رواية قانون يونس الفصل الخامس 5 - بقلم الكاتبة نوح
حين يحترق قصر الشيطان
لا يطلب النجدة بل يقف أمام اللهب ليتدفأ ويصنع من رماده حبراً يكتب به شهادة وفاة أعدائه
محامي الشيطان الذي روضته ملاك العدالة
تسمرت ورد في مكانها وكأن الكلمة التي نطقها يونس قد سحبت الأكسجين من قاعة المحكمة
(ورد الرشيدي).. نطقها ببرود تام بينما كان مساعده يلهث خلفه مرعوباً من خبر احتراق المكتب الرئيسي.
هل كان يتلاعب بها منذ اللحظة الأولى؟ هل كانت مجرد فأر تجارب في معمله السام؟
توقعت أن يهرع يونس لإنقاذ إمبراطوريته لكنه بدلاً من ذلك اقترب منها بخطوة بطيئة
وعيناه لا تفارقان عينيها المتسعتين برعب.
هل ظننتى حقاً يا ورد أن فتاة حديثة التخرج يمكنها اختراق ترسانة يونس العامري بسيرة ذاتية مزورة ونظارة طبية؟
همس بصوتٍ قوي واضعاً يده في جيب بنطاله كأن شيئاً لا يحترق في الخارج.
أنت... حاولت أن تتحدث لكن الكلمات اختنقت في حلقها.
أنا ماذا؟ شيطان؟ مختل؟ قاطعها بابتسامة جليدية.
لقد سمحت لكى بالدخول لأنني أُفضل أن أحتفظ بأعدائي تحت نظري.
لكن يبدو أن هناك مَن هو أكثر غباءً منكى وقرر أن يلعب بالنار حرفياً
استدار فجأة ومشى بخطوات واسعة نحو المخرج لم تجد ورد مفراً من الركض خلفه.
خارج المحكمة قفز يونس إلى سيارته وأشار لها بالركوب.
انطلقت السيارة كقذيفة غاضبة شقت الشارع
كان يونس يمسك بعجلة القيادة بيد واحدة
وباليد الأخرى أجرى اتصالاً هاتفياً لم يتحدث فيه عن إنقاذ الأرواح أو الأثاث
بل قال جملة واحدة بصرامة
افصلوا الخوادم (السيرفرات) المدمجة في الطابق السفلي فوراً دعوا الورق يحترق لا يهمني
أدركت ورد حينها مدى واقعية هذا الرجل
إنه لا يبكي على المظاهر
المعركة الحقيقية في عصر القوة هي البيانات والمعلومات
وصلا إلى موقع البرج.
كانت سيارات الإطفاء تملأ المكان بضوئها ورائحة الدخان الأسود تخنق الأنفاس
الطابق الخامس عشر ـ حيث مكتبه ـ كان يخرج ألسنة اللهب من النوافذ المحطمة
وقفت ورد تنظر بصدمة بينما وقف يونس بجانبها
يراقب احتراق مملكته ويداه في جيوبه
بتعبير خالي من أي مشاعر
رأفت بيه لم يفعل هذا أليس كذلك؟
سألته ورد بصوت يرتجف من هول المشهد.
التفت إليها يونس وعكست النيران المشتعلة بريقاً مرعباً في عينيه
رأفت بيه مجرد بيدق تافه
من أحرق مكتبي هو الشخص الذي أرسل لكى المكالمة المجهولة بالأمس
الشخص الذي يريد رأسي والذي استخدم أخاكى أحمد ككبش فداء منذ ثلاث سنوات
اتسعت عينا ورد وشعرت كأن الأرض تدور بها.
ماذا تقول؟ أخي لم يكن كبش فداء لأحد.. أنت من دافع عن القاتل وأخرجه براءة
صرخت والدموع تشق طريقها على وجهها الملطخ برماد الجو.
أمسك يونس بكتفيها بقوة جعلتها تتأوه
وقرب وجهه منها
أنا محامى يا ورد.. وظيفتي هي استغلال القانون لإنقاذ من يدفع.
لكنني لست قاتلاً
الرجل الذي برأته أنا في قضية أخيكى لم يكن هو الفاعل الحقيقي
كان مجرد واجهة لـ (حوت) أكبر. حوت قرر اليوم أن يحرق مكتبي لأنه يعلم أنني أملك الدليل الذي يدينه
وأنني كنت أستعد لفضحه
أفلتها بقسوة وأخرج الظرف الأسود الذي أعطاها إياه في المحكمة
ـ الظرف الذي يحتوي على صور ابتزاز الشاهد ـ ودسه في يدها المرتجفة.
اللعبة تغيرت الآن يا ورد. لم تعد مواجهة بين ملاك و شيطان
نحن الآن في خندق واحد
في خزانتي السرية التي لا تطالها النيران في ذلك البرج
يوجد الملف الأصلي لمقتل أخيكى إذا أردتى الحقيقة والانتقام لمن دمر عائلتك حقاً
فستذهبين الآن لتسليم هذا الظرف وابتزاز الشاهد لصالحي لتكسبي لي بعض الوقت لأرتب أوراقي
نظرت ورد إلى الظرف وكأنه جمرة من نار
ثم نظرت إلى يونس الذي كان يقف ب غضب وسط الرماد.
أنت بتطلب مني أن أبيع شرفي ومبادئي لأجل الانتقام؟ همست بانهيار
رد يونس بصوت حاد
المبادئ لا تعيد حق الموتى يا ورد
القوة تفعل
هل ستسقطين معي في الوحل لنجد الحقيقة؟
أم ستعودين لتبكي على قبر أخيكى بضمير مرتاح ويدين نظيفتين؟
تركها وسط زحام رجال الإطفاء والشرطة
ومشى تاركاً إياها أمام أشرس اختبار في حياتها
اختبار لا توجد فيه إجابة صحيحة
بل توجد فيه فقط إجابة تضمن البقاء للاقواياء
•تابع الفصل التالي "رواية قانون يونس" اضغط على اسم الرواية