رواية خلف أسوار الجليد الفصل السادس 6 - بقلم نور سيف

 رواية خلف أسوار الجليد الفصل السادس 6 - بقلم نور سيف


مرّ أسبوع.

سبعة أيام كاملة بدأ فيها إيقاع حياة نور يأخذ شكلاً جديدًا.

إيقاع غريب مربك لذيذ مؤلم حلو ومرّ في نفس الوقت — كقهوة آدم الجديدة بمعلقة السكر الوحيدة.

الروتين اليومي صار هكذا:

الساعة الثامنة: تدخل المبنى، تمرّ على سمية في الاستقبال فتغمزها سمية غمزة تعني "ربنا يوفقك". تبتسم نور ابتسامة تعني "اسكتي بقى".

الساعة الثامنة والربع: المصعد. وهنا المعضلة الكبرى. لأن آدم — بحكم العادة أو بحكم شيء آخر لن يعترف به تحت التعذيب — صار يركب المصعد في نفس التوقيت بالضبط كل يوم.

هل هي صدفة؟

كريم يقول لا.

سيف يقول ممكن.

عم رضا يقول "الكاميرا بتقول إنه بيستنى في البهو لحد ما تيجي وبعدين بيمشي ناحية المصعد. يعني لا مش صدفة."

مجموعة "عملية تذويب الجليد" صارت أنشط مجموعة واتساب في تاريخ الشركة. عم رضا وحده يرسل فيها عشرين رسالة يوميًا بتحديثات دقيقة من كاميرات المراقبة:

"٨:١٧ — آدم بيه واقف في البهو بيتظاهر إنه بيرد على إيميل. ٨:١٩ — نور دخلت. ٨:١٩ ونص — ساب الموبايل ومشي على المصعد. الراجل ممثل فاشل والله 😂"

لكن الحياة — تلك الكاتبة الماكرة — كانت تحضّر فصلاً جديدًا لم يكن في حسبان أحد.

الأحد.

الساعة العاشرة صباحًا.

نور في مكتبها تعمل على جدول رحلة جديدة — وفد إيطالي هذه المرة — حين رنّ هاتف المكتب.

— ألو؟ نور جمال، قسم الإرشاد.

صوت سمية من الاستقبال وفيه نبرة غريبة — مزيج من التوتر والفضول:

— نور... في واحدة ست هنا تحت بتسأل على آدم باشا. ومعاها موعد.

— طب وأنا مالي يا سمية؟ حوّليها على سيف.

— سيف في اجتماع. وآدم باشا قال أي حد يجيله يتحوّل عليكِ لحد ما سيف يفضى.

— أنا مرشدة سياحية مش سكرتيرة!

— أنا عارفة بس أعمل إيه؟ وبعدين... لازم تشوفي الست دي يا نور.

— ليه؟

— هتفهمي لما تشوفيها. أنا نازلالك بيها.

أغلقت سمية الخط.

بعد دقيقتين فُتح باب المكتب.

ودخلت... هي.

نور لم تكن تعرفها. لم ترها من قبل في حياتها. لكن شيئًا ما — حاسة سادسة أنثوية بدائية — جعل كل خلية في جسدها تدخل حالة إنذار.

المرأة كانت في حوالي الثلاثين. طويلة رشيقة بشعر بني لامع مسترسل على كتفيها.

ملامحها حادة جميلة باردة — من ذلك النوع الذي يجعلك تشعر أنكِ ترتدين كيس بطاطس حتى لو كنتِ في أفخم ملابسك.

ترتدي تايور كريمي أنيق وحذاء بكعب عالٍ يطقطق على البلاط بثقة وحقيبة يد لا تريد نور أن تعرف سعرها.

لكن العيون.

العيون كانت خضراء.

خضراء صافية عميقة كبحيرة جبلية.

ودقّ قلب نور دقة واحدة مؤلمة.

عينان خضراوان.

لا. مستحيل. سارة... سارة ماتت. كريم قال إنها ماتت.

ابتسمت المرأة ابتسامة مدروسة ومدّت يدها:

— أهلاً. أنا ليلى. ليلى حسام. عندي موعد مع آدم.

ليلى. ليست سارة.

تنفست نور. لكن ليس بارتياح كامل.

لأن شيئًا في طريقة نطق هذه المرأة لاسم "آدم" — بدون لقب، بدون "باشا"، بدون "أستاذ" — أوحى بقرب ليس مهنيًا.

— أهلاً يا أستاذة ليلى. أنا نور.

آدم باشا في اجتماع حاليًا. ممكن تستنّي هنا لو حبّيتي.

جلست ليلى على الكرسي المقابل ووضعت ساقًا على ساق بأناقة سينمائية ونظرت حولها في المكتب الصغير بنظرة فاحصة.

ثم نظرت لنور بنفس النظرة الفاحصة.

— إنتِ شغالة هنا من إمتى؟

— من كام أسبوع.

— آه. جديدة يعني. في قسم إيه؟

— الإرشاد السياحي.

رفعت ليلى حاجبًا واحدًا — وتلك الحركة ذكّرت نور بشخص آخر يرفع حاجبه بنفس الطريقة:

— إرشاد سياحي؟ بنت؟ آدم وافق على ده؟

— أيوه.

— غريبة. آدم كان دايمًا ضد تعيين بنات في المجال. حصل إيه غيّر رأيه؟

السؤال كان بريئًا ظاهريًا لكن تحته طبقات من أشياء أخرى.

نور حسّتها. حسّت أن هذه المرأة لا تسأل بدافع الفضول بل بدافع شيء أعمق.

— ظروف الشغل استدعت كده.

— فاهمة.

صمت.

ثم قالت ليلى وهي تتأمل أظافرها المطلية بعناية:

— أنا وآدم أصحاب من زمان. من أيام الجامعة. كنت صاحبة سارة.

هبطت الكلمة كحجر في بركة ساكنة.

صاحبة سارة.

نور حاولت أن تحافظ على وجه محايد. لكن يديها تحت المكتب انقبضتا.

— الله يرحمها.

— آمين.

سارة كانت أعز صاحباتي. وأنا من بعدها حاولت أكون جنب آدم قد ما أقدر.

هو محتاج حد يفهمه. مش أي حد. حد يعرف تاريخه ويعرف ألمه ويعرف سارة.

كل كلمة كانت سكينة صغيرة أنيقة مغلفة بالحرير.

نور فهمت الرسالة بالحرف الواحد: "أنا أقرب منك. أنا أقدم منك. أنا أعرفه أكتر منك. وإنتِ مجرد موظفة جديدة."

ابتسمت نور ابتسامة هادئة:

— أكيد آدم باشا محظوظ إن عنده ناس زيك جنبه.

ابتسمت ليلى ابتسامة لم تصل لعينيها:

— ميرسي يا نور. إنتِ لطيفة.

في تلك اللحظة فُتح الباب.

وظهر آدم.

كان قادمًا من الاجتماع بوجه مرهق.

لكن حين رأى ليلى تغيّر وجهه بطريقة لم تستطع نور قراءتها — ليست فرحة ولا ضيقاً.

شيء بينهما.
شيء معقد.

— ليلى؟

نهضت ليلى بابتسامة عريضة ومشت نحوه:

— آدم! وحشتني!

واحتضنته.

احتضنته أمام نور.

احتضان سريع لكنه حميمي — يدها على كتفه ورأسها مالت نحو رقبته ولثانية واحدة أغمضت عينيها كمن يستنشق شيئًا افتقده.

آدم لم يردّ الاحتضان بنفس الحرارة. ربّت على ظهرها بسرعة وتراجع خطوة:

— إيه اللي جابك من غير معاد يا ليلى؟

— عندي معاد يا سيدي! كلمت سيف من يومين. ومكنتش هسيب القاهرة من غير ما أعدّي عليك. أنا رجعت من لندن إمبارح.

— رجعتِ خالص ولا زيارة؟

— رجعت خالص.

نظرت لآدم بنظرة ذات معنى.

آدم لم يردّ النظرة بل التفت لنور وقال بنبرة رسمية مقتضبة:

— شكرًا يا نور إنك استقبلتيها. ممكن نكمل في مكتبي. تعالي يا ليلى.

ومشيا معًا.

ليلى التفتت عند الباب ونظرت لنور نظرة أخيرة — نظرة سريعة حادة كشفرة موس — وابتسمت.

وأُغلق الباب.

جلست نور وحدها في المكتب.
.

وضعت رأسها على المكتب وتمتمت:

— يا نور. يا نور يا مجنونة.

ما هو مين قالك تحبّي.
ما هو مين قالك تتعلقي.

الراجل ده عنده عالم كامل إنتِ مش فيه.

عنده ماضي وعنده ناس وعنده واحدة زي ليلى بشعرها وعيونها وكعبها العالي وتاريخها معاه وصداقتها لسارة
و...

رفعت رأسها فجأة.

— مستنى. ليلى صاحبة سارة. وعيون ليلى خضرا زي عيون سارة. وليلى "حاولت تكون جنب آدم" من بعد سارة. يعني...

اتسعت عيناها.

— يعني ليلى...

أكملت الجملة في رأسها

ليلى بتحب آدم. من زمان. ربما من قبل سارة.

ربما كانت بتحبه بصمت وسارة أخذته منها. وبعد ما سارة ماتت ليلى رجعت تاني. مش كصديقة. كبديلة.

والعيون الخضراء؟

ليست صدفة.
آدم يبحث في ليلى عن شبح سارة. وليلى تعرف ذلك وتسمح به

. لأنها تأخذ ما تستطيع أخذه حتى لو كان فُتاتًا.

شعرت نور بشيء لم تتوقعه: شفقة.

شفقة على ليلى.

ثم شعرت بشيء آخر: خوف.

لأن ليلى ليست عدوة عادية.

ليلى تعرف كل أبوابه وكل شقوقه وكل مفاتيحه.

وهي — نور — لا تزال تطرق الباب من الخارج.

الساعة الواحدة ظهرًا.

استراحة الغداء.

نور جالسة في الكافيتريا أمام طبق لم تلمسه.

كريم أمامها يأكل ويتكلم:

— ليلى حسام.

أعرفها. كانت بتيجي الشركة زمان كتير.
صاحبة سارة
. بعد الحادثة بقت هي اللي بتابع آدم وتزوره وتطمن عليه.

— وهل... هل بينهم حاجة؟

— رسميًا لا.

آدم عمره ما قال إنها حبيبته أو إن بينهم علاقة.

بس ليلى... ليلى ذكية يا نور. بتعرف تكون موجودة من غير ما تطلب حاجة.

بتعرف تخلّي نفسها "ضرورة" في حياته من غير ما يحس.

— يعني هي بتحبه؟

— أنا فاكر إنها بتحب فكرة إنها هي اللي هتنقذه.

بتحب الدور. بتحب إنها تكون "المرأة الوحيدة اللي آدم الصياد بيسمح لها تقرب."

ده في حد ذاته مركز قوة.

— وآدم؟

— آدم بيعاملها كصديقة. بيحترمها. بس مفيش شرارة. مفيش اللي بشوفه لما بيبص عليكِ.

— بيبص عليا إزاي يا كريم؟ الراجل بالعافية بيقولي صباح الخير!

— يا نور... الراجل ده مش هيقولك "بحبك" بالبلدي كده. الراجل ده بيقول "بحبك" بمعلقة سكر في القهوة.

بجاكيت على كتفك.

بإنه يوصلك البيت كل يوم وهو ساكت.

— هو بيوصلني عشان الدقي في طريقه!

— الدقي مش في طريقه يا نور. هو ساكن في التجمع الخامس.
الدقي في عكس اتجاهه تمامًا.

بيلفّ ليكي كل يوم تلاتين دقيقة زيادة رايح وتلاتين راجع.

جمدت نور.

— إيه؟

— ساعة كاملة كل يوم. بيضيعها

عشان يوصلك

وفاكرة مش في طريقه؟

حطت نور الشوكة ونظرت لكريم بعينين لامعتين:

— يا كريم...

— أيوه يا نور.

— أنا خايفة.

— من إيه؟

— من إني أصدّق. وبعدين ألاقيها وهم.

مسك كريم يدها ربتة سريعة أخوية:

— مش وهم يا نور. بس الموضوع محتاج شجاعة. منك ومنه.

وأهم حاجة: متخلّيش ليلى تدخل في دماغك. هي هتحاول. أنا أعرفها.

الساعة الثالثة عصرًا.

نور في طريقها لتسليم تقرير لسيف.

مشت في الممر الطويل المفروش بالسجاد الرمادي الأنيق وعند المنعطف

سمعت صوت من مكتب آدم — الباب نصف مفتوح.

صوت ليلى. وصوت آدم.

لم تكن تنوي التنصت. أقسم أنها لم تكن تنوي.

لكن قدميها رفضتا التحرك حين سمعت اسمها.

ليلى: — نور دي مين بالظبط يا آدم؟

آدم: — موظفة في قسم الإرشاد. إيه السؤال ده؟

ليلى: — موظفة وبس؟

آدم: — أيوه. موظفة وبس. في إيه؟

ليلى: — مفيش. بس الناس في الشركة بيتكلموا.

صمت لحظة.

آدم: — بيتكلموا في إيه؟

ليلى: — بيقولوا إنك بتعاملها معاملة مختلفة.

إنك وصلتها بعربيتك. إنك ألبستها الجاكيت بتاعك في المصعد. إن...

آدم بنبرة حادة قاطعة: — مين بيقول الكلام ده؟

ليلى: — مش مهم مين.

المهم إنه بيتقال. وأنا كصاحبتك مسؤوليتي أقولك

الكلام ده مش في صالحك. إنت صاحب شركة وهي موظفة جديدة. الناس هتفهم غلط.

آدم: — الناس تفهم اللي هي عايزاه.

ليلى بصوت أنعم: — آدم... أنا عارفاك.

عارفاك أكتر من أي حد. وعارفة إنك من بعد سارة...

آدم بصوت منخفض خطير: — متجيبيش سيرة سارة يا ليلى.

ليلى: — لازم حد يجيب سيرتها! عشان إنت بتنساها!

صمت .

آدم: — أنا؟ بنسى سارة؟ أنا اللي عايش جوا قبرها من تلات سنين بنساها؟

ليلى: — مش ده قصدي. قصدي إن... لو سمحت لنفسك تحس بحاجة ناحية البنت دي فإنت...

آدم: — إنتِي فاكرة إيه يا ليلى؟ إن أنا واقع في حب موظفة عندي؟ أنا؟ آدم الصياد؟

ضحك ضحكة قصيرة جافة مؤلمة.

آدم: — أنا مش باحس بحاجة يا ليلى.

من بعد سارة أنا مش باحس. وأي حد بيفتكر غير كده يبقى غلطان.

وقفت نور خلف الجدار.

كل كلمة كانت رصاصة.

"مش باحس بحاجة."

"أي حد بيفتكر غير كده يبقى غلطان."

عضّت على شفتها السفلى بقوة حتى كادت تُدميها.

ثم سمعت صوت كرسي يتحرك — آدم واقف.

هربت.

مشت بسرعة نحو الحمام دخلت أغلقت الباب وأسندت ظهرها على الحائط البارد.

لم تبكِ.

ليس لأنها قوية.

بل لأن الصدمة كانت أكبر من الدموع.

نظرت لنفسها في المرآة.

وجه عادي.

مش قبيح مش مذهل.

عيون سودا مش خضرا. شعر أسود مش بني.

هدوم من وسط البلد مش براند. بنت سائق تاكسي مش بنت ناس.

وقالت لانعكاسها بصوت مكسور:

— مين إنتِ يا نور عشان تفتكري إن راجل زي آدم الصياد ممكن يحبك؟

ثم فتحت الحنفية وغسلت وجهها بمياه باردة.

ونظرت في المرآة مرة أخرى.

وهذه المرة شافت حاجة تانية.

شافت بنت أبوها.

بنت الراجل اللي كان بيسوق تاكسي أربعتاشر ساعة في اليوم عشان يعلمها في أحسن جامعة

. الراجل اللي كان بيقرا كتب عن الأمازيغ بالليل عشان يكبّر دماغه رغم التعب

. الراجل اللي كان بيقولها كل يوم: "يا نور إنتِ نور أي مكان تدخليه.

وأي حد ميشوفش نورك يبقى هو الأعمى مش إنتِ الباهتة."

عضّت على أسنانها.

ومسحت وجهها.

وعدّلت شعرها.

وقالت لانعكاسها بصوت مختلف تمامًا — صوت فيه نار:

— لا.
أنا مش همشي.

هو قال اللي قاله لليلى عشان خايف.

مش عشان مش حاسس. الراجل اللي بيلفّ ساعة كل يوم عشان يوصلني

مش راجل "مش حاسس بحاجة." الراجل اللي ابتسم عند الجردل وضحك عند المقلاة وجابلي شاي وأنا بعيّط

وحطّ سكر في قهوته لأول مرة من تلات سنين... ده راجل قلبه بيصرخ وهو ساكته.

جففت وجهها.

وخرجت من الحمام.

واصطدمت مباشرة بشخص واقف عند الباب.

ليلى.

واقفة بابتسامة ناعمة وحقيبتها
على كتفها وكأنها تعدّي بالصدفة.

لكن عينيها الخضراوين كانتا تدرسان وجه نور بدقة جراح.

— كل حاجة تمام يا نور؟ وشك أحمر.

— تمام. المية كانت ساقعة بس.

— آه. ماشي.

ثم اقتربت خطوة — خطوة واحدة جعلتها قريبة بما يكفي ليصل عطرها الثقيل لأنف نور

— نور... أنا عايزة أقولك حاجة. مش كتهديد ولا حاجة.

بالعكس
. أنا بقولها كنصيحة من واحدة أكبر منك وأعرف آدم من عشر سنين.

— اتفضلي.

— آدم مكسور يا حبيبتي. ومش أي حد يقدر يجبره

. ومش أي حد المفروض يحاول. عشان اللي هيحاول ويفشل مش بس هيجرح نفسه... هيجرحه هو كمان.

— وإنتِ فاكرة إن أنا بحاول أعمل إيه بالظبط يا أستاذة ليلى؟

— أنا مش فاكرة حاجة. أنا بشوف.

— وإيه اللي بتشوفيه؟

— بشوف بنت صغيرة لطيفة بتنجذب لراجل أكبر منها وأعقد منها ومش عارفة في إيه بتدخل نفسها فيه.

ابتسمت نور ابتسامة هادئة محكمة — الابتسامة التي ورثتها من أمها.

ابتسامة "أنا فاهماكى كويس أوي بس مش هردّ بالطريقة اللي إنتِ عايزاها":

— شكرًا على النصيحة يا أستاذة ليلى.

بس أنا مش بنت صغيرة. أنا بنت ست وعشرين سنة بصرف على عيلة من أربع أفراد من وأنا عندي اتنين وعشرين سنة.

ومن خمس أيام وقفت في عاصفة رملية وأنقذت راجل ساقه مكسورة وأنا بتطاير في الهوا.

فبكل احترام... أنا أعرف في إيه بدخل نفسي فيه.

سكتت ليلى.

ولأول مرة شافت نور شيئًا يلمع في العينين الخضراوين:

مفاجأة.

لأن ليلى كانت تتوقع أن تنكسر البنت. أن تبكي. أن تعتذر. أن تتراجع.

لم تحسب حساب بنت الدقي.

ابتسمت ليلى ابتسامة أضيق وقالت:

— فاهمة. طب ربنا يوفقك يا نور.

ومشت.

كعبها العالي يطقطق على البلاط.

ونور واقفة في مكانها قلبها بيدقّ كالطبل لكن ظهرها مفرود ورأسها مرفوع.

بعد دقيقة طلعت هاتفها واتصلت بكريم:

— كريم.

— أيوه يا كابتن.

— ليلى حسام لسه مهددّاني في الحمام.

— إيييييه؟!

— هدّي. مش تهديد صريح. تهديد ناعم بالحرير. من نوع "أنا أحسن منك وأنتِ مش كفاءته."

— يا حبيبتي لا تقلقي منها! ليلى دي كلام وبس. آدم عمره ما بصّلها بعين...

— أنا عارفة
. بس هي خطيرة يا كريم. ذكية وصبورة وعارفاه كويس. وعندها ميزة مليش فيها.

— إيه هي؟

— تشبه سارة.

سكت كريم.

— كريم... هل ليلى فعلاً شبه سارة ولا أنا بتخيل؟

— لا مش بتتخيلي.

ليلى وسارة كانوا أصلاً شبه بعض. عشان كده الناس كانت دايمًا بتلخبط بينهم.

والعيون الخضرا دي... آه يا نور. ليلى عارفة كويس إن ده سلاحها الأقوى.

— يعني بتستخدم شبهها بسارة عشان تقرب من آدم؟

— مش بقول إنها بتعمل ده بوعي. بس... اللاوعي بيشتغل يا نور. وآدم لما بيبص في عيون ليلى... مش ليلى اللي بيشوفها.

أغمضت نور عينيها.

— كريم.

— أيوه.

— أنا مش هتنافس مع شبح.

— لأ يا نور.

إنتِ مش محتاجة تتنافسي مع حد.

إنتِ محتاجة بس تفضلي إنتِ.

لأن آدم مش محتاج سارة تانية. آدم محتاج حاجة جديدة. ونور جديدة.

— من إمتى بقيت حكيم يا كريم؟

— من إمتى بقيتي بتحبي يا نور؟

ضحكت ضحكة مخنوقة.

— أنا لسه مش معترفة بالكلمة دي.

— ماشي يا ستي.

خدي وقتك.

بس المجموعة كلها وراكِ.

وعم رضا بيقول لو ليلى عملت حاجة هيسدّ المصعد عليها شخصيًا.

— قوله ميعملش كده! محدش يتصرف! أنا هتصرف لوحدي.

— بطريقتك؟

— بطريقتي.

الساعة السادسة مساءً.

نهاية اليوم.

نور خارجة من المبنى بخطوات بطيئة مرهقة.

اليوم كان طويلاً — ليس جسديًا بل عاطفيًا.

عند البوابة وجدت السيارة السوداء المعتادة متوقفة.

النافذة تنزل.

آدم.

— الدقي.

لم يكن سؤالاً.

عادة كانت نور تبتسم وتركب.

لكن اليوم... اليوم كلماته لليلى لا تزال تدور في رأسها: "مش باحس بحاجة."

نظرت له طويلاً.

ثم قالت بصوت هادئ — أهدأ مما نوت:

— شكرًا يا أستاذ آدم.

بس النهاردة هركب مواصلات.

لأول مرة شافت شيئًا على وجهه يشبه المفاجأة الحقيقية:

— ليه؟

— عشان الدقي مش في طريقك.

صمت.

صمت ثقيل.

نظر لها بعينين أصبحتا أغمق — كأن شخصًا أطفأ ضوءًا بداخلهما:

— مين قالك إن الدقي مش في طريقي؟

— محدش ماحتاج يقولي. أنا عندي جوجل ماب.

تمسّك آدم بعجلة القيادة بقوة.

— نور...

— أيوه.

— في حاجة حصلت النهاردة؟

— لا.
مفيش.
بس أنا بفكر إن الأحسن نخلّي العلاقة مهنية.

زي ما حضرتك قلت: أنا الموظفة وحضرتك المدير. وكل اللي حصل في الصحرا فضل في الصحرا.

كانت بترجعله كلماته.
بالحرف.
وبنفس البرود الذي قالها بيه.

وآدم — لأول مرة — حسّ بطعم كلماته.

وكان مُرًّا.

أمرّ من قهوة بدون سكر.

— ماشي.

قالها بصوت مسطح.

ورفع النافذة.

وتحرك بالسيارة.

وقفت نور على الرصيف تراقب السيارة وهي تبتعد.

ثم همست:

— ده مش نهاية الحكاية يا آدم

. ده بس بداية الجزء اللي هتفهم فيه إنك محتاجني.

مش هستناك.

هخليك إنت اللي تيجي.

ثم مسحت دمعة سريعة.

ووقفت الميكروباص.

وركبت.

-

في سيارته.

وحده. في زحام القاهرة.

كان آدم يقود بصمت.

النافذة مقفولة. التكييف شغال. الراديو مطفي.

والصمت — ذلك الصمت الذي كان يعتبره صديقه الوحيد — بدأ يزعجه لأول مرة.

لأن الصمت كان فيه صوت ناقص.

صوتها.

صوتها وهي بتضحك.

وهي بتسأل.

وهي بتقول "القهوة بسكر أحلى."

وهي بتقول "الجردل مهم في الصحرا.

وهي بتقول كلام ملوش أي لازمة لكنه بطريقة ما يملأ الهواء ويخلّيه يتنفس أحسن.

مدّ يده ناحية كوب القهوة في الحامل.

رفعه.

شربه.

بارد. ومُرّ. نسي يحطّ سكر.

وضع الكوب بعنف ونظر للطريق الفاضي أمامه — الطريق الذي لا يؤدي للدقي لأنه اتجاه مختلف تمامًا

وهو كان بيلفّ كل يوم فعلاً عشانها — وضرب عجلة القيادة بكفّه:

— يلعن أبو... يلعن أبو...

لم يكمل الجملة.

لأنه لم يعرف بالضبط ماذا يلعن.

يلعن الحب؟ يلعن الخوف؟ يلعن ليلى؟ يلعن نفسه؟

يلعن تلك الفتاة التي دخلت حياته بمقلاة ونعال مقلوبة وقلبت كل شيء رأسًا على عقب؟

وصل بيته في التجمع الخامس.

فيلا كبيرة فخمة فارغة.

كل شيء فيها غالي ومرتب ونظيف ومثالي.

وكل شيء فيها ميت.

دخل المطبخ.

فتح الدولاب.

أخرج كيس سكر.

وحطّ معلقة في الكوب.

ثم حطّ معلقة تانية.

ثم قال بصوت مجروح:

— هي كانت مش في طريقي فعلاً. بس هي كانت الطريق الوحيد اللي كان فيه كل حاجه.

وفي شقة الدقي كانت نور مستلقية على سريرها وجاكيت التوم فورد مطوي بجانبها على الوسادة.

ماما دخلت عليها بطبق محشي:

— كلي يا بنتي.

وشك زي اللي مقطوعة من شجرة.

— مش جعانة يا ماما.

جلست أم نور بجانبها ومسحت على شعرها:

— هو اللي عمل فيكِ كده؟

لم تسأل "مين". الأمهات لا يحتجن أسماء.

— هو مش عمل حاجة يا ماما. المشكلة إنه مش بيعمل حاجة.

— يعني مش بيقرّب؟

— بيقرّب خطوة وبعدين يرجع عشرة.

ابتسمت أم نور:

— يا حبيبتي... أبوكِ الله يرحمه خد سنة ونص عشان يقولي بحبك

. سنة ونص كان بييجي يشرب شاي عند بابا ويقعد يتكلم في السياسة ويمشي.

لحد ما بابا بنفسه قاله: "يا عبد الحميد إنت جاي تخطب البنت ولا مرشح نفسك في الانتخابات؟"

ضحكت نور رغمًا عنها.

— الرجالة يا نور كلهم خوّافين في الحب.

حتى الأقوياء. خصوصًا الأقوياء. عشان هم عارفين إن الحب هو الحاجة الوحيدة اللي مش بيعرفوا يتحكموا فيها.

— بس هو يا ماما مش خوّاف من الحب.

هو خوّاف من إنه يخسر تاني.

— ودي أصعب.

بس مش مستحيلة.

كل حاجة محتاجة وقت يا نور. حتى الفجر بياخد وقت عشان يطلع.

احتضنت نور أمها:

— بحبك يا ماما.

— وأنا بحبك يا حتة مني. وأقولك حاجة؟

— أيوه.

— المحشي بيبرد.

ولو مكلتيش مش هكلمك تاني.

ضحكت نور وأخذت الطبق وبدأت تأكل.

ونظرت لجاكيت التوم فورد على الوسادة.

وابتسمت ابتسامة صغيرة واثقة.

— مش هستنى لما يطلع زاى الفجر يا ماما.

أنا هطلّعه بنفسي.

**يتبع في الفصل السابع...**

---

"الحرب بدأت.
ليلى في جانب وقلب نور في جانب وآدم محبوس في النص.

لكن ما لم يعرفه أحد هو أن ليلى
تخبّئ سرًا عن سارة — سرًا لو

عرفه آدم لن يسامحها أبدًا. وأن نور على وشك أن تكتشفه بالصدفة."*

•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية

تعليقات