رواية ومنك اكتفيت الفصل السادس 6 - بقلم داليا الكومي
- نار تحت الرماد
" سجني بلا قضبان مرئية لكنه حالة عقلية‘ متسع المساحة على مرمى البصر لكنه في حجم زجاجة فعليًا "
حذرها بعنف من مغادرة الغرفة حتى يعود لكنه في الواقع لم يكن يحتاج ذلك .. أنا أم فقدت طفلها معتصم وسأفعل المستحيل لأكون بقربه‘ بالتأكيد هو خائف الآن ويبكي من الرعب ..
لا تعلم إلى أين ذهب وتركها لكنها كانت تتعشم أن يكون قد كذب بخصوص ارسال ريان لمصر وذهب لاحضاره ليحتجزه معها .. قضت ساعة من الجحيم وهى تبكي بمرارة وألم ..
اشتاقت لضم ولدها لحضنها وتنشق رائحته .. ساعات عدة مرت منذ آخر مرة ضمته فيها .. ربما يكون بخير للآن لكنها لا تعلم ما إذا كان جائعًا أو يشعر بالبرد أو بالعطش ..
أه يا حبيبي حفظك الله وردك لى بالسلامة .. الجو في شهر نوفمبر معتدل نوعًا ما في نيوزيلندا اذا ما نستهم العواصف لفترة .. الواقع أن تلك الجزيرة الجبلية المعزولة والتي تقع جنوب غرب المحيط الهادئ لا تمتلك سوى فصلين صيف وشتاء فقط ، وكما هو معروف فإن موقعها الجغرافي جنوب الكرة الأرضية يجعل المناخ الذي تتميز به عكس الشمال وشهر نوفمبر من المفترض أن يكون نهاية فصل الشتاء أو بالأحري فصل الربيع اذا جاز التعبير لكن الجو يكون باردًا نسبيًا وممتليء بالرياح والزعابيب .. وربما تكون قد نست الجو في مصر في مثل هذا الوقت من العام لكنه لن يكون بسوء الجو هنا وتتعشم أن يتأقلم ريان عليه ..
سجنها بلا قضبان‘ وفي الواقع هو غرفة في أفخم فنادق العالم لكنه كان يخنقها وكأنه يضغط على صدرها لكن لتكون صادقة مع نفسها عثرتها الآن هى السبب فيها وعليها تحمل نتائج أفعالها كاملة ..
لو فقط تتواصل مع أكرم تطلب رأيه ؟؟!!
لكنها كما توقعت منذ أن قررت مواجهته‘ جردها معتصم من هاتفها النقال وتأكد من عدم وجود أي وسيلة معها للتواصل مع العالم الخارجى ورحل للمجهول ..
قرارها بمغادرة المنزل وحيدة لم يعترض عليه أكرم لأنه استوعب ما يحدث وربما فضل عدم التدخل كي لا يزيد الأمر سوءً .. في النهاية وعلي الرغم من أنه بعمر والدها أو يزيد إلا أن معتصم يراه غريمه وبالتأكيد له دور على لائحته كما أخبرها .. الوضع المتأزم هى صنعته لكن لحسرتها ريان وأكرم ووالدتها سيدفعون الثمن معها وسيجتاحهم معتصم في طريقه .. حظهم العثر جعلهم يرتبطون بها ويكفي هذا بالنسبة إليه ليعاقبهم وبقسوة ..
صدى خطواته التى تقترب الهبت حواسها .. هل أحضر ريان معه ..؟؟ هل شاهده وأدرك أنه نسخته الصغيرة ؟؟
حالة رهيبة من الترقب كادت تقضى عليها وانتهت بخيبة أمل لا وصف لها حينما عاد لا يحمل سوى علبة كرتونية صغيرة في يده ..
هتفت بإحباط رهيب ..
- أين ريان ؟؟
أجابها بقسوة ..- اخبرتك من قبل ألا تفهمين يا امرأة ..؟؟ اللقيط الآن في الطائرة التي تحمله في طريقها للقاهرة ومنها للنجع ..
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. سترك يا لطيف ..
إذًا هو لم يكن يكذب ليزيد من حالة رعبها .. لم تكن حربًا نفسية كتلك التي استخدمها حينما تركها لليلة كاملة تتلظى في الجحيم ولم يخبرها عن أنه هو من كان وراء الاختطاف ..
فجاة يمرها بصوت بارد كالثلج ..
- اخلعي كل ملابسك ..
نظرات الرعب امتزجت بنظرات ذهول .. ماذا يقول ..؟؟
وضحكته المهينة التي امتزجت فيها القسوة بالسخرية بالقرف عبرت عن مشاعره بصورة شافية ..
- لا تجعلي عقلكِ العفن يشطح لبعيد .. أنا لا ألمس القاذورات لكني لن أسمح لكِ بارتداء ملابس اشتراها لكِ رجل آخر مطلقًا ..
اختفى للحظات وعاد حاملًا قميصًا يخصه ..
- ارتدي هذا فورًا ..
وهل للأسير رأي ؟؟
تناولت منه القميص وفي نيتها الذهاب للحمام لتبديل ملابسها لكنه استوقفها بنبرة صارمة ..
- إلى أين ..؟؟ هل أمرتكِ بالذهاب للحمام ؟؟ اخلعي ملابسكِ هنا أمامى ..
أنه يتعمد اذلالها كسرها ..
والاذلال يتكرر مجددًا منذ سنوات فعلتها أمام نظراته وتعاود فعلها اليوم والسبب مختلفًا تمامًا ..
اغمضت عينيها وبدأت في حل الأزرار وهى تركز كل تفكيرها في ريان .. لا يهم كل هذا لا يهم .. واصلت ما تفعله بصمت واستسلام حتى سمعت فجأة صوت تهشم زجاج وحينما فتحت عينيها كانت وحيدة في الغرفة ..
انتهزت الفرصة لترتدي قميصه بسرعة قياسية .. وتكورت حول نفسها في انتظاره غير عابئة للبرد الذى نخر عظامها ففى النهاية قميصة سيكون ملابس سجنها الوحيدة لفترة سيحددها هو.. ملابس السجن لا تختلف إن كانت حلة السجن المميزة أو قميص رجالي باهظ الثمن ففي النهاية الحكم صدر وفي حالتها لون ملابسها سيكون بلون الدم ..
وحينما عاد هذه المرة كانت عينيه تنطق بالشر الصريح .. جرها من شعرها فجأة ويسحلها أرضًا على طول الطريق للحمام ..
ماذا تفعل ؟؟
كلمات لم تجد حتى الجراءة للخروج فحبست بين طيات قلبها الخافق بجنون ..
أخيرًا استوعبت ما يفعله حينما أخرج ماكينة جز شعر كهربائية من جيبه وبدأ في حلاقة شعرها ..
الصدمة ألجمتها وخصلات شعرها المتساقطة حملت معها ألمها وهى تتساقط أرضًا ..
كانت نيته واضحة والطريقة التى حفرت فيها الماكينة أنفاقًا تدل على أنه ينوي حلاقة شعرها بالكامل ..
كان يتحدث بغل وهو يؤدي مهمته ..
- سأتخلص من كل ما لمسه ذلك الوغد حتى جلدكِ سأسلخه ..
لم يترك لها شعره واحدة وأصبحت صلعاء تمامًا حتى أن فروة شعرها تلونت بخطوط باهتة من الدماء من عنف جزه للشعر ..
وحينما انتهى جلس يلهث إلى جوارها وسقطت الماكينة من يده على أرض الحمام الذى افترش بشعرها ..
**
الرقم الذي ظهر على شاشة هاتفه النقال رقمًا مصريًا .. من سيكون يا ترى ؟؟
لسنوات وهو بعيدًا عن موطنه ولا يتصل بالماضي فمن عساه سيتصل الآن؟؟
تجربة أليمة تركت أثرها في نفسه ليستفيق من غيبوبته ويتحول .. ليكتشف كم كان تافهًا غبيًا ومنذ أن أنهى دراسته الجامعية وهو يعيش كهمجي بلا هدف فيقرر أن يلملم الباقي منه ويذهب للدراسة ويحصل على الماجستير في الهندسة في وقت قياسي من جامعة المانية ثم يدير أعمال والده في دبي وينفصل عن كل رقم مصري يرن بهاتفه ..
وتتحول شركات خليل لصرح جبار على يديه في غضون سنتين وبحلول ميلاده الثلاثين بعد أسابيع سيكون من أصغر رجال الأعمال في العالم وأكثرهم ثراءً..
عاد يتأمل رقم المتصل ,, هل من الممكن أن تكون هى ..؟؟
حينما اخبرها بنيته في السفر للتفكير في علاقتهما لم تعترض وانتظرته لسنوات ليقرر لكن السنة أصبحت خمسة أضعافها ولليوم لم يعد أو يتصل بها ..
وأخيرًا قرر المغامرة ليجيب على الاتصال المجهول ..الصوت الرجولي القوى الذي تسلل لأذنيه قال بلا مقدمات ..
- مرحبًا حازم أنا خالد يسري ..
خالد ؟؟!! زوج سارة شقيقة زوجته .. خالد يسري القوي المحترم والذى جعله يعيد ترتيب كل حياته بعد زواجه من تالا ..
كان يرتب أفكاره ليبدو متماسكًا لكن خالد لم يمنحه الفرصة للرد .. كان يمتلك زمام المبادرة وحبكة المفاجأة كان يتفوق عليه لأنه صاحب الاتصال وبالتالي أفكاره مرتبه وغرضه معلوم ..
- بصفتي زوج شقيقة زوجتك ومسؤلًا عنها كأخ أكبر اطلب منك العودة لحسم أمورك معها .. أنت تضيع عمرها في الانتظار ..
وما تفعله هو هروب يجعلك تبدو كالجبان .. إما أن تعود وتسويا أموركما أو تطلقها لتتركها تتزوج بآخر يكون أكثر رجولة منك لا خيار ثالث أمامك ..
تهديد قوي من شخص قوي لكن للأسف في غير محله .. لا سلطة له على تالا مطلقًا إلا إن كانت تلك رغبتها .. تالا تطلب الطلاق أخيرًا ..؟؟
لم يتمالك نفسه ليقول بغضب ونبرة صمت آذان خالد ..
- لا سلطة لك مطلقًا على زوجتي وإن تدخلت في هذا الأمر ستندم .. صدقني سأقتلك وأياك حتى من التحدث معها أو محاولة رؤيتها ..
ابتسامة خبيثة لم يلمحها حازم بالطبع احتلت معظم وجهه وهو يقول بخبث أكبر ..- كيف لا اراها أو اتحدث إليها وهى شقيقة زوجتي وكيف سأطلب منها عدم حضور حفل ميلاد التؤام الذى سيحل بعد أسبوعين ؟؟
لقد حقق مبتغاه من الاتصال لذلك لا مزيد من الكلام الذي لن يفيد‘ أغلق الخط فجأة بدون انتظار رد حازم الذي كان اكيدًا من أنه يغلي بالغضب ..
**
نظر مجددًا لساعته يراقب مرور الوقت .. بالتأكيد ستكون غادرت جناحه الآن وحان وقت شد الآذان ..
العبث مع امرأة متزوجة من أحقر ما يكون مهما كان له مبرر أو تعقيدات من الماضي لا يعرفها .. وحتى إن لم تكن غادرت فربما سيكون من الأفضل أن تستمع لما سيقوله لمصلحتهما الشخصية .. يكفي أن معتصم كان السبب في معرفته لمكان سيلينا ليحمل له هذا الصنيع للأبد ..
حسم امره وطرق بابه بإصرار من لن يتراجع حتى يتم مهمته .. ربما تجاهل معتصم طرقه لعدة دقائق لكن مع اصراره أذعن وفتح الباب بغضب ..
كانت ملابسه في حالة فوضى بالكامل ويغطيها الشعر بصورة أدهشته من أين اتى هذا الشعر يا ترى؟؟!!
لم يكن ذلك الأنيق الذى اعتاد رؤيته دائمًا ووجهه كان يحمل تعبيرًا غريبًا عجز عن فهمه ..
ويزمجر بغضب وضيق ..
- ماذا تريد ميجيل ..؟؟
تجاهل نبرة الضيق في صوته ليقول باهتمام ..
- أريد التحدث معك ..
- ليس الآن ربما لاحقًا ..
الضيق الواضح على وجهه كان سيجعله ينسحب .. الأمر أكبر بكثير من علاقة ومن امرأة رغب فيها .. الألم كان محفورًاعلى ملامحه بطريقة معبرة وفي اثناء انسحابه لمحها ..
لا غير معقول الأنثى بالداخل لم تكن زارا رائعة الجمال التي شاهدها بالأمس بل كانت شبحًا مرعبًا .. أنثى صلعاء تمامًا وترتدي ملابس الرجال وتتكور حول نفسها على الأرض برعب ووجهها ملطخًا بالدماء ..
ماذا فعل هذا المجنون ..؟؟ّ!!
أي مجنون سادي منحرف التفكير شاذ هو ليفعل بها هكذا .. ؟؟
اقتحم الغرفة بغضب وفى نيته صرع ذلك الجبان ويبرحه ضربًا انتقامًا للسيدة المسكينة التي يتحمل هو ذنب خداعها .. كلاهما قويًا والقتال سيكون مميتًا لكن المجنون فقد عقله تمامًا وربما يجب عليه قتله لا ضربه فقط ..
واللكمة التي هوى بها غاضبًا على فك معتصم والتي كانت كفيله بصرعه فورًا تحملها كجبل لا يهتز قبل أن يكبله بقوة خارقة تكفي للسيطرة على رجل بحجم ميجيل و يمنعه من توجيه المزيد من اللكمات الغاضبة لفكه هو يقول بغضب ..
- حسنًا ما دمت مصرًا على التدخل فيما لا يعنيك ..
أعرفك بزوجتى العزيزة شيرويت السمالوطي .. زوجتي وابنة عمي والتي فرت من منزلي منذ سنوات وتزوجت الحقير حكيم وأنجبت منه طفلًا وهى ما زالت زوجتي .. ما حكمك عليها الآن ميجيل ؟؟
**
إنها لحظة المواجهة .. لسنوات احتفظ برسالته لأنه كان يعلم انها ستكون دعمًا له يومًا ما .. حينما وصلته احتار في الرد على صديقه فبماذا سينصحه في موضوع شائك وعلى كل المستويات تقطع فيه الرقاب .. وكان رده في رسالة مختصرة فقط كتب فيها " استفتي قلبك يا صديقي فأنت دبلوماسي ومهنتك اللعب بالحروف وتنسيق أمور دول بها فهل ستعجز عن إدارة حياة ابنتك ؟؟ "
الرسالة التي وصلته كتبت بحروف الألم وحينما عادت شيرويت لماليزيا فهم منها تفاصيل لم يستطع والدها خطها في رسالة ..
واعاد الآن قراءتها ليتذكر كل حرف منها ..
" صديقي العزيز أكرم على الرغم من اختلاف الجنسية واختلاف اللغة إلا أنني لا أجد نفسي سوى معك.. لسنوات وأنا أجد دعمك لى في وطنك الذي كان وطنًا آخر لي بوجودك فيه واليوم احتاج لفطنتك صديقي لتخرجني من حيرتي .. ربما اضغط عليك فأنا أعلم أنك لم تتجاوز أحزانك لكني في ورطة وأزمة تعصف بكياني ولا أجد لها أي مخرج يرضي ضميري ويريح قلبي المتعب ..
اخبرتك كثيرًا عن معتصم ولدي الذي لم أنجبه .. احببته كولد من صلبي منذ أن وصل لهذه الدنيا واستعضت به عن عدم انجابي للذكور وفرحت كثيرًا بحبه لابنتى فهو يحمل نفس دمائها وحفيدي الذي سأحظى به عند زواجهما سيكون سمالوطي ويحمل اسمى لكنه على الرغم من صفاته الجيدة الكثيرة يقبع في داخل عقله صعيدي متحجر لا يتقبل بعض الأشياء كأن تتضعف ابنتى أمام حبه ..
الصدمة التي هزت عروشي وأطاحت بكل أحلامى كانت قوية لدرجة أنني فقدت التفكير السليم .. كصعيدى دمي يفور ويغلي مثلهم تمامًا لكن كأب امتلكت طفلته كل قلبه لم استطع إلا اخفاء رابطة عنقه التي وجدتها في منزلي كأثر تركه يدل على وجوده في غيابي وإلى أن اضطر للتظاهر بعدم لمح سيارته التي تغادر ساحة منزلي عندما أعود إليه بعد غيبة ساعات تركت ابنتي وحيدة فيه وكان هو صحبتها الوحيدة..
بين أب محب لابنته بجنون وصعيدي العرق والتفكير تفرقت مشاعري وتمزقت في صراع حسمه دمي الحامى فتخليت عن حقي في الثورة على اذلالها على يده ووافقت على زواجه المشين منها ورغمًا عنها وأنا أعلم أنه سيعاقبها بأقصى الطرق ..
هكذا هو معتصم الذي أعرفه لكن كان أملي الوحيد أن ينتصر الحب على النزعة الذكورية لديه ويراجع نفسه ويحملها الوزر مناصفة مع شيرويت لكنى لا اعتقد أنه سيفعل يومًا نظرًا لظروف لا تتعلق بشخصيته فقط بل ببيئة فرضت عليه وتربية نقشت في عقله منذ الصغر .. لذلك كتبت إليك لترشدني وتؤنبني حتى على ما اقترفته في حقها وتركها له وحيدة مرتعبة ليفعل بها ما يشاء ولكن على كل حال أردتك أن تعلم أنني تركت لها مبلغًا ضخمًا من المال‘ ربما لن يعوضها عن تخليني عنها لكن قد يفيدها في اليوم الذي تقرر فيه تركه والاستقلال بحياتها بعيدًا عن جبروته ..
مرفق في الرسالة ارقام حساباتي المصرفية في المصارف في كوالالمبور وتوكيلًا عاًما لك للتصرف في الأموال وايصالها لها شخصًيا حال وفاتي فأحيانًا التعنت الذكوري الغير مبرر يدفع الانسان للتصرف بغباء "
صديقك النادم حتى الموت عزيز السمالوطي
التعنت الذكوري !! حينما لجئت إليه كانت كطير مذبوح ينزف حتى الموت وقراره بمساعدتها كان هو الأمثل في وقتها لكن ربما الوقت يثبت أن بعض القرارات المتسرعة يكون لها في المستقبل عواقب خطيرة كارثية ..
اختطاف ريان قلب كل الموازيين وكلمة شيرويت وهى تغادر بمفردها لمقابلة زوجها ترن في أذنيه .." لا تبحث عني فأنا لن أعود لكن ابحث عن ريان وتأكد أنه بخير " ..
من حديث شيرويت ووالدها عن معتصم علم أنه خطيرًا قاسيًا لا يرحم وينصب نفسه حاكمًا وجلادًا وينفذ الأحكام بطريقته الخاصة لكن لا بديل عن مقابلته ومواجهته حتى لو كانت حياته هى الثمن .. يومًا ما اتخذ قرارًا خطيرًا بمفرده ولو كان يعلم أن هذا القرار سيدمر شيرويت وريان لاحقًا لما كان فعلها لكن الندم الآن على الحليب المسكوب لا يعيده لعبوته .. المواجهة الآن هى الحل مهما أدت إلى خسائر..
**
كانت تعي ما فعلته جيدًا وتشعر بالندم لكن سماعها لمعتصم يصف فعلتها لميجيل جعلها تقشعر ..
في الواقع فعلتها لا تغتفر بكل المقاييس .. ربما فعليًا هى بريئة ولم تكن علاقتها بأكرم علاقة زوجية مطلقًا لكن أمام الناس هى منحنت نفسها لرجل آخر بل وانجبت منه طفلا ..
شيرويت السمالوطي اسمها الذي افتقدته لسنوات كان له صدى مؤلمًا في معدتها وهو يعرف ميجيل عليها بحقيقتها لا كزارا حكيم ..
دائمًا كانت تفتخر باللقب وتذكرت أيامها الأولى في الجامعة حينما تعرفت بسارة وسلمى قبل أن تتوطد علاقتهم ..
- أنا شيرويت عزيز السمالوطي
- وأنا سارة منصور الجباس ..
أما سلمى فحيتهما بحزن لتقول وأنا سلمى عبد المحسن خضير لكن والدي متوفى ووالدتي متزوجة من آخر هو من رباني فعليًا واعتبره في مكانة والدي ..
افتقدت كل حياتها القديمة التي تبخرت في طرفة عين .. "من تعجّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمــــــانه"
وعقابها كان عنيفًا .. لكن عليها تحمل النتائج كاملة وعسى أن يغفر الله خطيئتها عندما توفي دينها تامًا..
غضبه قل كثيرًا لكنه لم يختفي تمامًا .. مهما فعلت زارا حكيم أو شيرويت سمالوطي هذا لا يمنحه الحق لأذيتها هكذا .. لكن لو كانت فعلتها سيلينا وشاهدها بعينه مع آخر فربما كان سيتهور هكذا .. الغيرة حينما تسيطرلا سلطان لسواها وقتها ..
- اعطينى رقم سكيرتيرك سأجعلها تدبر لكِ عباءة سوداء في أقرب وقت بالتأكيد يوجد هنا محال للزي الاسلامي وعليها احضار جواز سفرك معها .. يجب أن نكون في المطار بعد ساعتين على أقصى تقدير.. الطائرة تنتظرنا ..
تدخل ميجيل ليمنع استسلامها الغير المشروط‘ ليخبرها أنه يدعمها في حال اعتقدت أنها بمفردها في مواجهته,, التفت إليها ليسألها بصوت حاسم ..
- سيدتي هو لا يمكنه اجباركِ على السفر إذا كنتِ لا تريدين ذلك.. هل توافقين على السفر معه بكامل ارادتكِ ..؟؟
هزت رأسها في علامة تدل على الموافقة ويده التي سقطت بجواره بيأس صاحبها قوله ..
- حسنًا أنا سأتواصل مع سيلينا وسأرى ما يمكنني عمله ..
ربما هذا ليس مناسبًا أن يستغل مصائب الناس لمصلحته الشخصية لكن فرصة الحديث مع سيلينا والتواصل معها فرصة نادرة قد لا تتكرر ويجب عليه اقتناصها وليكن الله في عون هذا الزوج الذى لا يستطيع تحديد المذنب فيهما فمن الواضح أنهما قررا القتال والضرب تحت الحزام منذ زمن ومن يتدخل لفض النزاع بينهما سيزيد من تعقيد الأمور ..
**
" السيدة زارا حكيم في ورطة وبحاجة لمساعدتكِ "
هكذا بدء حديثه ليلفت انتباهها ويجعلها لا تغلق الخط .. من مزاياها العديدة الاخلاص وبالتأكيد ستكون غاية في الانتباه لتساعد زارا..
وكما توقع هتفت بذعر ..
- ما بها زارا..؟؟
وعلى الرغم من بشاعة ما سيقصه عليها إلا أنه تنفس بارتياح وهو يقول ..
- لا أعلم بالتحديد لكن ما علمته أن السيدة زارا اسمها الحقيقي شيرويت السمالوطي وهى مصرية الجنسية وليست ماليزية كما كنا نعتقد والأهم هى مازالت زوجة لشريكي معتصم السمالوطى وفرت منه منذ سنوات ثم وجدها الآن ويصر على إعادتها معه للقاهرة ..
ما هذه الفوضى ..؟؟ هل يكذب ميجيل ..؟؟
لا مستحيل أن يكذب في أمر شديد التعقيد كهذا .. ثم لماذا من الأساس سيكذب ..؟؟
هتفت بيأس ..
- وكيف يمكنني مساعدتها ..؟؟
خطته تنجح .. تنحنح بجدية وهو يقول ..- مبدئيًا علينا ايجاد زي اسلامي .. اعتقد معتصم اسماه " عباءة " وبعدما نجده علينا السفر سويًا للقاهرة لنكون بقربها ونرى ماذا سيفعله معتصم بها ونتدخل إذا ما لزم الأمر ..
تسافر معه ؟؟ أن ترى المزيد منه ؟؟
لا هذا يفوق الاحتمال .. لكن ما يقوله خطيرًا جدًا وحيرتها تتزايد ..
- سنجد الزي لكني لن أسافر معك لأى مكان ..
- حسنًا سيلينا سنجد الزي واعدكِ أنك ستبدلين رأيكِ بعدما ترينها وستصرين على السفر ..
أغلقت الخط بدون أن تسمح له بالمزيد من التلاعب بأعصابها .. ماذا يريد منها بعد ؟؟
هل مجرد كونها تجاوزته يؤلم كبريائه ..؟؟
لو فقط يخلو العالم من الرجال سيكون بالتأكيد جنة لكنهم قدرًا قدر الله وجوده وعلى النساء تقبل ذلك ..
لكن على الأمهات العمل بجدية أكبر وتربية صغارهم بشكل جيد فزمن الجواري قد انتهى وسيدات اليوم سيعلمن الرجال دروسًا قاسية مفادها " الحياة ستكون أفضل بدونكم "
**
حينما قررت المغادرة بمفردها لمقابلة معتصم سمح لها بذلك لأنه كان مبهوتًا كليًا وعجز عن التفكير بصفاء أما الآن بعدما أعد أسلحته واستخرج رسالة عزيز سيذهب لمواجهة الخنزير المسمى معتصم ..
إن كان في الماضى لم يجد من يقف في وجهه فذلك العصر انتهى للأبد وسيكون عليه مواجهته هو ..
طقما الحراسة على أهبة الاستعداد وخصوصًا جاريد الذى كشر عن أنيابة مع احتمالية تعرض زارا للخطر ودراكو وذنبه الكبير الذى يشعر به وتسببه في خسارة ريان حافزًا مرعبًا سيجعلهم يقطعون معتصم بأنيابهم ..
عندما تكون كيان كأكرم حكيم تفتح لك الطرق وتصعد بجيشك الجرار لأعلى في أفخر الفنادق بدون الكثير من التساؤلات لكن للأسف حينما وصل أكرم لجناح معتصم لم يجد ضالته فيه ..
الجناح كان فارغًا وبحسرة هوى أرضًا يبكي خسارتها مجددًا ..
لقد تأخر كثيرًا واختفت شيرويت كما اختفى ريان وربما للأبد ..
صوت قوي جعله يرفع رأسه .. ويد ممتدة له بالسلام جعلته يتكىء عليها وينهض .. - سينيور حكيم .. أنا ميجيل بيدرو دي ماري ..
رؤيته لسيلينا التي كانت تلحق ميجيل لداخل جناح معتصم جعلته يتجاهله ويوجه حديثه لها بلهفة ..
- سيلينا .. أين زارا ...؟
حسرتها لم تكن تقل عن حسرتها وهى تبكي بألم ..
- لقد اصطحبها معتصم السمالوطي للقاهرة ..
هذا ما كان يخشاه .. لقد أجبرها على العودة مستغلًا الصغير وحبها له ..
لكنهم جميعا اخطئوا منذ البداية .. حينما تبني كيانًا على أساس خاطىء مهتريء فتوقع انهياره في أي وقت وعندما تحاول اخفاء زوجة وطفل حتى ولو بداخل امبراطورية كالتي صنعها يكفي تهديد بسيط لأمن الطفل فتنهار تلك الامبراطورية على رؤسهم ..
مازالت يد ميجيل ممتدة بغصن الزيتون له .. دعاه مجددًا للاعتماد عليها فالتقطها بقوة أكبر من التي من المفترض أن تسمح له سنوات عمره بفعلها .. وقول ميجيل أعاد العزم لعروقه التي التصقت ببعضها ..
- سندعمها معًا سنيور ولن نتركها لمعتصم .. صدقني سأساندك حتى نستعيدها لو رغبت هى بذلك ..
كانت تتابع الحديث بألم وغضب .. من المؤكد أن ميجيل وغدًا عديم الأخلاق لكن موقفه تجاه زارا يحيرها .. دعوته لها بالسفر للقاهرة مازالت قائمة وكان معه حق تمامًا .. ستسافر ..
الظروف أحيانًا تجبرنا على فعل أشياء لم نكن نتوقع أن نفعلها برغبتنا مطلقًا ..
إن كان ميجيل سيتواجد من اجل زارا فهى اولى منه بذلك .. - سأرافقكما ..
قالتها وتجنبت النظر في اتجاهه لكن لو فعلتها كانت سترى نظرة الانتصار التي احتلت ملامحه والتي رغم محاولاته فشل في السيطرة عليها ومنعها من الظهور..
•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية