رواية ورقة التين الفصل الخامس 5 - بقلم داليا الكومي

 رواية ورقة التين الفصل الخامس 5 - بقلم داليا الكومي


لكل منا سر لا يعلمه إلا الله .. سر يدخل معنا للقبر والموت هو الراحة الوحيدة التي تخلصنا من عبء حمله .. وسري هو عشقك المستحيل..

حلمها الذي يتكرر في كل ليلة كان هو نفسه .. كانت ترى نفسها تركض حافية القدمين منحنية الظهر وتدمى قدماها من الشوك المغروز في الأرض لكن الحلم تبدل قليلًا في الأيام الأخيرة ليصبح الشوك ورق تين يابس يتكسر من خطواتها محدثًا صوتًا'' صحيح مازال ظهرها منحنيًا بحمل ثقيل لكن لم تعد تشعر بألم اختراق الشوك لجسدها ولا بألم حمل الثقل فكأن يدًا خفية تدفع الحمل من الخلف فيخفف عنها قليلًا..

ربما مع الوقت ستتخلص منه تمامًا .. لم يفصح منذر عن أي خطط تخص السطوح سوى إصراره على نظافته وإخلائه من أي كراكيب وعمل غندور بجد وإخلاص خاصة بعدما انتهى موسم التين ولم تعد الأشجار تطرح الثمرات فأصبح لديهم الكثير من الوقت .. وأصبحت أكثر تصالحًا مع وضعها الحالي بعد خطبة منذر وتقبلها للوضع .. خطب أو حتى تزوج هو لم يكن لها منذ البداية فما الجديد؟؟ ربما بعض القلق من مصيرها بعد زواجه لكن عمها لن يتركها .. هي تشعر بهذا وهذا يمنحها القوة .. وربما الانفصال عنه سيكون حلًا ممتازًا فهل ستحتمل رؤيتهما سويًا ؟؟ لكن فلتدع القلق لوقته ومن رتب لها الإقامة هنا قادرًا على ترتيب باقي حياتها " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " ومنذر لم يترك الجرو فهل سيتركهما؟؟ واعتادت بنسبة كبيرة على الأعمال اليومية باستثناء نتف الريش'' العمل مع فوزية متعة في حد ذاته .. دمها الخفيف وروحها المرحة تحول أي شيء لمتعة وتكتسب منها الكثير .. حقًا كانت كأخت تهتم وتعلم بدون تأفف أو ملل ..

لكن لأيام وبالتحديد من بعد الخطبة وهي تشعر أن بها شيئًا مختلفًا .. دائمة الصمت وإطلاقها للدعابات قل كثيرًا .. ربما المرة الوحيدة التي أزالت فيها قناع الجدية كانت يوم احتفالها بالغسالة' الاحتفال الذي لم تحتفله بخطبة منذر .. وصبرت بضعة أيام على أمل أن تعود لطبيعتها لكنها لم تعد تستطيع الصبر ..

- فوزية ألن تخبريني ما بكِ؟؟

اللعنة على كل همزة لمزة !!

وقاومت كي تظل على صمتها لكنها لم تستطع وهتفت بضيق واضح..- جميل عائلة أبو الحسن على رأسي .. لقد رباني السيد قدري كابنته من بعد وفاة والدي وزوجني لغندور وسترني لولاه كنت تشردت ومنذر أيضًا لم يعاملني كخادمة بل كأخت لذلك يقتلني حديث الناس عنهما .. سيرتهما تلوكهما الألسنة منذ يوم الخطبة ..

وشحب وجهها بشدة وسألت بألم ..- وأنا السبب؟؟

وصرخت فوزية ..- لا لا قطع لساني .. أنا لم أرى منكِ إلا كل خير وبساطة وود منذ أن دخلت من هذا الباب.. لا ذنب لكِ ولا لهم لكن أولاد الحرام لا يهدأ لهم بال حتى يرونها حريقة .. ذاك الغبي مخلوف يهرتل في الكلام عنكِ وعن منذر ..

لعنة هارون تيجان تحل أينما حلت دمائه .. البيت الهادئ العامر بذكر الله أصبح عرضة للغمز واللمز ..

- اذًا الحل الوحيد هو رحيلي ..

وشهقت فوزية وهي تضرب صدرها ..- قطعًا لا'' ليس هذا هو الحل بل هذا سيكون الخراب بعينه .. وهل الحل مع هؤلاء السكوت عنهم ..؟؟ منذر قادر على الرد وخرس ألسنتهم لكن برحيلكِ ستجعلينهم ينتصرون.. صحيح منذر منذ قدومكِ وبه كهرباء عالية وقريبًا سيلمس السلوك لكنه بخير ومتواجد أما إذا رحلتِ فستأخذين القابس معكِ وستنفذ عنه طاقته فهل يطاوعكِ قلبكِ على هذا .. منذ وفاة الست زينب والمنزل افتقد للروح ..

كنت صغيرة لكني أتذكرها .. مجيئكِ أعاد الروح فيهما فأنتِ نسختها ومكانكِ هنا ولا مكان آخر لكِ أنتِ هنا حيث تنتمين تمامًا وحيث يجب أن تشرق شمسين .. أما شقيقكِ فوجد تربة ينغرس فيها فهل تستطيعين خلعه منها وحرمانه من البيت والأرض والحِمَى؟ بقائكِ ليس بمسألة تخصك بمفردكِ .. بقائك هو بقاء الروح في المنزل الذي يستوعب من الحبايب ألف .. بقائكِ إجباري لأجل شقيقكِ ولأجلكِ ولأجل عائلة أبو الحسن نفسها..

**

كلام فوزية ذبحها .. هل ترحل وتحرم عاصم من الأمان أم تبقى فتسيء للعائلة التي احتوتها .. وشعرت بحزن يفطر قلبها فقررت التمشية قليلًا عساها تفتح صدرها الذي كان على وشك الانفجار ..

وتغلغلت رائحة الياسمين لرأسها'' يا ليتكِ ما زلتِ هنا يا عمتي لكنها شعرت بأن الياسمين يحمل جزءًا من روحها.. وانتبهت على صوت زوج عمتها يقول .. - لماذا تختبئ شمسي اليوم خلف الغيوم؟؟

وابتسمت بحزن ..- أحيانًا الغيوم تحمي من أشعة الشمس الضارة ..

- أشعة الشمس لا تكون ضارة أبدً ا يا ابنتي ..الشمس هبة من الله والهبات لا تكون ضارة أبدًا .. تعالي اجلسي لجواري ..

وجلست على الفور وسمعته يقول ..- كنت دائمًا طفلًا وحيدًا وكنت أرغب في العديد من الأطفال لتعويض هذا النقص لكن مرض زينب جعلني أتراجع عن هذه الرغبة فهي كانت أهم من أي رغبة سواها لكنها لم تتراجع وأرادت أن تمنحني أنا ومنذر العزوة حتى ولو على حساب حياتها وحينما ولد مهند فكرت بتسميته عوض لأنه كان عوض الله لي لكني تراجعت لأن زينب كانت اختارت اسمه من قبل وفاتها والآن حينما أتيت أنت اكتشفت أن العوض لا علاقة به الأسماء .. أنتِ عوض الله لنا عنها وبرؤيتك نعود للحياة .. وعاصم امتدادًا للعزوة التي كنت أرغبها .. الأن أستطيع أن أقول أنه لدي العديد من الأبناء .. لكن !! كنت أنا وزينب كشيء واحد طوال فترة سكن أحدنا للآخر لكني خنت أمانتها حينما علمت عن سوء الحالة التي وصل إليها والدكِ ولم أتدخل لنجدتكِ .. لكني صدقًا لم أعلم عن وفاته .. على كل حال لو كانت زينب ما زالت على قيد الحياة ما كانت ستترككِ وأنا كان لزامًا علي التصرف وكأنها موجودة لكني لم أفعل وهذا كان تقصيرًا مني ربما لأني فضلت غلق باب الماضي بالكامل فلم أفكر فيكِ وفي شقيقكِ فسامحيني ..

بعد كل هذا وهو من يعتذر .. بل ويجعل من قدومهما منحة له .. يقلب الأمور ليرفع عنها الحرج ويتهم نفسه بالتقصير مع ابنة هارون تيجان الذي أذاقه المر والهوان .. حقًا هنيئًا لك يا منذر كونك ابن قدري أبو الحسن وبئسًا لكِ يا فتاة لحملكِ هوية هارون تيجان لكن لعل عاصم بالتربية الجيدة يغسل جيناته كمنذر ويصبح مثله تمامًا..

لكن التجربة خير برهان وعاصم تغرس فيه الأصول والمبادئ ويتقبلها بشكل جيد بل ويسعى إليها وكأن الظروف التي عانيا منها جعلته يقدر قيمة ما لديه الآن ويحفظه بكل ما أوتي من قوة ..

حقًا عوض الله يأتي على هيئة ابن أو على هيئة عم كعم قدري ..

**

عجيب أمر الانسان .. من أسابيع كانت تخشى كل أنواع الحيوانات بسبب صدمة تلقتها في صغرها ولم تكن تتخيل أن تمرح مع حملان أو أن يصبح جرو صغير ثاني موضع اهتمام بعد عاصم الجرو الأكبر .. ربما القلادة التي أصبحت لا تفارقها هي السر والسحر الذي ألقى بتعويذة ما على الجميع.. الكل أصبح اهدأ حتى منذر نفسه وعلى قدر ما كان يسعدها هذا كان يقتلها في نفس الوقت فهدوئه يعني أنه واقع في حب خطيبته لدرجة تجعله لم يعد يراها.. لكن النصيب لا مفر منه.. والألم قدرها حتى ولو كانت في المأوى الآمن..

وتعلق الجرو بها وكبر قليلًا وصار يتبعها كظلها أينما ذهبت وأطلقت عليه اسم إيجي سباركي..

- إيجي سباركي.. هيا للطعام..

وفور أن مدت يدها بالصحن سمعت صوت نداء فوزية لها وترددت للحظات الجرو جائع ولن يصبر لذلك مدت يدها بالصحن لمنذر الجالس في التراس يراقبها وقالت برجاء ..- اطعمه من فضلك فوزية تناديني ..

وتجمد في مكانه والصحن في يده .. يطعم الجرو؟؟

لكن الجرو لم يمنحه الفرصة ومسح فروه الصغير في قدميه وبدأ يلعقهما بعدم صبر وبرجاء .. ومد يده بالصحن فهز الجرو ذيله في علامة عن امتنانه ..

اللعنة غاوي بريء ومثلها .. كيف تجتمع البراءة والإغراء سويَا؟؟

وكيف أن الظروف الحالية جعلته يتغلب مع الجرو على أكبر مخاوفه ويتغلب معها على شعور الكراهية المدفون في أعماقه .. كالسحر تمامًا'' ماذا يحدث له .. والده على حق عين في الجنة وعين في النار ولأول مرة يقسى عليه بهذا الشكل ..

" بداخلك مجموعتان من الجينات، اقتنعت بهذا أو لم تقتنع .. شئت أم أبيت أنت تحمل كلا المجموعتين وتتصارعان بعنف وسيكون البقاء للأقوى .. لو غلبت شيطانك وحفظتهما وعاملتهما بحيادية دون النظر لكنيتهما ستنتصر جينات أبو الحسن ولو طاوعته ستنتصر جينات هارون تيجان والاختيار لك فأحسن الاختيار لأنه طريق بلا رجعة .. كل ساقٍ سيسقى بما سقى ولا يظلم ربُك أحدًا "

هل من الممكن الرجوع بالزمن للوراء ؟؟ لو عاد بالزمن هل كان سيذهب لسوق الثلاثاء وهو يعلم ما سيحمله في طريق عودته بخلاف الحملان؟؟

وخفق قلبه بعنف ..

لو لم تضعه الصدفة في طريقهما ماذا كان سيكون مصيرهما؟على الرغم من كل الألم الذي تحمله له ربى لكن تدبير الله فاق الألم .. الصدفة كان رحمة من الله به قبل أي شخص آخر ..

كان هاتفه يرن بإلحاح وانتبه بعدما قارب المتصل على اليأس فأجاب وبادره صوت أحدهم يقول بعتاب .. - منذر.. هل هانت عليك العشرة وصداقة العمر .. هذا لم يكن العشم ..

كان لا يفهم سبب غضب صديقه عاطف .. هل كان يريد ربى هو الآخر؟؟ يا الهي الرجل متزوج!! اللعنة كل تفكيره أصبح منصًبا عليها .. ما سبب غضبه هذا الأحمق؟؟

- يا ابن مهران تحدث مباشرة وقل ما بك ..

- البصل ..

- ماذا؟؟

- محصول البصل .. لمن بعته وتركتني .. انتظرتك لأسبوعيين كاملين حتى يئست من اتصالك..

وضرب جبهته بقوة .. كيف ينسى جمع البصل من الأرض وقد فات موعد حصاده من أسبوعين أو أكثر وتوقف حتى عن ريه .. لقد جن تمامًا منذ قدومها لحياته التي أصبحت رأسًا على عقب'' هذا الوضع لا يجب أن يستمر سيخسر كل شيء عمل لأجله وسيخسرها هي أيضًا في النهاية .. - اهدأ يا عاطف .. البصل ما زال في الأرض القبلية .. أنا لم أبيعه لغيرك ..

كان دور عاطف ليهتف بعدم تصديق ..- كيف هذا؟؟ أنت كالساعة في مواعيدك وتهتم بأرضك وبمحصولك أكثر من اهتمام الأم بوليدها .. هل تخبرني أنك لم تحصد البصل للآن؟؟ كيف هذا؟؟

كنت عاطف كنت .. فقال بضيق .. - هذا ما حدث ..

ولدهشته هتف عاطف بعدم تصديق ..- أنت محظوظ قسمًا بالله .. حدثني اليوم فقط صديق من بلدة مجاورة لنا لكن فتحها الله عليه من وسع وطلب مني شحنة بصل كبير الحجم وبسعر خيالي لمطعمه في السعودية .. لو كنت حصدته من أسابيع ما كان بلغ الحجم المنشود ولا درجة الصلابة التي ستحفظه لفترات طويلة ..

سبحان الله .. نسيانه للمحصول كان في مصلحته .. سيكون لديه مبلغ كبير من بيع البصل والمانجو وسيتمكن من شراء سيارة ..

سيارة من أين أتت الفكرة؟ لطالما اكتفى بشاحنته لكن الآن لا يستطيع مقاومة رغبته الملحة في شراء سيارة سيدان حديثة .. ماذا يقول؟؟ شراء سيارة؟؟ هل هذا ما كان يردده لنفسه منذ لحظات؟؟ هل هو مريض؟؟ هل عدم قدرته على النوم وعصبيته الزائدة منذ دخولها لحياته والتفكير المتواصل الذي لا ينقطع فيها هي فقط لدرجة معها توقفت كل حياته نوع من أنواع المرض؟؟ هل تغير تصرفاته ثلاثمائه وستون درجة ليصبح لا يشبهه مطلقًا نوع من أنواع المرض؟؟ اذًا ما اسمه هذا المرض اللعين الذي ينهش في جسده نهشًا ويسيطر عليه ويجعله يتصرف تصرفات لا تمت له بصلة ..

ففي الماضي كان استخدم كل الريع لشراء المزيد من الأراضي واليوم يفكر في كيفية انفاقه على كماليات يمكن الاستغناء عنها لكنه لا يستطيع السيطرة على رغبته في في ..

- منذر أنا أحدثك .. أين ذهبت؟

- هنا عاطف أنا لم أذهب لأي مكان ..

- حسنًا كما اتفقنا .. اجمع المحصول في أسرع وقت فالعميل متعجل جدًا ..

**

" جت الحزينة تفرح ما لقتلهاش مطرح .."

هذا حال ابنتها فلوت شفتيها وهي تضع صينية الشاي على الطاولة الصغيرة بتأفف ووجهت حديثًا غاضبًا لزوجها..- هذا كلام عائم لا يدخل الدماغ ..

لكن زوجها لم يكن غاضًبا مثلها بل ابتسم ابتسامة مستفزة ليقول..

- الرجل قال كلمته وأنا وافقت.. قال إنه متكفل بفرش الطابق العلوي في منزله من الألف للياء وعلى حسب إمكانياته ولا يريد منا شيء ..

- لا هذا ليس اتفاق'' يجب أن يقول أنا سأحضر كذا وأنتم تحضرون كذا ..

- هل أصبح مخكِ سميكًا يا امرأة .. أنا اخبركِ أنه لا يريد منا شيء وسيتكفل هو بكل المصروفات كما يقول الشرع ..

وبرطمت ببعض الكلمات الغير مفهومة مفادها " يا ما جاب الغراب لأمه "

ودخلت برلنتي تتمشى في دلال لتشرب الشاي لكن والدتها هاجمتها بعنف ..- أين خطيبكِ .. لماذا لا يحضر لزيارتنا؟ بالطبع لن يترك ست الحسن والجمال في المنزل ويحضر ليراكِ ..

وعلق زوجها بسخرية ..- لا حول ولا قوة إلا بالله .. أنتِ خمير عكننة .. تبحثين عن النكد بإبرة تركتيني لتسممي بدنها أليس كذلك؟؟

لكن برلنتي كانت كمن يوجد على رأسه بطحة فاحمر وجهها من الغيظ وهتفت بغل..- لكنه اختارني أنا وترك تلك البومة ..

وقال حمدون في سره وهو يبتسم .." والله لا يوجد بومة سوى أنتِ وأمكِ أما تلك الفتاة فهي مهلبية " ولم يفتح فمه وفقط تابع حديثهما ..

- حقًا؟؟ حضر ورمى لكِ خاتم ودبلة واختفى من بعدها .. ربما غير رأيه الآن من يعرف .. هذا البخيل أحضر لكِ خاتم فقط .. أين باقي الشبكة؟؟

وانسحبت برلنتي وهي تشعر بغل رهيب .. والدتها معها حق .. من يوم قدوم تلك البومة للقرية وكل شيء تغير للأسوأ ومن حظها أن تلك الفتاة هي من بدأت الحرب والبادي أظلم .. الخطة التي اكتملت أركانها في رأسها ستجعلها تضرب عصفورين بحجر واحد .. تتخلص من تلك البومة وتكبش على رقبة شاكر للأبد ..

حقًا ناقصات عقل ودين .. ماجدة ستفسد كل خططه بطمعها الواضح وعدم صبرها .. الأمور لا تأخذ هكذا .. ليصل لما يريد عليه الصبر ومطاوعة منذر حتى لا يطفشه لكن ماجدة وبرلنتي لا صبر لهما ولا ذكاء ولا أي شيء ..

وفور خروجها بدأ حمدون يتحدث بضيق ..- ما هذا الكلام ؟ الخاتم كان ضخمًا يا امرأة وسعره مرتفع ثم أنا اليوم سمعت عن صفقة ضخمة عقدها منذر مع عاطف مهران لبيع محصوله من البصل وسوف يحصل مبلغًا كبيرًا من وراء هذا .. هذا الرجل لا يعرف اللف ولا الدوران مستقيم مثل الألف بالتأكيد ينتظر ريع المحصول ليقوم بالخطوة التالية .. هو ليس مثل شباب هذه الأيام ليقضيها اتصالات وزيارات بلا عمل جاد .. استمري هكذا وستخربين على ابنتك وسيتركها وسيكسر خلفها قلة ..

وبرقت عيناها وهي تسأله ..- ضخمة لأي مدى ؟؟

- لدرجة تجعله يفي بالتزامات الزواج كاملة ويتبقى مبلغ كبير جدًا يدفئه في المصرف .. منذر حكيم الجميع يعلم هذا'' تحلي بالصبر وإلا سنخسره ..

**

جلسة الحديقة في ساعة العصر تصلح كل ما أفسده صنيع والدها ..

الله الله الله ..

وابتسمت بارتياح .. الحمد لله .. مع كل نفس كانت تشكر الله على نعمة الستر والأمان وعلى ابتسامة عاصم التي لم تعد تفارق وجهه الذي أصبح يضج بالدماء والصحة ..

من البحث له عن بقايا الطعام لطعام وفير ولذيذ وصحي يجلب الصحة والسعادة

ربما السعادة الحقيقية في طعام يغزو عقلنا فيحتلنا بالكامل .. وسعادتها الآن في ثمرة مانجو لذيذة حتى عاصم كاد يغني من شدة سعادته .. - أمممم لذيذة يا ربى ..

- اعطني لأتذوق خاصتك وتذوق أنت أيضًا خاصتي ..

وبحركة شقية مد عاصم يده بالبذرة ليلطخ أنفها .. وضحكت بصوت مرتفع ولصدمتها فوجئت بمنذر يراقبهما بعينين ضيقتين .. من حسن حظها أن موسم الحصاد بدأ وكان يتغيب كامل اليوم وهذا أفضل لسلامة قلبها فرؤيته مؤلمة وخاصة بدبلة تزين إصبعه .. لكنه حضر مبكرًا اليوم .. فلأيام لا تراه إلا آخر الليل وهو يحمل ملابسه ويذهب للاستحمام ثم يخلد للنوم فورًا ويغادر مع شروق الشمس حتى قبل الفطور حتى الطعام كان يتناوله مع العمال في الأرض .. لذلك لم تكن مستعدة لرؤيته على الاطلاق وخاصة وهي في كامل فوضتها ولهوها مع عاصم .. هل سيؤنبهما ؟؟

لكنه كان في عالم آخر .. لطالما تذوق محصوله وعلم عن جودته لكن رؤيته لهما يأكلان منه جعلته يشتهيه .. يشتهي الاستمتاع .. وشاركهما الأكل ببساطة .. في البداية رفعت يدها وكفت عن الأكل بحرج لكنه لم يكن ينظر إليها ووجه حديثه لعاصم .. - هل تذوقت مانجو بجودة مانجتنا من قبل؟

لكن عاصم لم يحفظ لسانه وقال ببراءة .. - أنا لم أتذوق المانجو من قبل لأعرف الفارق لكن هذه قطعة من الجنة..

لم يتذوق المانجو من قبل؟؟ إذًا ماذا كان يأكل ساكني القصور؟؟

وشعرت ربى بالإحراج الشديد ونظرت لعاصم بتأنيب لكنه رفع كتفيه ورسم على وجهه علامة مضحكة وواصل الأكل .. فهربت بنظراتها لكن لسوء حظها كانت جهة هروبها في اتجاه كفه التي تزينت بالدبلة فظهر الألم على وجهها على الفور فتوقف عن الأكل وتوقف هو أيضًا وشعر بمغص يضرب معدته ولعدة دقائق ظل يمسح يداه بالمنشفة البيضاء الصغيرة التي كانت على الطاولة أمامه.. - بالمناسبة .. اليوم اشتريت سيارة جديدة وغدًا سنذهب أنا وأنتِ للقاهرة لسحب ملف عاصم من مدرسته..

وخفق قلبها بجنون حتى كاد يقفز خارج قفصها الصدري وحاولت وضع يدها لإعادته لمكانه لكن يدها كانت مهزوزة مرتجفة'' كل مخاوفها ستتحقق .. الجنة التي ظللتها لن تدوم ومصيرها الأسود قادم لا محالة .. لكن الأكثر رعبًا ليس ما سيفعله يزيد بها حينما يجدها بل هناك ما هو أبشع من هذا .. وانتبهت لعواقب ما سيفعله منذر ..

الرحمة يا الهي هذا ليس خطيرًا عليها فقط بل على منذر أيضًا فرجال يزيد سيقتلونه دون أن يغمض لهم جفن.. حتى ولو ذهب لسحب الملف بمفرده فسيتتبعه الرجال .. يزيد سيكون الآن في أشد حالاته غضبًا وتعطشًا للدماء وسينتقم بغباء ..

وانسحبت لتداري غصة الدموع والخوف التي هاجمتها فتأكد من شكوكه .. هناك سر لا يعلم عنه وعليه استكشافه وفورًا ..

وسأل عاصم بطريقة مباشرة ..- عاصم اخبرني ولا تخشى شيئًا .. لماذا يخيفكما مشوار القاهرة هكذا ؟؟ ماذا حدث هناك؟؟

لقرابة شهر وهو يشعر بالشبع وبالأمان وبالحب'' أشياء افتقدها فيما كان يسمى منزله ووجدها هنا .. اذًا هنا منزله الحقيقي ويجب الحفاظ عليه ..

حتى الصداقة التي لم يعرف معناها من قبل وجدها .. ورجوع ربى للقاهرة يعني فقدانه لجزء أو لكل ما اكتسبه لكن فقدانه لربى سيكون الأمر الغير محتمل .. منذر رجل كبير ولديه غندور رجله مثل يزيد ورجاله.. صحيح غندور مضحك ومسلي وليس مخيفًا كرجال يزيد لكن يظل رجل بشوارب ويظل منذر الرجل الأقوى من وجهة نظره لذلك أجابه بسرعة وبدون ترتيب لكلامه ..- أبي قبل وفاته باع ربى والقصر لرجل يسمى يزيد حينما خسر في لعبة تسمى القمار لا أعلم إن كنت تعلمها أم لا وهذا الرجل ذهب لإحضار ملابسه والعودة للإقامة في القصر يوم فرارنا عندما فررنا عبر السور الخلفي للحديقة قبل عودته وقررنا البحث عن عمتنا ولم نكن نعرف أنها توفت..

أحيانًا الحقيقة تكون قاسية لدرجة تجعلنا عاجزين عن تقبلها .. كان من الأسلم له أن يظل مغلفًا بالكراهية ليحمي نفسه .. لكن أن يتعرى هكذا من كل حصونه يجعله معرضًا للتلف .. لكن هناك أمر واقع وحقيقة لا يمكن إنكارها .. ما يقوله عاصم فظيع ولا يستطيع تصديقه؟؟

أي أب هذا؟؟ لكنه ليس كأي أب عادي إنه هارون تيجان " ليس كل الآباء كوالدك " هذا كان رأيها لأنها اكتوت بناره بالفعل لم تكن تتحدث بشكل عام أو لتؤنبه .. كانت تعبر عن قهرها وهو لم يفهم هذا.. ظلم هارون لم يطل شقيقته فقط بل طال ابنته الوحيدة ..

حتى على الرغم من الحقيقة الواضحة وضوح الشمس مازال يعجز عن الفهم وعاصم كلماته غير مرتبة وسريعة كطلقات مدافع حقيقية تصيب رأسه في المنتصف..

وخرج صوته ضعيفًا وهو يسأله ..- عاصم أنا لا أفهم .. من هذا الرجل ؟؟

وكأن عاصم كان ينتظر الفرصة لينطلق في الكلام بإسهاب ..

- اسمه يزيد وهو رجل ضخم مخيف وكان يخيف ربى ويمشي ورائها دائمًا ويتحدث عن عقد بيع كتبه والدنا قبل وفاته فقررنا الهرب وغافلنا رجاله قبل عودته حاملًا ملابسه كما قال وقفزنا من على السور حتى أن ربى جرحت ركبـــــــــــ..

يكفي هذا القدر ليكتشف كما كان حقيرًا معها .. هو ليس بحاجة للمزيد من الحقائق التي تقتله .. ولم يتركه ليكمل كلامه وركض للطابق العلوي وأنهى الدرج في قفزتين عملاقتين وراقبها كانت ترتجف بشدة كورقة شجر في مهب الريح ووجهها بلا لون.. لكنها حينما شاهدته ارتبكت والتقطت قطعة قماش وحاولت التظاهر بالتنظيف لكن رجفة كفيها فضحتها والرجفة التي تملكت من كامل جسدها جعلتها تهتز بالكامل فتقدم منها وتمسك بكفيها اللتان كانتا كقطعتين من ثلج وقال بعذاب..

- لماذا لم تخبريني ؟؟

وحاولت الإنكار وهي تهرب بنظراتها بعيدًا.. - أخبرك عن ماذا؟؟

لكنه أحكم إمساك ذقنها ليجبرها على النظر في عينيه.. - عن هذا الحيوان المسمى يزيد..

آه منك يا عاصم .. اليوم أعدتنا عرايا من جديد .. ستذبل ورقة التين وستنهار من على شجرتها كاشفة عن عوراتنا أمام الجميع ..

لكن هناك لحظة فارقة وجملة فارقة تجعلنا بعدها غير قبلها.. فأنت تعيش تدفن سرًا خوفًا من أن ينكشف ثم في لحظة واحدة فارقة انكشف المستور ..

الفارق الحقيقي هنا والذي غير مصيرها هو أن منذر أصبح يعلم ولم يهينها بل كان أقرب للضعف والألم ..

وحينما اطمئنت لأنها لن تذهب للقاهرة أجابته بألم يوازي ألمه الواضح ..- هذا ميراثي من أبي .. هدايا هارون تيجان لابنته الوحيدة هل ارتحت الآن؟؟

لكنه لم يرتاح مطلقًا بل اشتعلت فيه النيران فسألها بقسوة كان يعني بها الشدة على نفسه ..- اجبيني يا ربى .. هل ما يقوله عاصم صحيحًا ؟؟ هل حقًا باعكِ والدكِ في جلسة مقامرة وطالبكِ هذا الرجل بسداد الدين لذلك قصدتِ منزلنا؟؟

خفضت عينيها أرضًا بألم جفف قلبه ..- لم يكن عليه قول هذا ..

وصرخ بغضب مخيف ..- بل كان يجب أن أعلم هذا منذ اللحظة الأولى .. أنتِ لا تعلمين ماذا فعلتِ؟؟

الآن اكتشفت أني ضحية مثلي مثلك لكن فات الأوان .. انظر لإصبعك وتذكر .. لم ولن يتغير شيء من معرفتك سوى تجنب مواجهة يزيد .. لا تتأملي كثيرًا ربى ربما يكون الآن مدفوعًا بغضبه لكن مع الوقت سيخمد غضبه وستتبقى الكراهية .. فصرخت هي الأخرى ..

- ماذا فعلت .. هاه .... وتلومني الآن لصمتي؟؟ ماذا كنت سأقول؟؟هناك أشياء لا تقال .. أنا تحملت عقاب عن ذنوب لم ارتكبها لأني لن أستطعفك يا منذر أو أستغل شعورك بالمسؤولية تجاه ابنة خالك لتتقبل وجودي الثقيل على قلبك .. سأعمل في المنزل كما اتفقنا بل وحتى في الحظيرة مقابل إقامتنا وسأدخر الباقي من راتبي حتى ولو جنيهات لأجل تعليم أخي .. تصرف وكأنك لم تعلم شيئًا أنا ما زلت ابنة الرجل الذي أطلق كلابه عليك وتسبب في مقتل والدتك وأهانك أنت ووالدك أمام الجميع .. أنا أحمل دمائه فلا تنسى هذا أبدًا لأني أنا شخصيًا لم أنسى .. وللتذكير لولا عاصم ما كنت بقيت هنا للحظة واحدة ..

مشاعر مهلكة'' ألم لا سبيل للتعبير عنه سوى الغضب .. الغضب من نفسه فقط ..

لكن ماذا تقول هي؟؟ عن أي راتب تتحدث .. حتى في أحلك لحظات سواده وكراهيته وتذكره للماضي البغيض لم يجبرها على العمل براتب .. كان فقط يجد حجة ليفرض سلطته عليها .. ليجد لها حجة للبقاء لأنها كانت سترحل أما أن تتخيل أنها ستقبض راتب هذا يفوق احتماله " هي قبلت العمل كخادمة " وهذا يقتله .. لا ربى هذا منزلكما أكثر حتى مني .. المنزل ليس بمن يبنيه أو حتى ينفق عليه .. المنزل منزل من يعطيه الروح والحياة ..

وهتف بعذاب ..- قولي ما شئتِ واسلخيني بقدر ما تريدين فأنا أستحق لكن اخبريني بالحقيقة كاملة ..

- لماذا تريد معرفتها؟ الماضي مات واندفن ولم يتبقى منه سوى شاهد قبره .. هل يرحك أن تعلم أنه توفي وبيده زجاجة شراب ؟؟ هل يريح قلبك معرفة أنه حين غسله اضطروا لغلق فمه بالقطن كي يداروا رائحته الخبيثة حتى ينتهوا من تغسيل جسده .. سمعت كل هذا الكلام وغمزاتهم عنه وحديثهم عن سوء الخاتمة ..

هل حصلت انتقامك الآن ؟؟

- أرجوكِ ربى أجلي لومي قليلًا واخبريني بكل شيء فأنا سأجن بالفعل ..

**

•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية

تعليقات