رواية ومنك اكتفيت الفصل الخامس 5 - بقلم داليا الكومي
مصيري في ورقة
فقط في طرفة العين ومن لحظة لشقيقتها التي تليها قد تختلف كل الحقائق .. قد تقوم حروب وتهدم مدن بالكامل .. قد يموت انسان وقد يولد آخر ..
الثانية ربما تكون مقدار ضئيل من الزمن لكنه كافيًا ليتغير الكون خلاله فما بالك بالإنسان الضعيف وخصوصًا حينما يختبر أشد أنواع الألم وأقساها ..
اختطاف ولدها فاق احتمالها ومزق قلبها وغلفه بالألم الجسدي وليس فقط المعنوي لكن مكالمة معتصم وعلى الرغم من قسوتها إلا أنها أحيت الأمل بداخلها .. ريان الآن مع والده الحقيقي ومهما بلغت قسوة الأب إلا أنه لن يضر لحمه ..
يكفي نظرة واحدة منه لوجهه ليعلم كل المستور والشبه القاتل بينهما الذي سبب لها الألم لسنوات قد يكون هو المنجي الآن ..
سبحان الله الذي يدبر الأمور بعظمته ولو علم الانسان الغيب لما تذمر للحظة .. كانت تتألم في كل مرة تنظر فيها لوجهه والآن اقصى أمنياتها أن يكون اليوم نسخة من أبيه بالكامل ليعلم الحقيقة بدون كلام ..
الحديث عبر الهاتف لن يفيد .. يجب أن تكون المواجهة وجهًا لوجه .. مصيرها لم يعد يهمها الآن ما يهم أن تسلم أمانتها .. أن ترى حب الأب لابنه وأن تهب ريان الأب الحقيقي حتى وإن قتلها معتصم فلم تعد تهتم .. ستعيد وصل ريان بجذوره لينمو في أرضه ويروي تراب قبرها بحبه لها ..
منذ من ولا معنى لحياتها وموتها ربما سيريحها من عذابها لكن تتمنى ألا يحمل ريان وصمتها فلا ذنب له..
قد يظن معتصم أنه يقهرها بمكالمته .. أنه يتشفى في عذابها لكنه لم يختبر ما مرت به منذ الأمس .. لا يعلم أن مكالمته كانت كالثلج الذي هبط على نار قلبها فأخمدتها .. وجدت نفسها تهتف بلهفة ..
- هل رأيته معتصم ؟؟
لكن لا إجابة سوى الصمت .. لأول مرة يجد نفسه في موقف لا يستطيع فيه الكلام أخرسته بسؤالها الغير متوقع .. بهت لدرجة أنه ربما لن يتحدث مجددًا وسيصاب بالخرس لباقي عمره ..
أراد حرق قلبها فقلبت كيانه بسؤال غير متوقع .. توقع أن تثور عليه وتسبه كما كانت تفعل لكن لهفتها قتلته ..
مشاعر غريبة يختبرها الآن‘ منذ أن شك في احتمالية كونها زارا حكيم وهويخطط بصبر حتى خطة الاختطاف كانت مدبرة ومعدة منذ شهور‘ كان فقط يتبقى أن يتأكد بنفسه من كونها هي .. أن ينظر في عينيها لمرة أخيرة قبل أن يعطي الأمر لرجاله بالتنفيذ وحينما أراد الشعور بالانتصار فوتت عليه حتى هذه الفرصة ..
حينما تقابلا بالأمس كانت تشعر بالرعب على الرغم من تماسكها الظاهري إلا أنها كانت ترتعد‘ شعر بارتعادها لدرجة قلبت موازينه ..
اللعينة تتركه فى حيرة وتتساوى لديه الرغبة في قتلها مع الرغبة في حمايتها .. شعور غريب دائمًا احتله أمامها وربما كان ذلك السبب الحقيقي لقسوته عليها ‘ كان باختصار يتحول لشخص آخر أمامها‘ لرجل ضعيف غير معتصم القوي الذي يريد أن يكونه دائمًا وذلك بالطبع كان يغضبه وبشدة ..
رعبها كان واضحًا بالأمس لكنه لن يخطىء في فهم نبرة الارتياح التي التقطها في صوتها الآن وهي تسأله " هل رأيته ؟؟ " ..
قطعت أفكاره لتكمل بنفس اللهفة ..
- لأجل الله معتصم لا تؤذيه‘ فقط اعطيني الفرصة للكلام أولًا.. فرصة للشرح‘ هناك أشياء تجهلها .. لن أطلب منك عدم ايذائه لأجلي‘ فأنا أعلم أنني لا أساوي لديك حتى ثمن الحبر الذي خطيت به على قسيمة زواجنا لكن احلفك بالله احميه من نفسك حتى نتقابل وبعدها سأترك الحكم لعقلك ..
مازال عاجزًا عن الكلام سيتلعثم لو نطق بحرف واحد .. رغبته الملحة والشديدة في اظهار ما يعتمل ما في نفسه من شر مهددة أمام ارتباكه .. قد تفضحه حيرته إذا ما نطق لذلك أغلق الخط ..
يا الله .. الحقير أغلق الخط .. هل سيؤذيه ؟؟
بالتأكيد لم يقع نظره عليه للآن وإلا لكان اكتشف .. الشبه واضح بصورة لا تخطئها عين .. إذًا ربما أغلق الخط ليراه وسيعاود الاتصال ..
رنين خافت من هاتفها النقال يعلن عن وصول رسالة نصية ..
فتحتها بلهفة مميتة وخصوصًا أنها تعرفت علي رقم المرسل ..
رسالة مختصرة كتبت بحروف من نار .." سأنتظرك بمفردكِ في جناحي في الفندق " ..
بالأمس اختار هو لحظة المواجهة واليوم اختارتها هي بل وطلبتها ..
وبخطوات مرتعشة اتجهت لخزنتها السرية التي تغطيها لوحة زيتية وضربت بعض الأرقام لتستخرج كنزها الثمين ..
قد يظن مقتحم القصور إن فعلها ووصل لخزنتها السرية أن خزنة زارا حكيم الخاصة والتي تحرص على حمايتها ستكون ممتلئة بالألماس والصكوك والأحجار الكريمة لكنه سيصدم صدمة عمره حينما يكتشف أن ذلك الكنز الثمين الذي تحرص على حمايته بحياتها هو مجرد تقرير طبي صادر من مستشفي حكومي في كوالالمبور وعليه امضاء أكرم حكيم واثنين من الشهود غيره ..
ربما سابقًا كان مصيرها في تلك الورقة لكن حاليًا مصير ريان هو المهدد وربما تنقذه تلك الورقة ..
وبكل حرص دست الورقة في حقيبتها وهمت بالمغادرة .. لأجلك ريان سأفعلها حتى لو كلفنى الأمر حياتي..
**
لن ينكر أنها كانت خلابة بشعرها الذى تحول للأشقر لكنها ليست حبيبته ذات الشعر الغجري الأسود ..
في الواقع تغيرت كثيرًا داخليًا وليس خارجيًا فقط من بعد تلك الليلة المشؤمة التي سبقت عيد مولدها التاسع عشر وهي لم تعد شيرويت التي يعرفها وليفاجىء بها يوم زفافه تغير من كل نفسها حتى من لون شعرها وتحوله للبني الفاتح بدلًا من الأسود الحالك وكأنها كانت تنذره بالانفجار الوشيك ثم لتكمل تحولها بهروبها منه وتحويله لأشقر فضي ناقض سمارها فأصبحت مزيج عجيب " رائعة الجمال مشهية " ولولا أنه يعلم أن ميجيل لا يرى سوى سكرتيرتها لكان وضع شيرويت على لائحته من شدة جمالها المهلك ..
آه لو فقط تعود الأيام للوراء لكان تزوجها منذ أن بلغت وحبسها في قفص من ذهب لا يملك مفتاحه سواه..
التفكير يكاد يقتله لماذا طلب منها الحضور الآن ...؟؟
تلك لم تكن خطته مطلقًا ..
خطته كانت تقتضي بإجبارها على العودة ذليلة للنجع في أسرع وقت .. إذًا ما فائدة حضورها إليه ..؟؟
هل يريد رؤيتها ليملي عينيه منها ويشبع حواسه بوجودها ..؟؟
هل مازال يريدها ؟؟ هل سيعترف الآن أنه يفتقدها ؟؟
لا هذا لن يحدث .. على جثته أن يكون بهذا الضعف أو يسمح لها بالتلاعب به‘ إن كان قد أحبها يومًا فهي أثبتت له أنه لا يوجد ما يسمى بالحب ..
كانت معلمة ماهرة وعلمته درسًا خلص منه إلى أن جميع النساء خائنات لعينات يسلمن اجسادهن إلى أيًا كان بمجرد أن يسمعهن الكلام المعسول وتلك اللعينة بالخصوص سلمت جسدها له ولغيره وتزوجت آخر بكل جراءة وهي مازالت على ذمته ..
أي شيطانة وقحة عديمة الاخلاق هي لتفعل لذلك بل وتنجب من الأخر ولدًا ..
الساقطة وهبت العجوز ولدًا تذكر ذلك دائمًا ..
ذِكر خيانتها أشعل قلبه بالغضب .. خنجر بارد غرز في قلبه وهو يتخيلها في أحضان الرجال ولا تلقائيًا كان يحمل مزهرية كريستالية ويلقي بها في عنف لتحطم المرآة الكبيرة في غرفته والتي كان يرى فيها طيفها ..
رأسها ستلحق قريبًا بتلك المزهرية وعلي الباغي تدور الدوائر ..
وكما هربتِ كالنعجة الخرقاء ستعودين كالكلبة المطيعة وسأدهسكِ بقدمي قريبًا جدًا يا حقيرة ..
عقابكِ سيكون شافيًا لغليلي وتعويضًا لحسرتي .. ولا يوجد مكان للرحمة في قاموسي ..
مرآته المحطمة أظهرت وشمه مقسم لعشرات القطع الصغيرة .. وشم النار الذي وضعه على قلبه ليذكره بخيانتها يتضاعف يوميًا في الحجم حتى كاد يغطي كل روحه‘ تلك اللعينة أخذت قلبه معها حينما رحلت وتركته بدونه ..
طرقاتها الخافتة على باب غرفته لم يخطئها .. حتى صوت طرقاتها مميز وتعرف قلبه عليها .. الشعور الذي احتله لا وصف له لكنه كان عنيفًا بكل المقاييس‘ مشاعره تخيفه هو شخصيًا من حدتها المتزايدة ..
وبلهفة قاتلة فتح الباب ليجدها أمامه مجددًا بعد سنوات من الغياب والعذاب ولحظات الصمت استطالت وظلا يراقبان بعضهما البعض بعيون ملتهبة من الغضب ومن الحزن ومن الألم .. ظلا كتمثالين من الحجر يتطلعان في عيني بعضيهما ربما لدقائق وربما لساعات فالشعور بالوقت قد توقف منذ زمن ..
لم يكن عتابًا ما حملته العيون بل كان أعمق من ذلك ... كان سؤالًا لا جواب له
" من السبب فيما وصلنا إليه ؟؟ "
ربما أرادها أن تعود من حيث اتت ربما لن يستطيع تمالك نفسه ويقتلها فورًا وهو بالتأكيد لا يريد ذلك .. ليس الآن على أى حال لكنها وضعته أمام الأمر الواقع حينما تقدمت للداخل وأغلقت الباب خلفها ..
مرت سنوات منذ آخر خلوة جمعتهما سويًا في غرفة مغلق بابها عليهما .. بالتحديد منذ خلوة غيرت كل حياتهما ولونتها بالسواد ..
لكن بتقدمها للداخل كانت تقدم كل التنازلات الممكنة .. كانت تثبت له استعدادها التام لتحمل عقابها في مقابل العفو عن ريان .. القوة التي اكتسبتها تتراجع أمام لحظة أمومة واحدة وفداءً لإظفر واحد من ولدها سترضخ راضية ..
وحينما عادت للنظر في عينيه وجد نفسه يضع كل قوته في لطمة وضع فيها غضب سنوات .. لطمة يفرغ فيها شحنة غضبه أفضل بالتأكيد من دك فوري لعنقها كان على وشك فعله ..
لطمة وسباب جعلاه يسيطر على رغبته في قتلها ويستعيض عن القتل بالضرب .. - حقيرة ..
تلك اللطمة التي عبرت عن رغبته الدفينة في قتلها اقتلعتها من على الأرض لتلقي بها عبر الغرفة فتنكس رأسها أرضًا تبكي بصمت ..
إن كان هذا استقباله فكيف سيكون وداعه .. ؟؟
ربما في الماضي لطمة جعلتها تهدم حياتها وحياة عائلتها بالكامل لكن الآن الضرب لا يهم فقط ريان يهم..
كم تتغير النساء حينما ينجبن !!
وجدت نفسها تُسحب من شعرها بعنف ليجعلها تقف على قدميها ويضعها أمام المرآة المحطمة وهو يقول بغضب اهتزت له جدران الغرفة ..- عاهرة .. أصبحتِ عاهرة قذرة حتى أنكِ تحملين رائحتهم المقززة..
لا معتصم أنت مخطىء في حياتي لم أحمل سوى رائحتك أنت ..
لكن أفكارها اختنقت مع اختناق قصبتها الهوائية فبحركة مفاجئة أحاطها من الخلف ومنع عنها الهواء بساعده القوي وهو يكمل ..
- استطيع سحق عنقكِ بذراعي الآن لكني لن أفعلها حتى أرى حسرتكِ على ذلك اللقيط بعيني ..
يرى حسرتها ؟؟!! ألم يراها بعد ؟؟
سألته بصوت مختنق ..
- أين ريان ..؟؟ أين ولدي ؟؟
شدد من ضغطه على عنقها حتى كادت تختنق بالفعل وهو يقول بغضب مخيف ..- إن أردتِ رؤية ذلك اللقيط مرة أخيرة قبل أن ألقي به لذئاب الجبل المتوحشة فاياكِ من تسميته " بولدي " أمامي ..
وهن صوتها حتى أصبح بالكاد مسموعًا وهى تسأله بضعف ..- أين ولدي؟؟
هل تتحداه تلك الحقيرة ..؟؟
أدارها بعنف ليهبط علي وجنتها الأخرى بلطمة تفوق شقيقتها في القساوة لكنها لم تسقط أرضًا هذه المرة وكأنها كانت تعلم فتحملت لتظل علي قدميها ..
- أين ولدي ..؟؟
تكورت يده هذه المرة على شكل قبضة .. تلك اللعينة مازالت متمردة .. مازالت لا تستجيب لتحذيراته .. مازالت " شيرويت " ..
لكن القبضة لم تصيبها هي بل سلطها على المصباح الجانبي مهشمًا إياه بعنف وينغرز الزجاج في يده التي بدأت في النزف من فورها ..
عادت لتسأله مجددًا ..
- هل رأيته معتصم ؟؟ هل رأيته ؟؟
أجابها بقساوة ..
- لا .. لماذا سأرغب في رؤية ابن الزنا هذا يا ساقطة ..؟؟
استطيع سجنك الآن بكل سهولة بتهمة تعدد الأزواج لكن هذا لن يشفي غليلي..
ابن الزنا !! أه قتلتني يا معتصم ومزقت قلبي ..
- إذًا أين هو ؟؟ أريد أن اراه ..
نظر في ساعته وهو يقول بتشفي ..
- غالبًا قطع أكثر من نصف المسافة للقاهرة وبحلول المساء سيكون في النجع ..
كل أمالها تحطمت .. تحولت لشظايا .. عدم رؤيته لريان تعني نسف أحلامها ..
لن يصدقها مهما قالت أو فعلت .. وريان سيكون في خطر ..
ربما تتملك النزعة الصعيدية أحدهم هناك ويقتله ..
كل كبريائها تمردها حقدها سخطها حنقها‘ كل مشاعرها تبخرت ولم يتبقى منها سوى الرعب ..
جثت على ركبتيها بانكسار وأحنت رأسها حتى لامس فمها قدميه وهي تبكي وتقول ..
- اترجاك معتصم .. أرجوك ارحمه ولا تؤذه هو مجرد طفل صغير‘ أنا أمامك الآن افعل بي ما تشاء لكن لا تؤذه أرجوك ..
سألها وهو يختنق بكلماته ..
- إلى هذه الدرجة تحبين ذلك اللقيط ؟؟
- لا تطلق عليه هذا اللقب مطلقًا .. ما ذنبه هو ؟؟
ركلها بقدمه بعنفٍ مبالغًا فيه ليبعدها عنه وكأنها قمامة ستلوثه ..
- كل ذنبه أنه يذكرني بخيانتكِ .. بجسدكِ الذي كان ملكًا لغيري .. وذنبه الأكبر أنكِ تحبيه .. سأستخدمه لحرق قلبك ..
- قلبي حرق يوم زفافك بالفعل ..
جذبها مجددًا لتقف علي قدميها ليكمل تعذبيها وهو يتطلع في عينيها مباشرة ..
- أنتِ لم تختبري حرق القلب بعد .. تصفية الحسابات بدأت وعلى الجميع الدفع ..
لو كان هذا هو وقت الحساب‘ إذًا فهو أول من يجب عليه الدفع .. مرارتها تشكلت في كلمات انطلقت علي الرغم منها ..
- إذًا حاسب نفسك أولًا معتصم وسدد ديونك كرأس للسلسلة التي بدأت بك ..
عد بذاكرتك للماضي وتذكر كل ما فعلته واحكم بالعدل .. حينما تكيل بمكيالين وتعاقبني بمفردي على ذنب اقترفناه سويًا فأنت من المنافقين .. عندما يتعلق الأمر بالعشق فلا توجد سلطة للرجل على المرأة..
قانون القلوب أعمى ولايفرق في الغيرة بين قلب رجل أو قلب امرأة حينما يحكم ..
الآن فقط تعادلنا معتصم،، أهنت كرامتي بصفعك لي فدمرت كرامتك بفراري منك‘ كسرت قلبي بزواجك فاقتلعت قلبك من مكانه بزواجي وتذكر دائمًا أن البادي أظلم ...
رنين هاتفه أعطاه الفرصة للتفكير .. إنها تلجمه مجددًا وتسحب البساط من تحت قدميه ستكون إجابة المكالمة حجته ليأخذ هدنة ظاهرية مع أفكاره التي أوقف اشتعالها وثورتها بالرد على ميجيل بكلمات مختصرة ..
- أنا غير متاح اليوم ولك تفويض كامل مني لإدارة الصفقة كما تريد ميجيل .. أنا اكتفيت وحققت مرادي والمعاملات النقدية سأتركها لك ..
وبدون اضافة المزيد أغلق الخط .. نعم حقق مراده لكن الكثير من الأموال على المحك .. ليس من حقه افساد صفقة بمبلغ ضخم لمجرد الانتقام‘ لكن على ميجيل الاهتمام بها من الآن وصاعدًا ..
الحرب اشتعلت ولديه جبهات عدة يحارب فيها .. أكثرها خسة هي جبهة فالح الذي تصرف بخسة ونذالة متوقعة وأكثرها ألمًا تلك التي يواجهها الآن هذا بالاضافة لرضوان البهنساوي وعائلته .. وبصوت بارد كالثلج أمرها ..
- ستعودين للنجع معي أنتِ ووالدتكِ ال..
قاطعته بألم ...
- أمي مريضة معتصم .. أنا اختطفها ولا ذنب لها مطلقًا..
هى فقدت كل ادراكها السليم بوفاة والدي .. لن تتعرف عليها عندما تراها .. أصابها الخرف وفقدت ادراكها للمكان والزمان .. الله لا يحاسب المجنون المغلوب على عقله فهل ستحاسبها أنت ..؟؟
- مع أني لا أصدق حرف واحد تنطقين به لكن سنرى يا حقيرة وأعدكِ بأيام من الشقاء تعوض شقائي لسنوات .. على كل حال انتقامي لا يشملها حاليًا‘ لكل مكانه على لائحتي على حسب أهميته بالنسبة لي .. واعادتكِ أنتِ وابنكِ اللقيط ستكون غنيمتي الكبرى وسأبدأ بكما حتى تبرد ناري ولو قليلًا ...
**
قضى كامل الليلة في سيارته يراقب بنايتها فربما يأتي حبيبها المزعوم لكن كيف كان سيتعرف عليه .. أعد نفسه لمهاجمة أي رجل يدخل البناية بمفرده ووقف كالمجنون يراقب باب شقتها ويستعد لشن الحرب..
مشاعر غريبة لأول مرة يختبرها في نفسه .. هل تلك هي الغيرة ..؟؟
ما معنى تلك الكلمة التي لم تكن في قاموسه من قبل ..
الغيرة هي النار التى تجعله يقتل لأجلها .. النار التي تشتعل في جسده من مجرد فكرة وجود رجل آخر في حياتها لمس جسدها أو حتى قلبها ..
حظه الجيد جعل شقتها في الطابق الأرضى وذلك لسلامة عقله وإلا لكانت الشرطة أوقفته وأودع في مصحة للأمراض العقلية بعد أول ساكن تتبعه حتى باب شقته ليتأكد أنه لن يذهب إليها‘ وبحلول الصباح حينما تأكد من قضائها الليلة بمفردها غادر أخيرًا بداخل سيارته التي استأجرها للفندق حيث يقيموا وهو مرتبك حائر مشتت الذهن ..
والمفاجأة الأعنف التي قلبت كيانه كانت لمحه لزارا حكيم وهي تدخل جناح شريكه في الصباح على عجل وتغلق الباب خلفها ..
بالتأكيد علاقتهما متشابكة .. علاقة من الماضي تلك التي جعلت معتصم يخطط ويدبر بل ويدله على طريق سيلينا لتكون مدخلًا لزارا لكنه كان يعتقد أن زارا مستقيمة ووجودها في جناح معتصم يعطي الكثير من الإيحاءات ..
وبعد تردد التقط هاتفه ليفاجىء باعتراف معتصم الصريح والذي ينهي أي شكوك قد تراوده " لقد حققت مبتغاي " ..
هل كان مبتغاه مجرد وصول زارا لفراشه ..؟؟ فعل ذكوري متدني يثبت أن الرجال في حقيقتهم خنازير غبية لا تفكر سوى في الجنس ..
أخيرًا توقف لمراجعة أفعال بعض الحمقى الذين يعتقدون أن الأنثى مجرد جسد ..
هو شخصيًا كان كذلك حتى خسر سيلينا ..
لكن الأمور يجب أن تعالج بحكمة فزارا سيدة متزوجة وأكرم حكيم ملياردير له ثقله والصفقة قد تتسبب في خسارة فادحة لجميعهم اذا ما علم أكرم ما يدور من خلفه..
ربما لديه العديد والعديد من الصفات السيئة لكن الخيانة والطعن في الظهور لم تكن يومًا على لائحة خصاله السيئة ..
بالتأكيد سيكون له حديثًا مطولًا مع معتصم لكن علي انفراد ..
**
و أه آه من حرقة الآه .. داب الحجر
و آه أه من قلبى جواه .. حب اتقتل
آه عالعشاق هوى من غير أمل ..
آه .. آه .. آه
و الشكوى لله .. مش للبشر
عسل ومر انت .. وفاء وغدر انت .. و حب العمر انت
كدبة .. كدبة .. انت كدبة لكن أحلى كدبة
بعتها لى الزمان .. بعتها لى الزمان
رقة .. رقة .. رقة إنت رقة لكن شوك و دمعه
و بحر من الأحزان .. بحر من الأحزان
حبيبي كان هنا مالى الدنيا عليٌه .. بالحب والهنا
حبيبي يا انا يا اغلى من عينيٌه .. نسيت من انا
انا الحب اللى كان .. اللى نسيته قوام
من قبل الآوان ..
نسيت اسمى كمان .. نسيت يا سلام
على غدر الإنسان ..
و الله زمان يا هوى زمان .. والله زمان يا هوى زمان
و الله زمان زمان .. يا هوى زمان ..
" كنتَ قيدًا دعوت الله كثيرًا ألا أفقده "
علي الرغم منها انهمرت دموعها وكأن الكلمات لمست جروحها الداخلية ..
ليتها تتوقف عن حبه كما فعل هو .. لو كانت فقط الكرامة هي التي تحركها لكانت ثارت منذ زمن وتركته لكن للأسف كرامتها منعدمة أمامه ..
وعلي الرغم من تأكيداته أن عدم انجابها للآن لم يشكل له مشكلة لكنه تغير ..
هذا ليس ياسين الذى أحبها منذ أن علمت معنى كلمة الحب ..
هي تشعر بذلك وهو لا يكذب شعورها .. منذ أسابيع لم يلمسها أو حتى يحتضنها
بالتحديد منذ أكثر من تسعين يوم وهذا ليس ياسين الذي تعرفه الذي كان يحتجزها في الفراش لأيام ويترك عمله ويحضر للقائها ويعود ..
وكأن هجره لها في الفراش لم يكن يكفي ليثبت لها شكوكها ليفضل الانعزال في غرفة خاصة به ..
حدسها الخاص يؤكد لها وجود أخرى في حياته .. أنفها الخبيرة تلتقط رائحتها في ملابسه وقلبها الخبير يلتقط وجودها في قلبه ..
وبالطبع لم تواجهه فآخر أمل لديها كان أن يراجع نفسه ويعود .. المواجهه ستضطرها للانسحاب من حياته لكن لو عاد إليها ستسامحه وستنسى ..
لكنه لن يعود ... اختياره للانعزال في غرفة أخرى واضعًا الجدران بينهما دليلًا قويًا على قراره الذي أصبح مسألة وقت وربما يترك لها الانسحاب بنفسها ليعفي نفسه من الحرج فهى في النهاية شقيقة صديقه وتربط أسرتيهما علاقات منذ زمن ولن يغامر بخسارة الجميع ..
شعور قاتل ذلك الذي تشعر به عندما تصبح عبء على زوجها يرغب التخلص منه لكنه يشعر بالحرج ..
وحينما سألها خالد عن أحوالها لم تستطع اخباره عن شكوكها .. فماذا ستخبره ..؟؟
أن زواجها ينهار ؟؟ أن زوجها بالتأكيد على علاقة بأخرى ..؟؟ أن الحب مجرد وهم ولا يوجد ما يسمى بالحب ؟؟ حتى أنها أصبحت تشك في حب خالد نفسه لسارة وأنها فقط مسألة وقت حتى يمل من تمثيل دور الحبيب ..
وبلا شك كان سيطلب منها تركه علي الفور .. أي شخص يمتلك عقلا سليمًا سينصحها بذلك ..
في خضم مشاعرها المرتبكة وأفكارها الكئيبة لم تشعر به وهو يعود ولا وهو يتسلل لغرفته ..
كانت هناك أيام ماضية سعيدة كان يقبلها فيها قبل خروجه وفور عودته ..
يوقظها من نومها ليتأملها فقط أو يسجن كفها تحت وجنته ويعودا للنوم ملتصقين ..
وعندما يتسلل لغرفته في صمت رغبة منه في تجنبها فهذا يعنى وجود أخرى احتلت مكانها ..
كم تحسد تلك الأخرى التي تشعر الآن بحبه ,, بحنانه,, باعجابه وبرغبته فيها ..
محاولة أخرى لن تسبب المزيد من الأذى فهو قد وقع بالفعل ..
لحقته بهدوء وفي نيتها سؤاله عن السبب .. " لماذا تبتعد عني يا ياسين ..؟ "
فقط اخبرني أنك تريد الإنجاب وسأنسحب على الفور لكنى احتاج لسماعها منك..
ربما لو فقط كانت الأخرى لمجرد الإنجاب فسأسامحك فمن حقك أن تحظى بأطفال تستنشق رائحتهم وتحتضنهم ..
اخبرني أنك تحبني لكنك تشتاق لطفل يحمل اسمك .. اقسم لك لن أقف في طريق سعادتك لكنى لن استطيع التحمل ورؤية أخرى تشاركني فيك لذلك سأسحب بهدوء علك تحقق مرادك وتصبح سعيدًا‘ فأنت لست سعيدًا معي وذلك يمزق قلبي.. من يحب حبًا كحبي لا يريد سوى رؤية حبيبه سعيدًا لا تعيسًا ..
لكن سؤالها لم يغادر حلقها الذي أصبح بجفاف الصحراء في فترة الظهيرة ..
وقفت تتأمله بصمت قاتل يذبح الروح والقلب وكل كيانها الخائن الذي كان على وشك التذل‘ وقفت تتأمله وهو يعد حقبية ملابسه ..
لم تكن حقيبة مؤقتة أو تصلح للسفر لعدة أيام‘ بل كان يخلي خزانته من كل الملابس ... ببساطة كان يستعد لترك المنزل .. يستعد لهجرها للأبد ..
من كان لديه كلب أو هرة أو أي حيوان أليف يشعر بالحزن لفقدانه.. الحب أحيانًا ليس كل شيء فهناك العشرة التي حتى لم يحسب لها حساب في خططه .. كان أقرب للوح ثلج خالي من المشاعر وهو يخبرها بكل برود وبدون ذرة واحدة من الحرارة ..
- ستصلك ورقة طلاقكِ في أقرب وقت ..
•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية