رواية فارس بلا مأوى الفصل السادس 6 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ تحت حراسة رجال الشرطة تم نقله إلي مشفي حكومي عام، وذلك بعدما وقع مغشياً عليه ولم يستطع أحد إفاقته أو إيقاظه، فقام المأمور بإستدعاء الطبيب علي وجه السرعة وبعد فحصه أخبرهم يجب نقله إلي المشفي توا فقد أصابه إنخفاض في ضغط الدم وضعف نبضات قلبه وذلك بسبب عدم تناوله الطعام، لذا لابد من تعليق محلول له و وضعه تحت ملاحظة الطبيب حتي يتحسن وضعه الصحي ثم يعود إلي المخفر مرة أخري.
علم العم جابر والخالة هنادي بالأمر وذهبا إلي المشفي للإطمئنان عليه، لكن عندما أراد العم جابر الدخول أوقفه العسكري قائلاً :
_ ممنوع يا عم چابر، أوامر سيادة المأمور.
قالت الخالة بتوسل:
_ بالله عليك يابني إحنا چايين نطمنو عليه وچايب له واكل ولو مش مطمن خد فتش الشنط.
أجاب الآخر:
_ مصدجك يا خالة، ب...
قاطعه جابر برجاء أخير:
_ هم خمس دقايق بس يا ولدي وأوعدك ما نخبر حدا واصل.
تنهد العسكري بإستسلام فقال:
_ أمري لله، بس بالله عليك أنتو هم خمس دقايق جبل ما حد يچي من الي أهنه ولا من القسم ويبلغ سيادة المأمور ويحصل معاي مشكلة عاد.
ربت عليه جابر وبإمتنان قال:
_ أطمن يا ولدي، كيف ما جولتلك مش عنطول چوه.
ولج مع زوجته إلي داخل الغرفة، فوجدا فارس يرقد علي السرير في حالة يرثي لها من الضعف والوهن، معلق في يده إبرة متصلة بأنبوب، وجهه شاحب وبعض قطرات العرق علي جبهته.
أمسكت الخالة بيده الأخري وقالت بحزن وآسي علي حالته:
_ إكده يا فارس يا ولدي! ، تخلع جلبي عليك.
فتح عينيه عند سماع صوتها، وحرك أنامله بصعوبة في يدها، تفوه بوهن:
_ خالة هنادي، چيتي ميتي؟.
أجابت وهي تمسح بيدها الأخري قطرات عرقه بحنان:
_ تو ما عرفنا أنا وعمك چابر باللي چري لك چينا علي طول وچبت لك واكل معاي، عشان خاطري ورحمة الحاج قاسم لتاخد بالك من صحتك وتاكل زين.
أجاب والحزن واليأس ينبلج علي وجهه الشاحب:
_ بأي نفس يا خالة أكل وأشرب و مخابرش حاچة عن زينب...
صمت وألتقط أنفاسه ليردف:
_ عتتعذب بسببي و عمي وإبنه عيغصبوها تتچوز غصب، حاولت تنتحر وآخرتها هربت وياعالم هي فين دلوق ولا بيچري معاها أي.
ربت عليه عم جابر قائلاً له:
_ وحد الله ياولدي، زينب بميت راچل، چدعة وقوية وميتخافش عليها واصل، ربنا يبعد عنيها رافع ويوجف لها ولاد الحلال.
فقالت هنادي أيضاً :
_ عجولك مين الي جالي كل أخبارها، سر بيني وبينك وعمك چابر، البت سمية الممرضة جبل ما تتدلي علي قرايبها، چاتلي وطمنتني علي زينب إنها بخير وزينة وهربت من النچع لأچل ما يچوزهاش لراچل غيرك، وحاچة كمان، عتتصل عليا أول ما توصل مكان ما عتروح وتطمني عليها وتتفج معاي أچيلك زيارة وتتحدت وياك علي المحمول بتاعي وعطتني رقمها الچديد.
عاد إليه الأمل مجدداً، تهلهلت أساريره من السعادة، فقال:
_ أطلبيها بالله عليكي يا خالة، رايد أسمع صوتها وأطمن عليها دلوق.
ردت الخالة:
_ عينيا يا ولدي.
وأخرجت هاتفها وقامت بالإتصال لم تجد سوي الرسالة المسجلة، كررت الإتصال مرة أخري لتأتيها نفس الرسالة الصوتية، تنهدت وقالت:
_ الظاهر يا ولدي المحمول الي معاها موصلوش شبكه، أو فاصل شحن.
_ خلاص أكتبيلي الرقم في ورجة وأني عاتصرف.
طُرق الباب ثم دلف العسكري قائلاً:
_ أي يا چماعة الخمس دقايق خلصو وسيبتكم خمسة زيهم كمان.
رد جابر:
_ حاضر يا ولدي، أحنا خارچين أهه.
وقبل أن تغادر الخالة قالت لفارس وهي تدس الورقة في يده بدون أن يلاحظ العسكري:
_ خلي بالك من صحتك يا فارس، وأول ما يرچعوك القسم، عنيچي نطمنو عليك يا حبيبي، في رعاية الله يا ولدي.
_ تسلمولي وربنا ما يحرمني منِكو واصل.
فقال جابر:
_ ويطمنا عليك يا ولدي وينصفك وترچع الدار وتنورها كيف ما كانت.
غادرت الخالة والعم جابر، فكانت زيارتهم القصيرة بمثابة إعادة الحياة إليه بعد أن كان كالموتي الأحياء، فالأمل دب فيه الروح مجدداً وأعطاه دافعاً قوياً وعزيمة لكي يثبت براءته وينتشل مهجة فؤاده من براثن جحيم شقيقها ذو القلب الأسود وروح شيطان رچيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ دلفت ريهام تحمل صينية مليئة بأطباق الطعام و ضعتها أعلي المنضدة وجذبتها حتي تصبح بالقرب من صديقتها.
_ أنا عملالك بقي عشا ملوكي زي الي كنت بعملهولكو أيام سكن الجامعه، فاكرة؟.
قالت زينب:
_ تسلم يدك ياريهام، تعباكي معاي والله ما خابرة أجولك أي، آسفة أني چيت لكو في وجت متأخر ومن غير ميعاد و....
قاطعتها ريهام بعتاب:
_ والله أزعل منك، يابنتي أنتي مكنتيش صاحبتي إحنا كنا وما زالنا أخوات، و بيتي هو بيتك، يعني عايزاكي تاخدي راحتك علي الآخر، تامر أخويا كده كده بيفضل بره طول النهار وبيرجع بالليل علي الكمبيوتر ومبيخرجش من أوضته، ويلا بقي كولي قبل ما الأكل يبرد عقبال ما أجبلك حاجة تلبسيها.
أوقفتها زينب وقالت:
_ معلش ياريهام ممكن تچيبلي شاحن موبايل وياريت لوكان من القديم الرفيع ده.
_ حاضر يا حبيبتي، هجبلك الشاحن بتاع ماما هي الي معاها النوع ده، بس أرجع ألاقيكي مخلصة الأكل ده كله.
قالتها وذهبت، بينما زينب أخذت تتأمل الغرفة، تشعر ببرودة تسري في أطرافها لم تصدق يوماً أن يحدث معها ذلك أو أن تترك بلدتها وتهرب إلي مصير مجهول، فهي لا تعرف أحداً هنا في القاهرة سوي ريهام فقط، تعرفت عليها في السنة الأولي لها في الجامعة وأصبحا صديقتين مقربتين وخاصة كانتا معاً في السكن الجامعي، وفي مرة تغيبت ريهام عن العودة للسكن في بداية السنة الدراسية فعلمت زينب بإنها مريضة فهاتفتها وعلمت منها أين تمكث، وذهبت لزيارتها والأطمئنان عليها و تأتي لها بالمذكرات ونسخة ورقية من المحاضرات التي كانت تدونها في دفترها وتقوم بتصويرها من أجلها حتي لايفوتها شيئاً.
عادت ريهام إليها وبيدها ثياب مطوية والشاحن، وجدت الطعام لم تمس منه لقمة، فقالت بإمتعاض:
_ واضح إن الأكل مش عاجبك.
أنتبهت الأخري لها وقالت:
_ ليه بتجولي إكده، أبداً والله، أني بس تعبانه و عايزة أنام.
فقالت لها بإصرار:
_ ماهو مفيش نوم غير لما تاكلي، أنتي مش شايفه وشك عامل إزاي.
_ معلش يا ريهام عشان خاطري، أنا كل الي محتچاه دلوق مكان أنام في.....
صمتت عندما باغتها دوار مفاجئ، تركت ريهام ما بيدها وجلست أمامها بقلق وخوف عليها:
_ زينب أنتي كويسه؟، ردي عليا سمعاني؟.
أستندت بظهرها إلي الوراء وقالت بصوت يكاد مسموعاً:
_ أني بخير.
رفعت يدها لتسندها علي جبهتها فأرتفع كوم العباءة عن رسغها، أنكشف الضماد و رأته ريهام فشهقت بذعر:
_ أي الي في إيدك ده يا زينب؟.
أنتفضت الأخري وأمسكت بالكم لتواري رسغها قائلة بتوتر:
_ دي، دي جرح، كنت بجطع لحمة والسكينة فلتت في يدي.
نهضت ريهام وحدجتها بعدم تصديق وقالت:
_ أنا مرضتش أسألك من أول ما جيتي أي الي حصل معاكي و أي سبب هروبك، قولت أسيبك ترتاحي وتاكلي لك لقمه وتنامي وبكره هابقي أقعد معاكي وأعرف حكايتك أي، بس شكله موضوع كبير أوي.
حاولت النهوض علي مضض ولم تستطع الرد بسبب ما تشعر به من تعب، فكادت تذهب أوقفتها ريهام وقالت:
_ رايحة فين؟.
_ سبيني يا ريهام، أني عاروح أدور لي علي أي مطرح أتاوي فيه، مبحبش أكون تجيلة علي حد.
جذبتها ريهام وجعلتها تجلس، فقامت بمعاتبتها وتوبيخها :
_ وربنا لولا التعب الي أنتي فيه كنت أدتلك كلام يزعلك بجد، يعني بعد ما لجأتيلي جايه تقوليلي تقيله وماشيه، أنا لو بغصبك تاكلي فده من خوفي عليكي وواضح جداً إنك قايمه من عمليه من ريحة البنج الي فيكي وأثر حقنة الكانيولا الي في إيدك ، كنت بكدب نفسي وقولت سبيها يابت و لما ترتاح هتقولك كل حاجه، وأنتي عارفه كويس أنتي عندي أي وبعتبرك زي أختي وأكتر، ومهما عملتي ولا حصل أي أنا معاكي وفي ضهرك، وفي الآخر بتطلعني وحشه!.
وكأنها وجدت ما يدفعها للبكاء، فأنهارت تبكي واضعه كفيها علي وجهها، زفرت صديقتها بضيق، جلست بجوارها وربتت عليها:
_ متزعليش مني، أنا والله بحبك وصعبانه عليا أشوفك كده، عايزه أساعدك بأي طريقه وقلقانه عليكي.
رفعت وجهها وقالت من بين عبراتها:
_ أني في مصيبة واعرة جوي، ومعرفاش أسوي أي ولا كيف؟، كل الي بيدي أني معوزاش حد من أهلي يعرفلي طريج.
ربتت عليها وقالت:
_ أهدي يا حبيبتي وأستغفري ربنا ومتخافيش من حاجه، محدش هيعرف مكانك وبيتي زي ما قولتلك هو بيتك وهقف جمبك مهما حصل، أنا هاسيبك تغيري هدومك وتنامي براحتك، ولو محتاجه حاجة نادي عليا أنا هنام في أوضة ماما الي جمبك.
نهضت فأمسكت زينب بيدها وبتوسل قالت:
_ خليكي معاي، نامي چاري.
عانقتها ريهام بحنان وقالت:
_ لسه زي ما أنتي لما بتضايقي وبتعيطي مبتعرفيش تنامي لوحدك، وأنا برضو الي كنت باخدك في حضني وأطبطب عليكي لحد ما تنامي، فاكرة؟.
ردت:
_ فاكرة يا صاحبتي وأختي، ربنا ما يحرمني منكي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ياتري يابتي روحتي فين ولا چرالك أي، منه لله الي كان السبب.
قالتها رسمية جالسة في وضع القرفصاء علي الأرض، وكان نجلها يزفر دخان النرجيلة، فتركها بغضب من يده وقال:
_ بكفياكي عويل ياماه.
نهضت والدته وصاحت به:
_ بدل ما تصرخ علي روح دور عليها، أنت السبب أنت وأبوك، خلتوها تجطع شراينها وبعديها تهورب، كل دي عشان تچوزها لولد غراب البين الي من ساعة دخل الدار والمصايب بتروخ فوج روسنا.
زفر بنفاذ صبر ونهض قائلاً:
_ الي بتتمسخري عليه دي لولا أني وافجت علي چوازو من بتك كان زمانك بتترحمي عليا دلوق.
_ و ذنبها أي الغلبانة تشيل ليلتك السودة، طول عمرك جلبك أسود وما بتحبش غير نفسك وبس، الكره والحجد خلوك تلبس واد عمك داهية كبيرة لأچل تتخلص منيه وكسرت بجلب خيتك المسكينة.
_ بتجولي أي، أني مالي ومال إبن زهرة.
أقتربت منه و قالت:
_ أوعاك تكون فاكرني معرفاش حاچة،ده أنت ولدي وخابره كيف بتفكر من غير ما تجول.
حدجها بتحدي وقال:
_ ولما أنتي خابره كل حاچة ساكته ليه؟.
أجابت بقلة حيلة:
_ عايزني أتحدت أجول أي عاد، الي في راسك بتعملو ولو مين وجف قدامك، جلبي تعبني من الحديت ورميت توبتك.
ولي إليه ظهره ونظر نحو فحم النرجيلة المتوهج، فلونه توهجه ينعكس علي حدقتيه وكأنه شيطان ينظر إلي الجحيم قائلاً:
_ من يوم ما وعيت علي الدنيا وراميه توبتي، هملتيني لأبوي يضربني طول الوجت بسبب ومن دون سبب ويولع في حتة الحديدة ويحرجني بيها لما شوه ضهري الي مليان علامات الحرج لحد دلوق، و كل ما أسوي حاچة غلط يجوم مجلعني خلچاتي ويطردني بره الدار عريان، يا إما يحبسني في الزريبة ويا البهايم من غير واكل ولا ميه والبرد يهري في چتتي، كرهني في العلام وخرچني من المدرسة، كنتي عايزاني بعد كل دي أبجي كيف يعني!،ملاك بچناحين إياك.
_ أنت الي أخترت طريجك بيدك، أبوك كان عايز يشوفك راچل يتباهي بيه، الي كان بيسويه غلط وياما مانعته،لكن مصايبك المطينة بطين الي كنت بتسويها هي الي اضطرته يعمل فيك إكده.
أرتسمت إبتسامة سخرية علي فمه فقط وقال:
_ فعلاً أني الي غلطان، معدش الحديت منه فايده عاد، أني داخل أنام أحسن.
ولج إلي الغرفة، فوجد زوجته ما زالت نائمة منذ أن عادت من الخارج، تمدد بجوارها ثم قام بوخزها بإصبعه في زراعها:
_ نوارة، أنتي يا بت.
أنتفضت بفزع ونهضت بجذعها:
_ سي رافع، أنت چيت ميتي؟.
أجاب وهو ينظر أمامه:
_ چيت من بدري ولاجيتك نايمه، خرچت أتصرف في المصيبة الي حوصلت ورچعت لاجيت لساتك نايمه.
تثائبت وقامت بحك فروة رأسها بنعاس:
_ لما أجوم أحضرلك الواكل.
أمسكها من زراعها قائلاً:
_ خليكي مكانك، مليش نفس للواكل.
رمقته بإستفهام:
_ حوصل حاچة لزينب ولا أي؟.
تنهد وقال بحنق:
_ حرج أبو الي چابها، لما أشوف خلجتها عخليها تحب علي يدي لأچل أرحمها من الي عسويه فيها.
_ واه، هببت أي تاني عاد؟.
أجاب بإقتضاب:
_ هربت من المشتشفي.
شهقت ولطمت علي صدرها:
_ هربت!، يا مُرك يا زينب.
زفر بتأفف وقال:
_ ده مرار وعيطفح علينا كلاتنا لما التاني ياخد خبر.
_ تجصد....
قاطعها رنين هاتفه، أمسك به ليري إسم المتصل، فقال:
_ أهو چه علي السيرة.
فقالت نوارة:
_ عتجولو أي لو سألك عنيها؟.
تأفف وقال:
_ مادام متصل في وجت متأخر إكده يبجي عرف بالي حوصل.
_ چيب العواجب سليمة.
أجاب علي المكالمة وتصنع إنه كان نائماً:
_ سليم بيه، في حاچة؟.
رد الآخر بنبرة لاتنبأ بالخير بتاتاً:
_ وليك نفس تنام، قوم أجمع رجالتك عقبال ما أجيلك أنا ورجالتي.
أبعد الهاتف عن فمه وأطلق سبة ثم قال بصوت مسموع:
_ ما تتعبش نفسك يا سليم بيه، دي خايتي وأني خابر ألاجيها كيف، وكل حاچة في ميعادها أطمن.
صاح الآخر بأمر حازم:
_ ساعتين وهاكون عندك يا رافع، سلام.
وأغلق المكالمة في وجهه، فقال رافع بحنق:
_ جبر يلم العفش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ غطت في النوم وهي تنتظره منذ البارحة والشمس علي وشك الشروق، تخلل أذنيها صوت الباب الذي أنفتح للتو، أستيقظت وقالت:
_ حمدالله علي السلامة يا حبيبي، أي الي أخرك كده؟.
أقترب منها وعانقها وأنحني نحو وجنتها ليعطيها قبلة قائلاً:
_ وحشتيني أوي.
بادلته العناق والقبلة علي ذقنه ثم أمسكت وجنتيه بأصابعها:
_ مقولتليش أتأخرت لحد دلوقت ليه، مش كنت آخر مرة مكلمني قولتلي أدامك ساعتين وجاي، ودلوقتي بقينا بعد الفجر.
حملها من خصرها وجلس علي الأريكة و وضعها علي فخذيه وقال:
_ جالنا، أمر، مفاجئ، بالقبض، علي، تاجر، مخدرات، في دار السلام.
كان بين كل كلمة يطبع قبلة علي أنحاء وجهها، وضعت يدها خلف رأسه تداعب خصلات شعره الذهبية:
_ هاقوم أنا بقي أحضرلك الحمام تاخد شاور عقبال ما أحضرلك فطار ملوكي يليق بسيادة النقيب أكرم عمران.
أمسك يدها وقام بتقبيل باطن كفها، وقال:
_ متعمليش حاجة، كل الي عايزك تعمليه تحضري شنطة ليا وشنطة ليكي وللارا عشان طالعين علي الساحل.
رفرفت أهدابها في محاولة إستيعاب ما قاله، تحدجه بتعجب، فأردف يضحك:
_ أي يا ندوش، مالك عماله تبربشي وفاتحه بوءك، مش مصدقاني ولا أي؟.
ردت بإبتسامة:
_ بحاول أصدق الي سمعته، أنت خدت أجازة؟.
تنهد وأجاب:
_ اه خدت أسبوع أجازة عشان أقضيه معاكو أنتي ولارا فسح وخروج وبلبطه في البحر، وبالنسبة لشغلك أنا ممكن أكلم مستر ناجي مديرك وأقوله يقدملك علي أسبوع أجازة.
أنتفضت ونهضت قائلة:
_ لاء مينفعش تكلمه، أصدي،أصدي مستر ناجي ساب الشركة وجه بداله مدير جديد.
_ خلاص نكلمه ونبلغه.
قالت بإندفاع مبالغ فيه:
_ لاء متكلمهوش.
أنتبهت إلي دهشته من إجابتها الحادة فأردفت بهدوء:
_ أصله راجل معقد ورخم، شادد علينا في الشغل بقاله يومين حتي بفكر إن أسيب الفرع ده وأتنقل فرع التجمع أحسن.
أمسك يدها بين كفيه وقال:
_ هو المدير الجديد ضايقك ولا حاجة؟.
جذبت يدها بتوتر وأجابت:
_ لاء، هو كلامه بيبقي للكل وكده، يعني أنت عارف بقي التحكمات والأرف الي بيحصل في أي شغل.
تغيرت ملامح وجهه للجدية وقال بتهديد:
_ أرف علي نفسه هو، لو فكر بس يضايقك ديته معايا أجرجره من قفاه علي القسم وهخليه لو سمع إسمك بس يترعب.
قالت بداخل عقلها:
_ يترعب مين بس، ده هو الي مربيلي الرعب.
أنتبهت وهو يقول إليها:
_ مالك سرحتي في أي؟.
إبتسمت بتصنع وقالت:
_ بفكر في الحاجات الي هحضرها دلوقت، أخيراً هلبس البوركيني الي أشتريته ليا من سنتين ولسه في شنطته وكمان لارا هاخد لها المايوهات الي جبتهلها أنا وماما.
_ خلصي علي مهلك وصحي لارا وألبسو وأول ما تجهزو قوليلي، أكون خلصت شاور وجهزت حالي وأعمل كام تليفون كده لحد ما تبقو جاهزين.
كادت تذهب لكن أقتربت منه ودنت منه وقالت:
_ ربنا يخليك لينا يا أحلي بابا كرمله.
وأختطفت قبلة من شفتيه وركضت إلي الغرفة، عاد آخر كلمة لها قائلاً:
_ كرملة!، هي حصلت من أكرومتي لكرملة، لاء الموضوع ده ميتسكتش عليه.
نهض منادياً عليها وبمزاح قال :
_ أنتي يا ندا هانم.
أجابت من داخل الغرفة:
_ نعم يا أكرومتي.
_ لاء ده أنا كده لازم أجيلك.
ذهب إليها وقام بمشاكستها وهي تعد الحقائب، يداعبها بمرح يحملها ويلقي بها تارة علي التخت، وهي تقفز كالطفلة فوق ظهره وتتشبث به، فيقوم بقلبها مرة أخري علي الفراش وينقض عليها ليدغدها.
وبعد مرور وقت من التجهيزات، تأكدت ندا من إغلاق كل صنبور في المطبخ والحمام و خلع أي سلك كهرباء من المقبس، غادروا ثلاثتهم المنزل وأستقلو سيارتهم بعد أن وضع أكرم الحقائب خلف السيارة بمساعدة حارس العقار، وأوصاه علي شقته ولو حدث أمر ما يبلغه علي الفور.
أنطلق أكرم وكان في المقعد الخلفي لارا التي تكمل نومها، وندي تجلس بجواره شاردة، تنظر من خلال النافذة وهي تفكر في أمر واحد وهو، كيف ستخبره بعلاقتها السابقة بهذا العلي الذي يهددها دائماً، وما الذي ستقوله له بأنه عندما تشاجر معها وأبتعد عنها لفترة من الوقت فلجأت لآخر ليعوضها عن حبه وحنانه التي أفتقدتهما، حدث الكثير من الأحداث والتقارب بينهما وبعض التجاوزات الغير مقبولة ولم يكن في حسبانها أن هذا الآخر سيتعلق بها ويعشقها بجنون، وعندما عاد أكرم إليها تخلت عن من أصبح مهوساً بها وقامت بطعنه في قلبه طعنة قاتلة وهي تخبره وتدعوه إلي حفل زفافها معللة له أن كل ما مرت به معه كانت علاقة صداقة تجاوزت حدها قليلاً، فهو بالنسبة إليها ليس سوي أخ وصديق فقط.
تنظر له كل حين والأخري وهو يقود السيارة وينظر إلي الطريق أمامه، فقالت بداخل نفسها:
_ ياتري لما أحكيلك هتسامحني؟، ولا كرامتك وغيرتك الشديدة مش هيخلوك تغفري لي؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يتجمعن حول مائدة الإفطار، تضع ريهام طبق الخبز أمام زينب:
_ يلا سمي الله وكولي، الفطار ده من إيد ماما قولي بقي مش قادرة أكل خليها تزعل منك.
أبتسمت وقالت:
_ وأني مايرضينيش زعل الحاچة عاد.
فقالت والدة ريهام:
_ تسلمي يابنتي، بس لو عيزاني مزعلش كولي كويس وأشربي كوباية اللبن دي عشان تغذيكي.
رمقت زينب كوب اللبن بإمتعاض، فقالت ريهام وهي تضحك:
_ أنتي أطلبي منها ترمي نفسها من الشباك ولاتقوليلها تشرب اللبن.
_ خلاص هاقوم أعملها عصير عقبال ما تفطر.
أمسكت زينب بيدها وقالت:
_ خليكي يا أمي أرتاحي، أني عخلص واكل وأعملكو شاي نشربو في البلكونة.
قالت ريهام:
_ زوزه يا ماما عليها كوبايه شاي ولا أجدعها قهوجي.
نفضت السيدة الوقور يديها من الخبز وقالت:
_ الحمدلله اللهم ديمها نعمة واحفظها من الزوال.
وأردفت:
_ خلاص أسيبكو تفطرو وتعملو الشاي عقبال ما أدخل أصلي الضحي وأقرأ الورد وهحصلكو علي البلكونة.
وبعد قليل...
أرتشفت القليل من الشاي تتذوقه باللذة وقالت:
_ بجد تسلم إيدك يابنتي، شكلي مش هشرب الشاي غير من إيدك بعد كده.
أجابت زينب:
_ العفو يا أمي، دي حاچة بسيطة وياسلام لو حداكم منقد الي بيبجي فيه فحم مولع بنعملو عليه أحلي كوباية شاي، تظبط الدماغ زين.
أنتهت السيدة من إحتساء الشاي وتركت القدح فوق المنضده الصغيرة، رمقت إبنتها فتفهمت الأخري نظرات والدتها فقالت :
_ ها يا زوزه، بقيتي أحسن دلوقت؟.
أخفت ما تشعر به من شجن وألم نفسي فقالت:
_ الحمدلله، طبعاً عايزين تعرفو سبب هروبي من بلدي وكمان أي الي خلاني حاولت أنتحر؟.
أجابت السيدة:
_ لو مش عايزة تحكي يابنتي براحتك، بس كل الي أقولهولك كأم بتحب بنتها وتخاف عليها وربنا يعلم محبتك في قلبي من وقت ما كنتي بتيجي لريهام ووقفتك جمبها وقت تعبها، ساعتها فضلت أشكر ربنا إن ربنا أنعم عليها بأخت وصديقة في زمن قليل لما تلاقي فيه صديق حقيقي.
إبتسمت زينب وقالت بإمتنان:
_ ربنا بخليكي يا أمي.
_ وأنا بعتبرك زي ريهام بنتي عشان كده عايزه أقولك علي نصيحة، مهما الزمن قسي عليكي أو أُصيبتي بإبتلاءات ومحن صعبة إياكِ ثم إياكِ تستسلمي لليأس هو طريق الشيطان الي هيمهدلك واحدة واحدة إن الإنتحار هو الحل الوحيد، وبيعمي بصيرتك تماماً، فلو الواحد فينا فكر بالعقل وقت المشكلة هيلاقي الحل بسيط جداً وقاله المولي عز وجل في كتابه العزيز
" وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " صدق الله العظيم
تدخلت ريهام وقالت:
_ أعذريها يا ماما هي الي ماشفتهوش قليل برضو، في يوم وليلة حب عمرها الي كانو هيتجوزو أتحبس بسبب أخوها الي لفق له تهمه صعب إنه يخرج منها، و وفاة عمها الي كان أقرب ليها من أهلها، وأخوها جه يكمل عليها وعايز يجوزها غصب عنها لواحد ألعن من الشيطان.
_ برضو يابنتي متوصلش إنها تموت نفسها، وأفترضنا بعد الشر كان جرالها حاجة، هل إنتحارها كان هيغير حاجه!، ولا كان هينفع خطيبك الي أتسجن ظلم ولا هيخلي أخوكي يتراجع عن ظلمه وجبروته، ومش هينوبك غير خسارة دنيتك وأخرتك ونهاية ربنا يبعدنا عنها ويرزقنا بالفردوس يارب.
تنهدت زينب وقالت:
_ ربنا يسامحني عن اللحظة الي ضعفت فيها دي.
ربتت عليها السيدة بحنان وقالت:
_ ربنا غفور رحيم، وطول ما بتلجأي له في كل محنة وتقولي يارب، هيقف معاكي ويبعد عنك كل شر، بس خلي عندك ثقة وإيمان بيه.
ردت زينب وهي تنظر نحو السماء:
_ يارب أغفرلي وأعفو عني.
_ لما أروح بقي ألحق أنزل السوق هشتري شوية حاجات وراجعة لكو علي طول.
قالتها ربهام فقالت زينب وهي تنهض:
_ خديني معاكي.
_ طيب تعالي هجبلك طقم خروج من عندي أحسن من العبايه وجو التنكر الي جيتي فيه ده.
_ واه، عايزني أخرچ من غير النقاب كيف، لو أي حد يعرف أخوي عيبلغو.
ضحكت ريهام وقالت:
_ يابنتي أنتي هنا في القاهرة وكمان مصر القديمه محدش هيعرفك هنا خالص، مش قولتيلي ملكوش قرايب هنا؟.
_ أيوه، كل أهلنا ومعارفنا في النچع.
_ خلاص أنزلي وأنتي مطمنة، ويلا عشان نلحق عم عطية الجزار قبل ما يخلص الكوارع والممبار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بت يا قمر هاتي العيش من فوج الفرن.
قالتها زوجة خالها، ردت الأخري:
_ حاضر يا مرات خال.
جلبت الخبز و وضعته فوق المائدة تحت نظرات هذا الضيف الذي لم يكف عن التحديق بها، فغطاء وجهها زاده فضولاً ليري وجهها، وما جعله بهذا الإصرار عندما أمعن النظر في عينيها الساحرتين التي تشبه لقاء السماء الزرقاء مع المرج الأخضر ويتخللها القليل من الرمادي.
عندما وجدها تقف ولم تجلس لتتناول الغداء معهم، قال:
_ واجفة عندك ليه ياقمر، أجعدي أتغدي ويانا.
كادت تجيب فقاطعتها زوجة خالها بسخرية:
_ بتتكسف تاكل قدام حد و ماتعرفيش تاكل من البتاعه الي علي وشها دي.
رمقها زوجها بحذر وقال:
_ نفيسة، خليكي في حالك.
_ وأني غُلطت فيها إياك.
فقال شقيق تلك العقربة:
_ وأنتي لابسه النقاب قدامي ليه، أني في مقام خيك الكبير، أجلعيه وخدي راحتك.
ردت بجديه وحسم:
_ لاء مش أخوي، وغير إكده أنت غريب ومينفعش وشي ينكشف عليك واصل.
رمقتها زوجة خالها شزراً ثم قالت لزوجها:
_ عاچبك حديت بت خيتك يا عبد الحق؟.
زفر بضيق وقال:
_ هي مجالتش حاچة غلط، ولا أي عامر؟.
فقالت قمر قبل أن تندلع مشادة كلامية بطلتها زوجة خالها التي ستقيم عليها حرب شنعاء وتوبخها بكلام لاذع:
_ عن أذنك يا خال أني داخلة چوه، لو أحتاچت حاچة أبجي نادم عليا.
وتركتهم ودلفت إلي غرفتها، فقالت نفيسة لزوجها:
_ بتنصفها عليا يا عبد الحق، طب أي رأيك بجي ياني يابت أختك في الدار دي.
ترك الملعقة ونهض قائلاً:
_ بت خايتي ملهاش حد غيري بعد أمها الله يرحمها، لكن أنتي عندك أخوكي وأمك ربنا يخليهم لك.
أتسعت عينيها وقالت:
_ تجصد أي بحديتك دي؟.
مسح يديه في منشفة وقال:
_ أجصد الي مش عاچبه الباب يفوت چمل.
ذهب وتركها تستشيط غضباً، وإبنتيها كانتا تتابعان الموقف في صمت وكذلك الصغير عمر، الذي نهض أيضاً وقال:
_ الحمدلله.
صاحت به والدته بحنق:
_ روح يا دلوعة أبوك وراه، ما أنت طالع كيف زيه.
ضحكت الفتاتان، فحدجتهما بتوعد:
_ بتضحكي علي أي أنتي وهي، بجول نكت إياك؟.
ردت إحداهما:
_ هو حرام نضحك؟.
فقال شقيقها:
_ مالك يا نفيسه مطيجاش روحك ليه إكده، وحاطه بت أخت چوزك في دماغك ولا كأنها ضُرتك عاد.
أجابت بنبرة مليئة بالحقد:
_ كيف ما أنت شايف وسامع عمال يحابي لها وكل ما أتحدت وياها يهب فيا كيف الباچور كأني بعذب فيها.
مال نحو شقيقته وقال بصوت لايسمعه سواهما:
_ والي يريحك منيها؟.
أستدارت بجسدها نحوه وقالت بإستفهام:
_ ناوي علي أي ياعامر؟.
أجاب بإبتسامة ماكرة:
_ فاكرة الراچل الخليچي الي جولتلك عليه.
أتسعت حدقتيها وصاحت:
_ الي عنديه 65 سنة!.
لكزها قائلاً:
_ وطي حسك لچوزك يسمعنا، أبو 65 سنة دي يبجي ملياردير في بلده، وچاي مصر بعد يومين في شغل أهنه و عايز يتچوز صبيه كيف قمر إكده، وما إدراكي المهر الي عيتدفعه، يعني لو عبد الحق جاله عايزين مليون چنيه التاني عيوافج علي طول بشرط تكون صبية وبت بنوت وعياخدها تسافر وياه في بلده.
شردت في الفراغ وكلماته تدور في ذهنها، فقالت:
_ مليون چنيه!، نچهز البنات ونچدد الدار وأچيبلي حتتين صيغة بدل الي بعتهم.
وسوس إليها شقيقها كأبليس:
_ وطول ما هي علي ذمته ومهنياه، عيغرجكو فلوس ومش بعيد يشغل چوزك عنديه في أي شركة أحسن من مصنع الخردة الي بيعطوه ملاليم يدوب علي قد واكلكو وشربكو، كل الي رايدو منك دلوق تتحدتي وياها وتقنعيها ولما تتوكدي إنها موافجة، جولي لعبدالحق وهو لما عيعرف الخير الي عيچي له مش عيقول لع.
قالت نفيسة بفحيح حية مرقطة:
_ حقه لو ده حوصل يبجي طاجة الجدر أنفتحت لينا.
وفي داخل الغرفة لدي قمر، تجلس خلف النافذة تبكي، شعرت بدخول إحدهم، قامت بتجفيف عبراتها، فوجدت عمر الصغير يمد لها يديه بثمرات من الموز والتفاح:
_ خدي كولي جبل ما أمي تخفيهم وتأكلهم هي وأخواتي.
وضعت يدها علي رأسه وقالت:
_ كولهم أنت، أني الحمدلله أكلت وأني بعمل الواكل.
_ ما تكدبيش علي ياقمر، أنتي ماكلتيش حاچة من إمبارح لأنك مكنش عندك وجت من شغل الدار، بتضحكي علي أكمني لسه صغير!.
إبتسمت له وعانقته وقالت:
_ مين الي جال إكده، أنت راچل وكيف البدر كمان، وعشان متزعلش عاخد منك تفاحة وموزة وخلي لك الباجي.
إبتسم بمكر وقال:
_ عيب عليكي أني شايل نايبي في المكنة إياها، ما أنتي خابرة أمي وأخواتي كيف المنشار ميعتجوش حاچة واصل.
قهقهت من كلمات هذا الصغير المشاكس:
_ يخرب عقلك يا عمر، أموت وأعرف بتچيب الحديت ده منين.
أشار إلي الخارج وأجاب:
_ الي يعاشر أمي نفيسة يعرف أكتر من إكده، أسمعي كلامي وخدي الحاچة دي، بكرة خالي يهملنا ومش عتلاجي الواكل ولا الفاكهة الموچودة دي تاني عاد.
أحتضنته بحنان وقالت:
_ خابر يا عمر أني يوم ما أتچوز، عاتچوز واحد كيفك إكده، بيحبني ويخاف عليا.
قال لها بمكر:
_ ما هو الراچل دي موچود وأحسن مني كمان وكبير زيك ويمكن أكبر.
عقدت حاجبيها وقالت:
_ مين ده؟.
حرك حاجبيه لأعلي وأسفل قائلاً:
_ الشيخ بكر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يقرع بقدميه في الغرفة ذهاباً وإياباً، فقال له رافع الذي ضاق به زرعاً:
_ ما تجعد ياسليم، رايح چاي خيلتني.
وقف وألتفت إليه قائلاً وهو يجز علي أسنانه:
_ يا برودك يا أخي، نفسي أفهم أنت إزاي قاعد كده وكمان عمال تشرب في سجاير وشيشه ولا علي بالك.
زفر بتأفف وقال:
_ علي يدك من ليلة إمبارح ومهملناش خرم في النچع ولا البلاد الي حواليه وما فتشناش فيه، حتي البت الممرضة الي يمكن تعرف راحت فين أختفت فص ملح وداب.
تدخل صلاح بذكاءه وفتنته قائلاً:
_ أنا خطر علي بالي حاجتين دلوقت.
رمقه سليم بإنصات وقال:
_ أي هما؟ .
أجاب بثقة كعادته:
_ الأولي، أي بنت بيبقي ليها صديقة سواء في محيط العيله بنت خالة بنت عمه أو خال أو عم وبتحكي لها كل حاجة.
قال رافع بتهكم:
_ هي و مارتي بنات خالة والحمدلله مابيطجوش بعض واصل، مفيش غير...
صمت قبل أن يتفوه پإسمها، فقال سليم والشر يتطاير من عينيه:
_ كمل يا رافع مخبي أي وخايف منه؟ .
ود لو نهض ويوجه له لكمة قوية، كظم غضبه وقال:
_ عابجي أجولك بعد ما أخلص المشوار دي.
قال الآخر بأمر:
_ مش هاتروح في حته غير لما تقولي مين الي مش عايز تقول إسمها وشكلك خايف عليها أوي.
رفع جانب فمه بإبتسامة ساخرة وبنبرة إستفزازية قال:
_ لتكون حبيبة القلب بنت عمتك، فاطمة.
نهض رافع كالعاصفة الهوجاء وقبض علي تلابيب سترته:
_ إياك تچيب سيرتها علي لسانك تاني واصل.
قام صلاح بالفض بينهما:
_ ماتهدي يا رافع بيه، سليم مايقصدش حاجة.
نفض يديه عنه قائلاً :
_ ولا يجصد، أني جولت الي عندي، خليكو أهنه وأني رايح.
قال صلاح:
_ روح أنت خلص مشوارك، وأنا وسليم بيه والرجالة هانروح مشوار تاني كده، ونبقي نتقابل هنا في الفندق.
سأله سليم بترقب:
_ مشوار أي أنت التاني؟.
أجاب بإبتسامة غامضة:
_ هاتعرف لما نوصل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ فاطمة، بت يا فاطمة.
نادت بها جليلة، فخرجت إبنتها من الغرفة تمسك بقلم ومذكرة و دفتر ورقي:
_ نعم ياماه، بتنادمي عليا فيه حاچة؟ .
أجابت والدتها بسخرية:
_ في حاچات يا عين أمك، جاعدة في أوضتك وجافله عليكي ومدرياشي بالي حوصل والنچع المجلوب علي بت خالك زينب.
تساءلت بخوف وصدمة في آن واحد:
_ مالها زينب؟ .
أجابت:
_ تعبت وحچزوها في المشتشفي وتاني يوم هربت، وأخوها وراچل غريب معاه بيجولو إنه خطيبها جالبين عليها النچع ولا كأنها عيلة صغيرة وتاهت.
تركت ما في يديها وجلست علي أقرب كرسي قائلة بحزن:
_ مستشفي و خطيبها وهربت!، يا مُرك يا زينب، رافع عيسوي فيكي أي تاني، الله ينتجم منيه.
أمسكت بخمارها لترتديه قائلة:
_ جومي همي وغيري خلچاتك، عانروح لمرات خالك، الله يكون في عونها هي وخميس.
لم ترد علي والدتها وتفكر فيما أخبرتها به، صاحت جليلة بها:
_ بت يا فاطمة.
أنتفضت ونهضت:
_ ما أني قدامك أها.
دفعتها في كتفها:
_ چهزي حالك عانروحو لمرات خالك.
تسمرت في مكانها وقالت:
_ لع، روحي أنتي، مش ناجصة نتعارك ويا الحرباية الي إسمها نوارة، بتقعد تلجح علي بحديت ماسخ.
_ سيبك منيها وأطمني الي خايفه منيه مش هناك، مرات خالك جالتلي من إمبارح تارك الدار و بيدور علي خايته ولسه معاودش.
صاحت بحنق:
_ مين دي الي بخاف منيه، حاسبي علي حديتك ياماه، ولا هو ولا ألف زيه يجدر يهز شعره مني.
خرج بكر من غرفته يعتدل من جلبابه ويمسك بسبحة في يده:
_ عيب يا فاطمة تعلي حسك علي أمك، لا تقل لهما أفُ ولا تنهرهما.
رمقته بتهكم وحنق فقالت:
_ خليك في حالك يا سيدنا الشيخ وكفياك مواعظ.
هز رأسه بسأم وقال:
_ ربنا يهديكي أنتي وأخوكي الكبير.
صاحت في وجهه:
_ بعد عن خلجتي الساعة دي أحسن لك، شايفني مچنونة قدامك ولا أي عاد؟.
أرتدي القلنصوة البيضاء فوق رأسه قائلاً:
_ حجك علي ياخيتي بدعيلك بالهداية، عموماً أني رايح المسچد وعريحك مني.
_ يبجي أحسن.
أرتدت والدتهما حذاءها وقالت:
_ أستني يا ولدي خدني في طريجك، وأنتي لما أبوكي يعاود چهزي له الواكل، وأبجي طلعي للطير الميه والحبوب، البت الي كانت بتيچي تساعدني مشتها خوفت عليها من أخوكي الفلتان زكريا، ماناجصينش چورس عاد.
قالت فاطمة ساخره من كلمات والدتها:
_ سبحان الله ربنا رزجك بولدين واحد شيخ والتاني إبليس.
_ روحي وأعملي الي جولتلك عليه ياست العاجلين لما نشوف أخرتها، وأجفلي الباب عليكي زين.
غادرت جليلة مع نجلها، أمسكت فاطمة بالدفتر والقلم قائلة:
_ يا عيني عليكي يا زينب، يارب يهديلك نفسك وحالك يا رافع ويهديك علي خيتك الغلبانة.
طرقات عنيفة علي الباب، جعلتها أنتفضت بذعر وخوف، فقالت:
_ كيف غيره الي بيخبط بالغباء دي، چايه أهه يا زكريا.
فتحت الباب لتتفاجئ به يقف أمامها يحدق بملامحها فهي الآن بدون وشاحها وكم أشتاق لخصلاتها الفحمية المسترسلة، وكم من ليالي كان يحلم بتلك الخصلات وهي مبعثرة علي صدره ووجهه، صاحت به:
_ عتبحلج فيا ليه إكده؟.
تذكرت إنها لم تكن مرتدية حجابها، شهقت ودلفت للداخل تاركة إياه واقفاً، ذهبت إلي غرفتها وأخذت وشاحها وقامت بإرتداءه علي عجالة، وأستدارت لتعود إليه لكنها أصتدمت في صدره،ليفاجأها مرة أخري بوجوده داخل غرفتها.
صاحت في وجهه:
_ أي الي دخلك أوضتي يا چدع أنت، أخرچ برة لأنادم لك علي أمي.
شقت إبتسامة ثغره قائلاً:
_ نادمي عليها إكده؟.
صاحت لتوهمه بوجود والدتها :
_ أماه، يا ماه.
قال بتهكم منها ويقترب خطوة تلو الأخري:
_ عمتي لسه شايفها رايحة نواحينا وبكر زمانه بيحفظ قرآن للعيال، وزكريا في الأقصر من إمبارح، والحاچ واصف أبوكي عنده قاعدة صلح عيحكم فيها و قدامه لحد العشا.
تتراجع إلي الوراء وتتظاهر بالقوة لكن بداخلها يرتجف خوفاً:
_ طالما خابر إن محدش فيهم أهنه أي الي چابك؟.
أجاب وعينيه السوداوتين مليئة بالغموض الذي يزيدها رعباً:
_ هربت عند مين؟.
التوتر والخوف جعلاها لم تفهم مقصد سؤاله فأجابت:
_ هي مين؟.
دفعها بجسده فوقعت علي تختها، دنا نحوها وهي تبتعد بوجهها عنه، قائلاً:
_ زينب، جالتلك عتدلي عند مين جبل ما تهورب؟.
دفعته في صدره ليبتعد عنها فلم يتزحزح أنشاً واحداً، فصاحت:
_ لسه خابره بالي حوصل من عمتك جبل ما تمشي.
_ عبيط أني إياك لأچل أصدج الي بتجوليه، أنتي الوحيدة الي زينب بتجولك علي كل حاچة.
تتزحزح إلي الوراء علي الفراش قائلة:
_ تصدج ولا ماتصدجش، جولتلك ما عرفش حاچة عنيها.
أمسك بزراعيها وجذبها من فوق التخت وجعلها تلتصق بصدره قائلاً بتهديد و وعيد:
_ عارفة يا فاطمة لو طلعتي بتضحكي علي عسوي فيكي أي؟.
رمقته بإستهزاء ونفضت يديه عن زراعيها قائلة بتحدي:
_ إياك تكون فاكرني بخاف منك يا رافع!، وأي رأيك بجي لو كان عندي علم بمكانها لو دبحتني ما عجولك واصل، لأني مابخافش غير من الي خلقني وبس.
زفر بعمق ونيران غضبه المندلعة بداخل صدره تحولت إلي نيران أخري، ظل لهيبها مشتعل منذ سنوات لم ينطفأ بتاً، وقربه منها هكذا جعله يندلع أكثر كما تحديها له وقوة شخصيتها التي يعشقها لكن بداخله فقط فكبرياءه الذكوري لم يسمح له الإعتراف بذلك، بل دائماً يريد فرض سيطرته عليها، لم يتجرأ رجلاً في النجع بأكمله أن ينظر لها فالكل يعلم فاطمة خاصته ومن يريد الموت والهلاك هو من يذهب إلي والدها أو أشقائها ويطلب الزواج منها، فهذا الذي يختار نهايته بيده أو بالأحري علي يد رافع.
كانت نظراتهما المتبادلة أبلغ من آلاف الكلمات، أخفض بصره نحو شفتيها المرتجفة، أسبل جفونه يتذكر عندما كان يتذوقهما في أحلامه.
مازالت تنظر له بترقب عقلها يحسها علي دفعه أو الصراخ به ليذهب من أمامها، لكن قلبها الخائن يكاد يقفز من بين ضلوعها ليستقر بين يديه عاشقه.
تسارعت أنفاسه وهو يصارع رغبته في عانقها وتحقيق أحلامه الجامحة وتقبيلها، دنا نحوهما فأنتبهت لما سيقدم عليه، دفعته بكل قوتها:
_ بعد عني وأمشي من أهنه.
ولت ظهرها إليه تمنع دموعها من التحرر، أقترب منها حتي يكاد صدره يلمس ظهرها، تفوه بأنفاسه وأحست بحرارتها الصاعدة:
_ عتطرديني يا فاطمة؟.
يتعمد ذكر إسمها فهو يعلم كم تأثير هذا علي قلبها، فكانت دائماً تخبره كم تعشق إسمها من بين شفتيه وبنبرة صوته التي تحتويها.
عقدت ساعديها وبدون أن يراها مسحت دمعه منسدلة من فوق وجنتها، فأجابت بصوت مختنق وشيك علي البكاء :
_ كفياك لحد إكده يا واد خالي، هملني لحالي لو لسه باجي ليا خاطر عنديك.
زفر وجز علي شفتيه، رفع يديه لكي يضعهما علي كتفيها قائلاً:
_ أنا ماشي.
تراجع عن ملامستها، وأستدار ليغادر مسرعاً قبل أن يفعل شيئاً يندم عليه لاحقاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ و في فناء هذا المنزل القديم يللهو هؤلاء الصغار، فخرجت من الحجرة إليهم إمرأه تحمل وعاء مليئ بالمياه المتسخة، صاحت علي الصغار بغضب:
_ أمشي ياولاه منك ليه، ألعبو عند داركو ماناجصينش وچع دماغ.
أستيقظ من نومه هذا الراقد علي الأريكة الخشبية القديمة، فأنتابته نوبة من السعال، وقال بصوت متحشرج:
_ بت يا سكينة، أنتي يابت.
أجابت عليه تلك السيدة وهي تلقي بالماء أمام الدار، وعادت إلي الداخل:
_ بتك بتچيب لي حاچة من السوج وزمانها راچعة دلوق.
_ لما تيچي، شيعيها تچيب لي علبة دخان.
قالت بحنق وكأن فاض بها الأمر:
_ يا راچل أرحم صحتك وأرحمني معاك، بكفياك سچاير الي حرجتلك صدرك دي.
وكزها بالعصا التي يتكأ عليها:
_ ملكيش صالح يا وليه، وأعملي الي جولتلك عليه جبر يلمك.
وضعت يدها علي أثر الوكزه تمسدها و تتمتم بدون أن تجعله يسمع :
_ اللهي تنجطع يدك يا بعيد، كله من مجصوفة الرجبة سمية بتك من وجت ما هچت من النچع وأنت ماطيجش حد واصل، اللهي ماترچع تاني.
أنتبهت علي أصوات سيارات تتوقف أمام المنزل، فخرجت بدافع الفضول، شهقت بذعر عندما رأت هؤلاء الرجال ذو البدل السوداء والملامح المخيفة يترجلون من السيارات ويقفون أمام دارهم مباشرة، تقدم نحوها صلاح مرتدياً نظارة شمسية سوداء قاتمة، وقف يسألها:
_ ده بيت سمية عبد السميع النجعاوي؟.
وبخوف أجابت علي الفور:
_ لع، جصدي آه يا بيه دي دار عبدالسميع چوزي وأني مارته وسمية تبجي بت مارته الأولانية الي ماتت.
ألقي نظرة عليها من أسفل لأعلي فقال:
_ طيب جوزك موجود؟ .
أشارت له بإحترام وخوف:
_ چوه يا بيه تلاجيه متكوع علي الكنبة ما عيتحركش منيها.
ألتفت قبل أن يدلف إلي سليم الذي ينتظر بداخل السيارة، فأشار له صلاح بأن يتحلي بالصبر، ولج إلي الداخل فوجده منزلاً بسيطاً للغاية ذو أثاث مهترئ وقديم والأرض عبارة عن قشرة إسمنتية مغطاه بالطلاء البني الداكن.
رأي صلاح علي عبدالسميع أمامه فقال:
_ السلام عليكم يا حاج.
أعتدل الآخر في جلسته ممسكاً بعصاه الخشبية، أجاب:
_ وعليكم السلام، في حاچة يابيه؟.
خلع نظارته وقال:
_ مش هنطول عليك ياحاج، إحنا جايين نسأل بس عن مكان سمية بنتك.
أنتفض بغضب قائلاً :
_ هببت أي بت ال..... دي؟ .
تظاهر بالجدية البالغة وأجاب:
_ أطمن حضرتك إحنا هنسألها علي حاجة بس مش أكتر.
تدخلت زوجة والدها بخوف وقلق:
_ أنتو حكومة يا بيه ولا أي؟.
إبتسم من طيبتها الساذجة المعاكسة لهيئتها، فقام بإستغلال ذلك، رد قائلاً :
_ لاء مش حكومة، تقدري تقولي جهة سيادية.
ضرب بكفها علي صدرها بصدمة وقالت لزوجها:
_ شوفت عمايل بتك يا عبدالسميع، مكفهاش إنها تهمل النچع وتهچ منيه ورچالة رافع القناوي كانو جالبين عليها الدار، كمان عاملة مصيبة وچايبه لنا الحكومة لحد أهنه.
صاح بها زوجها:
_ أكتمي يا وليه وكفياكي عويل لأجوم أفتح دماغك بالنبوت دب وأرتاح منك.
فألتفت إلي صلاح وأردف:
_ ممكن أعرف بتي عملت أي يابيه؟.
تنهد صلاح بضيق فقرر إستخدام أسلوب التهديد، فقال:
_ أنا سألت سؤال محدد وعايز إجابته لإما هنضطر ناخدك معانا وهناك بطريقتنا نخليك تقولنا علي مكان بنتك.
صاحت السيدة بعويل:
_ يا مُري، حرام عليكم يابيه الراچل صحته علي قده وميستحملش بهدله، أني أجول.....
قاطعها زوجها:
_ كلمة كماني وأرمي عليكي اليمين وأرميكي برة الدار.
أدرك صلاح مراوغة هذا الكهل فألقي بآخر ما بجعبته:
_ واضح إنك هتتعبنا معاك، كده مقدمناش غير الحل الأخير.
وأشار إلي رجال سليم ليدخلو، وبمجرد دخولهم وهجومهم علي عبدالسميع يقبضون عليه بعنف، صاحت زوجته وأرتمت علي يد صلاح في توسل:
_ أني أجولك يابيه، أبوس يدك جولهم يسيبوه.
أبعد يده عنها قائلاً للرجال بأمر:
_ سيبوه.
ألتقطت أنفاسها وقالت:
_ سمية ليها جريبة تبجي خالة أمها عايشة لحالها في سوهاج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ عاد إلي الدار فوجد عمته و خالته سعاد وزوجته يجلسن مع والدته التي رمقته بسخط، فقالت عمته جليلة:
_ داخل إكده من غير ماترمي السلام يا ولد أخوي!.
نظر إليها بإحراج وقال:
_ حجك عليا يا عمتي، كنت شارد شوي.
فقالت خالته:
_ ربنا يرچعهلوكو بالسلامة ويهدي النفوس بيناتكو.
حدجت رسمية إبنها بإزدراء:
_ طول ما فيه الي مسلم حاله للشيطان، عمرها ماهتهدي واصل.
أستشاط غضباً من كلمات والدته الموجهة إليه، أشار بعينيه لزوجته:
_ حصليني علي چوه.
وقبل أن تنهض مالت والدتها نحوها وهمست لها:
_ ها عملتي كيف ما الشيخ جالك؟.
أجابت عليها بهمس أيضاً :
_ لسه، أديكي شايفه الدنيا مجلوبة من وجت ما عاودت وهو ماطيجش روحه ولا بيجرب مني.
لكزتها سعاد في زراعها:
_ أتصرفي يا بت المركوب جبل ما مفعول الوصفة يروح ويبجي كل الي عملناه راح علي الأرض.
_ خلاص بجي ياماه.
_ نوارة.
صاح بها رافع من الداخل، فأجابت:
_ أني چاية أهه، شكله راچع والعفاريت بتنطط قدامه وخالتي عتزودها عليه، ربنا يستر.
ذهبت إليه لتجده يجلس علي الكرسي المقابل للتخت، وملامحه متجهمة ، فقالت بتوتر:
_ أمرك يا سي رافع.
لم يرد بل ظل يحدق بها وبعد ثوان أشار إليها بأمر:
_ أجفلي الباب وجربي أهنه.
أغلقت الباب وركضت نحوه ثم وقفت أمامه فأمسك يدها وجعلها تجلس علي المسند الجانبي للكرسي الجالس أعلاه، ليفاجأها قائلاً :
_ خديني چوه حضنك.
ومال برأسه علي صدرها، أذعنت له متعجبة من أمره، حيث كانت تتوقع منه إنه سوف يصب عليها حمم غضبه كما يفعل دائماً معاها، لكن مابه للتو أمر جديد جعلها تنفست الصعداء، وقامت بإحتضانه وتقبيل رأسه، تتوغل بأناملها خصلات شعره السوداء تمسد فروة رأسه مما جعلته يسترخي، لف زراعيه حول خصرها ودفن وجهه في عنقها، وفي تلك اللحظة خُيل إليه إنها هي من تعانقه بحنانها وحبها الذي يفتقده.
أستجابت حواسه لمخيلته، فوجهها أمام عينيه و عطرها الذي يشبه رائحة الريحان تخلل أنفه، وصوتها الذي مازال يسمعه في أذنيه تناديه وتبتسم بدلال يعشقه، أخذ يقبل عنق الآخري وكأنها هي متمتماً بكلمات حب وهيام.
بينما نوارة كانت كالغارقة بين يديه، تستمع لكلماته وقلبها يرفرف ويحلق، لأول مرة منذ أن تزوجها ويسمعها تلك الكلمات التي غمرتها، لاتعلم إنها ليست المقصودة ولو دلف الشك بداخلها لم تكترث بل كل ما يهمها الآن إنها تعيش هذه اللحظة التي طالما حلمت بها فعليها الإستمتاع بها.
لم تشعر بجسدها الذي حمله للتو وهو ينهض متجهاً نحو الفراش يحاوطها بجسده وكيانه ومشاعره، يردد بداخل عقله الثمل من عشقها:
_ بعشجك جوي يا فاطمة! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يابنتي والله كنت لسه هكلمك وهقولك أنا وأكرم سافرنا.
قالتها ندا لصديقتها مروة في الهاتف، فأجابت الأخري:
_ بس يا ندلة، برضو زعلانة منك، يومين قافلة تليفونك وهاموت من القلق عليكي، قولت مبدهاش بقي هاروح لها البيت لاقيت البواب بيقولي أنكو مش موجودين وأدامكو أسبوع وترجعو.
_ غصب عني، لما هارجع إن شاء الله هجيلك أنا ولارا ونقضي معاكي يوم وهحكيلك علي كل حاجة، بس كل الي بطلبه منك أنك تدعيلي بالله عليكي.
_ أنتو سافرتو عشان تتخانقو؟.
_ لاء الموضوع مش زي ما أنتي فاهمة، ده موضوع تاني كبير أوي.
_ لاء أنتي كده هتخليني مانمش من الفضول.
ضحكت ندا وقالت:
_ لاء نامي ياختي عشان مينفعش أحكي في التليفون خالص، أنا بكلمك من فون أكرم لو خدتي بالك يعني.
_ خلاص بعد أذنك هسجله عشان لو حبيت أطمن عليكي.
_ أوك يا حبيبتي بس بالله عليكي متنسيش تدعيلي زي ماقولتلك.
_ من عيوني وقلبي الصغير الي خلاص مش قادر يتحمل أكتر من كده وهيموت علي المز الجديد الي هيشلني تقله في نفسه ده.
_ مز مين؟.
_ هو فيه غيره، اللول الي مدوخ الكل وأولهم صاحبتك، علي الحسيني، كان غايب النهاردة .
_ ندا، ندوش.
قالها أكرم وهو يدلف من باب الشالية ويحمل أكياس ويده الأخري تمسك به صغيرته لارا وتأكل شيكولاتة.
أجابت ندا:
_ أنا في المطبخ.
ثم أردفت لصديقتها:
_ هقفل معاكي دلوقت ياقلبي وهابقي أكلمك بكرة، يلا سلام.
أغلقت المكالمة، وذهبت إلي الردهة، ركضت عليها الصغيرة:
_ مامي شوفي بابي أشترالي شيكولاتة كتير وسناكس.
أنحنت نحوها وقبلتها من وجنتها المنتفخة الصغيرة وقالت:
_ طيب روحي شيليهم دلوقت عقبال ما أجهز العشا وناكل وبعدين كولي منهم زي ما أنتي عايزة.
أجابت ببراءة:
_ حاضر يا مامي.
وكادت تذهبت فقالت:
_ تعالي هنا فين بوسة مامي.
أعطتها الصغيرة قبلة وركضت للداخل، أقترب منها أكرم و وضع الأكياس جانباً علي الطاولة، أخرج علبة تحتوي علي قطع شيكولاتة علي شكل كورات المغطاه بجوز الهند، يعطيها إياها وهو يطبع علي وجنتها قبلة:
_ ومش ناسي مراتي حبيبتي الي عارف هي بتعشق أي.
أخذتها من يده كالطفلة الصغيرة تغمرها الفرحة فعانقته قائلة بتهليل وسعادة:
_ حبيبي يا كرملة ربنا ما يحرمني منك أبداً.
ألقي نظره وراءه ليطمأن بأن إبنته لاتسمعه، فقال لزوجته:
_ طيب مفيش بوسة لكرملتك حبيبك؟.
_ دي مش بوسه واحده دول هيبقو بوسات كتير.
و وقفت علي أطراف قدميها لتقبله من وجنتيه فأبعد رأسه قائلاً:
_ توء توء، من خدودي برضو؟.
جزت علي شفتيها بإبتسامة وقالت:
_ بس بقي البنت صاحية وممكن تطلع تشوفنا، أستني بس هحضرلكو العشا ناكل وأنيمها ونروح أوضتنا نبقي علي راحتنا.
_ ألتقط حقيبة ويعطيها إليها:
_ أنتي خدي ألبسي الطقم ده عشان معزومين علي العشا برة.
فتحت الحقيبه لتجد ثوبً ذو تصميم رائع لونه أزرق قاتم ويشغل أطرافه خيوط ذهبية بأشكال فنية من وحي الطبيعة و حجاب باللون رمال الصحراء اللامعة.
_ واو، تحفة أوي الدريس يا كرملتي، طول عمرك زوقك يجنن.
حاوط خصرها وقربها منه قائلاً:
_ من يومي وأنا زوقي يجنن عشان كده أتجوزت أجمل نساء العالم.
عانقته مرة أخري بحب وشغف:
_ أنا بموت فيك أوي يا حبيبي.
شد من معانقتها وقال بجوار أذنها:
_ وأنا مجنون بيكي يا ندا يا حبيبتي، وبنتي، ومراتي، وأم بنتي، وأمي، وكل دنيتي.
كان يتفوه بكل كلمة ويعقبها بقبلة علي عنقها و وجنتها، أبعدها عنه وقال:
_ أمشي بقي من أدامي لتخليني أنفض للراجل الي زمانه مستنينا ده، وأخدك أحبسك في الأوضة وأخد منك حق علبة الشيكولاتة والفستان.
غمز لها بعينه، ضحكت وقالت:
_ نرجع من بره وأنا هاعترف بكل حاجة يا باشا، إلا قولي صح مين ده الي عازمنا.
_ يبقي صاحب المقدم طارق، أتعرفت عليه من قريب ولما قولت لطارق إن عايز أطلع أجازة مع الجماعة رشحلي القرية دي وقالي إن صاحبه شريك فيها وأدالي رقمه والراجل فرح لما كلمته حجزلنا الشاليه ده والإقامة بالفطار والغدا وأي وسائل ترفيه كل ده كادوه وحلف عليا ما هدفع ولا جنيه، وأول ما جينا هنا كلمني إنه عازمنا علي العشا.
رن هاتفه فأمسك به وقال لها:
_ ده شكله هو كل مرة أنسي أسجل رقمه، يلا روحي أجهزي أنتي ولارا.
ذهبت وأرتدت الثوب والحجاب وكانت كالأميرة في بهائها وجمالها الآسر، وضعت لمسات خفيفة من مستحضرات التجميل، وبعدما أنتهت من تجهيز صغيرتها، ذهبوا ثلاثتهم إلي المطعم، أثني أكرم ساعده لتضع زوجته يدها ويده الأخري يمسك صغيرته، ولجوا إلي الداخل ليجدوا الرجل ينتظرهم، كانت ندا تتأمل ديكور المطعم ذو الطراز اليوناني الأنيق، فأنتشلها أكرم من سعادتها وهو يقدمه إليها:
_ أقدملك ياستي البيزنس مان علي الحسيني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية