رواية خلف أسوار الجليد الفصل السابع 7 - بقلم نور سيف
إنت بتاخد أجر على الكلام الحلو ده ولا بالحب؟
بالحب يا ستي. وبميتين جنيه من سيف كل ما آدم يبتسم.
#خلف_أسوار_الجليد
#الفصل_السابع
مرّت ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام لم يوصّل فيها آدم نور للبيت.
ثلاثة أيام ركبت فيها الميكروباص كالمعتاد ووقفت في الزحام كالمعتاد وأكلت ساندويتش فول على الماشي كالمعتاد.
لكن شيئًا لم يكن عاديًا.
لأن آدم — في هذه الأيام الثلاثة — تغيّر.
ليس للأفضل.
للأسوأ.
عاد الجليد بكامل قواه. بل عاد مضاعفًا.
كأن الأيام التي ذاب فيها شوية ابتسامة الجردل وضحكة المقلاة والشاي بالنعناع — كانت زلة اعتبرها خيانة لنفسه فقرر أن يعوّضها ببرود مضاعف.
في اليوم الأول بعد رفضها التوصيلة: أرسل لها إيميل رسمي — إيميل
مش رسالة ولا مكالمة ولا حتى ورقة — يطلب فيه تقارير الأسبوع "في موعدها بدون تأخير".
كأنها كانت بتأخر أصلاً!
في اليوم الثاني: مرّ بجانبها في الممر ولم يسلّم.
لم ينظر لها. لم يعترف بوجودها. مرّ وكأنها عمود من أعمدة المبنى. لا. أسوأ. لأنه على الأقل بيبص على الأعمدة .
في اليوم الثالث: كانت نور في المصعد ودخل هو. وبدل ما كان بيقف في الزاوية المقابلة وقف في أبعد نقطة ممكنة ولصق ظهره في الجدار كأنها مرض معدٍ.
نور وقفت في مكانها تنظر للأرقام المضيئة فوق الباب بابتسامة مصطنعة.
والصمت.
ياااا سلام على الصمت.
صمت ميت أصمّ أخرس أعمى أطرش.
خرجت من المصعد ومشت نحو مكتبها ودخلت وأغلقت الباب وقالت بصوت مكتوم وهي تضرب رأسها بالملف:
— ركّزي. يا. نور. ده. مدير. مش. حبيب. ده. مدير. مش. حبيب.
فُتح الباب فجأة.
كريم.
واقف بوجه ممزوج بين القلق والتسلية:
— بتتخانقي مع الملف ولا الملف بيتخانق معاكي؟
— كريم لو سمحت سيبني لوحدي.
— مش هسيبك. عندي أخبار.
— إيه؟
أغلق كريم الباب خلفه وجلس وأسند مرفقيه على ركبتيه ونظر لها بجدية:
— ليلى بقت بتيجي الشركة كل يوم.
— كل يوم؟!
— كل يوم. الساعة عشرة تدخل على آدم. الساعة واحدة تغديه. الساعة أربعة تشرب معاه قهوة. أصبحت زي قطعة أثاث في مكتبه.
— وهو سامحلها؟
— هو مش بيرفض ومش بيرحّب. هو بس... موجودة وهو ساكت
. زي ما يكون عمّال يدوّر على أي حاجة تملا الفراغ اللي إنتِ سيبتيه.
— أنا مسيبتش فراغ! هو اللي عمل الفراغ!
— يا نور... إنتِ لما رفضتِ التوصيلة وقلتيله خلّي العلاقة مهنية — ده كان الرد الصح عشان تحميي نفسك.
بس هو ترجمه غلط. هو ترجمه إنك مش مهتمة. إنك زي كل الناس: اقتربتِ لما لقيتي فرجة وبعدتِ لما الموضوع صعب.
— بس أنا مش كده!
— أنا عارف.
بس هو مش عارف. والراجل ده لما بيحس إن حد بيسيبه بيقفل على نفسه أكتر.
عشان يأكد لنفسه إن قراره إنه ميحبش كان صح.
— يعني أعمل إيه يا كريم؟ أروحله أقوله "أنا بحبك يا آدم وعايزاك تبطل تبقى جبل جليد"؟!
— لا طبعًا. ده هيموت من الصدمة. هنلبسه كفن بدل الجاكيت. بس في طريقة تانية.
— إيه؟
— إنك ترجعي تكوني إنتِ. إنتِ الطبيعية.
مش المهنية الرسمية الجافة بتاعة الأيام دي.
نور الأصلية. اللي بتقوله صباح الخير بابتسامة. اللي بتنصحه بالسكر في القهوة.
اللي بتمشي في الشركة كإنها بتاعتها. اللي الوفد الإسباني حبها في يومين. اللي آدم — غصب عنه — ابتسملها عند جردل.
— يعني أنسى كل اللي قاله لليلى؟
— اللي قاله لليلى ده كان لنفسه مش ليها.
بيقنع نفسه. والراجل اللي محتاج يقنع نفسه إنه مش حاسس يبقى حاسس أوي. اللي مش حاسس بجد مش بيحتاج يتكلم أصلاً.
نور نظرت لكريم طويلاً.
— كريم.
— أيوه.
— إنت بتاخد أجر على الكلام الحلو ده ولا بالحب؟
— بالحب يا ستي. وبميتين جنيه من سيف كل ما آدم يبتسم.
— يا ابن الإيه!
ضحكا معًا.
ثم قالت نور بعزم:
— ماشي. من بكره هرجع أكون أنا. بس بشرط.
— إيه؟
— إن مجموعة "عملية تذويب الجليد" تفضل ساكتة وتسيبني أتصرف لوحدي.
عم رضا بالذات يخفف تحديثات الكاميرا عشان حاسة إنه بيتفرج علينا زي مسلسل.
— عم رضا بيعتبرك بنته يا نور. الراجل بيقول عليكِ "نور بنتي" لمراته.
— حبيبي عم رضا. بس يخفف. أنا مش سيت كوم!
---
اليوم التالي. الخميس.
الساعة الثامنة والربع صباحًا.
المصعد.
دخلت نور.
بعدها بثلاثين ثانية دخل آدم.
الأبواب أُغلقت.
الصمت المعتاد.
لكن هذه المرة نور فتحت فمها:
— صباح الخير يا أستاذ آدم!
قالتها بنبرة مشرقة طبيعية كأن الأيام الثلاثة الماضية لم تحدث. كأنها ضغطت زر Reset على الموقف بالكامل.
نظر لها بمفاجأة مكتومة:
— صباح الخير.
— النهاردة الجو حلو برّا. في نسمة خفيفة. حضرتك شفت؟
— لا.
— ده عشان حضرتك نازل من العربية للمبنى على طول.
لازم تمشي شوية في الهوا الطلق الصبح. فيتامين D مهم جدًا يا أستاذ آدم.
من غيره المناعة بتضعف والمزاج بيبوظ. ده كلام علمي مش رأي شخصي.
رمشت عينا آدم.
هل هي — مرة أخرى — تنصحه بأسلوب "العلم والأبحاث" ده عشان تعدّي كلام شخصي من غير ما يقدر يردّه؟
— أنا مزاجي كويس.
— أنا مقلتش مزاج حضرتك وحش. أنا قلت بشكل عام. لأي إنسان. فيتامين D مهم. ده علم.
نظر لها.
ثم قال بنبرة لا يعرف هو نفسه إن كانت جدية أم لا:
— إنتِ دكتورة ولا مرشدة سياحية؟
— أنا مرشدة سياحية بتحب تنصح الناس ببلاش. خدمة مجتمعية.
— مفيش حاجة ببلاش يا آنسة نور.
فُتح المصعد.
خرج آدم.
خرجت نور.
وعند مفترق الممر قالت وهي تمشي في الاتجاه المعاكس:
— بالمناسبة يا أستاذ آدم... السكر في القهوة لسه مستمر ولا رجعنا مُرّ؟
توقف.
لم يلتفت.
لكنه لم يمشِ أيضًا.
وقف ثانيتين. ثم قال بصوت منخفض:
— لسه بسكر.
ومشى.
وقفت نور في الممر وابتسمت ابتسامة صغيرة منتصرة.
ثم أخرجت هاتفها وكتبت في مجموعة "عملية تذويب الجليد":
"السكر لسه في القهوة يا جماعة. الحرب مستمرة."
ردّ عم رضا: "الله أكبر! فتح عكة قرّب!"
ردّ كريم: "عم رضا هدّي! لسه بدري!"
ردّ حسن من سيوة: "يا بنتي أنا مسافر ليكم الأسبوع الجاي. هجيبلك تمر سيوي تديه لآدم بيه. التمر بيحلّي القلب."
ردّت سمية: "يا جماعة ليلى لسه داخلة المبنى
! تاني يوم على التوالي الساعة عشرة بالظبط! ليلى دخله وماسكة شنطة أكل!"
ردّ كريم: "شنطة أكل إيه؟"
ردّت سمية: "مش عارفة بس ريحتها حلوة. يمكن بتيقا. يمكن كنافة."
ردّ عم رضا: "يعني نور بتنصحه بالسكر وليلى جايباله حلويات؟! ده احنا في حرب تسليح يا جماعة! 😂"
---
***
الساعة الحادية عشرة صباحًا.
نور في مكتبها تعمل على جدول الوفد الإيطالي القادم الأسبوع المقبل.
سمعت طقطقة كعب في الممر.
ليلى.
مرّت أمام باب مكتب نور — المفتوح — وتوقفت كأنها تذكرت شيئًا:
— آه نور! صباح الخير!
— صباح الخير يا أستاذة ليلى.
— بقولك إيه... أنا وآدم هنتغدى سوا النهاردة في المطعم اللي تحت. عايزة تيجي معانا؟
دعوة مسمومة بالعسل.
نور عارفة كويس أوي إن الدعوة دي مش كرم.
دي استعراض. ليلى عايزة تقولها: "شوفي. أنا قاعدة معاه. أنا بتغدى معاه. أنا في حياته."
لكن نور مش من النوع اللي يتراجع.
— بكل سرور!
ليلى رمشت. ما كانتش متوقعة إنها توافق.
— إيه... أيوه. تمام. الساعة واحدة.
ومشت.
وقفت نور وحدها في المكتب ونظرت للسقف:
— يارب. اللي أنا هعمله ده يا مجنون يا عبقري.
بس في الحالتين ادّيني قوة.
---
***
الساعة الواحدة ظهرًا.
المطعم في الطابق الأرضي للمبنى — مطعم أنيق مخصص لموظفي الإدارة العليا.
آدم جالس على طاولة زاوية هادئة. ليلى قبالته. بينهما أطباق سلطة ودجاج مشوي وأرز.
وجاءت نور.
ببلوزتها الكحلي وبنطلونها الأسود وشعرها المربوط وابتسامتها المشرقة.
تمشي بين الطاولات بثقة وعلى وجهها تعبير بيقول: "أنا هنا.
آدم رفع رأسه ورآها قادمة.
وللحظة — لحظة واحدة خاطفة — شافت نور شيئًا في عينيه.
شيء يشبه الارتياح. كأن عضلة في صدره انبسطت لثانية قبل أن يشدّها مرة أخرى.
ليلى ابتسمت:
— أهلاً نور! اتفضلي.
جلست نور على الكرسي الثالث.
ثلاثتهم على طاولة واحدة.
الحرب الباردة في أبهى صورها.
***
بدأ الغداء.
ليلى سيطرت على الحديث — بمهارة اجتماعية عالية. تتحدث عن لندن وعن شغلها الجديد في مجال العلاقات العامة وعن صديقات مشتركة وعن ذكريات الجامعة.
كل جملة فيها اسم مكان أو شخص لا تعرفه نور. كل حكاية بتربط ليلى بآدم بخيط من الماضي لا تملك نور قصّه.
— فاكر يا آدم لما سارة عملت حفلة عيد ميلادها في الساحل وأنت جبت الكيكة غلط ونزلت بالشيكولاتة وهي طالبها فانيليا؟
آدم لم يبتسم لكن أومأ برأسه.
— وفاكر لما رحنا إسبانيا إحنا التلاتة وسارة تاهت في برشلونة وإنت لفيت المدينة كلها تدوّر عليها وفي الآخر لقيناها في محل آيس كريم قاعدة مبسوطة؟
هذه المرة شافت نور يد آدم على الطاولة تنقبض قليلاً.
وليلى تستمر. تتحدث عن سارة بحب ظاهري لكن كل ذكرى تذكرها بتعمل حاجة:
بتربط آدم بالماضي. بتذكّره بسارة. بتقوله من غير ما تقول: "أنا كنت هناك. أنا جزء من القصة. ومفيش حد تاني يقدر يدخل."
نور جلست صامتة تأكل وتستمع.
لكنها لم تكن مستسلمة. كانت تراقب. تسجّل. تحلل.
ثم جاءت اللحظة.
ليلى قالت وهي تضحك:
— آه!
وفاكر يا آدم لما سارة كانت بتقولي إنها خايفة من رحلة الساحل عشان إنت بتسوق بسرعة؟ وأنا كنت بقولها متقلقيش آدم سواق ممتاز!
صمت.
صمت مفاجئ ثقيل كأن قنبلة انفجرت تحت الطاولة.
وجه آدم تحوّل.
ليس للغضب. لشيء أسوأ: ألم خام مكشوف كجرح اتنزعت ضمادته فجأة.
لأن ليلى — عن قصد أو عن غير قصد — لمست الجرح الأعمق
هو كان بيسوق بسرعة. سارة كانت خايفة. وهو ما سمعش.
والحادثة حصلت.
نور شافت وجهه وشعرت بكل شيء بداخلها يشتعل.
ليس غيرة.
غضب.
غضب من ليلى.
لأن ليلى تعرف أن هذا الموضوع هو الأكثر إيلامًا لآدم.
وتعرف أنه بيحمّل نفسه مسؤولية الحادثة
. ومع ذلك جابت سيرته. قدام الناس. عشان تثبت إنها "الأقرب" وإنها "تعرف كل حاجة".
هذا ليس حبًا. هذا امتلاك.
نور وضعت شوكتها وقالت بصوت هادئ واضح:
— يا أستاذة ليلى.
نظرت ليلى لها:
— أيوه يا نور؟
— الأكل حلو أوي. بس أنا عايزة أسأل سؤال لو سمحتِ.
— اتفضلي.
— حضرتك اشتغلتِ في مجال العلاقات العامة في لندن صح؟
— أيوه.
— يعني حضرتك عارفة إن في مبدأ أساسي في العلاقات العامة اسمه "Emotional Intelligence" — الذكاء العاطفي.
وأهم قاعدة فيه إنك ما تجيبش سيرة مواقف مؤلمة لشخص في مكان عام.
خصوصًا لو الشخص ده مديرك أو صاحبك أو... أي حد بتحترمه.
صمت.
ليلى ابتسامتها تجمّدت على وجهها.
نور أكملت بنفس الهدوء:
— ده مش كلامي.
ده كلام دانييل جولمان في كتاب "Emotional Intelligence" صفحة ١٤٣.
ممكن ترجعيله لو حبّيتي. الكتاب موجود على أمازون بثلاثين دولار.
الطاولة صامتة.
آدم ينظر لنور.
ليلى تنظر لنور.
ونور تشرب كوب المياه بتاعها بهدوء تام.
ليلى ابتلعت وقالت بابتسامة مشدودة:
— أنا مكنتش أقصد حاجة وحشة يا نور. أنا وآدم بنتكلم عادي. هو صاحبي وبنفتكر أيام حلوة.
— طبعًا طبعًا. أنا بس بتكلم بشكل عام. معلومة ثقافية. زي السكر في القهوة وفيتامين D كده.
نظرت لآدم ببراءة مصطنعة.
وآدم — ولأول مرة منذ ثلاثة أيام — نظر لها.
نظرة مختلفة عن كل النظرات السابقة.
نظرة فيها شيء جديد.
ليس إعجابًا فقط. ليس احترامًا فقط.
شيء أعمق. شيء يشبه الاعتراف. كأنه يقول: "شفتِ اللي محدش شافه.
وعملتِ اللي محدش عمله."
لأن ليلى — بكل تاريخها وقربها ومعرفتها — لم تحمِه من ألمه يومًا. بل كانت تستخدم ألمه لتبقى قريبة.
ونور — الغريبة الجديدة — حمته. بجملة هادئة ورقم صفحة.
***
انتهى الغداء.
ليلى اعتذرت بسرعة وقالت إن عندها موعد ومشت. كعبها يطقطق أسرع من المعتاد.
آدم ونور وحدهما على الطاولة.
صمت.
ثم قال آدم:
— صفحة ١٤٣.
— أيوه.
— إنتِ قريتِ الكتاب فعلاً؟
— لا.
نظر لها.
— يعني ألّفتِ رقم الصفحة.
— هي مكانتش هتروح تتأكد يا أستاذ آدم.
ولأول مرة منذ ثلاثة أيام... ابتسم.
مش ابتسامة كاملة.
مش ابتسامة الجردل أو المقلاة. لكن ابتسامة عين. تلك الابتسامة التي تظهر في العين قبل الفم.
اللي بتحس بيها أكتر ما بتشوفها.
— إنتِ خطيرة يا نور.
— أنا مش خطيرة. أنا بس... بهتم.
كلمة "بهتم" وقعت على الطاولة بينهما كحجر في بركة ساكنة.
آدم نظر لها طويلاً.
ثم قام ومشى.
لكن عند الباب — وكأنه عادة صارت قدرًا — توقف وقال بدون أن يلتفت:
— النهاردة... الدقي في طريقي.
ثم مشى.
ونور ابتسمت.
---
***
الساعة الثالثة عصرًا.
حدث شيء لم يكن في حسبان أحد.
نور كانت تبحث في أرشيف الشركة عن ملفات رحلات سابقة للوفود الإيطالية لتستعين بها في التخطيط.
الأرشيف في الطابق السفلي — غرفة واسعة مليئة بدواليب حديدية وملفات مرصوصة من الأرض للسقف.
كانت تسحب ملفًا من الرف العلوي حين سقط ملف آخر من بجانبه وتناثرت أوراقه على الأرض.
نزلت تلمّ الأوراق.
وبين الأوراق المتناثرة وجدت مغلفًا صغيرًا عليه كتابة بخط اليد:
"خاص — سارة / رحلة الساحل الشمالي — يوليو ٢٠٢١"
توقفت.
يوليو ٢٠٢١. شهر الحادثة.
يداها ارتعشتا.
لا ينبغي أن تفتحه. ليس من حقها. هذا ملف شخصي. هذا ملف خاص بسارة. بآدم. بألمهم.
لكن المغلف كان مفتوحًا أصلاً. والأوراق نصف خارجة منه.
وعيناها وقعت — بدون قصد، أقسم بدون قصد — على ورقة مكتوبة بخط يد أنثوي جميل
ورقة ليست من سارة.
ورقة عليها اسم المرسل: ليلى حسام.
وتاريخها: ٣ يوليو ٢٠٢١. قبل الحادثة بعشرة أيام.
جلست نور على الأرض وقرأت.
وكل كلمة قرأتها شعرت بالدم يبرد في عروقها.
---
الرسالة:
*"سارة العزيزة،*
*أعرف إنك هتستغربي الجواب ده. بس أنا قررت أكون صريحة معاكِ لأول مرة.*
*أنا بحب آدم.*
*من قبل ما إنتوا تتعرفوا.
من أيام الجامعة. كنت بحبه في سكوت وكنت مستنية الوقت المناسب
. وبعدين إنتِ جيتِ. وأخدتيه. ومقلتش حاجة عشان إنتِ صاحبتي وعشان مكنتش عايزة أخسرك.*
*بس أنا تعبت يا سارة. تعبت من التمثيل.
تعبت أبتسملكم وأنا من جوايا بموت. تعبت أشوفه بيحبك وعارفة إنه كان ممكن يحبني لو إنتِ مكنتيش ظهرتِ
مش بطلب منك تسيبيه. بس بطلب منك تعرفي الحقيقة.
عشان الكدب بقى تقيل عليا.
ليلى."
---
أنهت نور القراءة.
يداها ترتجفان.
الورقة مجعّدة في أطرافها كأن شخصًا أمسكها بقوة قبلها.
وفي الأسفل — بخط مختلف، خط سريع عصبي — مكتوب بالقلم الأحمر ثلاث كلمات:
**"سارة قرأتها."**
وتحتها تاريخ: ١٠ يوليو ٢٠٢١.
يوم الحادثة.
قبل الحادثة.
سارة قرأت الرسالة يوم الحادثة.
رعشة مرّت في جسد نور بالكامل.
ماذا لو...
ماذا لو سارة قرأت الرسالة قبل الرحلة مباشرة؟
ماذا لو كانت مضطربة متألمة مصدومة؟
ماذا لو تشاجرت مع آدم في السيارة بسبب الرسالة؟ ماذا لو...
ماذا لو الحادثة لم تكن بسبب السرعة فقط؟
ماذا لو ليلى — بطريقة غير مباشرة — كانت سببًا؟
وماذا لو آدم لا يعرف بوجود هذه الرسالة؟
ماذا لو يحمّل نفسه مسؤولية حادثة لم تكن ذنبه وحده؟
ماذا لو ليلى تعرف كل ذلك... وتسكت... وتتظاهر بالصداقة... وتقف بجانبه
وتستغل ذنبه لتبقى قريبة... لأنها تعرف أنه لو عرف الحقيقة سيطردها من حياته للأبد؟
وضعت نور الورقة على الأرض بيدين مرتعشتين.
ونظرت للسقف.
ودموعها سقطت.
ليست دموع حزن على نفسها.
دموع غضب.
غضب على آدم الذي يعيش في سجن ذنب مش ذنبه لوحده.
غضب على ليلى التي تستخدم موت صاحبتها سُلّمًا لقلب رجل.
غضب على سارة التي ماتت وهي مجروحة من أقرب الناس ليها.
مسحت دموعها.
وضعت الورقة في المغلف.
وضعت المغلف في شنطتها.
وقامت.
ووقفت.
والتقطت نفسًا عميقًا.
وقالت بصوت ثابت:
— دلوقتي الحرب الحقيقية بدأت يا ليلى.
---
***
الساعة السادسة مساءً.
نور خارجة من المبنى.
السيارة السوداء واقفة.
النافذة بتنزل.
آدم.
— الدقي.
نظرت له.
هذا الرجل الجالس أمامها لا يعرف أن في شنطتها ورقة ممكن تغيّر كل شيء.
ورقة ممكن تحرره من سجنه.
أو تدمّره أكتر.
ركبت بجانبه في الأمام.
السيارة تحركت.
صمت.
ثم قالت بصوت أرقّ من المعتاد:
— آدم باشا.
— أيوه.
— لو حد عنده معلومة ممكن تغيّر حياة حد تاني... بس المعلومة دي ممكن توجعه أوي الأول قبل ما تريّحه... يقوله ولا يسكت؟
نظر لها بحذر:
— ليه السؤال ده؟
— سؤال نظري بس.
— مفيش حاجة نظرية عندك يا نور. كل أسئلتك بتكون عملية حتى لو مش باينة.
— طب جاوبني.
صمت.
ثم قال وعيناه على الطريق:
— الحقيقة دايمًا أحسن. حتى لو وجعت. لأن الكدب بيوجع أكتر على المدى الطويل.
— حتى لو الحقيقة دي هتقلب حياتك رأسًا على عقب؟
— حتى لو.
وصلوا الدقي.
وقفت السيارة.
نزلت نور.
ثم انحنت على النافذة ونظرت له بعينين تحملان ثقل ما تعرفه:
— آدم باشا.
— أيوه.
— أنا مش هسكت.
لم يفهم.
ابتسمت ابتسامة حزينة:
— تصبح على خير.
ومشت.
ودخلت العمارة.
وصعدت الدرج.
وفتحت باب الشقة.
ودخلت غرفتها.
وقفلت الباب.
وأخرجت المغلف من شنطتها.
ونظرت للرسالة.
وقالت:
— مش هسكت عليكي يا ليلى. مش عشاني أنا.
عشان آدم يستاهل يعرف الحقيقة. وعشان سارة تستاهل العدل.
ثم فتحت اللاب توب وبدأت تفكر.
ليس في كيف تواجه ليلى.
بل في كيف تقول لآدم الحقيقة... بدون ما تدمّره.
لأن الفرق بين الحقيقة العادلة والحقيقة القاسية... هو الطريقة.
والطريقة... محتاجة حد يعرف يتكلم.
ونور جمال عبد الحميد — بنت سائق التاكسي من الدقي — كانت بتعرف تتكلم.
ده أكتر حاجة في الدنيا بتعرف تعملها.
---
***
وفي فيلته في التجمع الخامس.
جلس آدم على الكنبة في الصالون الواسع الفارغ.
كوب القهوة بالسكر في يده.
وسؤالها يدور في رأسه:
"لو حد عنده معلومة ممكن تغيّر حياة حد تاني..."
"أنا مش هسكت."
ما الذي تعرفه؟
وعن ماذا لن تسكت؟
وضع الكوب على الطاولة.
وأخذ هاتفه.
وبدل ما يفتح صورة سارة — كما يفعل كل ليلة — وجد نفسه يفتح شيئًا آخر.
جوجل.
وكتب:
"Daniel Goleman - Emotional Intelligence - page 143"
قرأ الصفحة.
لم تكن عن المواقف المؤلمة في الأماكن العامة.
كانت عن شيء آخر تمامًا.
ابتسم.
ابتسامة حقيقية عريضة وحيدة في فيلا فارغة في التجمع الخامس.
— ألّفت رقم الصفحة فعلاً.
ثم ضحك.
ضحكة صغيرة مكسورة دافئة.
ثم قال بصوت خافت:
— يا نور يا نور... إنتِ هتبقي يا أجمل حاجة تحصلّي... يا أخطر حاجة تحصلّي.
ومش عارف أنهي واحدة أخاف منها أكتر.
ثم أطفأ النور.
ونام.
وللمرة الأولى منذ ثلاثة أيام... نام بسرعة.
وللمرة الثانية منذ ثلاث سنوات... حلم بالعيون السوداء.
ليس الخضراء.
السوداء.
---
---
"الحقيقة في جيب نور.
وليلى لا تعلم أن قنبلتها القديمة على وشك أن تنفجر في وجهها.
وآدم — ذلك الجبل الجليدي — لا يعلم أن الذنب الذي يحمله منذ ثلاث سنوات... ربما ليس ذنبه وحده.
المواجهة قادمة. ولن يكون هناك مكان للاختباء.
•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية