رواية ورقة التين الفصل السادس 6 - بقلم داليا الكومي
" المنزل به زوج عمتها وولده منذر وغفير واحد "
- التطفل في القرى ليس سهلًا سيد يزيد .. تلك كل المعلومات التي استطعت الحصول عليها .. لكن الجميع يخشي منذر هذا ويعمل له ألف حساب ويصفونه بالقوة والشجاعة وصفات كثيرة لا تنتهي .. قال معوض بخوف وهو ينتظر رد فعل يزيد على كلامه .. لكن يزيد لم يتعصب بل كان وكأنه يعتصر دماغه ..
- سنهجم على المنزل وننتزع منه الفتاة بالقوة .. الفتاة ملكي بعقد بيع .. من سيتجرأ على الاعتراض ولدينا نص قرآني نستعمله " وما ملكت أيمانكم " ..
- هذا كان في الماضي لن تحكم لك محكمة بهذا أبدًا ..
- من قال إني أريد حكمًا لصالحي .. النص القرآني سيحميني لبعض الوقت حتى أنال ما أريده منها ثم لتشتكي بعدها كما تريد .. القضاء يمكن شرائه والثغرات ستكون موجوده وكله بالشرع .. فقط أنالها تحت غطاء الشرع ثم سأرميها في الشارع ما حاجتي لها بعدما تكون استعملت .. هل سأصرف عليها؟؟ بالطبع لا .. ولتقاضيني وقتها وسنرى من سينتصر؟؟
شيطان هو يزيد أبو الخير .. يستخدم حتى الشرع لصالحه مع أنه أكيدٌ من أنه لا يعلم عن الشرع سوى هذه الجملة وربما يعلم أيضًا " مثنى وثلاث ورباع" لكنه أصبح حوتًا من حيتان السوق بسبب هذا النفاق وأكيدٌ أيضًا من أن هذا مبدئه في كل صفقاته لكن الطيور على أشكالها تقع حتى هو متلون لكنه لا يعلم كيف يصبح حوتًا ولذلك سيظل صرصورًا..
واستفاق من أفكاره على صوت الحوت يقول بلهجة مخيفة ..- بالتأكيد ستجد أحدهم في القرية مغلولًا من هذا المسمى منذر ابحث عنه وحينما تجده جنده لصالحنا واشتري غله هذا لصالحنا ليساعدنا حينما يحين الوقت .. لقد ربحت الفتاة بالمجان فلا بأس من إنفاق بعض الأموال حتى تكون في فراشي .. وقريبًا ستكون ..
يزيد ليس متلونًا فقط بل متلونًا وذكيًا ودمويًا مزيج ينبغي الخوف منه فعلًا..
**
ووضعت يدها على قلبها الذي كان يؤلمها بشدة وعجزت عن التنفس بشكل سليم ..
فاصفر وجهه من الخوف .. تلك الحركة كانت تفعلها والدته أثناء مرضها فهل ورثت ربى كل جينات والدته حتى مرضها ..
كان على وشك احتوائها بين ذراعيه لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة وسألها بقلق بالغ..- ربى هل أنتِ بخير؟؟
وأومئت برأسها عاجزة عن النطق ..- نعم ولا .. فقط حينما أشعر بالضيق أو الخوف ينسحب نفسي .. لحظات وسأعود لطبيعتي ..
نعم سأعود صدقني فلحظات الخوف على الأقل مرت على خير .. أما لحظات الضيق فلا نهاية لها وكأنه قدري " كتمة النفس" ..
وعشرات من الأفكار المتصارعة ضربت عقله أهمها حتمية الاطمئنان عليها لكنه يجب أن يفهم وإلا سيجن .. فقال بحنان ..- تنفسي بهدوء ثم اخبريني كل شيء .. كل شيء ربى ولا تخفي عني شيئًا .. أنا بحاجة للمعرفة.. بحاجة للصدمة كاملة لأستعيد توازني .. استعادتي لتوازني ستعيد التوازن لنا جميعًا صدقيني .. هنا سيكون محور الرافعة ..
آه يا جدي ألم يكن من الأفضل لك أن تحظى بحفيد مثل منذر لجوارك بدلًا من والدي السكير الذي أضاع كل شيء؟؟ لكن الله يعطي كل شخص ما يستحقه تمامًا..
كانت تتمسك بالقلادة بقوة وكأنها ستحميها أو ربما لتستمد منها القوة وبدأت السرد .. ربما عليها البوح لترتاح.. حشمت تيجان جدك أنت الآخر وأنت طلبت معرفة الحقيقة فتحملها إذًا..
" جدنا الكبير حشمت تيجان لم يكن يفرق كثيرًا عن والدي فالدم واحد والقسوة تورث لذلك كتب كل أملاكه باسمه ليحرم والدتك من ميراثها الشرعي لكنه لم يكن يعلم أن الحرام لا يدوم .. وكل أمواله التي حرص عليها في حياته لدرجة أنه خسر ابنته بسببها انتهت في جيوب لاعبي القمار .."
وبعد سنوات من الاستدانة والهروب من الديانة والعيش بدون كهرباء لشهور وبيع كل ما هو ثمين وهروب كل الخدم أعلن والدي إفلاسه رسميًا وهم بمنع عاصم عن التعليم لأنه لم يعد يملك مصاريف مدرسته الباهظة وكنت انتهيت لتوي من الشهادة الثانوية ففعلت المستحيل من أجل إقناعه بتحويل أوراقه لمدرسة حكومية عادية والمقابل كان خدمتي للسكارى والتنقل بين طاولات القمار محل الخادمة التي أقلعت عن العمل والاستغناء عن دخولي الجامعة مع أني كنت أستطيع دخول كلية الطب التي كنت أرغبها بشدة.. لذلك هو لم يحرمك وحدك من حلمك وأيضًا ليست المرة الأولى لي للعمل كخادمة هنا على الأقل لا اضطر لخدمة السكارى "
واكتشف'' هناك ما هو أكثر بشاعة من نهش جسده بالكلاب..
لكنه كان غارقًا في كراهيته ولم يرى الحقيقة التي كانت بسطوع الشمس..
لطالما دأب عاصم على تنبيهه لقسوة حياتهما السابقة لكنه كان مغيبًا .. كم تعمي الكراهية الأبصار والقلوب.. ربى ضحية مثلها مثله فلماذا يحملها الذنب ؟؟
وأطرق برأسه أرضًا ولم تعد قدماه قادرة على حمله فجلس على المقعد وانتظر ..
- لم أتعجب من قسوتك يا منذر فأنت تحمل أيضًا جينات تيجان في دمائك لكن على الأقل أنت قسوتك مبررة وبداخلها عدل .. لا تتعجب مما يقوله عاصم فيما يتعلق بالطعام ففي السنة الأخيرة ساءت الأمور كثيرًا فباع والدي كل ما يمكن بيعه وحينما انتبهت لخطورة الأمر أخفيت بعض الأشياء التافهة التي كان لا يعلم عنها شيئًا وأصبحت أبيع منها لتوفير بعض الطعام حتى نفذت كل مدخراتي القليلة وأصبحنا نعتمد على بقايا طعام السكارى هذا إذا فاض منهم شيئًا .. عاصم تحمل كثيرًا وهذا ما يجعلنا متشابهين يا منذر .. كلانا ضحى لأجل شقيقه لكن الفارق أنت كان لديك عم قدري لكن أنا لم يكن لدي أي شيء ..
وضغط على نفسه لينطقها ..- منذ متى كان هذا الحيوان يتحرش بكِ؟؟
- منذ اليوم الأول الذي أدخله والدي لمنزلنا لكني كنت أصده بعنف وأرتدي ملابس الصبيان لأخفي جسدي .. وفي يوم من الأيام كنت أنتقل بين الطاولات كالمعتاد وأتجنب ملاحقات السكارى ومحاولتهم للتحرش حتى أعلن ذاك الحقير عن صفقة .. أن أكون أنا الجائزة الكبرى.. ووافق والدي ببساطة هكذا " لعبوا علي " الفائز سأكون من نصيبه.. وفاز يزيد وخسر أبي ولم يكتفي بهذا الفوز الشفوي بل جعله يوقع على عقد بيع ابتدائي بمبلغ مليوني جنيه لزيادة الضمان وبعد وفاته طالبني بسداد الدين أو بتنفيذ العقد .. بالطبع لم أكن أملك ثمن استشارة محامي ولا أملك النفوذ لمواجهته في المحاكم ففرنا أنا وعاصم بعد وفاة والدي بأيام قليلة بآخر جنيهات كانت في حوزتي حصلتهم من بيع ملابسي وأنت تعلم الباقي ..
- لماذا لم تخبريني منذ اليوم الأول لقدومكِ لأنتزع حنجرته بأطراف أصابعي وأراقبه وهو يموت ببطيء .. صدقيني حينما انتهي منه سيكره أنه ولد ..
وهتفت بفزع ..- لا منذر أرجوك أنت لست مثله وعالمه لا يمت لعالمك بصلة .. فلنبتهل أن يكون صرف نظر عني ولن يجدنا هنا إن شاء الله ..
وصرخ بغضب ..- هل تعتقدين إني قد أخشاه'' أنت مخطئة تمامًا .. سيدفع الثمن هذا وعدٌ مني بذلك وقريبًا جدًا ..
وتمسكت بكفه بتلقائية لتعبر عن رعبها .. - أرجوك منذر أنت لست ندًا له'' أنت لا تعلم من هو ..
وشعر برجفة كفها وببرودته لكنه شعر أيضًا بنعومته ..
من أنا يا ربى من أنا ؟؟ أنا منذر ابن السابعة عشر الذي تغرب سبعة سنوات ذاق فيهم كل أنواع العذاب وتحمل .. سجن في زنزانة حقيرة بلا سبب وهرب منها'' اختطف وسرقت أمواله لكنه كان يعود أقوى وأمامه هدف .. من الأردن للعراق للسعودية حتى تمكن أخيرًا من امتلاك أول مبلغ حقيقي مكنه من الاستثمار فعمل في كل شيء حتى في تنظيف المراحيض العامة وفي جمع القمامة ليحافظ على استثماره.. عمل في تسليك بالوعات الناس وفي الغوص في قاذورتهم .. واجه قطاع الطرق بقلب ميت وبسلاح أبيض ليتمكن من حماية نفسه وأمواله .. والآن لن أختبئ كالنسوان من هذا الحيوان..
- اذًا أنتِ لا تعلمين من أنا ولا ما عانيت حتى وصلت لما أنا فيه'' في حياتي صارعت كثيرين أمثال هذا الحيوان وسيكون هو مجرد رقم .. لن اختبئ مثل الجبان.. سأواجهه وسأقتله لكن أولًا لأستعد جيدًا.. مدير المدرسة الابتدائية هنا صديق والدي وسيقبل أوراق عاصم وديًا.. سأستخرج له غدًا شهادة ميلاد من السجل المدني في المدينة وسيلتحق عاصم بالمدرسة دون الحاجة لشهاداته السابقة حاليًا حتى انتهي من هذا الحيوان وأذهب لإحضارها من مدرسته..
الفصل السادس .. شقي الرحى
لماذا نتجشم عناء البحث عن الحقيقة؟؟ أليس ما نعرفه يكفي؟؟ أوليس الجهل أحيانًا يكون مريحًا ؟؟ الحقيقة مرة دائمًا.. متى كانت الحقيقة حلوة بحلاوة العسل؟؟ دائمًا مرارها هو الطاغي حتى لو ظننا أن ما نعرفه هو العذاب تظل الحقيقة مفتاح باب جهنم.. ومع هذا نسعى جاهدين للبحث عنها..
لقد وضع نفسه بين شقي الرحى وبإرادته.. توريطه لنفسه في زواج لا يريده لا يظلمه هو فقط لكن يظلم برلنتي أيضًا.. هل سيستطيع أن ينظر إليها بشغف؟؟ هل سيحبها كما تستحق؟؟ لكن سيظلمها أيضًا لو تركها بلا سبب الوضع برمته هو الملام الوحيد فيه وعليه تحمل النتائج لكن فقط حمدون اختار أسوء يوم ليدعوه لمنزله وهل سيمر عليه يوم بمثل هذا السوء في حياته؟؟
لم يكن انتهى من جلد نفسه بعد والتفكير المطول في كل حرف نطقته ربى بقهر وذهب ليتنفس بعض الهواء في أرضه حينما تلقى اتصالًا من حمدون..
وبادره قائلًا بدون حتى سلام.. - تركناك براحتك حتى تنتهي من الحصاد لأننا نعلم كم كنت مشغولًا لكن ألم يحن الوقت لزيارة عروسك.. ننتظرك اليوم بعد صلاة العشاء لا تتأخر..
اليوم بالخصوص.. الرحمة يا إلهي.. لكنه لم يستطع الرفض.. ماذا سيقول؟؟ حتى أنه انتبه " لم يزر منزلهم منذ يوم الخطبة " وبالطبع حينما يطلبه والدها لا يستطيع الرفض مهما أن كان يشعر ومها أن كانت النار تشتعل بداخله ويعجز عن التفكير السليم.. وحاول إخفاء ضيقه ليقول.. - حسنًا بالطبع سأحضر في الموعد..
الأمر أصبح ملزمًا له لا جدال في هذا.. لكن ما الجديد حقًا بعد معرفته الحقيقة.. لماذا يهتم هكذا ويشعر بانسحاب روحه وفي ألم في صدره؟؟
ماذا من الممكن أن يتغير؟؟ الماضي يظل حيًا مهما حاول نسيانه وألم اسم هارون لا يمحى.. يغطى بمشاغل الحياة ربما لكن لا يمحى فهو نقش على الصخر وبزخرفة من نار..
وعاد أدراجه للمنزل محملًا بنية طي الماضي بلا رجعة.. غدًا سيطويه للأبد لكنه بحاجة لمجرد لحظات معها ليستعيد توازنه للأبد ولترتيب فوضى حياته التي أحدثها الغضب.. وقبل الدخول للمنزل عرج على غرفة فوزية.. وناداها من الخارج.. - فوزية..
وخرجت وهي تعدل حجابها لتقول.. - خيرًا إن شاء الله..
- فوزية يعلم الله أنكِ هنا كأخت لا فرق بينكِ وبين مهند أو ربى لكن أشعر بالقلق على صحتها ولا أريد منها أن تقوم بأي مجهود حتى أطمئن عليها..
- ربى بخير صدقني هي فقط تشعر بالتوعك بسبب غباء بعض الرجال ..
اللعنة .. وانسحب اللون من وجهه .. " تشعر بالتوعك بسبب غباء بعض الرجال "..
ماذا فعل الرجال لها " هل هي حامل؟؟ ماذا تعلم فوزية؟؟
وكاد يفقد وعيه من شدة الألم .. وصرخ بجنون ..- ماذا فعل الرجال لها ؟؟
وهزت فوزية رأسها بتعجب ما به منذر ليشيط هكذا ؟
لكنها انتهزتها فرصة وقالت بصراحة ..- مثل ما تفعل أنت .. يحملونها فوق طاقتها ويعودوا ليلومونها لعدم قدرتها على التعامل مع الامر ..
اللعنة مجددًا لقد أصبح معتوهًا حقًا .. " الحمد لله أنه لم ينطق ما يفكر به أمام فوزية " هناك أشياء لم تحسم بعد وعليه فهمها وإلا سيجن وسيجعل الجميع يجن من حوله.. وهدأ قليلًا حتى ولو حامل فهي تحتاج لمعاملة خاصة حتى ولو ذلك على حساب قلبه الذي سيتوقف من الألم ..
- رجاءً فوزية لا تكلفيها بأي مهام وأنا سأساعدكِ بدلًا منها..
ونظرت إليه فوزية مطولًا.. منذر يساعد في أعمال المنزل ؟؟ هل سينتف الريش مثلًا ؟؟ لكنها تجاوزت دهشتها وقالت بخبث.. - العمل ليس كثيرًا على كل حال بعد انتهاء موسم التين .. كنت أشركها لأنها كانت تحب العمل لا لأني أشتكي وخاصة بعدما أحضرت الغسالة لم يعد هناك ما يشق علي باستثناء نتف الريش..
- اذًا لا داعي لنتفه بعد الآن.. اعطي الطيور لغندور وليذهب لتنظيفها عند الفرارجي بدءً من الغد..
ينظفها في الخارج ؟؟ ماذا حدث له ؟ هذا ليس منذر الحريص مطلقًا؟ ناقص يخبرها أن تعطي الملابس للمكوجي وشهقت حينما أكمل.. - أه والملابس سيحضر صبي المكوجي لأخذها أسبوعيًا فلا ترهقي نفسكِ بالكي.. لا هذا لا يصدق.. " الراجل انبدل حاله " وتركها تضرب أخماس في أسداس وذهب..
**
وتوقف أمام خزانة ملابسه عاجزًا عن مد يده.. مشوار ثقيل على قلبه لكنه شر لابد منه.. تحمل عواقب الأفعال هو ما يجعلنا رجال أمام أنفسنا أولًا.. وراقب ملابسه الجديدة بحسرة.. التغيير ليس خارجيًا فقط يا منذر لقد تغيرت داخليًا.. وطوى ملابسه الجديدة بعناية ووضعهم في رف لا يستخدمه والتقط جلباب بلدي واسع نظيف وتعطر جيدًا.. أنت عريس فلتتصرف كعريس.. ربما لا يوجد وقت لشراء هدية مناسبة ومن الأساس لا رغبة لديه بفعل هذا فتناول مبلغ من المال ووضعه في مظروف " الأصول أصول مهما أن كره ما يفعله " وأخذ نفس عميق واستعد للمغادرة.. - منذر إلى أين؟؟ سأله والده بحيرة[mu1] ..
- لزيارة عائلة حمدون.. لا تنتظروني على العشاء.. قالها وخرج ركضًا.. هل يقاوم رغبته في عدم الذهاب فيجبر نفسه بالأمر الواقع أم لا يريد أن يرى تأثير كلماته على وجوههم.. هل يهرب من نفسه أم منهم؟؟
أما ربى فشعرت بخروج روحها من جسدها.. ذاهب لزيارة خطيبته.. ألم تعتاد على هذا الألم بعد؟؟ متى ستعتاده ؟؟ وكانت الإجابة صادمة.. " أبدًا "..
الجو تكهرب من جملة قالها منذر وبفعل حتمي كان مؤجلًا فقط، لكن أليس قريبًا سيكون هذا هو الواقع؟؟ والأسوأ قريبًا ستعيش برلنتي شخصيًا هنا لتسمم بدنها في كل لحظة.. بل وسيكون معها حق فهي لها مكانتها وسلطتها كزوجة لمنذر أما هي فمن تكون " مجرد ضيفة غير مرغوب فيها ".. الأصعب من العيش في الجحيم هو تذوق الجنة لبعض الوقت ثم الحرمان منها.. وكأن عمها شعر بمعاناتها فقال بود.. - لدي فكرة.. سنقوم بشوي الذرة في الحديقة.. عاصم مهند هيا ساعداني لإشعال الفحم.. سأحضر الذرة من المستودع وأعود على الفور.. وركض ركضًا للمستودع..
كان يهرب.. نعم يهرب هو الآخر لكن لماذا؟ هل يشعر بألمها فيحاول تحسين مزاجها.. لكن منذر هو ابنه فلماذا يتألم لأجلها هي؟؟
منذر لقد صدقت في كل كلمة قلتها لك إلا في جملة واحدة " أنا أيضًا لدى عم قدري ولست أنت فقط " وهذا يكفيني حقًا..
**
حتى فقد شغفه بالسيارة الجديدة.. كان من المفترض أن يذهب بها للمدينة معها لتكون الأولى التي تخطها بقدمها والآن فقد الشغف بكل شيء حينما تغيرت خططه قسرًا.. كان لديه شغفًا وهو يكره أما الآن وقد خفت حدة كراهيته فقد معها الشغف.. تلك الحيرة التي لا علاج لها.. ووضع نفسه في شاحنته وانطلق فلتظل السيارة على حالها..
" سيأتي حالًا.. " ..
صبرت برلنتي نفسها..
كانت تنتظره على أحر من الجمر وتراقب الطريق من نافذة غرفتها.. وتعطرت ببذخ ووضعت زينة الوجه.. سيحضر الآن وصدمت حينما شاهدته يترجل من شاحنته القديمة.. أين السيارة التي سمعت والدها يتحدث عنها؟؟ سمعته خلسة يتحدث مع والدتها بغيظ في الظهيرة حينما قال.. - كنت أعتقد أنه سيشتري الأثاث حينما يجني ريع البصل.. يبدو أنكِ على حق.. البيه اشترى سيارة جديدة ولم يسأل فينا.. عليه تحديد مواعيد لكل شيء .. لشراء الأثاث وللزفاف ..
- ادعوه للحضور اليوم.. يجب أن نضع النقاط فوق الحروف ..
وسمعته يتحدث معه هاتفيًا ويطلب منه الحضور فانسحبت للاهتمام بملابسها ووجهها
وبعدها تأكدت بنفسها من موضوع السيارة .. انتشر الخبر كالنار في الهشيم.. '' في البلدان الصغيرة الأشياء البسيطة يتغنى بها أطفال الشوارع كأنها مواويل" منذر اشترى سيارة، منذر اشترى سيارة " وعلى رأي والدتها لم يتخذ أي خطوة جدية في الزواج.. حتى حضر لهم في شاحنته القديمة.. بماذا استفادت من الزيجة تلك؟؟ لمن السيارة الجديدة إذًا؟؟ للبومة صاحبة الشعر الأحمر؟؟
إذًا حان وقت الحرب وهي من بدأتها بإفسادها لحذائها ولنيلها اهتمام خطيبها لكنها لا تعلم مع من تتعامل.. واقتحمت على شاكر غرفته لتقول بشيطانية..
- شاكر، أنا أعلم أنها تعجبك لكنها لن تنظر إليك أبدًا.. إنها حتى لا تراك، لتنالها يجب أن يراك منذر معها في وضع مخل وبذلك يزوجها لك منعًا للفضيحة ..
- ماذا؟؟ هب شاكر وقفز حتى كاد رأسه يلمس سقف الغرف.. - برلنتي هل جننتِ.. ماذا تقولين؟؟ سيقتلني قبلها بكثير.. يزوج من هل أنتِ واعية لما تقولين؟؟ ثم إنها ستخبره بالحقيقة وبأنها بريئة .. وسيقتلني مجددًا عشرات المرات..
- سنتحدث بصراحة يا شاكر.. أنت تريدها وأنا أريد منذر الأهم اتحادنا فلتدع لي التخطيط وسأزوجك إياها المهم ألا تتراجع وتجبن كعادتك..
وقاطعهما صوت والدتها تقول.. - برلنتي أين أنتِ؟؟ خطيبكِ حضر لرؤيتكِ..
- قادمة أمي..
وهمست.. - كن لصفي تكسب.. فأنا دائمًا أحصل على كل ما أريده..
**
إنها نفس الفتاة التي يعرفها منذ ولادتها.. لماذا يشعر بعدم الارتياح كلما رآها أو تحدث معها.. ماذا تغير؟
" الصفة " الآن أصبحت خطيبتك يا منذر.. أصبحت على اسمك ويحمل إصبعها خاتمك.. كانت تتزين لأجله هو فقط وتجلس تشعر بالحياء تنتظر منه أن يحدثها.. تحدث منذر تحدث.. وتنحنح ثم قال.. - كيف حالكِ ؟؟
فرفعت وجهها بخجل وقالت.. - الحمد لله كيف حالك أنت؟؟
" زفت " لكنه حفظ لسانه.. الحمد لله في السراء والضراء.. الحمد لله على كل حال.. الحامدون أول من يدعى إلى الجنة..
لماذا انسحب حمدون وتركهما؟؟ وتلفت حوله بحثًا عن محرم.. لكن على كل حال الشيطان الحاضر الآن لا يغويه بالخطيئة بل يزين له الفرار.. هل من الممكن أن يقفز من النافذة ويختفي في ظلام الليل ؟؟
لكنه تماسك ووضع يده في جيب جلبابه وأخرج المظروف ووضعه على الطاولة أمامها.. - لا أعلم ما يعجبكِ لذلك اشتري بنفسكِ..
ونظرت للمغلف بلهفة.. كم بداخله؟؟ لكنها تظاهرت بعدم الاهتمام وقالت بدلال.. - مبارك عليك السيارة الجديدة.. لماذا لم تحضر بها ؟؟
اللعنة على تلك البلدة التي لا يخفى فيها شيئًا.. اليوم فقط اشتراها ونقل ملكيتها له والكل أصبح يعلم.. وعلق بصدق.. - أنا لا آلف الجديد على الفور.. احتاج لبعض الوقت..
ونظرت إليه بشك.. " والجديدة في منزلك ؟؟" تلك الفتاة تبدو مرتاحة جدًا لدرجة تظن معها أنها سيدة المنزل.. لكن أنا فقط من ستسود ..
وأعادت المغلف إليه.. - اذًا خذني لشراء الهدية بنفسي.. ولنجربها سويًا لأكون أول من تركبها..
لا لا هذا لن يحدث أبدًا .. واعتذر بإحراج وهو يعيد إليها المظروف .. - هذا لا يجوز لم نعقد قراننا بعد..
ونظرت إليه بغيظ.. أرادت الصراخ " وهي " ألا تركب معك؟؟ بمفردها.. يكفي يوم الخطبة حينما تركتني وأوصلتها وجعلت مني أضحوكة الجميع.. لكنها آثرت الصمت من يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا ولحسن حظه دخلت والدتها حاملة للقهوة ووقع نظرها على المغلف فالتقطته على الفور ودسته في صدرها.. - لم يكن هناك داعٍ.. هيا يا برلنتي ساعديني في تقديم العشاء واتركي الرجال للحديث عن ترتيبات الزواج وموعده ..
**
" منذر.. برلنتي تريد رؤية الطابق العلوي لتخبرك بما تريد تغييره، الفرش سيكون على ذوق العروس "..
الفرش سيكون على ذوقها؟؟ لم يعتد تدخل أحدًا في أموره الشخصية بتلك الطريقة السافرة لكن كل حياته ستتغير وهل يتعجب من تغيير منزله؟؟
الزفاف تحدد بعد أربعة أشهر.. كانت تلك أطول مهلة أستطاع الحصول عليها قبل أن يتورط حتى النخاع وكان لزامًا عليه إخبار والده بما تم في الجلسة فور عودته..
يا ليته يتدخل ويمنع تلك الزيجة لكن والده لن يفعل .. الرجل يربط من لسانه..
- مبارك عليك الزواج بني الحبيب.. جعل الله كل الخير في قدومها.. " الخير على قدوم الواردين" ..
هل هذا فقط ما ستقوله؟ بالطبع ماذا سيقول غير هذا؟؟
حينما حضر بالأمس وشاهد جلسة شواء الذرة شعر بالغيرة.. تمنى لو كانوا انتظروه لكنهم لم يفعلوا.. سيواصلون حياتهم بدونه فأكله الحزن من الداخل'' لكن هناك ما سيقال " الزفاف تحدد" فأخبر والده على انفراد بموعد الزفاف وصعد لغرفته على الفور وتركهم يمرحون حول النار..
ولم يغمض له جفن .. كل ليلة تمر تأخذ من رصيد راحة باله فالعد التنازلي بدأ.. والتفكير يمزق مخه ومن النقيض للنقيض وفي مواضيع متفرقة لكن كلها قاتلة .. زواجه المرتقب .. عقد البيع الدامي .. التحرش الذي ربما حدث لها ..
في النهاية هي طفلة ولا يستطيع لومها مهما حدث لكن يريد قتلها في نفس الوقت .. وأصبح لا يعلم ما عليه فعله لكن لا بديل من الحديث معها أولًا ثم سيحسم كل شيء بعد الحديث .. حتى الماضي سيطويه وسيمضي قدمًا في حياته ..
وبعد الفطور مباشرة طلب منها برفق.. - هيا سنذهب لاستخراج شهادة ميلاد عاصم من المدينة..
ولاحظ والده نبرة اللين في كلامه فنظر مطولًا واستغرق في التفكير قبل أن يقول بحسم.. - حسنًا لكن أريد الكلام معك أولًا..
وانسحبت لترتدي ملابسها وقلبها يرتجف هل حقًا تحدث معها بلين.. هل جلسة المصارحة لم تأتي بنتيجة عكسية ؟؟ صحيح هو ذهب لزيارة خطيبته بعدها لكن النتيجة تظل واحدة منذر لم يكن ولن يكون لها لكن على الأقل لم يعد يكرهها لم تتوقع حبه يومًا لكن على الأقل لن تنال كراهيته..
وفور اختفائها هتف بغضب.. - أنا لا أضع الكثير من الاعتبارات لكلام الناس لكن أيضًا هناك حدود لا يجب عليك تخطيها.. لماذا تأخذها معك فلتذهب بمفردك..
هل سيحرمه والده من الفرصة الأخيرة ليكون معها بمفرده.. كم هو بحاجة لتلك الفرصة.. سيموت إن لم يحصل عليها قبل أن ينتهي كل شيء.. وحارب من أجل هدفه وقال بألم وعيناه كلها رجاء ...- ربما لن يعطوني شهادة ميلاده لكن سيعطونها إياها..
ولمس ألمه قلب والده.. بالأمس فقط حدد موعد زفافه.. زفاف كارثي حذره سابقًا من التسرع فيه فمتى وعد عليه الالتزام بالوعد فبنات الناس لسن بلعبة لكن النتيجة منذر يتألم بشدة ووضع نفسه تحت ضغط لا يتحمله بشر.. منذر الرزين الحافظ لكتاب الله أصبح يكذب ويخترع الحجج الواهية التي لا تدخل عقل طفل.. بشهادة ميلاده هو يستطيع استخراج شهادة ميلاد عاصم فالقرابة من الدرجة الأولى وحتى بدونها سجل مدني برشوم جميعهم معارف يكفي أن يطلب فيجاب طلبه أو حتى يستطيع اصطحابه معهما لدرء الشبهات لكنه فهم رجائه الصامت " أرجوك أبي ".. فانسحب على مضض.. اللعنة عليهم هؤلاء المتطفلون الأشرار .. كلام الناس لن ينتهي فليقولوا ما يشاؤون فألم ولده أهم ..
أحيانًا يجب علينا غض النظر عن خطأ من نحب لأجلهم.. الأب لا يكون فقط ناصحًا ومقومًا بل يجب عليه أن يكون محتويًا حتى للخطأ وأن يداري عليه إذا تطلب الأمر.. إنها قوانين الأبوة التي تفرض عليه هذا.. وغمغم بضعف.. - حسنًا لكنها ستكون المرة الأخيرة التي أسمح فيها بهذا..
وركض لغرفته ليرتدي ملابسه الجديدة.. سيأخذها في سيارته الجديدة مرتديًا لملابسه الجديدة لكنها ستكون النهاية.. من المفارقات أن يكون الجديد هو الماضي..
وانتظرها بتوتر.. كانت ترتدي نفس الفستان الذي لا تملك غيره وباركت له السيارة وهي تجلس لجواره.. وانطلق على الفور وكأنه يخشى أن يغير والده رأيه ويمنعه..
" برشوم" ؟؟ لن يذهب لبرشوم أنت واهم أبي وقال وهو يتنحنح.. - سنذهب لبنها.. أوه فقط لبنها .. إنها قريبة جدًا .. وهل من الممكن الذهاب للمريخ؟؟
تلك لحظات لن تتكرر'' كانت تعلم هذا جيدًا فالحياة علمتها الاستمتاع بما هو متاح حاليًا فبعد لحظة لن يكون متاحًا .. واختفى المنزل ورائها تاركًا كل ذكرياتها الحديثة فيه وشعرت بالحنين الجارف له على الرغم من مغادرتها له منذ دقائق فعرفت معنى كلمة " المنزل " ..
لم يكن يرى نظرات الناس الفضولية التي تراقب السيارة والسنيورة الجالسة لجواره فتفكيره كان متشعبًا بدرجة تجعله أعمى عن كل شيء سواها .. لكن الشيء الواضح الوحيد الصافي في ذهنه الآن كان حاجته للحديث معها بمفردهما بعيدًا عن المنزل ..
كان بحاجة للحديث معها بحرية ودون قيود.. الاعترافات التي صدمته ناقصة وبها ثغرات ليته يعلم كل صغيرة عن حياتها منذ ولادتها وأكثر ما يشغل باله ويجعله سيكاد يجن هو الوضع الذي عانته في السنة الأخيرة وكلما فكر في إمكانية لمسها من رجل آخر يشعر بالاختناق ويحيط به سواد يخرج كل شياطينه من مكمنها.. من لامسها؟؟ هذا الحيوان يزيد أم هناك آخرون؟؟
ما يشعر به يدمر الكون بكامله فعقله لا يتوقف عن التفكير فيما حدث لها من محاولات تحرش حتى كاد يجن.. اللعنة عليك هارون تيجان.. والده محق.. الفتاة لم تجد ذكر يحميها ولن يلومها مهما حدث لكنه يريد المعرفة مع أنها قاتلة..
وتوقف بالسيارة بفرملة مفاجئة كادت تقلبها وسألها بكل صراحة وهو لا ينظر تجاهها..
- هل لامسكِ ذاك الحيوان ؟؟ كان يتوقع الإجابة فالعارف لا يعرف لكن معرفتها منها صريحة هكذا بلا رتوش تقتله وفار الدم في عروقه وارتفع ضغطه وكاد قلبه يتوقف حينما هزت رأسها بالإيجاب لامحًا إياها بطرف عينه .. وتماسك لأقصى درجة.. كان يريد الصراخ وتدمير هذا العالم البغيض وتخيل أبشع الأشياء في لحظة واحدة.. لن يسألها ماذا فعل لا يريد معرفة التفاصيل لأنه يكفي إنه لامسها، بأية طريقة لن تفرق.. لا لا لم يعد يريد المعرفة ليته لم يسأل ..
لكن شعر بصدمة وكان على وشك قتلها لما فعلته به في تلك اللحظة الماضية حين قالت ببراءة.. - نعم كان يتعمد قطع طريقي كلما أمر بين الطاولات وكان أحيانًا يلمس كتفي كتفه وأنا أمر على أطراف أصابعي مرتدية لملابس تشبه ملابس الصبيان حتى أني فكرت في قص شعري مثلهم..
اللعنة ربى.. لقد ذهب فكري لأشياء بشعة.. هل هي بريئة لهذه الدرجة؟؟ هل هذا فهمها ل " لامسكِ "؟؟ لقد كنت على وشك الموت حرفيًا..
ولم يستطع التمالك أكثر من هذا وانطلق منه سيل من السباب الخارج أفزعها وبدأ في ضرب المقود بكلتا يديه بعنف حتى اهتزت السيارة بالكامل من شدة ضرباته..
كانت تعلم أنه سيقتلها لأن كتفها لمس كتف رجل غريب لكنه قال بغضب.. - هل أنتِ حمقاء يا فتاة ؟؟ كدت أقتلكِ ثم أقتل نفسي بعدها وأنا أتخيل أبشع الأشياء..
وارتعدت من حدة غضبه وانتظرت عقابه.. لكن فجأة اختفى غضبه وكأنه لم يكن غاضبًا كالجحيم منذ لحظة واحدة وأخذ يتنفس ببطء..
وثم انتابته نوبة من الضحك فضرب عينيه بكفه بقوة " حامل " اللعنة على شيطانه القذر ..
براءتها لا تدع مجال للشك'' لن يشك بعد الآن في إمكانية فقدانها لعذريتها ولن يسأل.. هناك أشياء لا يضطر معها الانسان للسؤال حينما تكون واضحة بوضوح الشمس.. وتنفس بارتياح وشعر بسعادة غامرة تنفخ كل خلية من خلايا جسده ..
طفلة وبريئة نعم لكن أيضًا مما لا شك فيه أن الحياة التي عاشتها كانت صعبة حتى أصعب بمراحل من حياته وصدقت هو كان لديه قدري أبو الحسن أما هي فلم يكن لديها سوي الخسة تحيط بها من كل جانب هذا ليس ذنبها مطلقًا ومع هذا قاومت وحاولت الصمود والحفاظ على شرفها وبمفردها ولتتجنب التحرش وجهتها فطرتها لقص شعرها لتبدو كالصبيان فلم تجد من ينصحها للحل الشرعي الأمثل وهو الحجاب.. براءتها لم يكتشفها الآن فقط بل أثبتتها في كل لحظة.. طفلة جميلة وفي نفس الوقت تثير جنونه..
وتذكر أول مرة رآها فيها حينما أشرقت الشمس مرتين ثم تعلقت في سرواله ليهوي أرضًا معهما ولم ينهض من حينها وتذكر أيضًا حينما كانت تلهو مع الحملان ومع عاصم يلطخها بالمانجو.. إنها البراءة بحد ذاتها على الرغم من كل الوسخ الذي كان يحيط بها.. وردة ندية رائعة وشذاها يفوح ليجعله منتشيًا طوال الوقت.. ستكون وردته التي سيحفظها في عينيه للأبد..
- ربى.. من اليوم لن تعملي في الأرض ولن تغادري المنزل إلا وأنتِ بصحبتي لن أترك لذاك الوغد أي فرصة.. وأعدكِ سأنتزع حنجرته قريبًا..
كلمات بسيطة تستطيع عدها على أصابعها لكنها رفعتها لسابع سماء.. شعرت بالحماية وبالأمان.. لقد وجدت ملجئها الحقيقي أخيرًا فلم يعد الملجأ الآمن مجرد جدرن بل أصبح قلب الرجل الذي تحب لكن كل أحلامها دمرت وتحولت لشظايا حينما قال.. - سأبني لكما أنتِ وعاصم شقة صغيرة من غرفتين وصالة فوق السطوح لتقيما فيها وسأكتبها باسمكِ بعقد رسمي.. سأنتهي منها في خلال أربعة أشهر..
وقبل أن تسأل ولماذا أربعة أشهر بالتحديد أكمل بلهجة عجيبة وكأنه رجل ألي .. - لأني سأتزوج بعد أربعة أشهر وأريد لكما مكانًا مستقلًا خاص بكما لا ينازعكما عليه أحد..
**
هم وانزاح من على كتفيه حينما أنهى اعترافه الثقيل أخيرًا.. كان يريد إخبارها بأنه سيتزوج ليرتاح ويغلق الموضوع لكن هل ارتاح أم تضاعف ألمه ؟؟ لماذا شعر بأنه على وشك الموت كمدًا وحسرةً وغيرةً وغضبًا حينما ظن أن أحدهم لامسها ولماذا أحيي من جديد حينما تأكد من أن هذا لم يحدث؟؟ لماذا يشعر بالغيرة وبالغضب وبالرغبة في حمايتها؟؟ كان يريد أن يقول ولن تخرجي من هذه الشقة إلا على بيت زوجكِ لكنه لم يستطع نطقها.. لن تكون لأي رجل آخر سواه.. لن يلمسها أي رجل آخر أو حتى يلمح ظلها ..
ماذا يقول؟؟ ما هذا التخريف كيف ستكون له يومًا وبـأي صفة؟؟ عشيقة ؟؟ لكن ستكون له مهما حاول المقاومة لأنه يريدها ولا يريد أي امرأة سواها .. وشهق بعنف وضربته الحقيقة التي لطالما هرب منها.. ما يشعر به تجاهها ليس له سوى تفسير واحد ومستحيل الآن كاستحالة أن تشرق الشمس من المغرب بعدما ورط نفسه في زواج أسود .. لماذا كتب الله علينا العذاب؟؟ اللهم لا اعتراض لكن هذا يفوق الاحتمال.. لكن الشمس ستشرق من المغرب يوم القيامة إذًا فلتكن القيامة .. في الحقيقة ستكون قيامته هو وحده فهو وحده يستحق ..
أما هي فلم تشعر بما يدور بداخله من معارك طاحنة فمعركتها أشد وطئه..
فقط أربعة أشهر وينتهي الحلم؟؟ ولن يتبقى من لحظات السعادة تلك سوى الفتات..
ما الجديد؟؟ تعودت لم البواقي والفتات وكانت تقتات عليهم.. فلن يحزنها أن يكون هذا هو الحال معها دائمًا.. لكن برلنتي لن تترك لها حتى الفتات..
لن تبكي يا فتاة لن تبكي.. وكتمت دموعها لتقول.. - مبارك عليك الزواج..
تبارك زواجه؟؟ بهذا البرود؟؟ هو يشتعل وهي ترد ببرود قاتل ..
وصرخ باستنكار.. - هل تباركين الزواج ؟؟
وصرخت هي الأخرى بعذاب.. ولم تعد تستطيع إخفاء دموعها.. - ماذا تريدني أن أقول؟؟
اللعنة.. لا تبكي لا تبكي.. لا أحتمل دموعكِ.. لماذا دائمًا يتسبب في بكائها مع أن هذا آخر ما يريده؟؟ معها وكالمعتاد تخرج الأمور عن السيطرة ويتصرف بعكس طبيعته.. حقًا ماذا يتوقع منها أن تقول ؟؟
ورغمًا عنه امتدت أصابعه لتجفف دموعها وهو يقول بحنان.. - رجاءً ربى لا تبكي أنا غاضب من نفسي وليس منكِ..
مجددًا يعبث بمشاعرها ويجعلها تتأرجح بين السماء والأرض.. عجزت عن فهمه لكن هو نفسه يقول إنه يعجز عن فهم نفسه.. ليتني لم أكن ابنة هارون تيجان ليتنا تقابلنا في أي مكان لا مسمى له بدون أن نعلم من نحن ومن آبائنا.. لكنها ابنة هارون وستظل حتى موتها تحمل كنيته البائسة لذلك لن تلومه ..
وتلكعت أصابعه على بشرة وجنتها الحريرية المشربة بحمرة الخجل فتشنج جسدها بالكامل.. وشيطان الإغواء حضر الآن بقوة.. شيطان يغريه بكل أنواع الخطيئة .. الذي كان يظن نفسه محصنًا ضد الخطيئة لم يعد بتاتًا فالقوة الغريبة التي تسيطر عليه تلغي عقله ومبادئه وكل ما آمن به إلا أن يشعر بملمسها ويشم عطر جسدها ويقترب من أنفاسها حتى يتحدان سويًا في كيان واحد ..
لكن زمور سيارة تقترب أعاده لوعيه .. استغفر الله العظيم .. الحمد لله تراجع .. لكن ماذا كاد يفعل ؟؟ حتى أنه في الشارع في سيارة كالمراهقين ولعن نفسه مجددًا .. أصبح يتصرف بغباء مؤخرًا وسيضر ربى معه أشد الضرر .. ماذا لو كان شاهدهما أحدهم وهو على وشك تقبيلها؟
وانطلق بالسيارة كالمجنون .. وساد الصمت طوال الطريق المتبقي للمدينة ولم يجرؤ أحدهما على كسره فلم يعد هناك ما يقال بعد ما كاد يحدث ..
كانت تسند رأسها على الزجاج تحاول السيطرة على خفقان قلبها وتحاول الفهم .. منذر جن رسميًا وتصرفاته لم تعد متوقعة أبدًا لكن كلها في اتجاه يغزل نسيج وردي على ألام الماضي فيغطيها تدريجيًا .. وتحدث أخيرًا وهو يصف السيارة في الظل ..
- الآن سأذهب لداخل السجل المدني لبعض الوقت.. اغلقي السيارة عليكِ من الداخل جيدًا ولا تغادريها مهما حدث..
يحاول حمايتها من يزيد بمنعها من الخروج من المنزل والعمل في الأرض أو التواجد في أي مكان بمفردها فأمرها بالبقاء في أمان سيارته وذهب لاستخراج شهادة ميلاد عاصم من السجل المدني.. لكن هل ستستطيع حمايتي من الحب ومن وجع القلب؟؟ لمتى سيظللنا سقفك مع وجود برلنتي في الجوار ؟؟
لم تخبره عن معاملتها لها فهذا لن يغير من الواقع شيئًا بل ربما سيجعله هذا يتهمها بالكذب وربما يتحامل عليها مجددًا فبرلنتي تستطيع تحوير كل شيء لصالحها بمهارة وخبرة لا تستطيع هي مضاهاتها فيهما .. والنتيجة الحتمية والتي ستحصلها آجلًا ربما لكنها ستحصلها هي الفراق ..
أنا أعرف مصيري حتى ولو حاولت تغييره فلن يتغير لأنه القدر..
فالقدر الذي أحضرني هنا هو نفسه القدر الذي سيأخذني بعيدًا يومًا ما ..
في الفترة السابقة كانت تعيش في الجنة والنار في آن واحد والآن أصبحت تعيش في الجنة بالكامل لكن لحسرتها هذا سيكون لفترة مؤقتة فأيهما أشد عذابًا ؟؟ دائمًا العذاب مقترنًا باسمها حتى بات جزءً من تكوينها ومن ملامحها ..
العذاب بنفسه في مجرد فكرة أن يكون منذر يحبها .. خبرتها قليلة ولم ينطقها بلسانه لكن عيناه تفضحانه .. تقلبه الغير مفهوم وغيرته الشديدة .. قسوته عليها لدرجة غير معقوله ثم خوفه وحنانه عليها في نفس الوقت .. كيف تتحمل تلك الفكرة؟؟
الأسلم لها أن يكف عن إحياء الأمل بداخلها ويواظب على معاملته الجافة لأنه لا يوجد أي أمل ..
لم تعلم كم مر من الوقت لكن حين استعادت شعورها بالوقت بدأت في مراقبة وجوه المارة من حولها علها تجد السلوان فخلف كل وجه حكاية بائسة كحكايتها أو سعيدة تصبرها وتمنحها الأمل ..
كانت تجلس بداخل السيارة كما أمرها وتعرفت على المنطقة بالشبه.. هي نفس المنطقة التي وجدت فيها إيجي سباركي وربما تكون والدته في الجوار وتبحث عنه فترجلت من السيارة وبحثت جيدًا لكنها لم تجدها.. عاصم وإيجي سباركي أسباب تجعلها تناضل وتتمسك بالحياة لأجلهما .. حقًا العوض يأتي على هيئات متعددة صدقت عمي قدري .. هما عوضي .. وبعدما يئست من البحث قررت العودة للسيارة لكن رغمًا عنها اتجهت بنظراتها لمحل المجوهرات الذي سبق وأحضرها منذر له .. الخاتم الناري الذي خطف قلبها لم يعد يزين واجهته وفكرت بحسرة.. - من هي تلك المحظوظة التي يزين الخاتم إصبعها الآن ؟
حقًا هناك قطع من المجوهرات فيها روح .. ذاك الخاتم وقلادتها.. ربما هما ليسوا مجرد جماد .. لكن من الجيد أنها ليست برلنتي .. تكون من تكون المهم أنها ليست برلنتي ..
وحملت نفسها على الابتعاد وقررت العودة للسيارة قبل أن يكتشف منذر أنها عصته.. ولمحته يقترب وشاهدها خارج السيارة وأبيض وجهه من الخوف وهو يتلفت حوله .. كانت تتوقع عصبيته وتوبيخه لكنه لم يفعل فقط دفعها برفق لداخل السيارة وركب على الفور مغلقًا الأبواب من الداخل وكأنه يضع حاجزًا بينه وبين الخوف.. وسألها بصوت مهزوز ..- هل أنتِ بخير ؟؟ لماذا غادرتِ السيارة؟؟
وأجابته ..- كنت أبحث عن والدة إيجي سباركي .. فلربما تكون تبحث عنه ..
غريب أمرها على الرغم من كل ما مرت به لم تفقد الأمل .. ومع معرفتها بمدى خسة الآباء والتي حدثته عنها بنفسها مازال بداخلها أمل أن تكون والدة إيجي سباركي تختلف .. أنقذت الجرو وفي نفس الوقت مازالت تبحث عن الأم .. بداخلها قلب من ذهب قلب جعلها تحتمل كل ما حدث لأجل عاصم .. فأعطاها شهادة الميلاد لتطمئن قليلًا وتنسى والدة إيجي سباركي لأنها غالبًا مثل والدها من العينة التي تتخلى بنذالة ..- استخرجت شهادة الميلاد .. غدًا سألحقه بالمدرسة رسميًا اطمئني .. عاصم سيكمل تعليمه وسينجح هو ومهند فيما عجزنا نحن عن تحقيقه ..
الحمد لله .. على الأقل عاصم بخير وهذا يجعل لتضحيتها ثمن.. عاصم يستحق كل لحظة من وجع القلب فيكفي حبه لها .. صبي أحمر الشعر خطف قلبها منذ يوم ولادته ولم يرجعه من يومها .. صبي وضع الله في قلبها له حبًا لا يوصف يهون عليها حتى مرارة زواج منذر .. ونظرت لمنذر بامتنان شديد .. - كيف أشكرك؟؟
بأن توافقي على الفرار معي .. بأن نهرب من هنا لمكان لا يعرفنا فيه أحد لنبدأ من جديد .. لكنه بدلًا من هذا قال بحزن ..- لا أريدكِ أن تشكريني أريدكِ أن تحـــــ
لكن حتى هذه الجملة بترها .. ما الفائدة؟؟
وانطلق بالسيارة وأخذ يدور في دوائر ويعود لحيث بدأ .. التيه الذي يشعر به يتضخم ويلفه بالكامل فيجعله عاجزًا عن المضي قدمًا وعاجزًا عن التراجع وعاجزًا حتى البقاء كما كان .. وتوقف أمام مطعم شهير ودعاها للنزول .. ربما الطعام يكسبهما بعض الوقت سويًا ..
**
- لن آكل بدون ربى .. ستأتي بعد قليل سأنتظرها لم تتركني أبدًا ..
لكن عم قدري ربت على كفه بحب ..- تعالى عاصم اجلس لجواري .. ربى ستتأخر قليلًا اليوم ومنذر لن يتركها بدون طعام تجاوزت الساعة الرابعة .. سنأكل نحن الآن..
لكنه لم يجلس وقال بشك .. - هل أنت أكيدٌ من أنها آكلت؟؟
بماذا يجيبه؟ لا شيء مؤكد مع حالة منذر المتردية .. لكن أجابه بثقة ..- أنا أكيد من أنها مكتفية بطريقتها وعلى كل حال سنترك نصيبهما من الطعام لكن أنت ومهند يجب أن تأكلا .. لا يجوز أن تظلا لفترة أطول بدون طعام .. هيا كل ثم ارني العضلات القوية ..
كان من المفترض به أن يشعر بالتوتر لأنها المرة الأولى التي تغيب فيها ربى عنه لكنه لم يشعر.. ربى مع منذر اذًا هي في أمان وهو هنا لا يشعر بأي غربة وعلق مهند ..- هيا عاصم لقد مت جوعًا .. نحن نتناول الفطور بعد الفجر مباشرة ..
- حسنًا هيا للطعام ..
وجلس أخيرًا لجوار عمه ..- بسم الله الرحمن الرحيم .. يا شباب سموا الله ..
وسمى كلاهما وبدآ في الطعام وأكلا بنهم قطين جائعين ..
آه يا منذر لماذا تأخرت هكذا ؟؟ كان يريد الاتصال به لكنه تراجع .. منذر ليس أرعنًا هو يثق فيه وفي رزانته ثقة عمياء وسيعود حينما ينال الوقت الذي يطلبه ويكتفي .. سيعودا قريبًا إن شاء الله ..
**
- لا أستطيع الأكل بدون عاصم ..
تخشبت في مكانها حتى أنه اضطر لجرها لتدخل المطعم .. - ربى .. هل تعتقدين أن عاصم لم يأكل للآن ؟ هل سيتركه والدي بدون طعام ؟؟
ومع أن الإجابة معروفة لكنها شعرت بالحزن ..- لسنوات لم أبلع لقمة من غيره ..
- ولن تغيري عادتكِ بعد الآن اليوم فقط ربى أرجوكِ ..
وجلست باستسلام على المقعد وجلس لجوارها بعدما اختار طاولة منزوية ..
وطلب منذر الطعام .. وقال للنادل ..-" نريد الطعام مطبوخًا على نار هادئة خذ كل الوقت الذي تريده " .. واحضر لي قهوة سادة وعصير طازج للآنسة بينما ننتظر ..
وسألها بصوت هامس ..- هل أعجبكِ المكان؟؟
وهزت رأسها بالإيجاب .. عبق الفلكولور الشرقي ينضح من كل مكان .. ورائحة المشويات تفتح شهيتها ليت عاصم كان معها وظهر التأثر على وجهها .. وكأنه شعر بما تفكر فيه فقال بتأكيد.. - سنأخذ لهم وجبات لا أريدكِ أن تحملي هم عاصم ..
ووصل الطعام فدعاها برفق..- هيا للطعام ..
منظر الطعام الشهي والجلسة الشاعرية أثارت بداخلها نهر الذكريات الحزينة فجعلت منه فيضانًا ..
وبدأت في الحديث باسترسال ..- كنت أغلق الباب على عاصم بالمفتاح كي لا يختلط بالجو الموبوء في الأسفل وكنت انتظر رحيل هؤلاء المقرفين لأتحصل على بواقي الطعام فأعطيها لعاصم .. وعادة لم يكنوا ليتركوا شيئًا يذكر ..هؤلاء لا خير يأتي من ورائهم مطلقًا .. في منزلك لم نجد الأمان فقط يا منذر .. وجدنا شيء أهم .. وجدنا المنزل لذلك سيصعب علينا تركه لكن يومًا ما سيكون علينا هذا .. ربما من الأفضل لنا البدء في البحث عن وظيفة لي في المدينة ..
وجز على أسنانه بغضب ..- إنها المرة الأخيرة التي أسمعكِ تقولين فيها هذا الحديث المثير للغضب .. أنتِ لم تجربي غضبي بعد ولا أريدكِ أن تجربيه ..
مسكنات يا منذر كل ما يحدث الآن مسكنات .. يومًا سينتهي الحلم ولا أريد الاستيقاظ وأنا أسقط على جذور رقبتي ..
وكرر منذر بخشونة ..- لن تغادري المنزل بدوني يا ربى مهما حدث .. احذركِ من عدم الطاعة وإلا سيكون عليكِ تحمل غضبي..
**
لقد وجدته ..
وسأله يزيد بلهفة ..- من هو اخبرني على الفور كل ما تعرفه؟؟
- مخلوف البرادعي .. الخلاف ممتد منذ زمن بينه وبين منذر أبو الحسن على قطعة أرض فمخلوف يمتلك قراطين في وسط أرض منذر ويرفض بيعهما له لكن الخلاف لم يكن جديًا حتى أنه كان يشتري من منذر الخراف لكن في الفترة الأخيرة بدأ مخلوف يخوض في الحديث عن سمعة منذر ويتهمه بالعبث مع فتاتنا الحمراء ..
- تلك اللعينة الجميع يريدها .. ستجنن كل رجال العالم بجمالها ..
وعاد ليقول بغضب ..- وكانت تمثل الشرف علي وهي تعبث مع ذاك الفلاح .. ستدفعين الثمن مضاعفًا حينما انتهي منك يا حقيرة ..
- في انتظار أوامرك لنبدأ ..
- ابدأ بجس نبض ذاك الحلوف مخلوف وسنرى كيف سنستفيد منه لاحقًا..
********
•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية