رواية خلف أسوار الجليد الفصل الخامس 5 - بقلم نور سيف

 رواية خلف أسوار الجليد الفصل الخامس 5 - بقلم نور سيف

ظنّت أن أصعب شيء في حياتها هو مواجهة عاصفة رملية في الصحراء لكنها اكتشفت أن الأصعب هو مواجهة رجل تحبه كل صباح في المصعد وهي تتظاهر أنها لا تشمّ عطره

خلف أسوار الجليد
الفصل الخامس
للكاتبه نور سيف

السبت.

أول يوم عمل بعد العودة من الصحراء.

الساعة السادسة صباحًا.

وقفت نور أمام خزانة ملابسها الصغيرة المتواضعة — خزانة من أيام ما قبل الميلاد ببابين أحدهما لا يُغلق والآخر لا يُفتح — تحدّق في محتوياتها بعين ناقدة.

— القميص الأبيض؟ لا. لبسته أول يوم. هيفتكر إني مليش غيره.

ثم توقفت.

— ما هو مين قال إنه أصلاً بيلاحظ أنا لابسة إيه؟!

ثم أضافت وهي تسحب بلوزة كحلي:

— ومين قال إني عايزاه يلاحظ؟!

صوت أمها من المطبخ:

— يا نور! إنتِ بتتكلمي مع مين يا بنتي من الصبح؟

— مع نفسي يا ماما!

— يا ساتر! هو إنتِ لسه بتعملي كده؟ ما قلتلك روحي للدكتور!

— يا ماما! أنا بختار هدومي!

ظهرت أم نور — السيدة فاطمة — في باب الغرفة.

سيدة في الخمسينيات ممتلئة الجسم بوجه دائري طيب وعينين ذكيتين لا تفوتهما شاردة ولا واردة

تمسح يديها في فوطة المطبخ وتنظر لابنتها بعين الصقر.

— بتختاري هدومك من الساعة ستة الصبح؟ يعني في حد هتقابليه مهم؟

— ماما! أنا رايحة الشغل مش رايحة فرح!

اقتربت أم نور وجلست على السرير ونظرت لابنتها بتلك النظرة التي تعرف بها كل أم في الكون أن بنتها تخبّئ شيئًا

— يا نور.

— أيوه يا ماما.

— بصّيلي في عيني.

— مش هبصّلك في عينيك!

— بصّيلي يا نور جمال عبد الحميد!

نظرت نور لأمها.

ابتسمت أم نور ابتسامة انتصار:

— في واحد.

— مفيش حد!

— في واحد وعنيكِ بتقول كده. أنا ولدتك يا بنتي. أعرف لون عينيكِ وهي بتكدب. هو مين؟ واحد من الشغل؟

— ماما والنبي ماما!

— طب هو شكله إيه؟ طويل ولا قصير؟ بيشتغل إيه؟

— يا ماما!

— عنده عربية ولا لأ؟

— ماما أنا هتأخر على الشغل!

خطفت نور البلوزة الكحلي وشنطتها وجرت نحو الباب.

صاحت أم نور من ورائها:

— يا نور! لو هو كويس هاتيه يشرب شاي عندنا! وقوليله أنا بعمل بسبوسة تحفة!

وصوت نور من السلّم:

— مع السلاااامة يا ماما!

ثم همست لنفسها وهي تنزل الدرج:

— بسبوسة! ماما عايزة تأكل آدم الصياد بسبوسة! الراجل اللي بيشرب قهوة من غير سكر! لو ماما شافته هتحطله سكر في حياته غصب عنه.

ثم ضحكت.

ثم توقفت عن الضحك.

ثم قالت بصوت أكثر جدية:

— بس ماما شافت حاجة في عيني... يعني فعلاً باين عليا؟

ثم ضربت جبهتها بكفها:

— يا نور يا مصيبة! لو ماما شافتها في ثانية يبقى أي حد ممكن يشوفها! يبقى هو ممكن يكون شافها!

نزلت باقي السلّم وهي تدعو:

— يارب يكون من النوع اللي مش بيلاحظ. يارب يكون أعمى مشاعر. يارب يارب يارب.

الساعة الثامنة والربع صباحًا.

مبنى مجموعة الصياد للسياحة.

دخلت نور البهو الرخامي بخطوات واثقة ظاهريًا ومرتبكة باطنيًا.

البلوزة الكحلي مكوية بعناية وشعرها مربوط في ذيل حصان أنيق ووجهها بمكياج خفيف — كحل رفيع وملمّع شفاه شفاف فقط.

— صباح الخير يا نور!

كريم. واقف عند المصعد بكوب شاي وابتسامة تشبه ابتسامة طفل ينتظر الفرجة.

— صباح الخير يا كريم.

— إيه أخبار الصحرا؟ سيف حكالي كل حاجة. حكاية المقلاة. حكاية الجردل. حكاية العاصفة. حكاية الشاي بالنعناع. حكاية...

— سيف حكالك كل ده؟!

— سيف مش بس حكالي. سيف عامل مجموعة واتساب اسمها "عملية تذويب الجليد" وحاطط فيها تحديثات يومية.

فغرت نور فمها:

— مجموعة واتساب؟! مين فيها؟!

— أنا وسيف وحسن وسمية بتاعة الاستقبال وعم رضا بتاع الأمن اللي شافك في كاميرا المصعد وإنتِ بتزعقي.

— عم رضا كمان؟!

— عم رضا ده أكتر واحد متحمس. بيقول "البنت دي هتخلّي آدم بيه يرجع زي الأول." وحاطط صورتك بروفايل المجموعة.

شعرت نور بالدم يصعد لوجهها حتى أذنيها:

— يا كريم! أنا موظفة جديدة في فترة اختبار! لو آدم باشا عرف إن في مجموعة اسمها كده هيمشّيني ويمشّيكم كلكم!

— ما هو عشان كده المجموعة مشفّرة ببصمة الوش. احنا محترفين يا نور.

قبل أن تردّ فُتح باب المصعد.

ووقف بداخله — كأن القدر يكتب سيناريو بنفسه — آدم الصياد.

بذلة سوداء. قميص أبيض. ربطة عنق رمادية. شعر مسرّح بعناية. وجه كأنه منحوت من رخام مصقول

ورائحة عطره — تلك الرائحة انسابت من المصعد كموجة غير مرئية ضربت نور في وجهها.

عادت الهالة الرسمية كاملة. كأن الصحراء لم تحدث. كأن الابتسامات والعود والشاي بالنعناع كانت حلمًا.

أمامها الآن ليس آدم الذي ضحك عند الجردل.

أمامها المدير. الجبل الجليدي. صاحب النظرة التي تجمّد الماء في الأكواب.

نظر لهما.

— صباح الخير.

نبرة محايدة مسطحة كسطح طاولة.

— صباح الخير يا آدم باشا!

قالها كريم بحماس مبالغ فيه.

— صباح الخير يا أستاذ آدم.

قالتها نور بصوت أهدأ مما نوت. لأن حنجرتها قررت أن تخونها في هذه اللحظة بالذات.

دخلا المصعد.

الأبواب أُغلقت.

ثلاثتهم في صندوق معدني صغير يصعد ببطء.

صمت مطبق.

نور تنظر للأرقام المضيئة فوق الباب

. كريم ينظر لهاتفه ويبتسم ابتسامة مريبة. آدم ينظر للا شيء بتعبير جدار خرساني.

رائحة عطره تملأ المصعد. نور تكاد تحبس أنفاسها.

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.

المصعد توقف.

ليس عند طابق. توقف بين طابقين.

طق. ظلام لثانية. ثم عادت أضواء الطوارئ الخافتة.

— إيه اللي حصل؟!

قالتها نور بفزع.

كريم ضغط على زر الطوارئ:

— المصعد عطل! يا عم رضا! المصعد وقف!

صوت عم رضا من السماعة:

— ثانية يا أستاذ كريم. الكهربا فصلت في الطابق التالت. الفني جاي في عشر دقايق.

— عشر دقايق؟!

نور نظرت لآدم بطرف عينها. كان واقفًا بنفس الهدوء المزعج.

كأن المصعد لم يتوقف. كأنه واقف في حديقة وليس محشورًا في صندوق معدني معلق بين السماء والأرض.

فكّ زر سترته العلوي ببطء وأسند ظهره على جدار المصعد.

— عشر دقايق مش نهاية العالم.

ثم نظر لنور التي بدأ وجهها يشحب:

— بتخافي من الأماكن المقفولة؟

— أنا؟ لأ طبعًا. أنا مبخافش من حاجة.

كذبة

. نور تكره الأماكن المغلقة منذ كانت طفلة حين أُغلق عليها باب الحمام في بيت جدتها وظلت محبوسة ساعتين تصرخ حتى بُحّ صوتها.

لكنها لن تعترف بذلك أمام هذا الرجل. ستموت أولاً.

مرّت دقيقة.

دقيقتان.

بدأت يداها ترتعشان قليلاً. أخفتهما خلف ظهرها.

ثلاث دقائق.

بدأ العرق يتكوّن على جبهتها.

كريم لاحظ:

— نور إنتِ كويسة؟

— كويسة جدًا! ليه؟

— وشك أصفر.

— ده لون البلوزة منعكس على وشي. الإضاءة هنا وحشة.

— البلوزة كحلي يا نور.

— أنا عارفة! قصدي... قصدي...

بدأ تنفسها يتسارع.

آدم رفع رأسه ونظر لها.

ثم عمل شيئًا لم يتوقعه لا هي ولا كريم ولا كاميرا المصعد ولا عم رضا.

فتح زر سترته بالكامل وخلعها ومدّها لها:

— البسيها.

— أنا مش بردانة!

— مش عشان البرد. عشان لما الواحد بيلبس حاجة تقيلة بيحس بأمان أكتر.

ده مش كلامي. ده علم نفس.

نظرت للسترة في يده.

سترة آدم الصياد.

سترة تساوي أكثر من راتبها الشهري.

ورائحتها... يا إلهي رائحتها.

أخذتها بتردد ولبستها.

كانت ضخمة عليها. الأكمام تتجاوز أصابعها والكتفين متدليين. بدت وكأنها طفلة لبست معطف أبيها.

لكنها شعرت بشيء.

دفء.

ليس دفء القماش.

دف ء اخر

آدم نظر لها وهي غارقة في سترته وحدث شيء في عينيه — لمعة سريعة أطفأها فورًا لكن كريم التقطها.

كريم أخرج هاتفه ببطء شديد تحت مستوى النظر وأرسل رسالة في مجموعة "عملية تذويب الجليد":

"الفصل الجديد: ألبسها الجاكيت بتاعه في المصعد. أكرر: ألبسها الجاكيت. سيف جهّز الفلوس."

ردّ سيف في ثانية: "صوّر أو محصلش."

ردّ كريم: "هو أنا انتحاري؟ لو شافني بصوّر هيدفني في المصعد ده."

ردّ عم رضا: "أنا عندي تسجيل الكاميرا يا حبايبي 😂"

ردّ حسن من سيوة: "الله أكبر! البنت دي فعلاً هتحيي القلب الميت ده!"

مرّت عشر دقائق.

تنفس نور استقر. اللون عاد لوجهها. وأصابعها لم تعد ترتعش.

الفني أصلح العطل والمصعد تحرك مرة أخرى.

حين فُتح الباب عند الطابق الخامس خرج آدم أولاً ثم التفت:

— الجاكيت ترجعهولي في مكتبي بعد ساعة.

ومشى.

وقفت نور ممسكة بأطراف السترة الضخمة وكريم يبتسم بجانبها ابتسامة لا توصف.

— ولا كلمة يا كريم.

— أنا قلت حاجة؟

— وشك كله بيتكلم!

— أنا بقول إن الجو حلو بس.

— في شهر يوليو؟!

— الحب بيعمل كده يا نور. بيخلّي يوليو زي يناير.

— مين قال حب؟! ده جاكيت بسبب نوبة هلع! الراجل خاف أقع وتبقى مسؤوليته!

— آه. طب ليه مديهوش ليا أنا؟ أنا كمان كنت في المصعد.

فتحت نور فمها لتردّ ثم أغلقته.

ثم فتحته مرة أخرى.

ثم أغلقته.

ثم قالت:

— أنا رايحة أشتغل.

ومشت بسرعة نحو مكتبها والسترة لا تزال عليها.

كريم أخرج هاتفه:

"تحديث: لسه لابساه. أكرر: لسه لابسة الجاكيت ومش قالعاه. عم رضا ده بقى حبّ مش هلع."

الساعة العاشرة صباحًا.

نور في مكتبها تعمل على تقرير رحلة الصحراء الذي طلبه آدم.

السترة مطوية بعناية على ظهر كرسيها. حاولت ألا تشمّها. فشلت ثلاث مرات.

في المرة الرابعة دفنت وجهها فيها وتنفست بعمق ثم انتفضت كمن لُسع:

— يا نور إنتِ بتشمّي جاكيت مديرك! ده تحرش بالملابس ده! ده لو حد شافك هتتحوّلي لتحقيق!

عدّلت وضعها وعادت للتقرير.

بعد نصف ساعة فتحت باب المكتب سمية — موظفة الاستقبال — وعلى وجهها ابتسامة ماكرة:

— يا نور... آدم باشا بيسأل على الجاكيت بتاعه. بيقول كان المفروض ترجعيه من ساعة.

— آآآه! الجاكيت! نسيت! حالاً حالاً!

قامت بسرعة أخذت السترة حاولت تنفضها وتفردها ثم لاحظت شيئًا مرعبًا.

بقعة.

بقعة قهوة صغيرة على الكم الأيسر.

جمدت.

— لا لا لا لا لا.

حاولت تتذكر. نعم! حين جلست تكتب التقرير رفعت كوب القهوة وهي لابسة السترة ونقطة سقطت على الكم دون أن تلاحظ.

— يا أرض! يا أرض يا أرض ابلعيني!

بدأت تفرك البقعة بمنديل مبلل. البقعة لم تختفِ بل انتشرت أكثر.

— لا إله إلا الله! بقعة قهوة على جاكيت بعشر تلاف جنيه! آدم هيطلّع عيني!

سمعت خطوات في الممر تقترب.

خطوات طويلة واثقة منتظمة.

لا. لا. مش هو. أي حد بس مش هو.

ظهر آدم في باب المكتب:

— الجاكيت يا آنسة نور؟

خبّأت البقعة بيدها وابتسمت ابتسامة عريضة مرتبكة:

— الجاكيت! أيوه! هو بس أنا كنت بتأكد إنه تمام وإن مفيش... يعني بتأكد إن...

— إن إيه؟

— إن الأزرار مش ناقصة! كنت بعدّ الأزرار.

— بتعدّي أزرار الجاكيت بتاعي.

— أيوه. عشان الأمانة. زي ما بنعدّ المناشف في الفندق كده.

نظر لها بنظرة لا يمكن وصفها بكلمة واحدة — كانت خليط من الحيرة والشك وشيء ثالث قد يكون — وقد يكون فقط — تسلية.

مدّ يده:

— هاتى الجاكيت يا نور.

لا مفرّ.

أعطته إياه ويدها ترتعش.

أخذه. لبسه. وفي اللحظة التي أدخل فيها ذراعه اليسرى رأى البقعة.

توقف.

نظر للبقعة.

ثم نظر لها.

البقعة. هي. البقعة. هي.

نور شعرت بروحها تغادر جسدها وتقف بجانبها تتفرج على المصيبة.

— دي... دي قهوة.

لم يكن سؤالاً.

— أستاذ آدم أنا والله مكنتش قاصدة أنا...

— إنتِ شربتِ قهوة وإنتِ لابسة الجاكيت بتاعي؟

— نقطة صغيرة أوي يعني مش...

— الجاكيت ده Tom Ford يا آنسة نور. بيتغسل درايكلين بس.

— أنا هغسله! أوديه أي محل تنظيف...

— بيتغسل في محل واحد بس في مصر.

— هوديه المحل ده!

— في الزمالك.

— هروح الزمالك!

— وبياخد أسبوع.

— هستنى أسبوع!

وقف آدم ينظر لها وهي تتلعثم وتتعرّق وتحاول ترقيع الموقف بكل ما أوتيت من لسان

— ذلك اللسان الذي لا يخذلها عادة لكنه اليوم اختار أن يتكلم كطفل في أولى حصص التعبير.

ثم حدث.

تلك الارتعاشة في زاوية فمه.

حاول يكتمها. حاول بجد. لكن وجهها المرعوب وكلامها المتلعثم والبقعة الصغيرة التافهة التي تتعامل معها وكأنها أسقطت قنبلة نووية على ملابسه...

ابتسم.

ابتسامة حقيقية واضحة لا تقبل الإنكار.

ثم قال بنبرة هادئة:

— خلّيه عندك.

— إيه؟

— الجاكيت. خلّيه عندك. عندي غيره.

— أستاذ آدم مقدرش! ده غالي و...

— اعتبريه بدل خطر. تعويض عن أمسية المقلاة وعن الجردل وعن النعال المقلوبة.

وابتسم مرة أخرى.

مرتين في دقيقة واحدة.

ثم استدار ومشى.

وعند الباب توقف وقال دون أن يلتفت:

— بس المرة الجاية لو شربتِ قهوة لا تقربي من حاجة بتاعتي.

ومشى.

وقفت نور ممسكة بالسترة كمن يمسك بأغلى شيء في العالم.

ثم أخرجت هاتفها واتصلت بأمها:

— ماما.

— أيوه يا حبيبتي.

— لو واحد أداكِ جاكيت... يعني ده معناه إيه؟

صمت.

ثم صراخ أم نور:

— مييييييين اللي أداكِ جاكيت يا نوووور؟! هو ده اللي واحد؟! هاتيه هنا فورًا! لازم أشوفه بعيني!

— ماما ماما ماما! أنا بسأل سؤال نظري! نظري يعني!

— يا بنتي أنا عشت خمسين سنة. مفيش راجل بيدي بنت جاكيته إلا لو... إلا لو...

— إلا لو إيه يا ماما؟

— إلا لو عايز يحسسها إنها جواه. إن هي دافيه بيه حتى لو هو مش جنبها.

صمتت نور.

— يا ماما أنا لازم أقفل.

— جيبيه على العشا يا نور! عندنا محشي الجمعة الجاية!

أغلقت الخط ونظرت للسترة وتمتمت:

— مش معقول ماما بتقول كده عشان هي رومانسية.

هو بس خلاص مش محتاجه. عنده غيره. ده توم فورد يعني عنده عشرة منه.

لكن قلبها — ذلك الخائن المزمن كان يدقّ بإيقاع مختلف.

الساعة الواحدة ظهرًا.

نور في استراحة الغداء تجلس مع كريم في كافيتريا الشركة.

كريم بيأكل ساندويتش ونور بتحرّك شوكتها في طبق السلطة بدون أن تأكل.

— كريم.

— أيوه.

— مين سارة؟

وقف كريم عن المضغ.

نظر لها بجدية غير معهودة عليه:

— منين عرفتِ الاسم ده؟

— سمعته... بالصدفة.

— بالصدفة إزاي؟

— مش مهم إزاي. بس محتاجة أعرف. مين سارة؟ ليه كل ما حد بيقول الاسم ده الدنيا بتسكت؟

وضع كريم الساندويتش ومسح يديه ونظر حوله بحذر ثم مال نحوها وخفض صوته:

— سارة كانت خطيبة آدم باشا.

توقف قلب نور لثانية.

— كانت؟

— أيوه. كانت. من تلات سنين. كانوا مخطوبين وهيتجوزوا بعد شهرين. وقبل الفرح بأسبوعين...

توقف كريم وابتلع:

— حصل حادث.

— حادث؟

— حادثة عربية على طريق الساحل. آدم كان بيسوق. العربية انقلبت. هو طلع بالندبة اللي على دراعه. هي...

صمت.

نور فهمت.

— لا.

— أيوه يا نور. سارة ماتت. وآدم شاف ده قدام عينيه.

وبيحمّل نفسه المسؤولية من يومها. بيقول لو كان مسقش بالسرعة دي... لو كان خد طريق تاني... لو...

غطّت نور فمها بيدها.

دموعها سقطت في طبق السلطة.

الصورة اكتملت.

كل شيء صار منطقيًا الآن: البرود. الجدران. القسوة.

رفض القرب من أي إنسان. العود الذي يعزفه وحيدًا في الظلام.

ليس غرورًا.

ليس قسوة.

ذنب.

ذنب وحزن وخوف أن يحب مرة أخرى فيخسر مرة أخرى.

مسحت نور دموعها وقالت بصوت متحشرج:

— طب ليه حد مساعدهوش؟ ليه محدش...

— كلنا حاولنا يا نور. كلنا. أبوه. أمه. أصحابه. محدش قدر يعدّي السور. وبعد فترة الكل يئس ومشي ووقف يحاول.

— إلا هو.

— هو إيه؟

— هو نفسه وقف يحاول. وقف يحاول يعيش.

سكت كريم.

ثم نظر لها بعينين جادتين أكثر مما رأتهما يومًا:

— نور... أنا عارف إنك حاسة بحاجة ناحيته. وهو... بطريقة مكسورة ومشوّهة ومش بيعترف بيها

حاسس بحاجة ناحيتك. أي حد عنده عينين شايف ده.

— بس؟

السور اللي باني حواليه ده مش سور عادي. ده سور مبني بالذنب. والذنب أصعب مادة بناء في العالم.

لأن الواحد بيبني بيه ومقتنع إنه بيعمل الصح. مقتنع إنه بيعاقب نفسه عشان يكفّر عن ذنبه.

— يعني مفيش أمل؟

ابتسم كريم ابتسامة حزينة:

— يا نور... إنتِ في خمس أيام خلّيتي الراجل ده يبتسم ويضحك ويألبسك جاكيته ويجيبلك شاي.

ده حاجات أنا ما شفتهاش في تلات سنين. فلو في حد يقدر يوصله... فهو إنتى

— بس ده هياخد وقت.

— هياخد أكتر من وقت. هياخد صبر. وألم. ودموع. ومرات كتير هتحسي إنه بيرجع لورا. بس لو إنتى قررتى إنه يستاهل...

— يستاهل.

قالتها بدون تفكير.

بسرعة أخافتها.

كريم ابتسم:

— يبقى ربنا يوفقك يا نور. ومتقلقيش... مجموعة "عملية تذويب الجليد" كلها وراكي

ضحكت من خلال دموعها:

— أنتوا مجانين!

— كلنا مجانين. بس مجانين بنحب آدم ده وعايزينه يرجع.

الساعة السادسة مساءً.

نهاية يوم العمل.

نور تقف أمام المبنى تنتظر الميكروباص.

خرج آدم من البوابة بخطوات واسعة متجهًا لسيارته.

رآها.

تردد لثانية.

ثم اكتشف أن قدميه تحركتا نحوها قبل أن يأذن لهما.

— لسه واقفة هنا؟

— مستنية مواصلات.

نظر لساعته:

— الدقي؟

— أيوه.

وقف صامتًا يصارع نفسه. المعركة واضحة على وجهه لمن يعرف أن يقرأ.

ثم قال بنبرة باردة مصطنعة:

— في طريقي. اركبي. بس المرة دي اركبي قدام. عشان مسمعكيش وإنتى في الخلف لوحدك.

— يعني خايف أكلم نفسي؟

— إنتِ بتكلمي نفسك بصوت عالي يا نور. ومش أنا اللي قال كده. أم كريم جارتكوا هي اللي قالت.

فغرت نور فمها:

— إنت عرفت حكاية أم كريم منين؟!

— أنا بعرف كل حاجة.

لم يكن يعرف حقيقة. خمّن. لكن ردة فعلها أكدت تخمينه.

ابتسم — من جوّه — وفتح لها باب السيارة.

ركبت.

وبينما السيارة تتحرك في زحام القاهرة المجنون... نظرت له من طرف عينها.

يده اليسرى على عجلة القيادة. الندبة على ساعده ظاهرة تحت ضوء الشارع المتقطع.

عرفت الآن قصة تلك الندبة.

عرفت كل شيء.

وبدلاً من أن تبتعد — كما فعل الآخرون — شعرت بشيء عجيب:

أرادت أن تقترب أكثر.

لأن نور جمال عبد الحميد — بنت السائق من الدقي — كانت من النوع الذي لا يخاف الأسوار العالية.

ولا القلوب المكسورة.

ولا الرجال الذين يعزفون وحيدين في الظلام.

أوصلها للبيت.

نزلت من السيارة والتفتت:

— شكرًا يا أستاذ آدم.

— ولا يهمك.

— آدم باشا...

— أيوه.

صمتت. كلمات كثيرة تزدحم في حلقها: أنا عرفت عن سارة. أنا فاهمة ألمك. أنا مش هتراجع. أنا هنا.

لكنها لم تقل أيًا منها.

بدلاً من ذلك ابتسمت بدفء وقالت:

— القهوة بسكر أحلى. جرّبها

وأغلقت الباب ومشت.

آدم ظل ينظر لها حتى دخلت العمارة.

ثم نظر لكوب القهوة الفارغ في حامل الأكواب.

ثم نظر للطريق أمامه.

وقال بصوت خافت:

— بالسكر يعني.

وفي صباح اليوم التالي — حين جاء سيف بالقهوة الصباحية — وجد آدم ينظر للكوب ويقول:

— النهاردة حطّلي معلقة سكر.

سكت سيف ثانية.

ثم اتنين.

ثم قال بصوت متحكَّم:

— حاضر يا باشا.

وخرج من المكتب.

وأول ما أغلق الباب أخرج هاتفه وكتب في المجموعة:

"يا جماعة. آدم باشا طلب سكر في القهوة. أكرر: سكر في القهوة. ده مش بروفة. ده حصل فعلاً

ردّ كريم: "🚨🚨🚨 حالة طوارئ قصوى!"

ردّ عم رضا: "الحمد لله! البنت دي نور على اسمها والله!"

ردّ حسن من سيوة: "قولوا ما شاء الله يا جماعة! قولوا ما شاء الله!"

ردّت سمية: "أنا عيوني دمعت والله 😭"

ردّ كريم: "يا سيف.. بتدين لي بميتين جنيه. ادفع

وفي مكتبه جلس آدم يشرب أول رشفة قهوة بالسكر منذ ثلاث سنوات.

ذاق الحلاوة على لسانه.

وأغمض عينيه.

ولأول مرة منذ ألف ليلة... لم يشعر بالذنب.

شعر فقط بالحلاوة.

ورأى وجهها خلف جفنيه.

ليس العينين الخضراوين هذه المرة.

بل عينين سوداوين واسعتين.

وابتسامة تقول: "القهوة بسكر أحلى."

وضع الكوب ونظر للنافذة.

والقاهرة تحته تستيقظ.

والشمس تطلع.

وشيء في صدره — شيء ظنّه ميتًا — يتحرك.

ببطء.

بخوف.

بحذر.

لكنه يتحرك.

•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية

تعليقات