بعد كما فعل بكل ملابسها وحينما لمحتها على الطاولة انتهزت فرصة إبداله لملابسه التي كانت في حالة مزرية ودست الورقة التي يتعلق بها مصيرها ومصير ريان  في صدرها تحت الثياب التي جلبتها لها سيلينا ..

وبيد مرتعشة وبصعوبة حاولت تثبيت طرحة العباءة على رأسها والتي كانت تنزلق بسبب فروتها الملساء..

ظاهريًا انتصر وأعادها ذليلة صلعاء مشوهة وترتدي عباءة سوداء كما ارادها أن تفعل دائمًا لكنه لا يعلم ماذا ينتظره في الواقع حينما يكتشف أن ريان طفله هو ..

حربهما كانت متكافئة وكانت له الند بالند حتى اللحظة التي اختطف فيها ريان وأصبح هو له اليد العليا لكن حينما يراه ستعود الحرب متكافئة من جديد ..

وبنفس اليد المرتعشة الباردة ضغطت زر استدعاء المضيفة ..

من خبرتها السابقة وحياتها التي قضت معظمها في الطائرات كانت تعلم ..

في الرحلات الطويلة التي تتخطى الثمان ساعات طيران متواصل تتوفر أقراص منومة لمن يرغب في اضاعة هذا الوقت الطويل  ..

وعلى الرغم من نظرات المضيفة الفضولية واستنكارها لمظهر وجهها المنتفخ الذي لا يتماشى مع الطبقة التي تتعامل معها عادة في مثل تلك الرحلات إلا أنها سألتها بلباقة تفرضها عليها أصول مهنتها ..

- كيف أخدمكِ سيدتي ..؟؟

 - أريد بعض الأقراص المنومة من فضلكِ ..

النوم قد يكون حلًا سحريًا .. نفذ صبرها ولا تريد رؤية المزيد منه حتى تحين اللحظة المناسبة ..

حتى معتصم نفسه أغمض عينيه وتجنبها منذ اللحظة التي ارتفعت فيها الطائرة عن الأرض .. ليت المضيفة تعطيه السم لتتخلص منه للأبد ..

لكن لا وقتك  لم يحن بعد ارشدني إلى مكان ولدى أولًا ثم مرحبًا بك في الجحيم معي ..

جسدها بدأ يسترخى ويتخلص من الامه الشديدة التي لم تترك عظمة إلا وضربتها وأفكارها بدأت في التلاشي مع بداية مفعول الأقراص ..

                                           **

للطائرة الخاصة ونفوذ راكبيها وضعًا خاصًا .. اجراءات الخروج من المطار لم تستغرق دقائق معدودة لتكون في السيارة التي ستحملها للمجهول ...

منذ أن استعادت وعيها وانتبهاها التام قبل دقائق من الهبوط وهي كانت تظن أن الطائرة ستليها طائرة أخرى لكنها صدمت .. هل ريان في القاهرة ...؟

أملًا هب كنسمة باردة في ظهيرة يوم صيفي ملتهب  ضرب قلبها وانعشه .. بالطبع فرص نجاته أكبر كلما ابتعد عن العقول المتعفنة في ذلك النجع البغيض ..

لتكن صادقة مع نفسها النجع لم يكن بغيضًا في الماضي بل قضت فيه أجمل أيام عمرها ولم يتحول إلا بعد زواجها ليصبح سجنًا لعينًا ..

من المثير للعجب أن الإنسان يخطىء بكامل ارادته ويعود ويستنكر العواقب..

ولا شعوريًا امتدت يدها لفتح الباب والاستعداد للهرب حينما اقتربت السيارة من منزل والدها ..

أنت خنزير حيوان متبلد المشاعر عديم الاحساس .. لماذا اعدتني إلى هنا ؟؟؟

وكأنه كان يعلم بما يعتمل في صدرها من حروب وعينه الخبيرة التقطت كفها المحيط بمقبض الباب والتي كانت تخبره عن  استعدادها للهروب في أي لحظة .. وليمنعها من تنفيذ فكرتها المجنونة هتف بنبرة مخيفة ..  

- أنا متعب سنقصي الليلة هنا فقط ومن الغد سنواصل طريقنا للنجع حتى تلحقي بلقيطك ..

حقير حقير حقير ..

لا وصف آخر له لكن عليها الصبر .. ماذا لديها غير ذلك لتفعله طالما يحتجز ريان ..؟؟

ومع أن الألم غير محتمل في عودتها لهذا المكان إلا أنه لا يقارن بألم الأم التي تتحسر على وليدها الغائب..

خطت بكبرياء لداخل المنزل الذي كان مرتبًا لامعًا وكأنهم لم يتركوه يومًا ..

التاريخ يعيد نفسه وهاهى تهرب منه لغرفتها مجددًا لكن هذه المرة أغلقت الباب عليها بالمفتاح في حركة تأخرت سنوات في فعلها ..

                                                **

من الجيد أنها قررت إقامة الحفل في الظهيرة ..القيود التي تضعها سارة على تحركاتها لها أسباب عدة أهمها تجنبها لاصطحاب حراسة والدها التي كانت ستمنعها من الخروج والعودة ليلًا بمفردها..

أفضل ما حدث لها على الإطلاق هو تعرفها على سارة وسلمى ..

الصديقات الجيدات نعمة من الله عز وجل وخاصة حينما يكن ضمير حي يؤنب  ويقوم ويعين على الالتزام والأروع حينما تدلها صديقة على حيلة سحرية أعجبتها للغاية ..

 شكرًا سلمى ..

القت نظرة خاطفة على أظافر قدميها التي طلتها بالحناء شديدة السواد والتي اهدتها سلمى اياها ..

اختراع عبقري أفضل من طلاء الأظافر بمراحل حتى في الشكل ويكفي أنها لا تمنع الوضوء..

تطلعت لقدميها مجددًا بسعادة  واعجاب وجففتهما .. من آثار المياه

الحناء لها تأثير مذهل بدل شكل قدميها للغاية وأظهر جمالهما ..

غدًا بالتأكيد سيكون يومًا مميزًا جدًا .. يكفي أنها سترى معتصم وربما يختليان لبضع ثوان لتسجل فيهم ذكرى جديدة تستعيدها لاحقًا كشقيقاتها..

متى ستقولها صريحة " أحبك شيرويت " بدلًا من كلماتك المقتضبة " ستكونين زوجتي قريبًا شيرويت"..

تأملت نفسها أمام مرآتها وداعبت أصابعها شعرها الأسود الطويل .. 

احبك يا معتصم متى سيجمعنا منزلًا واحدًا ..

أقصى أمنياتها أن يضمها بين ذراعيه لتذوب داخلهما ..عناقه حياة كاملة تتمنى أن تجربها بالتأكيد سيكون حضنه الوطن الذي تحلم به ..

القت نظرة أخيرة على فستانها الأزرق وعلى حذائها الفضى ..

كانت تعلم أنها تعجبه على الرغم من محاولاته بالسيطرة على نظراته إلا أن القليل كان يفلت من تلك السيطرة ويصل لأعماق جسدها..

تذكرت يوم مولدها الثامن عشر .. كانت ليلة من الجنة .. يومها لمست السحاب من السعادة وظلت لأيام لا تستطيع النوم من شدة الإثارة والسعادة ..

كان هذا عيد مولدها الأول الذي تحتفل به في مصر بعد سنوات وسنوات من إقامته في الخارج وفاجئها معتصم بتنظيم رائع للحفل اسعدها  ..

يوم اكمالها لعامها الثامن عشر كان اليوم الأول لها لتشعر بأنها ناضجة وليست طفلة فطلت شفتيها بحمرة خفيفة تماثل اللون الوردى الطبيعى للشفتين لكن مع لمعة ووضعت بعض الكحل الأزرق وعززت من كثافة رموشها بماسكرا سوداء شديدة السواد ووضعت رشة من عطرها المفضل ..

واختبئت خلف والدها خوفًا من غضبه وهى تستقبله‘ حينما يراها  تضع المساحيق لأول مرة ربما سيغضب ويعنفها كذلك اليوم الذي شاهدها فيه تضع طلاء الأظافر ..

لكنها دهشت حينما وجدته يتلفت حوله بقلق وحينما اطمئن أنه الذكر الوحيد في الحفل بخلاف والدها وفقط يتواجد صديقاتها سلمى وسارة وشقيقتاه اطمئن ..  حتى غالب لم يستطع الحضور فلم يتمكن كلاهما من ترك النجع وكان علي أحدهما البقاء للاهتمام بميعاد الرية لذلك كان الاختيار محسومًا ..

وفي الواقع هو يضع عليها غلافاً ويمنع الزيارات حتى فالح لا يتعامل معها إلا من خلاله ..

وحاول  أن يبدو هادئًا وهو يسألها بتحذير واضح ..

- هل تضعين مثل تلك  المساحيق أثناء خروجك ؟؟؟

هزت رأسها بارتياع وهى تقول ..

- لا بالطبع ..

ليضع والدها كفه على كتف معتصم وهو يبتسم ..

- خف عنها قليلًا معتصم .. اليوم يوم مولدها ..

 - حسنًا عمي أنا لم أقصد إخافتها ..

- اعلم يا بنى .. أحيانًا نحن معشر الرجال نتصرف بغلاظة وننسى أصول اللياقة

لينتبه فعلًا‘ للآن لم يعطيها هديتها التي فكر فيها لأسابيع ..

  - معك حق .. رافقينى شيرويت أريد أن اريكِ شيئًا ..

وبالطبع لم يكن والدها يعترض .. في الواقع لقد سلم كل أمورها له منذ أن استقرت في القاهرة بشكل دائم للالتحاق بالجامعة ..

وتبعته لسيارته ووقفت كالطفلة المطيعة وقلبها يقفز من داخل قفصها الصدري من شدة الإثارة .. علمت أنه يحضر لها هدية عيد مولدها .. ماذا ستكون يا ترى .. ؟ على مدار سنوات احتفظت بهداياه والتي كان حتى يسافر للخارج ويقابلهم في أي مكان إذا لم يتمكن والدها من التواجد في مصر بحكم عمله ويهديها إياهم ..

وشهقت بانبهار حينما اخرج من المقعد الخلفي لسيارته صندوقًا بداخله هر ابيض كثيف الفرو رائع الجمال .. فصاحت بحبور ..

- هر ..

هز رأسه بالنفي ..

- لا طفلتي الجميلة .. أنها هرة ..

- شكرًا معتصم .. وأخيرًا ..

نظرًا لتنقلهم الدائم لم تتمكن من الاحتفاظ بحيوان اليف .. واليوم استقرت في المنزل وستقيم في القاهرة بشكل دائم فاحضر لها هرة كما ارادت دائمًا ..

وبحركة متوترة من شدة السعادة استخرجت الهرة من قفصها وقبلتها بحب والهرة لدهشته أغمضت عينيها وهى تموء بدلع .. ووجد نفسه  يهتف ..

- كم هى محظوظة تلك الهرة ..

احمر وجهها بشدة من شدة الخجل وعجزت عن النطق وارتعشت حتى كادت الهرة تسقط من يدها وهو أشفق عليها فالتقط الهرة ليعيدها لصندوقها فتلامست كفوفهما ..

ومن شدة ارتباكها ركضت عائدة للحفل وهي على وشك الإصابة بسكتة قلبية ..

وحينما هدئت انبت نفسها لقد تصرفت كالأطفال حقًا .. ومعه حق يسميها طفلتي الجميلة ..

وبعد عام كامل وأخيرًا أنه الميلاد التاسع عشر وقد يطلبها معتصم إذا ما تأكد من أنها أصبحت فتاة ناضجة مكتملة الأنوثة بدلًا من تلك الطفلة التى اعتاد رؤيتها

وقد يعطيها هذا العام خاتمًا  .. 

كانت تجاهد لتبدو كامرأة حقيقية كاللائي يراهن في محيطه لا كالطفلة التي ولدت على يديه فيطلبها من والدها وتصبح امرأته هو ..

رنين جرس الباب انتزعها من أحلامها الوردية بالتأكيد والداها عادا الآن من رحلتهما الغامضة ..

علي الرغم من انهما لم يفصحا عن سبب خروجها إلا أنها تعلم ..

ككل عام ذهبا لشراء هدية عيد مولدها وتعللا بالذهاب في موعد للعمل لمفاجأتها وهى ستتفاجأ بالطبع ككل عام أيضًا .. محظوظة هى لتحظى بوالدين مثلهما ..

الرنين لم يتوقف ..أوه تذكرت ..الخادمة خرجت هي الأخرى لشراء مستلزمات الحفل إذًا هى عليها فتح الباب لوالديها ..

تأخرها في الاستجابة لاعتمادها على الخادمة جعلها تركض حافية القدمين لفتح الباب ..

صدمة جعلتها على وشك الاغماء .. طارق الباب لم يكن والدها أو والدتها كما توقعت أو حتى الخادمة لكن كان معتصم شخصيًا وفور فتحها للباب شملها بنظرات غريبة  خشبتها في مكانها ..

كان يمررعينيه على كل تفاصيلها بداية من أصابع قدميها مرورًا بسروال منامتها القطنية القصير وتنتهي على ذراعيها العاريتين ..

انتبهت لحالة ملابسها على الفور ..

وفجأة تحولت نظراته للغضب الشديد وأمسك معصمها بقوة باحدى يديه وهو يغلق الباب خلفه بيده الأخرى وبعدما تأكد من أن أحدًا لم يشاهدها بهيئتها تلك ..

هتف بشراسة ..

- كيف تفتحين الباب وأنتِ ترتدين هذه الملابس ..؟

آه منك معتصم .. 

أرادت الصراخ عليه مثلما يصرخ لكنها رغمًا عنها وجدت نفسها تقول..  - اعتقدتك والداي  ..

كان ما يزال يعتصر معصمها وتلفت حوله باهتمام قلق ..

- هل أنت بمفردكِ الآن ؟؟ ولا حتى الخادمة هنا ؟؟

هزت رأسها بالايجاب ..

 عاد ليهتف بحنق ..

- كيف يفعل عمي ذلك ؟؟ طلبت منه عدم ترككِ بمفردك مطلقًا ولا حتى لثوان ..

إلا والدها ..

هتفت بغضب ..

- هو لم يتركني وحيدة .. تركني بصحبة الخادمة لكني سمحت لها بالذهاب لشراء بعض الأغراض وكما ترى أنا لم أعد طفلة ..

وكلمتها أثارت لديه الكثير من الأحاسيس ليهتف بنبرة غريبة وهو يركز بنظراته على كامل جسدها ..

- لا لستِ طفلة، أنتَ أنثى مكتملة النضوج ..

ما حدث لاحقًا لم يفهمه أيًا منهما لكنها فجأة أصبحت بين ذراعيه وهو يضمها بلهفة قاتلة .. 

أمام عناقه الملتهب سقط الادراك والتفكير العقلاني ..

كالسحر .. كانت كالعجين شديد الليونة بين ذراعيه القويتين ..

وأنفاسه التي حرقت وجهها أرسلتها لعالم اللاوعي وفقدت السيطرة على كل عضلاتها حتى أنها لم تستطع غلق جفونها مع أنها حاولت فعل ذلك ..

اللحظة كانت أكبر من قدرتها علي الاحتمال ..

كانت تعبيرات وجهه مختلفة وهو يركز نظره على شفتيها ..

نظرات جعلتها كالمنومة مغناطيسيًا ولا يرف لها جفن ..غائبة عن الوعي لكن بعينين مفتوحتين وحواس منتبهة على أشدها ..

 - عشت عمري اتساءل عن مذاقهما ومقاومة تلك المعرفة الآن تحتاج لطاقة لا أملكها...

لم يترك لها فرصة للتفكير أو لفهم ما يقوله حتى .. طاقته استنفذت في مقاومة معركة خاسرة أمام شفتيها فيكون الاستسلام هو المتوقع  ..

فجأة وجدت نفسها تضم إليه بطريقة جعلتها تلامس كل عضلة من عضلاته وشفتاه احتلت شفتيها وغزتهما بعنف لكنه كان عنفًا رائعًا .. مشبعًا يقطر باللهفة والرغبة  ..

إذًا هذه هى القبلة التي عاشت عمرها هي الأخرى تنتظرها ..

وفهمت ما يعنيه سؤاله عن مذاقهما بل شعرت به بداخلها كان يغمغم بصوت غريب ..

- مذاق الحب ..

وحينما شعرت بيده تتجرأ على جسدها بحرية تنبهت لما يفعله ودفعته عنها بخوف وركضت في اتجاه غرفتها لتضع حدًا لما كان يحدث لكنه لحقها قبل أن تغلق الباب بثانية واحدة ليكون في الداخل معها ويغلق الباب خلفهما ..

مذاق الحب ناريًا ولهيبه يفسد العقول ولا يترك سوى الألم في الحلوق .. 

لم تكن تتوقع أن يتمادى معتصم يومها لهذه الدرجة‘ آخر معلوماتها عن العلاقة في هذا الوقت كانت القبلة لكن الأفاق التي حملها لها يومها كانت جديدة بالكامل ولم تكن تعلم أنها تحدث ..

فعندما يكبرها  بعشر سنوات كاملة يكون هناك فارقًا كبيرًا في الثقافة وفي الخبرة ..

وعلمت يومها ما يحدث بين الأزواج وكاد يكمل امتلاكها بالكامل لكن تعقله عاد إليه متأخرًا فقط حينما صرخت من الألم  ..

في الواقع تركها عذراء لكن في الحقيقة ترك لها أيضًا ذكرى سترافقها طوال عمرها وجنينًا ينمو في أحشائها ..

وكانت من الذكاء لتعلم أنها وضعت النهاية لحبهما باستسلامها له وتأكدت في اليوم التالي من احتقاره لها حينما اهداها العباءة السوداء ويخبرها .." أريد روحك شيرويت " ..

تذكرت حوارهما بالكامل وكأنه  فقط كان بالأمس لا منذ  سنوات عدة ..

-  أريد روحك 

خفضت عينيها بألم وهى تجيبه ..

- وأنت حصلت عليها بالفعل ..

انفجاره كان وشيكًا ولولا الجمع الغفير الذي يراقبهما لكان انفجر ببركان يجتاح الحفل ليغطيه بناره ..

كان يعلم ايلام تشير بجملتها ويجب أن يسيطر علي الموقف .. رنة الاحتقار في صوته واضحة لم يحاول اخفائها بل على العكس كان يظهرها في كل حرف ينطقه ..

-  ما حدث بالأمس كان خطئًا لا يغتفر منكِ وفقط سأتزوجك لأنكِ ابنة عمي ومن واجبي ستركِ لكن اعلمي أنه سيكون عليكِ الطاعة العمياء كجارية لي وستبدأين في ارتداء العباءة من اليوم ...

صمتها للحظات لم يكن يعني بالتأكيد موافقتها .. كانت مصدومة لدرجة عجزت معها عن الفهم  ..

نظرت إليه بعدم تصديق في محاولة منها لبحث عن المزاح في وجهه .. بالتأكيد يمزاحها ويتمتع برؤية خجلها حينما يذكرها بالأمس لكن للأسف لم يكن يمزح وملامحه حملت كل قساوة العالم ...

- خطئي ..؟؟!!

-  نعم خطئكِ ولا أعلم كيف سأثق فيكِ بعد اليوم وامنحك اسمي ...

لا !! أنا أيضًا سمالوطي يا حقير تذكر ذلك  ..

وإلى هذه اللحظة لا تعلم من أين اتتها القوة لترفع رأسها وتنظر في عينيه لتقول بتحدِ سافر ..

- ومن اخبرك أنني سأوافق على الزواج منك ؟؟

أنا لن أتزوجك معتصم‘ ويومًا ما سأجد الحب مع رجل حقيقي لا شبه رجل مثلك لأثبت لنفسي أن الخطأ كان فيك أنت لا في الحب أو في أنا ..

ثم ليعلن يومها وفي حفلها عن خطبته لابنة خالته البريئة التي لم تمس من قبل ..

وحملت هي حسرتها واخفتها حتى عن صديقتيها وانتظرت أن يتراجع عن خطبته ويبدي ندمه ويعود بعدما يتأكد من أنه يحبها هي .. لكنه لم يفعل وتزوج ليكسر قلبها لنصفين ..

حتى لحظة عقد قرانه على عبلة كانت تعتقد أنه سيتراجع ويخرعلى ركبتيه أمامها ويطلب الصفح لكنه لم يفعل بل وصفعها أمام  الجميع محطمًا آخر شعور بالكرامة كانت تملكه ..

وعندما اكتشفت حملها في المهجر صدمت وكانت على وشك الانهيار التام وحينها فعل أكرم ما اعتقده صوابًا في ذلك الوقت ومن دون استشارتها وكان دعمه غطاءً سترها عن أعين الناس تحت مسمى زواجًا صوريًا واعطاء هوية لريان وبعدما استوعبت الأمر لم تعترض فما كان بديلها ..؟؟

فهل كان معتصم سيصدق يومًا أن ريان من صلبه ؟؟!! أو حتى يتوقف للتفكير قبل قتلها؟

خطأ أدى لخطأ أكبر وتوالت الأخطاء حتى بات من الصعب تصليح ما اقترفاه سويًا لكن للأسف وحده ريان سيدفع الثمن من كرامته وربما من عمره البرىء..

دائمًا كان ريان نقطة ضعفي وسيكون للأبد ..

                                             **

لأول مرة تسافر معه وعلي الرغم من أن أكرم حكيم رافقهما لكنها لم تره منذ بداية الرحلة حتى الأن لذلك كانا تقريبًا وكأنهما بمفردهما علي متن الطائرة ..

خلال علاقتهما القصيرة لم يصطحبها معه لأي مكان وكانت تجلس كالحمقاء تنتظره على نار ولم تكن تعلم أن لكل مكان عشيقة وأنها مجرد رفيقة وسادة يستمتع بها في أوقات محددة وبغبائها كانت تظن أنهما في علاقة حب ..

أفكارها البريئة في ذلك الوقت لم تستوعب أن يكون هناك رجلًا على علاقة بأكثر من واحدة في نفس الوقت ولم تكن تعلم معنى كلمة عشيقة لرجل ثري..

والأمر المخزي أنها بعد سنوات عادت للاستسلام له وإن اختلف الهدف ..

كعادته يستغل ضعفها لكن هذه المرة استغل رؤيتها لزارا في ذلك الوضع المرعب وحبها الصادق لها ولعب على ضميرها لعبة كان واثقًا من نتيجتها..

كيف  كانت ستترك زارا لمصيرها المظلم وهي بهذا الضعف ؟ أو ستتظاهر بعدما معرفتها بنوايا زوجها الدموية ؟؟

وتدخل ميجيل ليعرض عرضًا لانقاذها يشمل تحمله بالقرب منها ..

يشمل شعورها بالإثارة والرعشة ويشمل ذكريات مؤلمة تعيدها لفراشه في خيالها

حينما اغلقت عينيها واستندت برأسها على مقعدها عادت لشقته في رحلة حسية...

تذكرت علاقتهما الأولى بكل تفاصيلها تستطيع الشعور بأنفاسه تلهب وجهها وبيديه وهي تنزع عنها ملابسها وبجسده وهو يخضعها ..

وكأن ذكرياتها ونشوتها طبعت على وجهها وادركهما ميجيل فيهمس بحنان بالقرب من أذنها ..

- سيلينا..

استفاقت من حلمها وغزا الاحمرار وجنتيها هل علم عن حلمها ؟؟

كانت نظراته غريبة .. نظرات مازالت على الرغم من مرور السنوات تفهم مغزاها وتؤثر فيها وكأنهما كانا سويًا بالأمس .. 

سيخونها جسدها الآن لو فقط مد إصبعًا على جلدها الذي كان يترقب تلك اللمسة ..

وبلهفة قاتلة ..

الفرار الآن ربما يكون حلًا جيدًا لكن إلى متى ستصمد ؟؟

عند وصول أفكارها لهذه النقطة المخيفة وجدت نفسها تهتف بعصبية وغضب ..

- لعنة الله عليك ميجيل دي ماري لن تلمسني مجددًا وسترى من هي سيلينا الجديدة ..

فقط مساعدة زارا هي التي جعلتني أرافقك وعليك معرفة ذلك جيدًا .. أنا أدين لها بالكثير وسأفعل لأجلها أي شيء حتى لو شمل ذلك تحملي لرؤية وجهك الكريه لبعض الوقت ..

                                                     **

كان أصعب ما مر به أن يخبر صديق عمره بزواج زوج شقيقته من أخرى لكنه كان مضطرًا ..

الأخبار كانت تتناقل بسرعة البرق وإن لم يفعلها هو فسيخبره أحدهم ..

زواج ياسين الرفاعي وياسمينا لم يعد سرًا والأخيرة تحرص على اخبار الصحافة بكل بجاحة .. زواجها من ياسين نقلة في حياتها الفنية وسيكسبها الشهرة والاحترام التي بالتأكيد أوقعته في حبائلها من أجلهما .. الشهرة والمال والاحترام كزوجة لياسين الرفاعي بعدما كانت ممثلة درجة ثانية ومغمورة .. ستستفيد من زواجها بكل قوتها حتى ولو علي انقاض زوجته الأولى ..

لماذا فعلت ذلك يا ياسين ؟؟

الدنيا غريبة ولا تنصف الجميع وكان نصيب شيماء أن تعاني .. لا اعتراض على حكم الله سبحانه وتعالى لكن القسوة الغير مبررة تذبح .. وهو أكثر من يعلم بل وذبح هو من قبل فتاته ..

لقد صنف مؤخرًا كأشهر عازب في الوسط فحينما تصل لسن الثامنة والثلاثين بلا زواج تبدأ الألسنة في الكلام ويتعرض للشائعات التي كان يساهم في نشرها عن الآخرين أيام امتلاكه لجريدة الفضائح ..

تعرض لكل انواع الشائعات من الزواج السري والعلاقات المحرمة وحتى الشذوذ بسبب عزوفه عن الزواج على الرغم من وسامته وأمواله لكنهم لم يتوقعوا أن يكون الحب هو السبب ..

ملاكًا اختطف قلبه وتركه بلا قلب .. أة يا سلمى لو فقط تعودين لي لن أخذلكِ مجددًا ..

لكن كيف وهى تزوجت منذ سنوات ورحلت للإقامة في الخليج مع زوجها ..

كلٌ يدفع ثمن أخطائه لذلك لا مجال سوى للندم ..

                                               **

رؤيتها تبكي بانهيار أشعل نيران الغضب في عروقه .. لماذا فعل الحقير بها ذلك؟

هي لم تعرف سوى حبه منذ أن تعلمت المشي وهاهي عادت لمنزل أسرتها منهارة على وشك الانتحار حزنًا على خنزير خانها ..

اليوم فقط اخبره حسام عن زواج ياسين من فنانة كانت مغمورة تسمى ياسمينا

وبدأت فجأة في الظهور ولمعت بشدة في الأونة الأخيرة .. بالتأكيد علاقتها بياسين هى السبب ..

وحينما حاول التفكير بثبات ليجد طريقة يوصل بها الخبر لشيماء فوجىء أن الحقير طلقها بلا أي تردد أو حتى تمهيد  ..

لو يتحصل على عنقه الآن لكان أزهق روحه .. " حقيرونذل ولم يراعي حتى أصول العشرة والصداقة"..

كان يعلم أن سارة أضعف من الظهور في مثل تلك المحنة لذلك عليه هو التحدث مع شقيقته .. حتى والدته بكل قوتها وحكمتها أصابتها صدمة بالغة جعلتها طريحة الفراش ..

الطلاق في حد ذاته لا يمثل مشكلة فالله سبحانه وتعالى احله في حالات استحالة العشرة ومع عائلة متماسكة كعائلته كانت شقيقته ستتخطى المحنة,, لكن ما يرعبه هو الطريقة التي تم بها الطلاق والتي تدمر بصورة شاملة ..

الحقير خانها مع أخرى حقيرة مثلة ثم تزوجها وبكل سهولة تخلى عنها وطلقها مع أنها لم تفعل شيئًا في حياتها سوى حبه .. أي مخلوق هذا ليفعل بزوجة تعشقه كما فعل هو ..؟؟

كان يعلم أنها سترفض مقابلته لذلك طرق الباب ودخل من فوره ..

عندما يتجسد الحزن في هيئة إنسان .. هكذا كان وصفه لها ..

حاول أن يتخيل مشاعرها فعجز حتى عن تخيل نصف  ما تمر به .. وخصوصًا مع احتلال خبر زواجه لكل الجرائد ..

فقدان حبيب, خيانة, معرفتها أنه مع أخرى, عدم انجابها ..

حسرات وخيبات تصرع أشد الرجال قوة وبالتالي الحزن الذي احتل قلبها مزقه فعليًا وأضعفه .. تلك لم تكن استعارة لكن الحزن يقتل فتلك حقيقة طبية لا جدال فيها ..

- لن أقول لكِ أشياء تافهة تقال فقط  كنوع من الواجب لكني فقط سأطلب منكِ التماسك لأجل من يحبونكِ شيماء .. أنا وأمي نحتاجك بكل قوتنا .. اعلم أن شعوركِ بالخسارة هائل وترين المستقبل حالك السواد لكن اعلمي أننا جميعًا نستمد قوتنا باتحادنا .. بمفردي كنت سأنهار في أوقات كنت فيها أقرب ما يكون لذلك لكن معرفتى أنكما بجواري اعطتني القوة لأقاوم واصمد .. الحزن يبدأ كبيرًا ثم يتلاشى صدقيني ..

ربما ياسين كان جزءً حيويًا من حياتك وجعلتيه محورها لذلك باختفائه منها تشعرين بالدوار وعدم الاتزان لكن اعلمي أن الحياة لا تتوقف على شخص مهما أن كان .. انظري كم تغيرت تالا وأصبحت مختلفة حينما وجدت عزائها في مساعدة الآخرين .. لا تضيعي الكثير من الوقت في الحسرة على من لا يستحق واعطي هذا الوقت لنفسك فهى اولى به .. ادعميها شيماء ولملمي شتاتها وابدئي من جديد .. واعلمي أننا جميعًا متواجدين لدعمكِ .. لا تجبيني اليوم ولا تنطقي بحرف فربما غدًا يحمل معه املًا جديدًا ..

رفعت عينين خاويتين من المشاعر في اتجاهه ..

 - هل تعتقد ذلك ؟؟ حياتي انتهت أي بداية سأحظى بها .. أنا انتهيت ..

- إذًا أنتِ بذلك تحققين مبتغاه بتدميرك .. لا تسمحي له بذلك واعتبريه كابوسًا وكأنه لم يكن .. لا أريد أن اراكِ بهذا الضعف واعلمي أنه سيعاني أضعاف ما تعانين ..  

 - هل تصدقني إذا ما اخبرتك أنني لا أريده أن يعاني ..؟؟ بل على العكس اتمنى أن يجد السعادة التي لم يجدها معي .. اتمنى أن يحمل طفله ويدلـله ويشتم رائحته..  أنا عجزت عن منحه تلك السعادة واتمنى من الله أن يجدها .. أنا أحبه يا خالد لا كحب زوجة لزوجها بل كحب الأم لوليدها في درجته وقوته .. ارجوك لا تؤذه ودعه  يمضي في طريقه الذي اختاره فربما يحقق ما يريده .. حتى لو كان ذلك يعنى وجوده في حضن زوجة اخرى ..

- إذا كان هذا هو قلبك يا شيماء فاعلمي أنك لن تحزني يومًا فالله سبحانه وتعالى يعطي على قدر نقاء القلوب .. ربما تتعثرين لبعض الوقت لكن صدقيني في النهاية سيراضيكِ الله بما لم تكوني تتوقعين ..

                                             **

لقد علم الحزن عليها ونفذت دموعها .. الحياة تفقد معناها وعودتها اليوم للقاهرة بعد غياب سنوات سعت فيها لذلك بشتى الطرق ربما لن تعالج ما دمره الماضي ووثيقة السفر النهائية التي أخيرًا اصدرت لها من السفارة في الرياض كانت طوق النجاة الذي ستتعلق به عسى أن تستطيع فقط النوم ليلًا بلا كوابيس ..

زواجها من عامر كان التجربة الأشد ألمًا على الإطلاق وتحملتها لأجل زوج والدتها الذي لم يكن مجرد زوج أم بل كان أبًا حقيقيًا عوضها اليتم والفقر فكانت على اتم استعداد للتضحية حتى بحياتها من أجله حينما ورطه عامر في مصيبة وعرض عليه بكل براءة " تزويجها له مقابل براءته "

في الواقع تفاصيل كثيرة اخفاها عامر ببراعة جعلت زوج والدتها يعرض عليها الزواج منه بطريقة فهمت منها أنه يحتاج لذلك الزواج بصورة ملحة ..

وقد  كان .. زواج لأجل من تحب وهربًا ممن تحب ...

وبسبب الحب قضت سنوات من  الجحيم مع زوج مريض نفسيًا اذاقها شتى أنواع العذاب واخفت فيهم ألمها عن عائلتها حتى فاض الكيل واتصلت ادارة المستشفي الذي حجزت فيه للمرة الخامسة في غضون شهرين بالسفارة المصرية للتدخل والاتصال بذويها ..

" سلمى في حالة خطيرة ومنومة في المستشفى"

كلمات عبرت عن حالتها ببساطة تلك التي القيت على مسامع والدتها ..

وكانت اللحظات الأصعب عليها حينما علمت بما تخفيه ابنتها تحت جلدها من تكسير عظام وإهانة والأصعب معرفتها أنها كانت تعاني طيلة تلك السنوات التي تحجج عامر فيها بالعمل وامتنع عن نزول مصر وحبسها في الرياض ليمارس رغباته المختلة عليها دون رادع ولم تكن تلك المرة الأولى  لما يحدث ..

أه.. الدموع التي جفت والجسد الذي وهن من هول ما رأى يجعلاها جثة بلا روح وحتى إشارة الهبوط التي اضيئت أمامها معلنة اقترابها من أرض الوطن لا تطمئنها ..

الوثيقة التي تحملها وتدخل السفارة لتسفيرها بأقصى سرعة كانتا مجرد محاولات لإنقاذها لكنها تعلم أن عامر سيلاحقها لنهاية عمرها وسيؤدبها بكل الطرق على هروبها منه وربما يكون في انتظارها في المطار بالفعل ..

•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية

تعليقات