رواية فارس بلا مأوى الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ تركض هذه الفتاة خلف شقيقتها لتتشاجر معها، تصرخ في وجهها:
_ مش جولتلك ميت مرة إياكي تاخدي حاچة من خلچاتي تاني؟ .
قالت الأخري وهي تتفادي أن تمسك بها شقيقتها:
_ وليه متكونش قمر هي الي خدتها، ولا كل حاچة أني.
رمقتها بحنق وقالت:
_ بكفياكي كدب عاد، قمر منتقبة، كيف عتلبس بنطلون چينز وتخرچ بيه، مفكراني عيلة صغيرة إياك! .
جاءت إليهما سيدة ذات ملامح حادة وغليظة، تمسك في يدها دجاجة وبطة واليد الأخري سكين، صاحت بتوبخيهما:
_ إكتمي منك ليها بدل ما أخلع المركوب وأنزل بيه علي خشمكو.
فقالت الفتاة الأولي:
_ عاچبك ياماه بتسرج البنطلون بتاعي وتخرچ بيه من غير ما تستأذن؟.
_ وماله لما تلبسو وتخرچ بيه، كانت أكلته إياك! ، كفياكو دلع ماسخ وتعالو نضفو معايا الطيور دي، خليني ألحج أخلص الواكل.
نظرت الفتاة الأخري إلي الدجاج والبطة:
_ وعتعملي كل الواكل ده لمين، چايلنا ضيوف؟ .
أجابت والدتها:
_ أيوه يا أخرة صبري، خالكو راچع من السفر و چاي يجعدو له حدانا يومين، يلا همي منك ليها، و واحدة منيكم تروح تصحي البرنسيسة الي متكوعة لحد دلوق تجوم تنضف الدار وتغير الفرش وتسيق الأرض.
_ قمر تعبانة ياماه، كانت عماله تبكي إمبارح وماسكة في بطنها، لولا خيتي عتطها برشامة مسكن مكنتش عرفت تنام عاد.
فقالت السيدة بدون شفقة:
_ إياكو تجولو لأبوكو أبو جلب حنين، لو عرف عياخدها عند الحكيم ويصرف الجرشين الي حداه، كنا ناجصين بت خيته الي طلعت لنا في المجدر دي كمان.
كانت تقف خلف باب الغرفة من الداخل تستمع إلي حديث زوجة خالها غليظة القلب، أنسدلت من عينها عبرة، وقف بجوارها إبن خالها الصغير يمسك بطرف ثوبها:
_ قمر، قمر.
أنتبهت له وأنحنت إليه تبتسم له:
_ نعم يا عموري.
وضع كفه الصغير علي وجنتها يلمس عبرتها:
_ أنتي بتبكي؟ .
هزت رأسها بالنفي وجففت عبرتها:
_ لاء يا حبيبي، عينيا بتوچعني هبابة.
عقد حاجبيه بضيق وقال:
_ لع، أنتي بتبكي بسبب الي جالته أمي، وأنا عجول لأبوي عليها كيف متبكيش تاني.
قالت له بتوسل:
_ إياك يا عمر والله عزعل منك وما أتحدت وياك تاني.
_ طيب تعالي معاي وصليني للمسچد وماتعمليش حاچة من الي جالت عليها.
_ مينفعش يا عمر، خالي لو عرف عيزعل مني، أني مابساعدش أمك كيف أخواتك.
قال الصغير بتلقائية:
_ لو خابر أصلاً إن أمي عتخليكي تنضفي كل يوم الدار كلاتها لوحدك عيزعلها هي.
أبتسمت من ذكاء هذا الصغير، داعبت خصلات شعره وقالت:
_ كفياك حديت، وروح حضر شنطتك عشان تلحج سيدنا الشيخ جبل ما يبدأ الدرس.
_ ماشي، بس كنت عايز أجولك علي حاچة.
تنهدت وقالت:
_ ها، سمعاك.
أقترب من أذنها وهمس:
_ الشيخ بكر سألني عليكي.
ضربته بخفة خلف رأسه وقالت:
_ طب يلا يا أبو نص لسان روح أعمل الي جولتلك عليه.
ركض الصغير من أمامها، وقفت أمام النافذة تبتسم وتقول في داخل نفسها:
_ سألت عليك العافية يا روحي، واه أي الي بجوله ده، عيب يا قمر خالك لو عرف يجطعك حتت، و هو عيعرف منين يعني.
قاطع أفكارها تلك الحيزبون:
_ الله، الله يا ست قمر، واجفة قدام الشُباك وسايبة الدار تتضرب تجلب، مستنيه الخادمين الي عينضفوها إياك؟.
ألتفتت لها وقالت:
_ حجك علي يا مرات خال.
ألقت لها دلو وقطعة ثياب قديمة من الصوف وقالت:
_ يلا همي، عندينا شغل كتير.
_ حاضر يا مرات خال.
وذهبت لتنفذ ما أمرتها به، لكن كان يهون عليها الأمر كلما تتذكر وجه هذا الشيخ الوسيم ومدي إحترامه عندما يتحدث إليها وهو يغض بصره برغم إرتداءها غطاء الوجه، فهذا الذي طالما حلمت به وتتمناه زوجاً لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وبالعودة إلي المشفي، نهضت بعدما غادر الجميع وعزمت علي أمر لا محالة منه، فما حدث منذ قليل من قرارات شقيقها وهذا المخيف جعلها وصلت لذلك التفكير مهما كلفها الأمر ، عليها بالفرار إذن، لكن عندما علمت أن أخيها ترك أثنين من رجاله علي باب الغرفة من الخارج أصابها الإحباط.
قاطع حبل أفكارها طرق علي الباب فأسرعت إلي السرير لتتمدد عليه لكن تنفست الصعداء عندما وجدتها الممرضة سمية.
_ كيفك دلوق يا زوزو؟ .
رمقتها وهي تفكر في أمر ما، فقالت:
_ سمية، جصداكي في خدمة.
أقتربت منها الأخري وقالت:
_ جولي يا حبيبتي، وأني تحت أمرك.
نظرت نحو الباب فخفضت من صوتها:
_ عايزه أهروب من أهنه.
حدجتها سمية بصدمة:
_ تهوربي! .
جذبتها من يدها بتوسل قالت:
_ وطي حسك عتفضحيني، لو معرفاش تساعديني خلاص.
_ مجصديش يا زينب، لكن كيف و چوز الأسود الي برة دول واجفين؟.
أقتربت منها وقالت بهمس:
_ أني عجولك تعملي أي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد قليل...
خرجت سمية من الغرفة و عادت تحمل صينية بها كوبين من الشاي وشطائر فول وطعميه
_ أتفضل منك ليه، حاچة كده بسيطة هتلاجيكو علي لحم بطنكو من إمبارح.
نظر دبيكي إلي الشطائر ولعابه يسيل بإشتهاء، فقال ببلاهة:
_ تسلم يدك يا دكتورة، كنا عنموتو من الچوع جوي.
ضحكت وقالت بدلال مصتنع:
_ دكتورة مرة واحدة !، الله يكرمك يا إسمك أي...
تشدق وهو يمضغ الطعام:
_ إسمي دبيكي يا قمر، والي چمبي ده ما بيتكلمش إسمه چعيدي.
ضحكت رغماً عنها قائلة:
_ دبيكي وچعيدي، عاشت الأسامي.
أشار لها بتحية:
_ الله يخليكي.
_ أي خدمات تاني، أنا عاروح أفوت علي العيانين ومعاوده أهنه تاني لأچل نطمنو علي زينب.
_ متشكرين يا قشطة.
ذهبت وأنتظرت أكثر من عشر دقائق ثم عادت لتجدهما يجلسان علي الأرض نائمين وبجوارهما كأسين الشاي شاغرين، نظرت من حولها لتتأكد من خلو الممر من أي مارة، وأنحنت نحو هذان النائمين لكزتهما بعنف حتي تطمأن، فقالت بتهكم لهما:
_ دبيكي وچعيدي، جبر يلمك منك ليه، دي أسامي تجابلو بيها ربنا.
دلفت الغرفة فوجدت زينب تنهض باللهفة:
_ جوليلي عملتي أي وياهم؟.
إبتسمت بزهو وإنتصار:
_ عيب عليكي، لايچيبها إلا حريمها، نيمتهوملك كيف الخرفان، نجطت لهم في الشاي بنچ من الي بنستخدموه في عمليات الچراحة، يعني قدامهم لبكرة لأچل يفوجو.
تنهدت زينب بفرحة وقالت:
_ عفارم عليكي يا سمية معرفاش أشكرك كيف ، أنتي چدعة جوي ربنا مايحرمني منِكي.
ربتت عليها وقالت:
_ متجوليش إكده ياما وجفتي چمبي وكنت بتقسمي معايا مصروفك والواكل بتاعك، كنتي أحن علي من أبوي ومارته العقربة.
_ ربنا يعلم كنت بعاملك كيف خيتي وأنتي بنت حلال وتستاهلي كل خير، أهي دارت الأيام و چه الوقت الي بتوجفي فيه چاري.
أمسكت يدها لتجذب منها إبرة المحلول قائلة:
_ كفياكي حديت كتير عاد،وهمي جبل ما يچي حد وماتعرفيش تهوربي، وخلي معاكي دول.
نظرت زينب إلي ما تعطيها إياه، فوجدت هاتف من الطراز القديم ومبلغ من المال، فقالت بإستفهام:
_ أي دول؟.
أجابت الأخري:
_ ده محمول كنت بخليه معاي للطوارئ لو التاني فصل ولا حاچة، وده مبلغ بسيط لأچل السفر، ولو جولتي لاء وربنا لأزعل منك وعاروح أصحيلك چوز الغربان الي قدام الباب.
تجمعت عبراتها بين أهدابها، فقالت سمية:
_ واه، عبتبكي ليه دلوق؟ .
عانقتها زينب بقوة قائلة:
_ لو كان ليا أخت ما كانت وجفت چاري كيفك عاد، ربنا ما يحرمني منك.
مسدت الأخري علي ظهرها وقالت بنبرة حزينة علي وشك البكاء:
_ كفياكي بجي لأبكي أني كمان، عتخليني نروح نجتلو الدبيكي والچعيدي وزعيم العصابة رافع الضغط والسكر دي.
جعلتها ضحكت رغماً عنها، وبعدها بدأت الأخري في مساعدتها لإرتداء ثياب قد أحضرتها لها من إحدي زميلاتها وكانت منتقبة، حيث أخذت منها عباءة سوداء فضفاضة وغطاء وجه أسود حتي لايتعرف عليها أحد من أهل النجع ويذهب ليخبر شقيقها.
خرجت من الغرفة بخطي هادئة تتسحب، حتي تمكنت من مغادرة المشفي، و وقفت تشير إلي سيارة أجرة، أستقلتها وهي تقول للسائق:
_ موقف ميكروباصات بحري يا سطا الله يخليك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كان يستمع إلي الأطفال وكل منهم يتلو من آيات الله التي جعلهم يحفظونها عن ظهر قلب مع تفسير معانيها في شرح مبسط يسهل عليهم إدراكها.
جاء دور الصغير عمر، فوقف أمام شيخه الذي قال له:
_ سمع يا عمر سورة العلق.
عقد ساعديه أمام صدره وقال:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، إقرأ.....
صمت و نظر لأسفل يحاول أن يتذكر، فقال بكر:
_ مش حافظها ولا أي عاد؟.
أومأ له الصغير بأسف وإعتذار:
_ معلش يا شيخ، أصل قمر تعبانة جوي وهي الي كانت بتحفظني وتسمعلي القرآن، والنهاردة أمي خلتها تنضف الدار كلها لأچل خالي الي معاود من السفر.
عقد حاجبيه بضيق وقال:
_ خلاص روح أقعد ويا أصحابك وراچع السورة وحاول تحفظها لأچل إسمعهالك آخر الدرس.
ذهب الصغير، وتركه يفكر فيما أخبره به، لما عندما سمع إنها مريضة شعر بغصة في قلبه، وأستشف من حديثه أن زوجة خالها لم ترحم حالتها وتجعلها تقوم بمهام التنضيف بلا شفقة، ومن نبرة الصغير يبدو إنها تعيش في بؤس وشقاء.
قال في نفسه:
_ چري أي يا بكر مالك شاغل بالك بيها ليه عاد! ، كانت تجربلك إياك!؛، ماتخليش الشيطان يچرك للمعصية، وخليك في شغلك وحالك.
_ شيخ بكر، ياشيخ بكر.
نادي بها إحدي تلاميذه، فأنتبه إليه وقال:
_ نعم يا زين.
أشار له نحو باب المسجد وقال:
_ عم زكريا أخوك بيجولك عايزك دقيقة.
تنهد بكر وأغلق المصحف الذي بين يديه و وضعه علي المنضدة، نهض ليذهب إلي شقيقه المنتظر خارج المسجد.
_ خير يا أخوي، چاي تستأذني لأچل تصلي ولا أي عاد.
قالها بكر بسخرية مازحاً، فأجاب شقيقه بلكزه في كتفه:
_ دمك خفيف من يومك يا سيدنا الشيخ، لاء چاي لك في طلب.
_ وأني الي كنت مفكر إنك چاي تتوب عن ذنوبك وتقرب من ربنا وتصلي في المسچد.
رمقه الآخر بجدية وحذر قائلاً :
_ كفياك حديت ماسخ ومتنساش إنك بتتحدت مع أخوك الكبير.
رفع جانب فمه بسأم من حال شقيقه دائم المعصية والغارق في ملذاته، كم من مرات قام بنصحه بالحسني حتي ضاق به زرعاً، و أحضر له كتب عن عقاب من يستحل الذنوب والكبائر في الدنيا والآخرة ليتعظ ويكف عن ما يفعله لكن لافائدة، فكان الآخر يلق الكتب في وجهه ويسخر منه ويوبخه أحياناً .
فقال له بإحترام وجدية:
_ لاء مش ناسي إنك أخويا الكبير، بس بفكرك إن الكبير بيبجي بأخلاقه و كلنا كيف ما أتخلقنا من تراب عنعاود تراب تاني والي عيبجي لنا العمل الصالح يا أخوي، وأني عشان بحبك وخايف عليك كل ما أشوفك عانصحك لحد ما تمشي في الطريج الصوح.
صاح زكريا بتهكم ونفاذ صبر من حديث شقيقه الذي يضيق عليه ويجعله يشعر كم هو ضئيل أمام نفسه وضعيف لشيطانه المستسلم إليه:
_ ما خلاص يا سيدنا الشيخ، مش كل ما تشوف خلجتي تدي في مواعظ ولا كأني كافر، عجولك علي حاچة، وأنت بتصلي أبجي أدعيلي أحسن.
هز رأسه بسأم وقال:
_ ربنا يهديك يا أخوي.
_ اللهم أمين يا ولد أبوي، شوفت ناستني الي كنت چايلك عشانه، صوح أفتكرت، بجولك محتاچ لقرشين سلف وعبجي أردهملك لما أجبض.
إبتسم بكر وقال بسخرية:
_ عتردهم كيف الي قبلهم إكده؟.
زفر بتأفف وقال:
_ بتعايرني يا شيخ الله يسامحك.
وضع بكر يده في جيب جلبابه وأخرج محفظته الجلدية:
_ كفياك تمثيل أني خابرك زين، أتفضل يكش تصدج المرة دي وترچعهم.
أعطاه جزء من نقوده فباغته الآخر بجذب ما تبقي قائلاً:
_ وأعطيني دول كماني.
صاح بكر بإعتراض:
_ واه، رچعهم يا زكريا، دي فلوس البضاعة الي عستلمها بكرة.
رد الآخر بسخرية وهم بالذهاب:
_ بضاعة أي عتضحك علي نفسك إياك، لما تبيع الي حداك الأول، ده نچع أهله فقر ما بيشتروش حاچة غير بالتقسيط.
صاح بكر قبل أن يدلف إلي المسجد:
_ ماشي يا زكريا، آخر مرة عسلفك فيها وأبجي خلي واد خالك مثلك الأعلي يسلفك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتهي من تناول الطعام ونفض يديه، نهض إلي المرحاض فوجدها تسبقه وتحمل بيدها منشفة قطنية، وقفت بجواره أمام الحوض وهو يغسل يديه، فقال ويرمقها بمكر:
_ خير يا نوارة، عايزة أي؟.
أعطته المنشفة ليجفف يديه فقالت:
_ عادي يعني، طول عمري بناولك الفوطة بعد ما بتغسل يدك، فرجت أي المرة دي؟.
حدجها بنصف عين قائلاً:
_ علي أني يابت، ده أني خابرك وعاچنك بيدي، و بعرف الي رايده تجوليه قبل ما تُنطجي.
خرج فتتبعته كظله قائلة:
_ بصراحة إكده، عايزه أروح لأمي أطمن عليها ومنها أقعد معاها أشوفها محتاچة حاچة.
وقف أمام مرآة الزينة يمشط خصلات شعره ثم شعيرات شاربه بمشط صغير:
_ ما كانت عندينا ليلة إمبارح، لحجت تتوحشك جوي إكده!.
تصنعت الحزن وأجابت:
_ چت عاتبتني لأچل وجت ما تعبت وأني ما روحتش ليها يوميها مع خالتي رسمية.
سألها بتهكم:
_ وأي الي مانعك؟.
_ كان عندي شغل كتير في الدار وچه خبر موت عمك قاسم الله يرحمه، وأتلهيت بجي.
قام بلف عمامته البيضاء حول رأسه وقال:
_ روحي ومتغبيش، جبل المغرب تعاودي علي أهنه، أديكي شايفة أبوي تعبان بسبب مجصوفة الرجبة خايتي، وأمي صحتها علي قدها يدوب بتقضي طلبات أبوي بالعافية.
تهللت أساريرها بفرح وقالت:
_ من غير ما تجول يا سيد الناس، ععاود جبل المغربية إن شاء الله.
ضحك من ردة فعلها، جلس علي طرف التخت حتي يرتدي حذاءه فسبقته وتناولت الحذاء لتضعه بقدميه:
_ عنك يا جلبي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وقف الطبيب قبل أن يولج إلي داخل الغرفة ليطمأن علي مريضته، فأنتبه لهما يتمددان علي الأرض ويصدران من فاهما شخيراً مزعجاً، لكز إحدهما وكان دبيكي:
_ أنت يا بلدينا، أنتو فاكرين نفسكو في لوكاندة ولا أي، الله يخربيتكو صوت شخيركو مسمع المستشفي كلها.
لم يستيقظ هذا الدبيكي، فقالت الممرضة التي معه:
_ عن إذنك يا دكتور، دول ما بيصحوش إكده.
و ذهبت مسرعة لتحضر زجاجة مياه وقامت بفتح الغطاء قائلة :
_ بيصحو كيف إكده.
دفعت المياه علي وجوههما، فأستيقظا بفزع ويتمتم كل منهما بكلمات غير مرتبة :
_ أباه، في أي، كيف، ميتي، إحنا فين.
أجاب الطبيب بتهكم عليهما:
_ أنتو في فندق خمس نجوم تحبو نجيبلكو الغدا هنا ولا علي السرير يا حضرات! .
تلفت دبيكي من حوله وقال وهو يحك رأسه أسفل عمامته:
_ مش دي مشتشفي برضك ولا أي عاد؟.
فقال الطبيب:
_ بيقولو كده، يلا أتفضل منك ليه وأستنو المريضة برة المستشفي، وشوية كده وهكتبلها علي خروج وهابقي أبلغكم.
قال دبيكي بحزم:
_ معلش يا دكتور، إحنا مش هنتنجل من أهنه غير بأوامر من رافع بيه أخو الآنسة زينب الي چوه.
همست الممرضة إلي الطبيب:
_ماتتعبش روحك وياهم يا دكتور، دول مش عيتحركو عواصل من أهنه غير بأوامر من كبيرهم بلدياتي وخابراهم زين.
زفر بتأفف وضجر فقال:
_ طيب ممكن توسعو من أدامي عشان أدخل.
أبتعد كليهما من أمام الباب:
_ أتفضل يا دكتور.
دلف الطبيب والممرضة فصاح من الداخل عليهما:
_ أنت يابتاع منك ليه يالي واقفين برة.
ركض دبيكي وتبعه چعيدي إلي الداخل، فقال الأول بتساؤل:
_ في أي يا دكتور؟.
أشار لهما نحو التخت الشاغر مجيباً:
_ فين الآنسه الي المفروض بتحرسوها؟.
أمسكت الممرضة الأنبوب المعلق بالمحلول فتركته، ثم ذهبت إلي المرحاض لتجده فارغاً ولم يوجد أحد، عادت إليهم وقالت:
_ آنسة زينب مش موچودة يا دكتور.
صاح دبيكي بصوته الغليظ:
_ كيف الي عتجوليه دي يا وليه!.
رمقته بإزدراء وصاحت به:
_ وليه في عينك يا بغل أنت.
قال الطبيب:
_ روحي شوفي مين من الممرضات الي كانت بتابعها وأسأليها يمكن تكون خرجت.
صاح دبيكي بعويل:
_ خرچت!، يا واجعة مربربه.
وركض كليهما يبحثان عنها في أرجاء المشفي ولم يجدها إحدا منهما، فقرر دبيكي الإتصال علي رافع وإخباره بهروب شقيقته برغم إنه يعلم عن سيلحقهم بعقاب شديد علي إهمالهما.
وهنا لدي موقف سيارات الأجرة المتجهة إلي محافظة القاهرة ومحافظات الدلتا، كانت تتلفت من حولها، تنظر بذهبيتيها من فتحة غطاء الوجه التي ترتديه، كادت تصطدم بإحدهم الذي قال لها:
_ رايحة علي فين يا مدام؟.
حاولت تغير نبرة صوتها لطبقة صوتية غليظة:
_ أني رايحة مصر (القاهرة).
قال لها متجهاً نحو السيارة:
_ تعالي ورايا.
نظر بداخل السيارة باحثاً عن كرسي شاغر لها، فقال:
_ أتفضلي الكرسي الي عند الشُباك الي چوه.
صعدت درج السيارة ودلفت ثم جلست علي الكرسي، شعرت بوخزة في قلبها فأنتفضت عندما رأت رجال شقيقها، يبدو إنهم يبحثون عنها في المكان، أغلقت النافذة وتصنعت النظر في الهاتف التي أعطته لها سمية، وظلت تراقب بطرف عينها الأوضاع بالخارج عبر النافذة.
صعد السائق قائلاً:
_ كله تمام إكده يا چماعه؟.
أجاب عليه الجميع:
_ أطلع ياسطا، طريج السلامة إن شاءالله.
أدار مشغل السيارة قائلاً:
_ يارب يا مسهل، توكلنا علي الله.
وأنطلقت السيارة بينما ما زال رجال رافع يبحثون ويسألون المارة عن رؤيتهم لزينب هنا أم لا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ نزل من سيارته أمام مبني وزارة الداخلية، فوجد صديقه المقدم طارق المنسي ينتظره قائلاً بقلق:
_ أي الي أخرك كده يابني مش مأكد عليك الميعاد ولا عايز سيادة اللواء يسمعك محاضرة زي المرة الي فاتت؟ .
وقبل أن يجيب أنتابته حالة عطاس قوية، وجفف أنفه بالمحرمة، وقال:
_ الحمدلله، معلش يا طارق باشا، الدائري كان واقف بقاله ساعة.
قال طارق:
_ يرحمك الله، شكلك داخل علي دور برد جامد.
لكزه في كتفه وأردف بمزاح:
_ أرحم نفسك شوية يا سيادة النقيب.
ضحك أكرم فقال:
_ هو أنا أجي فيك أي يا باشا، ده أنت ماشاء الله وحش الداخلية.
قهقه الآخر قائلاً:
_ يانهار قر، يابني ده أنا بقالي شهر مشوفتش المدام بسبب اللجان الي كنا بننزلها والنبطشيات، ولما جيت أقدم علي طلب أجازة مؤقتة جاتلنا مأمورية وكان علي يدك كل حاجة.
_ متفكرنيش، ده أغلب مشاكلي كلها مع مراتي بسبب موضوع المأموريات والنبطشيات ده.
رد الآخر:
_ يجو يشوفو المرار والأرف الي بنشوفه من حرقة دم وأعصاب وأشكال لايعلم بيها إلا ربنا لازم نتعامل معاهم.
وقبل أن يتفوه أكرم صمت وهو ينظر نحو سيارة قد توقفت للتو بالقرب من المبني، فقال:
_ ألحق شوف مين الي جاي.
لكزه طارق بدون أن يلفت نظر ذلك القادم، وهمس:
_ أياك تتكلم معاه في حاجه، أنا عارفك مبتسكتش.
وقف أمامها بتكبر وزهو قائلاً:
_ أزيك يا طارق بيه.
أجاب طارق:
_ تمام، بس أي الشياكة دي كلها.
فقال أكرم بتهكم وبكلمات ذات مغذي :
_طبعاً ما هو ياسر باشا ما بيقبضش قليل.
أبتسم له ياسر إبتسامة صفراء وقال:
_ أنا واحد شايف شغلي صح، الباقي والدور علي مش عارف يقفل قضايا بقالها سنين.
قهقه أكرم وأجاب بسخرية:
_ أصدك شايف مصلحتك صح مع المجرمين والقتالين وبتقفلهم قضاياهم من غير حتي حرف من أسماءهم يجي في المحضر.
صفع طارق جبهته وهز رأسه بقلة حيلة، فأستشاط ياسر غضباً وقال :
_ عايز أي يا أكرم يا عمران، شكلك ما أتعلمتش من أخطاء سيادة اللواء والدك الله يرحمه، وأديك شوفت لما تدخل فلي ملهوش فيه الحيتان عملو فيه أي.
أقترب أكرم منه بوضع الهجوم، فأمسك به طارق:
_ إهدي يا أكرم وتعالي نطلع ملكش دعوة بيه.
أبعد أكرم يد طارق عنه وقال إلي الآخر:
_ سيادة اللواء كان أشرف منك ومن الحثالي الي بتشتغل معاهم، علي الأقل أستشهد بشرف وهو بينفذ القسم زي ما قاله، وقريب أوي يا ياسر يا مدكور لتقع في شر أعمالك أنت والي معاك ودخولكو أبو زعبل هيكون علي أيدي إن شاءالله.
إبتسم ياسر بسخرية وقال:
_ شكل الوالد وحشك أوي وعايز روحك توانس روحه، متقلقش طلبك هتنوله و هيكون علي أيدي برضو.
أقترب من أذنه واردف ليسبر أغواره:
_ أو علي أيد سليم باشا.
قالها و ولج إلي داخل المبني، فقال طارق:
_ مش قولتلك ملكش دعوة بيه يا أكرم، أديك خليتو يحطك في دماغه وربنا يستر.
نظر أكرم بعينيه كالصقر نحو ياسر قائلاً:
_ يبقي يوريني هو والباشا بتاعه، ساعتها هاعرفهم مين هو أكرم عمران علي حق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وكنتو فين يا چلوس الطين منك ليه لما هربت.
صاح بها رافع إلي دبيكي وچعيدي
نظر دبيكي إلي أسفل وأجاب بخزي:
_ والله يا رافع بيه ما أتحركنا واصل من قدام الأوضة، كل الي فاكرينو قبل ما ننام چت البت الممرضة الله يحرجها عطاتنا واكل وشاي وما دراتشي بحالي بعد إكده.
حدجه رافع بنظرات كالنيران المتأججة وقام بصفعهما:
_ البت غفلتكو بالواكل ودستلكو منوم فيه يا خروف منك ليه.
وضع كليهما يديهما علي وجههما يتحسسان مكان صفعته لهما، فقال دبيكي:
_ ما أني سألت عليها وحلفت ما أني سايبها غير وأنا جابصها وعچبهالك لحد عندك، بس...
_ بس أي، أُنطج.
صاح بها رافع
نظر نحو رافع بخوف، فقال:
_ مشيت من المشتشفي وخدت أچازة، وما نعرفلهاش طريج واصل.
_ عشان مشغل معاي شوية نسوان.
_ حجك علينا يا رافع بيه.
أحتدت عينيه ب شر مستطير وقال بتهديد صريح:
_ تغورو من أهنه ومتعاودوش غير والبت الممرضة دي وياكو، قدامكو لحد بكره وإلا أرميكو للمطاريد في الچبل وأجولهم علي الي كان بيبلغ عنيهم الحكومة، ولا أي يا چعيدي.
نظر جعيدي لأسفل صامتاً، فقال دبيكي:
_ أمرك يا كبيرنا.
أشار لهما بإزدراء:
_ يلا غورو من قدامي، جبر يتاويكو ويولع فيكو.
غادر الأثنان مسرعين من أجل إتمام مهمة البحث عن سمية التي كانت تعلم ما سيحدث، فقامت بتقديم أجازة من عملها وأبتعدت عن النجع لدي إحدي معارفها.
رن هاتفه في جلبابه، أخرجه ونظر إلي الشاشة ليجد المتصل به سليم العقبي، فقال قبل أن يجيب عليه:
_ و أهو ده الي كان ناجص، لو چاله خبر بالي حوصل عيجلب الدنيا فوج روسنا، عتچيبلنا العار يا بت ال.....
أجاب علي الإتصال:
_ كيفك يا سليم باشا؟.
............
_ لسه عانروح آخر النهار نطمنو عليها ونشوفو الدكتور يكتبلها خروچ ولا لع.
.........
_ طبعاً عخليها تتحدت وياك علي المحمول أول ما نروحلها.
.........
_ أي خدمات تاني يا باشا؟.
... ......
_ مع السلامة.
أغلق المكالمة وقال:
_ واه يابت ال.... تو ما أشوفك لعطلع روحك في يدي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تسير بخطي سريعة تتلفت يميناً ويساراً ومن حولها، فأوقفتها والدتها التي تنتظرها قائلة :
_ بصي قدامك لتجعي علي وشك يا أخر همي.
أنتفضت بفزع:
_ أباه عليكي ياماه، خلعتيني.
لكزتها في كتفها وقالت:
_ ما أنتي مش شايفة روحك وأنتي بتتلفتي كيف الحرامية.
أقتربت منها وقالت بصوت منخفض:
_ أصلي خايفة ليكون رافع ولا حد من رچالته بيراجبني.
ضيقت سعاد عينيها وقالت:
_ ليه؟، جولتي لچوزك أي عاد؟.
أجابت ومازالت تشعر بالتوتر والقلق:
_ جولتلو إن هاقعد وياكي وأشوف طلباتك وععاود جبل ما الشمس تُغرب.
ربتت عليها وقالت:
_ طب همي لنلحج دورنا جبل ما يقفلو، أنا حاچزة لك من إمبارح، أصلو بالحچز الناس عنديه ياما قد إكده.
_ يارب ياماه تصيب المرة دي ويطلع الشيخ ده بركة وأحبل بجي.
_ اللهم آمين يابتي، ألا جوليلي صوح، أنتي...
أقتربت من أذنها وهمست لها بشئ ما، إبتسمت بخجل وأومأت:
_ أيوه ياماه لسه خلصانة من كام يوم الحمدلله، ودلوق أيام التبويض كيف ما جالتلي الدكتورة جبل إكده.
_ زين جوي.
أوقفت سعاد سيارة أجرة وأخبرت السائق بعنوان الدجال التي أخبرتها به جارتها، كان في قرية نائية يسودها الجهل والفقر، يسيطر فيها هذا الدجال علي سكانها بالخرافات والشعوذة مستخدم السحر والنصب غالباً.
وبعد مرور وقت وصلت السيارة أمام منزل ينقبض منه صدرك بمجرد النظر إليه من أول وهلة، ترجلت سعاد وإبنتها التي تشبثت بخوف بها:
_ أنا خايفة ياماه ومش مطمنه واصل.
قالت سعاد وهي تجذبها من يدها:
_ أچمدي يابت وماتبجيش كيف العيل الصغير، وأهه علي يدك روحنا لكذا حكيم وحكيمة وكلاتهم جالو لك مافيكيش حاچة تمنع أنك تحبلي، يبجي العيب منين بجي!.
_ جصدك سي رافع؟.
_ هو ليكي چوز غيره!، أموت وأعرف ماله رافض يحلل ليه إلا وإذا فيه حاچة ومخبي عليكي، و خالتك وچوزها ملهمش كلمة عليه.
صاحت نوارة:
_ تفي من خشمك ياماه، سي رافع راچل ولا سيد الرچالة، لسه ربنا مش رايد أحبل دلوق.
دفعتها والدتها بحنق وقالت:
_ يلا يا حيلة أمك قدامي بدل ما أولع فيكي وأرتاح منك.
وبالداخل توجد ردهة كبيرة لإستقبال زوار هذا الدجال، أغلبهم من النساء، كل منهن تنتظر دورها لايعلمن أن مايفعلونه من اللجوء لهذا الساحر المشعوذ هو من أكبر الذنوب والخطايا، التي تُعد شركاً بالمولي عز وجل.
وقفت سعاد أمام مكتب صغير تجلس خلفه سيدة ترتدي عباءة و حجاب لونهما أسود، قالت لها:
_ أؤمري يا حاجة.
أجابت سعاد:
_ الأمر لله يابتي، أنا الي أتحدت وياكي في المحمول إمبارح وحچزت بإسم نوارة بتي.
قالت السيدة:
_ أيوه حضرتك الحاجة سعاد، أتفضلي أستريحي أنتي وبنتك، أدامكو حالتين وأنتو بعديهم، بس تدفعو قبل ما تتدخلو.
_ كام يابتي؟.
رمقت السيدة نوارة بتفحص فوجدت مظهرها مهندماً وتبدو ميسورة الحال، فقالت بمكر:
_ ألف جنيه.
أخرجت نوارة من حقيبتها المبلغ و وضعته أمامه قائلة:
_ علي الله يچي بفايدة والشيخ بتاعك دي يحقق لي الي ريداه.
أخذت السيدة المال و وضعته في درج المكتب وقالت:
_ ده سيدنا الشيخ برهوم بركة وبكرة هاتشوفي لما يتحقق مرادك ياشابة.
قالت سعاد:
_ يسمع من خشمك ربنا يابتي.
وبعد إنتظار نصف ساعة، خرجت السيدة من غرفة الشيخ الدجال منادية عليها:
_ مدام نوارة.
أنتفضت الأخري وتشبثت بيد والدتها، ربتت سعاد عليها تطمأنها:
_ أهدي يابتي وماتبجيش چبانة عاد.
ردت بخوف جلي:
_ جلبي مش مطمن ياماه، وحاچة چوايا بتجولي أمشي من أهنه.
دفعتها سعاد أمامها بضجر:
_ همي قدامي بكفياكي دلع ماسخ.
طرقت السيدة الباب وقامت بفتحه قائلة:
_ أتفضلو.
دلفت سعاد وإبنتها تتعلق بزراعها مثل الطفلة الخائفة، تتأمل محتوي الغرفة ذات الإضاءة الخافتة ويملؤها دخان البخور الكثيف ممتزج به روائح أعشاب، ينبعث من صحن كبير يتوسط مجلس من الكراسي الخشبية العريضة وأوسطهم يجلس عليه رجل أربعيني يبدو علي ملامح وجهه المريبة المكر والدهاء، منذ دخولهما وعينيه تتفحص نوارة من قمة رأسها إلي قدميها.
أخذ يتمتم في سره ببعض الكلمات فأزدادت الجمار توهجاً وألقي عليها القليل من البخور فتصاعد الدخان.
قالت سعاد بإجلال وإحترام:
_ السلام عليكم ياسيدنا الشيخ.
أشار إليهما بالجلوس قائلاً:
_ أقعدي يا سعاد يابنت حسنات.
قالت بتعجب وهي تنظر لإبنتها:
_ ماشاء الله، خابر كيف إسم أمي الله يرحمها، مش جولتلك يابتي ده شيخ بركة.
فقال الدجال لها وهو ينظر إلي الصحن:
_ علتك يا نوارة بنت سعاد هي إنك متجوزة من سنتين ولسه مخلفتيش.
أجابت نوارة بتردد:
_ أ، أيوه يا سيدنا الشيخ.
صاح وهو يلق بالبخور مرة أخري:
_ كله بأمر الله، كله بأمر الله.
وأخذ يتمتم مرة أخري في سره، ثم أردف بصوت مسموع ويرمقها بنظرة دهاء كالذئب:
_ أطمني كلها أيام لحد ما يجي الميعاد وتنولي المراد، وكله بأمره، كله بأمره.
فأشار إلي سعاد قائلاً:
_ معلش يا حاجة هتستنيها بره، لحد ما نخلص الجلسة وهابقي أنده عليكي.
نهضت قائلة:
_ أمرك يا سيدناالشيخ.
أمسكت نوارة بيدها وهي تنظر نحوه بخوف:
_ خليها معاي يا سيدنا الشيخ.
رمقها بتحذير وقال:
_ الأسياد طالبينك أنتي ياصاحبة العلة، وإلا مش هيحققولك مرادك.
قالت والدتها لها:
_ إسمعي كلام الشيخ هو خابر شغله وبينفذ طلبات الأسياد، ماتخافيش أنا عستناكي بره ولو فيه حاچة أبجي نادمي عليا وأني أچيلك.
تركتها وغادرت الغرفة، فأصبحت الأخري بمفردها أمام هذا الماكر، أخذ من جواره محرمة قطنية بيضاء يقدمها إليها:
_ خدي المنديل ده وقربيه من شفايفك وأنتي بتدعي في سرك باللي نفسك فيه كذا مرة.
تناولت منه المحرمة بتردد، فوضعتها أمام شفتيها وأخذت تدعو بما تريد، كانت دعواتها مابين أن يرزقها الله بالذرية ومابين أن يهدي لها قلب زوجها ويصبح حنون وعاشق لها.
ظلت هكذا لدقيقة، حتي بدأت تشعر بالدوار، تركت المحرمة من يدها وتقول بصوت كالمغيبة:
_ أي ده، أنا، أنا....
وبمجرد أن غابت عن الوعي، أبتسم الآخر وينظر لها بإشتهاء، نهض مسرعاً ليحملها علي زراعيه ودلف بها إلي غرفة داخلية متفرعة من غرفته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستيقظت علي رنين هاتفها المزعج الذي لم يكف عن الإتصالات الواردة إليها منذ الصباح ، فقامت برفض المكالمة لاتريد أن تتحدث مع أحد، كما لم تذهب إلي عملها اليوم.
وقبل أن تترك هاتفها لاحظت بوجود رسالة واردة علي تطبيق الرسائل الشهير من رقم غير مسجل، أنتفضت من فراشها عند قراءة محتواها وكان كما يلي:
( فاكرة إنك لو بعدتي عني هاسيبك في حالك، هابعتلك تذكار صغير يفكرك بطلبي الي لو منفذتهوش يبقي متزعليش من الي هيحصل )
قامت بفتح محتوي الرسالة من داخل التطبيق لتشاهد الصورة المرسلة إليها، شهقت بصدمة:
_ يا نهار أسود، يانهار أسود.
ظلت ترددها وهي تضع كفها علي فمها،
فكانت الصورة تجمع بينها وبين علي، تجلس علي فخذيه وزراعه ملتفه حول خصرها، يحتويها بحميمية، وكانت تبتسم إلي عدسة التصوير،بينما هو عينيه تنظر نحوها بعشق وهيام.
لم يمهلها رؤية الرسالة والصورة حيث ظهرت له علامة رؤيتها لها، فقام بالإتصال عليها، وعندما أتاها الإتصال ألقت بالهاتف أمامها علي الفراش بذعر وخوف، حتي أنتهي الرنين فعاد مرة أخري ولم تجد سوي مواجهته حتي لايظن إنها تخشاه وتخاف من تهديداته، أعتدلت وتصنعت القوة في نبرة صوتها:
_ عايز أي يا علي.
_ الناس تقول ألو، أزيك، عامل أي، وحشتني.
أزدردت ريقها ثم صاحت به:
_ بلاش الأسلوب ده معايا أحسن ل....
قاطعها قائلاً :
_ ما تهدي علي نفسك وبلاش تهور، وقبل ما تهددي بكلام عبيط، خليكي أده الأول، عشان عارف ومتأكد إنك أول ما شوفتي رسالتي وصورتنا قلبك زمانه وقف من الخضة، و وشك جاب ألوان من الرعب، تخيلي معايا كده لو صورة زي دي أتبعتت لسيادة النقيب، الفضول هيموتني وأشوف وشه وقتها.
نبرته الإستفزازية الساخرة أثارت غضبها:
_ أنت و.... وقذر وحيوان، روح ربنا ياخدك.
وأغلقت المكالمة بل والهاتف أيضاً حتي لا يحاول الإتصال بها مرة أخري.
نهضت من فراشها وذهبت إلي المرحاض، فتحت الصنبور وأخذت تغترف المياه بكفيها وتلقي بها علي وجهها المحتقن بالدماء، نظرت إلي صورتها المنعكسة علي المرآه ثم أجهشت بالبكاء، لم تتحمل ذلك الضغط النفسي الذي يهدد حياتها مع زوجها، أخذت تفكر كثيراً حتي توصلت إلي قرار وهو عليها بالمواجهة وأن تخبر زوجها عند عودته من العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وفي غرفة الزيارات بالمخفر التابع للنجع، دلف فارس باللهفة عندما علم بزيارة العم جابر له ليطمأنه عن معشوقته حيث جفاه النوم منذ البارحة عندما علم بدخولها المشفي.
_ طمني ياعم چابر، زينب بخير؟ .
نظر لأسفل بحزن ما أثار الخوف لدي الآخر، فقال بذعر:
_ زينب چارلها حاچة؟.
أجاب العم جابر:
_ النچع كله محدهوش خبر غير سيرة زينب هربت من المشتشفي، ورچالة واد عمك جالبين الدنيا عليها، وحديت الناس كيف الرصاص خصوصاً لما عرفو سبب دخولها.
كان فارس مستمعاً له بإهتمام بالغ، فقال:
_ كمل ياعم چابر.
فقال الآخر وعينيه يملؤها الحزن:
_ جطعت شرايين يدها.
أتسعت عينيه بصدمة:
_ واه، كيف حوصل دي! ، أني خابرها عاد عمرها ما تفكر إكده واصل.
أجاب بتردد فكان لا يريد أن يخبره حتي لايزيد من همه وحزنه:
_ أصل يا ولدي....
صمت، فقال فارس بتوسل ممسكاً بيده:
_ أبوس يدك ياعم چابر ريح جلبي و جولي علي كل حاچة.
زفر بسأم وقال:
_ أمري لله، ليلة إمبارح الچيران شافو راچل هيبة جوي و كانو وياه رچالة كتير وجفو برة دار عمك والراچل و واحد تاني معاه دخلو بيسألو عن رافع، وبعد ما چالهم واد عمك وخلصو جعدتهم بعديها سمعو عويل وصريخ زينب والي فهموه من حديتها إن الراچل دي چاي طالب يدها وهي مش موافجة و عمك و ولده باينهم وافجو وعبيغصبوها توافج هي كمان.
أنتابته رجفة تسري في عروقه يليها شعور بالقهر والذل، يريد الصراخ بكل ما لديه من طاقة، لما يحدث معه كل هذا، ما الذي أرتكبه حتي تتوالي عليه المصائب هكذا بلا هوادة!.
أطلق زفرة خرجت من أعماقه قائلاً وهو ينظر لأعلي:
_ يارب، أنت الي عالم بالي چوايا، ألطف بحالي وأرفع عني البلاء.
قام العم جابر بمواساته حتي أنتهي وقت الزيارة وعاد إلي خلف القضبان، منهك القوي والتفكير فيما قيل له، ذهب لقضاء حاجته في مكان مخصص بإحدي أركان الزنزانة وعاد ليجلس في مكانه لكن خانه جسده ولم يتحمل فسقط مغشياً عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ علي أرض طيبة تشتعل الأضواء الملونة فوق خشبة المسرح، والذي أنشئ تحت رعاية كبار رجال الأعمال لإفتتاح هذا الفندق المبني علي الطراز الفرعوني القديم، بدأ الأحتفال وبدأت الموسيقي ليعلن هذا الشاب قائلاً:
_ والآن لنفتتح الحفل بفقرة من الفلكلور المصري ومعكم الراقصة اللولبية سمارة.
ظهرت من بين الأضواء إمرأة ترتدي ثوب الرقص الشرقي مثلما الذي كان يرتدونه الراقصات في حقبة الخمسينات في القرن الماضي، تتمايل علي أنغام الموسيقي بخصرها المنحني مثل آلة الكمان وخصلات شعرها الكستنائية تتطاير من حولها، ترقص بإحترافية جعلت كل من يشاهدها يصفق لها بحرارة بعدما أنتهت.
عادت إلي الداخل فأستقبلتها مساعدتها تضع عليها رداء حريري:
_ كنتي هايلة يا أبلتي ومولعة المسرح.
_ أسكتي يابت يا نواعم أنا أول ما طلعت علي خشبة المسرح وشوفت البهوات أم بدل وأنا قلبي أنقبض، كان عنده حق الولاه زيزو لما قالي هتحسي بفرق رهيب وأنتي بترقصي مابين الكباريه ومابين حفلة معمولة لكبار رجال الأعمال.
_ عقبال ما يجيلك حفلات برة مصر بقي يا أبلتي ونسافر ونلف الدنيا وتبقي أشهر من الرقصات الكسر الي طالعينلنا اليومين دول إيشي جوهرة ولا لوردينا ولا بتنجانه دي، البلدي مفيش أحسن منه.
دلفت كلتاهما إلي داخل الغرفة لتبدل ثيابها، تفاجاءت بمن يجلس أمامها علي الكرسي ويزفر دخان سيجارته في الهواء.
_ بسم الله الرحمن الرحيم، خضتني يا سي زيكو.
ألتفت إلي مساعدتها وأردفت:
_ أطلعي أنتي يا نواعم أستنيني بره.
فقالت الأخري:
_ حاضر يا أبلتي.
ورمقت زكريا بإزدراء قبل أن تغادر الغرفة.
ركضت نحوه بللهفة وشوق لتعانقه:
_ واحشني أوي يا ولاه، كل ده غياب.
أبعدها عنه ممسكاً بعضديها قائلاً بمكر :
_ أتوحشتك كيف وأنتي فضلتي شغلك عني لما خيرتك مابيني وبينه.
نهضت وقالت بإعتراض:
_ كله إلا شغلي يا روحي أنا، وقولتلك قبل كده أنا ممكن أبطل رقص في حالة واحدة.
أقتربت منه وجلست أمامه علي ركبتيها ثم وضعت كفيها علي لحيته المشذبة تتلمسها بأناملها :
_ لو كتبت عليا رسمي، وقتها هاعيش خدامتك العمر كله، ومفيش راجل هيشوف مني شعرايه واحده غيرك.
عاد بظهره إلي الوراء يزفر دخاناً كثيفاً من فمه ولم ينظر إليها، قائلاً:
_ جولتلك جبل إكده مليش في الرسمي يا بت الناس.
نهضت من أمامه وقالت بصدمة:
_ ملكش في الرسمي ولا بتستعر مني!، خايف لأهلك يسألوك مين دي تقولهم دي سمارة الرقاصة! .
زفر بتأفف وقال:
_ ولما أنتي خابره الحكاية زين جوي إكده، ليه كل ما نتجابل تعيدي وتزيدي في حديت ملهوش عزا، أنا ما بصدج أچي أجعد وياكي ونتبسط يبجي لازمته أي العكننه دي عاد.
أستدارت نحو طاولة الزينة وجلست أمامها تبكي:
_ الحق عليا أنا الي أتشك في قلبي الي سلمتهولك، قولت يابت ده غير كل الرجالة الي طمعانين فيكي وشايفينك جسم وبس، لاقيتك الوحيد الي شايفني من جوايا حاسس بيا وحبيت سمر مش سمارة الرقاصة.
شعر بالذنب من حديثه الفذ معاها، نهض وذهب نحوها، دنا منها واضعاً يديه علي كتفيها:
_ خلاص كفياكي عويل، أديكي جولتي أني بحبك، خابره ليه؟، لأنك شبهي تمام، چواتك إنسان ضعيف جلبه كيف العصفور والناس عبتشوفك من بره واحد عايز الحرج.
أبعدت يديه عنها وقالت بإمتعاض:
_ مبقتش أكل من كلامك ده، خلاص حفظتك، ما أنا الحضن الحنين الي بتيجي له عشان تفضفض له بالي جواك، وأنا الهبلة الي بطبطب وتهون عليك، متعرفش أنا الي محتاجة الطبطبه دي.
وضع يديه علي خصرها وجعلها تنهض وتلتفت إليه قائلاً بنبرة تعزف علي أوتار قلبها:
_ ما أني چايلك أهو لأچل أطبطب وأدلع فيكي يا كيف القشطة والمهلبية، ولا أي يا عروسة.
نظرت له من بين عبراتها بخجل، إحساس لا ينتابها سوي معه فقط، أقترب منها ليعانقها وقام بإسدال الرداء من عليها وأحتضنها بقوة قائلاً :
_ بموت فيكي ياسمارة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتهي لتوه من عمله علي الحاسوب، حيث يباشر أعماله من خلاله، خرج إلي الشرفة ليستنشق الهواء ورائحة الزهور العطرة التي تملئ حديقة قصره، عاد إلي داخل غرفته بعدما سمع طرقات علي الباب، أرتدي معطفه علي جذعه العاري، ليفتح ويجد الخادمة تخبره بدون أن تنظر له مباشرة:
_ سليم بيه، صلاح بيه جه ومستني حضرتك تحت.
قال لها بأمر:
_ أعملي واحد قهوة سادة و واحد إسبريسو وهاتيهم علي المكتب.
أومأت له بطاعة قائلة :
_ أمرك يا بيه.
عاد إلي الداخل وهو يقول:
_ غريبة جاي من غير إتصال وكمان الوقت متأخر مش عادة صلاح.
وذهب ليبدل ثيابه بقميص وبنطال من القطن الأسود، لونه المفضل كما في الفراش والأثاث وألوان الجدران المطليه بالأسود والرمادي.
يقف صلاح منتظراً إياه أمام الدرج بالأسفل، يزفر بضيق لايعلم كيف يخبره بما لديه، فهو يخشي ردة فعله وغضبه الذي سيحرقهم جميعاً، أنتبه إليه يهبط الدرج ويقول بمزاح ليس من شيمه :
_ للدرجدري لحقت أوحشك كده! .
أجاب الآخر يحاول أن يمهد له الخبر رويداً:
_ أنا كنت هاكلمك فون بس الي جايلك فيه مينفعش مكالمة، ولازم نفكر بهدوء وعقل ومن غير أي تهور ممكن تندم عليه.
تجهم وجه سليم فقال:
_ أي الي حصل؟.
أجاب:
_ أوعدني إنك هاتتصرف بعقل.
صاح بزمجرة:
_ أنجز يا صلاح وهات الي عندك.
رد قائلاً :
_ الرجالة الي بتبلغني بأخبار رافع أول بأول، لسه مكلمني وبلغوني الدنيا كلها مقلوبة في النجع عن الآنسة زينب بعد ما أكتشفو إنها هربت من المستشفي.
يستمع لكلماته وبداخله بركان تدفق حممه شيئا فشيئاً حتي أخترق سمعه كلمة هروبها فأنفجرت وتقاذفت تلك الحمم التي ستحرق كل ما يقابلها، صاح بصوت مرعب في أرجاء القصر:
_ فوزي.
جاء له رئيس الحرس خاصته قائلاً :
_ أمرك يا سليم بيه.
_ حضر العربيات والرجالة حالاً، هنرجع علي قنا.
قال فوزي:
_ أمرك يا باشا أعتبره حصل.
قال صلاح:
_ سليم، أستني بس أنا بقولك أخوها مخلي رجالته قالبين عليها الدنيا، ومينفعش إحنا نتدخل كل الي يربطك بيها قراية فاتحة م...
قاطعه سليم بصوت مخيف وملامح تدب الرجفة في قلوب من يراه:
_ صلاح، مش عايز كلام كتير، أنا عارف أنا بعمل أي، ومحدش هيلاقيها غيري.
ظهر بريق في ظلمة عينيه وبداخله يتمتم قائلاً :
_ أهربي علي أد ما تقدري، شكلك ماتعرفيش لسه مين هو سليم العقبي يا زينب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ قاربت الساعة علي الواحدة بعد منتصف الليل، لكن ما زالت شوارع القاهرة مزدحمة بالسائرين فمنهم العائد من عمله، ومنهم من يتجول بلا هدف، وكان الحال في المنازل، هناك من يحب السهر أمام التلفاز أو الحاسوب.
وفي هذا المنزل البسيط بحي مصر القديمة حيث المباني ذات الطراز المعماري الإسلامي المنتشرة هناك.
تنتهي تلك الفتاة من جلي الصحون للتو، وتناولت خاتم الخطبة خاصتها من فوق الطاولة الرخامية لترتديه، ثم ذهبت لتطمأن علي والدتها فوجدتها تمسك بالمصحف الشريف وتتلو بعض السور كما تفعل كل يوم.
تركتها في خلوتها مغلقة الباب، وذهبت لتري ماذا يفعل شقيقها الذي يصغرها بثلاث سنوات، وقبل أن تطرق الباب أنتبهت إلي أصوات يبدو إنها صادرة من حاسوبه، مهلاً تلك الأصوات تعلمها جيداً أستشاطت غضباً وفتحت الباب علي مصرعه لتجده كما ظنت.
فصل التيار عن الحاسوب، صاحت به:
_ مش هتبطل تتفرج علي الأرف ده؟، هتكبر وتعقل أمتي يا أخي.
نهض وأشاح بيده في وجهها:
_ وأنتي أي الي يدخلك أوضتي وتحشري نفسك في الي ملكيش فيه.
_ دخلت عشان أقفشك و أعرفك إنك عمرك ما هاتتغير طول ما أنت بعيد عن ربنا،، لابتصلي ولا بتصوم و عايشها زي ما أنت عايز، فاكر الدنيا دايمة لك.
نهض ليدفعها إلي الخارج قائلاً :
_ خليكي في حالك يا ست الداعية ، أنا الي هتحاسب مش أنتي.
وأوصد الباب في وجهها، صاحت بحنق:
_ لولا بابا الله يرحمه وصاني عليك مكنتش عبرتك وسبتك تولع بجاز، كتك الأرف عيل فاشل وصايع زي الشلة الفاسدة الي ملموم عليهم.
أنتبهت لصوت والدتها تناديها:
_ ريهام، يا ريهام.
قالت وهي تذهب:
_ حاضر يا ماما جاية.
ذهبت إليها فقالت لها والدتها:
_ ينفع كده صوتكو جايب آخر الدنيا والجيران زمانهم سمعو بينا!.
زفرت بضيق وقالت:
_ يا ماما غلبت مع إبنك ده، كليته ومش عارفه يخلصها وعمال يدبلر كل سنة والي أده بيشتغل وبيبني مستقبله وده مورهوش غير إنه ينزل طول النهار مع أصحابه الصايعين ويجي بالليل يترزع أدام الكمبيوتر والبلاوي الي بيتفرج عليها.
_واحدة واحده وهيتغير، أنصحيه براحه وبلاش أسلوب الزعيئ والسخرية منه، ما أنتي عارفاه عنيد ودماغه ناشفه ولو ناوي يتغير هيعند ويسوء في الغلط.
_ يا أمي أنا والله خايفة عليه عايزه أشوفه أحسن واحد في الدنيا وأتباهي بيه، يعني عاجبك لما أحمد خطيبي شافه في النادي عنده قاعد مع بنات شكلهم مش تمام وفي أوضاع زي الزفت وبتوع الأمن مسكوهم وكانو هيطلبولهم البوليس، لولا أحمد تدخل ليهم كان زمان المحروس مشرف في القسم، خلاني في نص هدومي أدامه وهو بيحكيلي.
تنهدت والدتها بحزن وقالت بقلة حيلة من هذا الأبن العاق والفاسد:
_ حقك عليا يابنتي، أنا هاقعد معاه وهافهمه، وأحمد أبقي خليه يكلمني عشان أعتذر له.
كادت تتحدث فقاطعها رنين جرس المنزل، فقالت:
_ ده مين ده الي جاي في نص الليل.
أرتدت إسدال الصلاة وذهبت:
_ حاضر، ثواني.
نظرت من العدسة فوجدت سيدة منتقبة، شعرت بالقلق وقالت:
_ مين حضرتك؟ .
أجابت السيدة المجهولة وهي ترفع غطاء وجهها:
_ أني زينب القناوي يا ريهام.
ـــــــــ
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية