رواية أسيرة الشيطان الجزء الثالث الفصل الرابع 4 - بقلم دينا جمال
¤¤¤¤¤¤¤
جلس جوارها أرضا من الجيد أنهم في الصيف وإلا كانوا تجمدوا من البرد بثيابهم الغارقة في المياه تلك ، تنهد قلقا يختلس النظر إليها بطرف عينيه ليراها تنظر صوب المياه تبكي ، ليزفر أنفاسه يغمغم مترفقا :
-بصي أنا مش هقولك على اللي بيحصلي في حياتي عشان ما ابقاش بعلي عليكِ في الحزن ، بس اقسملك أنا لو سلمت نفسي لشيطاني كان زماني انتحرت من سنين من اللي حصلي وشوفته ، ممكن تهدي صدقيني كل حاجة ليها حل
نظرت إليها لتطرف عينيها الدموع ، يواسيها ويحاول التخفيف عنها ، لو يعلم أنها هنا للإيقاع به ؟! ، رغما عنها هي هنا رغما عنها .. ظلت تنظر إليه بضع لحظات قبل أن تخفض عينيها تومأ برأسها ، تشعر بوخز عنيف في قلبها وعقلها جسدها بالكامل يرفض ما تفعل ولكن ما باليد حيلة ، رفعت وجهها إليه تعطيه شبح ابتسامة باهتة تشكره من جديد ، ليبتسم لها يومأ دون كلام ، يظنها ستغادر ولكنها ظلت عليها أن تفتح حديثا آخر ، فكرت وفكرت ولم تجد سوى أنها رفعت وجهها إليه تغمغم فجاءة :
-أنا جعانة
قطب جبينه متعجبا ما تقول ليغمغم يسألها:
-أنتِ بتقولي إيه معلش ؟
_بصراحة يعني أنا جعانة
نطقتها لترفع كفيها تخفي وجهها بهما خجلا ؛ ليبتسم ساخرا هو الآخر يكاد ينهار من الجوع لم يدخل معدته شيء منذ الصباح حتى الافطار لم يتناوله ، بسط كف معدته يغمغم محرجا:
_ما تفكرنيش بقى دا أنا ما كلتش حاجة من الصبح
وضع يده في جيب سرواله يخرج محفظته متمنيا أن يجد الماء لم يصل للنقود ، امتعضت شفتيه حين وجد النقود جميعا تغرق في المياه لا جنية واحد جاف ، اخرج النقود من المحفظة يغمغم حانقا :
_الفلوس كلها مبلولة واكيد ما حدش هيرضى ياخد فلوس مبلولة ، هنشفها ازاي دلوقتي
ازاحت كفيها عن وجهها تنظر للنقود في يده ، ربعت قدميها تمط شفتيها تغمغم :
_ما اعرفش بقى اتصرف وبعدين ما سبتش محفظتك ليه قبل ما تنط ورايا
توسعت حدقتيه ذهولا تلك الفتاة قطعا مجنونة أو شربت الكثير من المياه فباتت تهذي ، صاح فيها منفعلا :
_ أنتِ متخلفة يا بنتي استغفر الله العظيم يارب ، المفروض اقولك استنى يا انسة ما تغرقيش هشيل بس المحفظة والساعة قبل ما انط وراكي
ضحكت رغما عنها على ما يقول تتخيل شكله وهو يفعل ذلك ، ويبدو أن ضحكاتها أصابته بالعدوى ضحك في البداية بخفة يسخر منها قبل أن ينفجر هو الآخر في الضحك !
ظل يضحك لدقيقة كاملة ما أن هدأت ضحكاته نظر لها مدهوشا ، لا يصدق أنه يتفاعل مع فتاة بتلك السلاسة وكأنها يعرفها منذ أعوامٍ ، علاقته مع الفتيات ليست شبه سيئة بل هي سيئة ، كان دوما يتجنبهم حتى فتيات العائلة ... حين نظر إليه تبتسم ابتلع لعابه مرتبكا مما يحدث، ابتدأ اليوم بمشاهدة وإهانة من أبيه وانتهى بإنقاذه لتلك الفتاة الغريبة والآن يتحدث معها ويضحك وكأنهم أصدقاء منذ الصغر ، أصدرت معدته صوتا تخبره أنها لا تزال جائعة وأن يتوقف عن الضحك كمراهق أحمق ويبحث لها عن شئ تأكله ، ضحكت بخفة تمسح بيدها على معدتها هي الأخرى تغمغم محرجة :
-أنا كمان جعانة أوي على فكرة ، اقولك تعالا أنا هتصرف
وقامت من على الأرض تتحرك أمامه تشير له ليتبعها ، ليبتسم مدهوشا من تلك الفتاة الغريبة تحرك خلفها ليراها تقف عند إحدى عربات طعام الشارع الذي لم يأكله يوما ! تشير له بأن يقترب وفعل ، حين وصل إليها رآها تقف جوار البائع أخذت المحفظة من يده تخرج بعض النقود منها تغمغم مبتسمة :
-مساء الخير يا حج ، معلش أنا وجوزي كنا في مركب في النيل ورجلي اتزحلقت ووقعت في الماية وهو نط ورايا والحمد لله لولاه كان زماني غرقت ، الفلوس سليمة والله هي بس اتبلت
ابتسم لها الرجل العجوز يحرك رأسه موافقا يردف :
-ربنا يخليهولك يا بنتي ويسعدكوا ، ما فيش مشكلة طبعا ، انتوا عايزين ايه
ابتسمت سعيدة تنظر إليه تهمس تسأله :
-تاكل ايه
قطب جبينه يرفع كتفيه يحادثها بصوت خفيض :
-ما اعرفش أنا عمري ما كلت من على عربية كبدة ، أنا ما باكلش من الشارع
توسعت حدقتيها تنظر له مستنكرة كيف لا يفعل ذلك ، الجميع يأكل من الشارع حتى هي حين كانت تعيش حياة الترف والثراء كانت تعشق أكل عربات الشارع ، ذلك الشاب غريب حقا؟! ، التفتت إلى البائع تغمغم مبتسمة:
- أربعة كبدة وأربعة سجق
وما هي إلا دقائق وكانت تحمل طبق من الكرتون ، جلسا على حافة سور الكوبري لتؤرجح قدميها كطفلة صغيرة مدت يدها إلى أحد السندويشات تعطيها لها ، نظر لما في يدها لعدة لحظات مرتابا منه قبل أن يلتقطه من يدها رفعه إلى فمه يقضم قضمة منه ليهمهم متلذذا أحب طعمه على ما يبدو ، ابتسمت سعيدة لتلتقط ساندويتش هي الأخرى تقضم منه ، تشكره للمرة الثالثة :
-بجد أنا مش عارفة اشكرك إزاي ، أنا كنت جاية انتحر دلوقتي قاعدة باكل كبدة ، أنت اتبعتلي نجدة
لم يعتاد المدح رفع يده يضعها على رقبته محرجا ، ابتسم يومأ لها يهمس يحذرها :
-المهم أنك ما تسمعيش كلام شيطانك تاني ، وعلى العموم فرصة سعيدة جدا إني اتعرفت عليكي يا آنسة طرب
لا هي ليست بالفرصة السعيدة لو علم الحقيقة ، ابتسمت مرتبكة يكملا تناول طعامها كل منهما ينظر في اتجاه عكس الآخر وكل منهما يختلس النظرات للآخر ، نظر لساعة يده ليجدها اقتربت على منتصف الليل ، لم يكن يريد العودة ولكن والدته بالطبع تحترق قلقا عليه الآن ، ابتلع لعابه ينظر لها يغمغم بنبرة خاملة :
-تعالي أوصلك عشان أنا لازم أروح ، والدتي مالهاش ذنب
لم تفهم نصف جملته الآخر ، اومأت له ليكملا سريعا تناول المتبقي من الطعام ، تحركا على كورنيش النيل الجميع ينظر لثيابهم المبتلة ولكن ما البيد حيلة ، ود لو يخلع ما يرتديه ويضعه عليها ولكنه لا يريد سوى ذلك « التيشرت » ولن يسير عاريا في الشارع ، أوقف أول سيارة أجرة قابلته انحنى على النافذة المجاورة للسائق يغمغم :
-مساء الخير يا عم الحج ، معلش أنا والمدام كنا في نزهة نيلية وللاسف وقعنا في الماية ، هديك اللي أنت عاوزه بس للأسف الفلوس مبلولة ، عشان مش هينفع تفضل ماشية كدة والهدوم لازقة فيها بسبب الماية
نظر السائق لهم مرتابا لعدة لحظات قبل أن يومأ موافقا ، ابتسم رعد يشكره ليتحرك سريعا فتح لها الباب الخلفي ليجلس هو جوار السائق ، وجه حديثه إليها كي لا يعلم السائق أن لا علاقة بينهما :
-زي ما اتفقنا يا طرب هوديكي عند خالتك وهروح اغير هدومي واجيب هدومك واحصلك ، هي خالتك عزلت فين صحيح أنا دايما بنسى عنوانها الجديد
أخبرته بالعنوان بصوت مرتفع ليسمع السائق ويبدأ بالتحرك إلى هناك .. في الطريق اضطجع رعد برأسه إلى ظهر المقعد يغمض عينيه متعبا ، يشعر بجسده محطم وكأنه خرج توا من معركة دامية لأجل والدته فقط سيعود ، اختلس نظرة خاطفة صوب طرب ، ليراها تنظر للفراغ شاردة ملامح وجهها منقبضة ، ودَّ عدة مرات أن يسألها لما اقدمت على الانتحار ولكنه تراجع لا علاقة له بها من الأساس ربما تكن تلك المرة الأخيرة التي يراها فيها ، مَن يعرف ربما ؟!
وقفت بهم سيارة التاكسي عند عمارة سكنية في منطقة راقية للغاية نزلت من السيارة ابتسمت له تلوح له وداعا ، قبل أن تأخذ طريقها لداخل مدخل العمارة تطلب المصعد ، ما أن باتت داخله ضغط زر الإيقاف وانفجرت في البكاء في أقل من لحظة ، جلست أرضا تضم ساقيها لها تستند بجبينها إلى قبضة يدها تبكي ، تشعر بالاشمئزاز من نفسها ، لم يتردد لحظة لإنقاذها من الموت ، رأت في عينيه الألم يصرخ ومع ذلك كان يخبرها أن تتحلى بالصبى لم يتركها حتى تأكد أنها وصلت إلى بيتها ذلك ليست بيتها ، ذلك بيت ... لم تكمل حين وجدت باب المصعد يُفتح ويدخل هو إليه ، ابتسم حين رآها رفع يديه يصفق لها بخفة يغمغم معجبا :
-حقيقي شابو ، عجبني ادائك جداا ، بس كان لازم تخليه ياخد رقمك ولا تاخدي رقمه ، بس مش مهم هندبر لقاء تاني ، بتعيطي ليه بس ، إحنا لسه بنمهد ما بدأناش حتى !!
______________
في فيلا جاسر مهران
التفت ودارت حول نفسها تخرج كل لحظة وإلى الشرفة تنظر للحديقة ، فؤادها يتصدع إلى ألف قطعة ، رعد لم يعد بعد انتصف الليل ولم يعد ، دخل جاسر إلى الغرفة يتحدث في هاتفه يغمغم منفعلا :
- تقلبوا الدنيا عليه أنا بدفعلكوت كل شهر قد كدة عشان تفضلوا ماشيين ورايا بالعربيات بس ، مش بتاعتي دي .. اتصرفوا
وأغلق الخط حين نظر صوب زوجته رآها تنظر إليه تبتسم ساخرة ، اقتربت تقف أمامه تردف تتهكم منه :
-بجد قلقان عليه ، بعد ما طردته وأهانته قدام الشركة كلها ، قلقان عليه وأنت بتعامله أسوء معاملة ، خليت حتى أخواته الصغيرين يخافوا منه ويفتكروه شخص وحش عشان كدة أنت دايما بتزعقله ، رعد عمره ما كان وحش ، رعد طيب وحنين بس أنت اللي مصمم دايما تصطدله أي غلط من وهو عيل صغير
لم يجد ما يقوله فصمتت كعادته حين لا يريد أن يجيب ، فما كان منها إلا أن أن اقتربت منه تصرخ فيه بحرقة :
-أنا عايزة ابني ... هاتلي ابني ، زي ما مشي بسببك ترجعه ، أنا عايزة ابني
وانهاااارت تبكي حاول الاقتراب منها لتدفعه بعيدا عنها ، سمعت صوت زامور سيارة لتهرع إلى الشرفة رأت سيارة تاكسي تقف ورعد ينزل منها توسعت عينيها تبتسم سعيدة ، هرولت للغرفة تهبط إليه
في الأسفل كان يجلس يوسف ومريم وچوري يحاول كل منهم الوصول له إلى أن رأوا والدتهم تهبط السلم ركضا تغمغم فرحة :
-رعد برة
هب يوسف من مكانه يركض للخارج ليرى شقيقه يقترب منهم ، هرع إليه يعانقه تنهد بعمق يغمغم :
-حرام عليك يا اخي نشفت دمنا ، ماما كان هيجرالها حاجة من قلقها عليك ، خشلها بسرعة
اومأ برأسه ليترك شقيقه ويتحرك شبه راكضا صوب والدته ، ادمعت عينيه حين رأها تبكي هرع إليها لتحتضنه تشد عليه خوفا وكأنه سيهرب ، علا صوت نحيبها تحادثه بحرقة :
-حرام عليك ، توجع قلبي عليك كل دا ، أنت مالك هدومك مبلولة ليه كدة ، أنت كويس حصلك ايه
ابعدها عنه قليلا يقبل جبينها يطمأنها :
- أنا كويس ما تقلقيش يا ماما
اقتربت چوري ومريم منه يعانقانه ، بكت چوري تغمغم تعاتبه :
-كنت حاسة بيك طول الوقت ، كنت عارفة أنك كويس بس حزين ، ما تبعدش تاني يا رعد ، حقك عليا بس أرجوك ما تبعدش تاني ، هكلم مين آخر اليوم واحكيله على اللي حصل ، هرخم على مين كل ليلة قبل ما ننام عشان خاطري ما تبعدش تاني
أما هو فكان يقف بعيدا عند نهاية السلم ينظر لولده ، يود فقط في تلك اللحظة أن يعانقه يعتذر له عما اقترفت يداه في حقه ، ولكن في اللحظة التي رفع فيها رعد عينيه ينظر لوالده انقبض فؤاد جاسر ألما ، رأى نظرة خاوية من أي مشاعر يوجهها ولده إليه ، رأى جاسر القديم صاحب النظرات الفارغة من اي مشاعر هناك يقف أمامه ، تحرك رعد متجها إليه وقف أمامه ظل ينظر إليه لدقيقة كاملة في صمت كامل قبل أن يتمتم بصوت خالٍ من اي مشاعر :
- أنا مستقيل يا جاسر باشا ، عن إذنك
وتركه يقف مكانه وصعد لغرفته بالأعلى ، دخل إلى غرفته يوصد بابه بالمفتاح ، توجه إلى المرحاض يتخلص من ثيابه المبللة وقف أسفل المرش يشعر ببرودة المياه تنهمر على جسده لتلوح على ثغره إبتسامة صغيرة حين تذكرها وهي تجلس أمامها تقضم من تلك الشطائر ، بدت كطفلة صغيرة وهي تفعل ذلك ، شئ بداخله أراد أن يراها من جديد ، شئ بداخله يحثه أن يذهب غدا لنفس العنوان ليطمأن عليها ، علها تحتاج للمساعدة منه ، فهو إلى الآن لم يعلم لما أقدمت على الانتحار ، ربما تعاني الكثير لتفعل وتحتاج ليد عون تكن جوارها ، انتهى من الاستحمام وقف أمام مرآته ينظر لانعكاس صورته يقرر التالي سيذهب إليها غدا صباحا أو بعد الظهيرة ليطمأن عليها ، ليس هناك ضرر من فعل ذلك أليس كذلك ؟!
ارتمى على الفراش يطوي ذراعيه خلف رأسه ينظر للسقف شاردا، لا يعرف لما تلك الفتاة الغريبة صاحبة الإسم الغريب ترفض ترك أفكاره
____________
على صعيد آخر في منزل ياسر ونرمين
في غرفة جاسر الطبيب النفسي استلقى جاسر على فراشه يفكر في حالة رقية ، هو نادرا ما ينشغل بحالة حتى يأخذ أفكارها معه للبيت دوما ما كان يجيد التخلص من اي فكرة تتعلق بأي مريض بمجرد خروجه من عيادته ولكن حالة رقية ترفض الخروج من رأسه يفكر فيها في كل لحظة بشكل مستفز ، فتح هاتفه ينظر للرسائل التي بعثها له جاسوسه كان من ضمنها رابط صفحتها على موقع الفيس بوك كيف لم يلاحظ ، فتح الرابط يتصفح صفحتها ، اقتباسات حزينة صور كئيبة تلك الفتاة تعاني من الوحدة على ما يبدو ، هل يدخل بنفس الطريقة التي دخل بها حاتم إلى رقية ولكنه ليس بالوغد الدنئ ليعذب فتاة ويغتصبها ، ارسل لها طلب صداقة وأرسل لها رسالة كتب فيها ( مساء الخير ، آسف للازعاج أنا دكتور جاسر ، دكتور نفسي ، وبروفايلي موثق لو في اي شك ، حابب اتكلم معاكي في موضوع ما لو تسمحي طبعا )
وانتظر فضول الانثي لتعرف ، رأت الرسالة وظلت صامتة بالطبع تتصفح الآن صفحته الشخصية لتتأكد من صدق كلامه ولكن صفحته بها الألف من الاشادات بمدي براعته في مهنته ، بعد مرور عشر دقائق اجابت ترسل له
(مساء الخير ، خير حضرتك)
ابتسم ينظر لرسالتها يشعر بالانتصار حرك أصابعه على سطح هاتفه يرسل لها
( اعتقد أنك اتأكدتي إني دي مش صفحة فيك ، فيس بوك مش هيوثق صفحة فيك ، أنا شوفت بوست ليكِ بالصدفة ودخلت على بروفايلك من تحليلي لبوستاتك أنتِ شخصية وحيدة أوي والوحدة دي للأسف أول أبواب الاكتئاب)
رأت رسالته وقرأتها وكتبت رد صغير للغاية
( ايوة يعني وبعدين مش فاهمة عاوز ايه )
هنا كان يجب أن يلاعبها بأحد ألعابه الطبية أرسل لها ثلاثة صور يطلب منها الاختيار بينهم وفعلت فابتسم كان متأكدا أنها ستختار تلك الصورة ليرسل لها :
-الصور دي إختبار بسيط جدا لقياس درجة تقبل عقلك للاكتئاب وزي ما توقعت عقلك مستعد ليه جداا ، خليني اساعدك لو تحبي طبعا ومن غير فلوس ، أنا بعمل كدة دايما ، أنتِ مش أول حالة وأنا آسف على كلمة حالة )
وانتظر ردها ، علم أنها ستتأخر ، ستكون مترددة ربما لن توافق في البداية ولكن في الاغلب ستوافق مرت عدة دقائق قبل أن ترسل له
(ماشي أنا موافقة )
ابتسم يرسل لها سريعا:
-مبدئيا أنا عمري ما هطلب منك اي معلومات شخصية ولا صور ولا الهبل دا ، ثانيا ميعاد جلستنا كل يوم الساعة 11 على ما اكون رجعت من العيادة معلش ، ثالثا في اي وقت حسيتي أنك مش عاوزة تكملي قوليلي وكأن شيئا لم يكن )
وردت بالموافقة ليلقي الهاتف جواره يبتسم سعيدا ما أسهل خداع حواء ؟!
__________
عودة لفيلا جاسر مهران
حاولت رؤى عدة مرات أن تجعل رعد يتناول الطعام دون فائدة وانتهى الوضع بأن كل دخل إلى غرفته ليخلد للنوم
في غرفة يوسف تحديدا ، كان يتصفح هاتفه قبل النوم كعادته يشاهد تلك الفيديوهات العميقة التي لا نفع منها حتى يسقط في النوم كما اعتاد ، في أثناء مشاهدته وصلت له رسالة من صديقه في المدرسة بعث له فيها
( يوسف إنت لسه صاحي )
قطب جبينه متعجبا من رسالته المتأخرة ولكنه قرر الرد خوفا من أن يكن لدى صديقه مشكلة
( ايوة يا وليد لسه صاحي في حاجة ولا ايه )
انتظر بضع لحظات إلى أن وجد وليد يبعث له بمقطع فيديو فتحه دون أن يشك في شئ لتتسع حدقتيه حين رأى ما فيه اغلقه سريعا يستغفر الله ، اعتدل جالسا يرسل لصديقه غاضبا :
-ايه القرف اللي أنت باعته دا يا وليد ، أنت اتجننت يعني ، فيديو زفت مقرف وكمان اللي فيه شواذ
ارسل صديقه له وجه يضحك ليرسل له بعد ذلك :
(يا إبني فين المشكلة دي حرية شخصية ، أنا غلطان إني قولت اشاركك ، شكلك دماغك حجر زي ناس كتير ، على فكرة كل واحد حر )
توسعت حدقتي يوسف مذهولا ليرسل له سريعا :
-أنت اتجننت يا وليد دا حرام وذنب ومن الكبائر
وجائه الرد الصادم :
-ماشي يا عم الشيخ سلام ، أشوفك بكرة في الدرس وهقولك اللي أنت مش عارفه
ليرد يوسف عليه :
( اللي أنا مش عارفه ، هو ايه اللي أنا مش عارفه بالظبط ؟! )
وجاءه الرد الأخير الذي جعله يتصنم مكانه من المفاجأة
( بصراحة بقى يا يوسف أنا معجب بيك ) !!!
_____________
الجزء الثاني
¤¤¤¤¤¤¤
أشرق الصباح ، سطعت الشمس تضئ الدنيا .. في منزل جاسر مهران داخل ذلك البيت يحدث الكثير والكثير من الأشياء الغريبة داخل كل غرفة ولا أحد يعلم
استيقظت رؤى صباحا لأول مرة تشعر بعدم رغبتها في مغادرة الفراش ما يحدث داخل بيتها الآن مرهق للغاية ، وكأن عائلتها تتفتت وهي تقف تشاهدها مكتوفة الأيدي عاجزة عن فعل شئ ما، حين استيقظت فجرا للصلاة لم تجد جاسر جوارها ، بحثت عنه لتجده في مكتبه يُصلي منذ متى جاسر يستيقظ دون أن يوقظها ، منذ متى وهو يذهب لمكتبه ليصلي ، عرفت السبب حين سمعته يبكي ففهمت لما فعل ذلك ، جاسر يبكي فقط وهو يصلي عدا ذلك يظل ثابتا يمنع دموعه بصلابة مدهشة ، نظرت جوارها تبحث عنه لتجد مكانه فارغا وصوت مياه المرحاض يخبرها أنه بالداخل ، انتصفت جالسة تلملم خصلات شعرها المبعثرة برباط شعر تضعه جوارها على الطاولة الصغيرة ، حين فُتح المرحاض ورأته يخرج منه يرتدي حلته الرسمية يعقد رابطة عنقه أو بمعني أصح يحاول ، وقف أمام المرآة ينظر لها من خلالها يغمغم بنبرة هادئة :
-مش من عادتك تفضلي نايمة كل دا ، دا أنتِ بتصحي قبلي
لم تجيبه التزمت الصمت كما بات يفعل هو كلما حادثته ، ليتنهد توجه إليها يجلس أمامها لتمد يدها تلقائيا تعقد له رابطة عنقه تحاول ألا تنظر لوجهه ، ليمد يده برفق أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه تنهد يردف :
-صحي رعد عشان يجي معايا الشغل ، وإن كان على اللي حصل ، أنا مستعد اعتذرله قدام موظفين الشركة كلهم ، أنا عارف اني اهنته جامد وحقه أن انا اعتذرله
هنا نظرت إليه اضطربت حدقتيها قبل أن تملأها الدموع تردف منفعلة :
-أنت بتحبه ، بتحبه أوي ، علي قال لايمان على حالك كان عامل إزاي امبارح لما روحت المستشفى ، ليه يا جاسر بتعمل كدة وما تقوليش عشان عايزه يبقى راجل لازم اشد عليه ، دا مش مبرر ... أنت فجاءة قلبت عليه بقيت بحس أنك بتستناله الغلطة ، حرام عليك دا رعد أطيب وأغلب منه ما فيش ، دا أنت ما خدتوش في حضنك إمبارح ما قولتلوش حتى حمد لله على سلامتك
وانفجرت تبكي حزينة على الحال الذي هم فيه ، ظل جاسر ينظر إليها لا يجد ما يقوله ، هي محقة ولكن الهاجس الذي ظل يحتل قلبه لسنوات يثير داخله الشك ، جعله يؤذي ولده لم يدرك ذلك إلا حين شعر أنه قد ضاع ولن يعود مرة أخرى حين ذهب للمستشفى ، عانق رؤى يهدئها يقرر أنه يكفي لهنا .. رعد لم يخطئ قبلا يكفي ظلما لهنا ... قام من مكانه متوجها إلى غرفة رعد ... دق الباب ربما للمرة الأولى في حياته يفعل دوما ما كان يفتح الباب بغتة يود دوما أن يمسكه بالجرم المشهود ، لم يأتي إليه ردا ... ففتح الباب بهدوء ليجد الغرفة تعم بالظلام ، رعد لازال نائما تحرك إلى شرفة الغرفة يزيح الستائر عنها لتدخل الشمس ، تأفف رعد يرفع الغطاء يخفي وجهه أسفل مفرش السرير يغمغم ناعسا :
-ماما اقفلي الستارة لو سمحتي
تحرك جاسر صوب الفراش جلس على حافته ، حمحم يتحدث بنبرة هادئة :
-رعد قوم أنا عايز اتكلم معاك
انتظر بضع لحظات قبل أن يزيح رعد الغطاء عن وجهه ينظر إليه ، كم كره الطريقة التي ينظر بها إليه وكأنه عدوا له وخاصة حين أردف بنبرة جافة باردة بها بعض السخرية :
-نعم خير يا جاسر باشا ، في إهانة حضرتك عاوز تقولها على الصبح ، أو كنت عايز تعرف أنا كنت سهران في أنهي كبارية ، ولا هتطردني من هنا عشان اتأخرت في النوم
ابتلع جاسر لعابه قلقا من الطريقة التي يىحدث بها رعد ، تنفس بعمق يحادثه بنبرة هادئة مترفقة :
-قوم يلا عشان نروح الشركة وإن كان على اللي حصل أنا هعتذرلك قدام الشركة كلها
وعلى عكس ما توقع أن يحدث ، ابتسم رعد في سخرية قام من الفراش ينفض الغطاء عنه يقف على الجانب الآخر منه يكتف ذراعيه أمام صدره يغمغم متهكما :
-لاء شكرا مش عايز منك إعتذار ، مش عايز منك حاجة خالص ، كفاية إهانة فيا أوي لحد كدة ، لولا بس ماما وأخواتي أنا ما كنتش رجعت بيتك تاني ، أنا خلاص اكتفيت من الذُل
ذل ؟!! كلمة سيئة وشعور قمئ للغاية لم يكن يتصور في أسوء الاحتمالات أن يشعر رعد بالذل بسببه ، هل أذاه لتلك الدرجة دون أن يشعر ؟! تحرك رعد صوب المرحاض ليقف جاسر سريعا وقف أمامه يمنعه من التحرك جعد جبينه يغمغم مدهوشا :
- ذل ، أنت حاسس بالذل بسببي أنا ؟! ، ليه ؟!
عملتلك ايه؟!
هنا توسعت عيني رعد في دهشة قبل أن يضحك ساخرا يردد منفعلا :
-عملت ايه ؟! بجد بتسأل ، أنت ناقص ايه ما عملتوش عشان تهين وتذل فيا ، لحد هنا وكفاية أوي يا جاسر باشا أنا استحملت كتير مش مستعد ولا قادر اتحمل تاني ، أنا مستقيل من كل حاجة من شغلك ومن حياتك اعتبرني ميت ، أنت نفسك من زمان اني أموت وأنا بحققلك أمنيتك
شخصت عيني جاسر والغضب يتحرك يعثو في روحه فسادا يدفعه لأن يفعل ما سيندم عليه ، مد يده يقبض على ذراع رعد يصرخ فيه غاضبا:
-بطل هلفطة ، أنا هتمنى موتك ، هتمنى موت إبني ، مش عايز اسمع الهبل دا تاني
نزع رعد ذراعه من ذراع جاسر يعد خطوتين للخلف ابتسم يغمغم ساخرا بطريقة خافها جاسر كثيرا :
-لا تاني ولا تالت كل حاجة خلصت خلاص يا باشا ، كفاية عليا أوي كدة .. عن إذنك
وتجاوزه متوجها للمرحاض يغلق الباب خلفه بعنف ،وقف جاسر مكانه ينظر للاشئ تقريبا عينيه مضطربة نظراته قلقة ، لما بات رعد يتحدث بتلك الطريقة ؟! ، يبدو أن طريقته القاسية لم تنفع في الحفاظ عليه بل دفعته ليكون ما خاف طوال الوقت !! ابتلع لعابه يشعر بالخوف .. تحرك يخرج من غرفة رعد ليجد رؤى تقف بالخارج يبدو أنها استمعت لما حدث بالداخل اقتربت منه تربت على ذراعه تهمس بهدوء :
- سيبه يهدا وأنا هكلمه ، بس الأهم أنك ما ترجعش لطريقتك دي معاه تاني ، بالله عليك عوضه عن اللي فات
اومأ برأسه سريعا خائفا ما رآه في الداخل هو الخوف الذي حاول تجنبه طوال ستة عشر عاما ! ، نزل لأسفل ليجد أولاده جميعا بالأسفل ، اقترب يجلس معهم على طاولة الطعام يغمغم :
-صباح الخير ، ما بتاكلوش ليه ، يلا عشان كل واحد يشوف وراه
تبادلوا جميعا النظرات فصوت رعد كان حقا مرتفع ، عدا سليم وياسين الذي بدآ في الأكل منذ البداية يلطخون أيديهم ووجهوهم بالطعام ، بدأوا في تناول الطعام جميعا عدا يوسف الذي ظل شاردا ينظر للفراغ يبتلع لعابه قلقا بين الحين والآخر ، أجفل على صوت أبيه يحادثه :
-يوسف ما بتاكلش وسرحان في اي أنت كويس
حرك رأسه بالإيجاب سريعا يحمحم مرتبكا يحاول إيجاد كذبة مقنعة :
-أبدا يا بابا أنا بس تعبان من المذاكرة والدروس ، هاكل أهو
ربت جاسر على كتفه يحادثه مترفقا :
-ما تشدش على نفسك زيادة على اللزوم أنت ومريم اعملوا اللي عليكوا وسيبوها على الله وأنا واثق انكوا هتجيبوا مجاميع كبيرة
- ايوة مش هتبقوا زي الفاشل الكبير اخوكوا
التفت جميعهم على صوت رعد الذي دخل توا للغرفة ، نظر جاسر إليه ليراه يبتسم ساخرا يتحرك صوب باب المنزل ، وقف جاسر عن مقعده يوقفه عن طريقه :
-أنت رايح فين ؟
أمسك رعد بمقبض الباب التفت له ابتسم يغمغم ساخرا:
-رايح في داهية
وفتح الباب وغادر صافعا الباب خلفه تحت دهشة كل من كان جالسا من رد فعل رعد وطريقة حديثه التي لم يروها منه قبلا ، وقف جاسر مكانه يقبض كفيه قلقا ، شئ سئ يخبره بأن القادم سيكون أسوء بكثير مما توقع أن يكون ، التقط سترة حلته يتحرك هو الآخر خارجا ، لينظر يوسف إلى چوري يسألها مدهوشا :
-هو في أي ، أول مرة اشوف رعد بيتكلم بالطريقة دي
حركت رأسها تخبره بأنها لا تعلم ولكن داخلها تعلم ، رعد انفجر قرر فتح فوهة بركان أخمده لما يزيد عن خمسة عشر عاما ، يبدو أن إهانة والدهم له أمام جميع موظفي الشركة كانت القشة الأخيرة التي كسرت ظهر البعير وانفجر رعد ، تتمنى فقط أن تمر الأيام القادمة بأقل خسائر ممكنة ، يحثت عن والدتها لتجدها تقف هناك جوار باب الغرفة تبدو حزينة بالكاد تمنع دموعها لأجلهم ، قاطع كل ما يحدث دخول مراد بموجته المرحة كعادته :
-يا أهل الدار الأحرار طبعا ما استنتونيش على الفطار
اقترب منهم لتتعلق عيني مريم بها كعادتها كل مرة تراه بها ، دوما ما تحب طريقته في إختيار ملابسه على عكس يوسف الذي يفضل ارتداء ال( التيشرت ) بأشكاله المختلفة ، مراد يحب ارتداء القمصان ويحب الألوان الداكنة وليست السوداء فهي تكره اللون الأسود ، مراد وسيم بشكل يجعل جميع الفتيات حولها معجبن به ، مما يغص قلبها ألما ، بالطبع لن يترك كل تلك الجميلات وينظر إليها هي ، صاحبة أعين الزجاج ، دفعت نظراتها للخلف تنظر أرضا ... في حين جلس مراد مكان جاسر يغمغم متضايقا :
-ايه دا هو جوز عمتي خرج قبل ما أنا أجي ، ارخم على مين أنا دلوقتي ، ضاع المحتوى .. قوموا يلا نروح الدرس خلاص مش هفطر
ضحك يوسف ساخرا يصدمه على رأسه ليتحرك ثلاثتهم صوب الباب ليصدح صوت رؤى خلفهم :
-خلوا بالكوا من نفسكوا وتخلصوا وتيجوا على طول
أكمل ثلاثتهم طريقهم للخارج جلس يوسف جوار مريم على الأريكة الخلفية ومراد جوار السائق كما اعتادوا دائما ، تحركت السيارة بهم في صمت لأول مرة يوسف لم يتحدث مع مراد ، فقط ظل شاردا قلقا يفكر فيما سيحدث حين يصلوا هناك سيرى وليد لأول مرة يشعر بالقلق من رؤية صديقه . وصلت السيارة إلى وجهتها لينزل ثلاثتهم منها تحركوا إلى قاعة الدرس ، لم تكن الحصة قد بدأت بعد المدرس لم يأتي إلى الآن ، تحركت مريم صوب مقاعد الفتيات وتحرك يوسف ومراد إلى الجهة الأخرى ، جلست مريم كعادتها وحيدة تنظر للكتب أمامها ، لا صديق لها جميع الفتيات ينبذنها ربما لأنها أقلهن جمالا كما تظن ، رفعت نظارتها تمسحها بمنديل صغير ، لتصطدم عينيها في تلك اللحظة بمراد وربما هو فقط تأثير الرؤية المشوشة بدون نظراتها ولكنها شعرت وكأنه ينظر إليها ، وضعت نظراتها سريعا لتراه ينظر إلى يوسف يتحدثان إذا لم يكن ينظر إليها وهي فقط كانت تتوهم ، أنزلت رأسها أرضا تبتسم ساخرة لما قد ينظر إليها من الأساس
دخل المدرس وعم الصمت وبدأت الحصة التي زادت عن الساعتين والنصف والجميع منتبه عدا يوسف الذي ينظر صوب وليد الجالس بالقرب منه في نفس الصف ليجده ينظر إليه هو الآخر يبتسم له ابتسامة سخيفة واسعة ، تنهد قلقا يحاول التركيز دون فائدة .. أخيرا انتهت الحصة ليكن هو أول من هب واقفا وجه حديثه لمراد يغمغم مرتبكا :
-مراد أنا حاسس إني تعبان يلا نروح
نظر مراد له متعجبا من حاله منذ الصباح ، بدأت الفتيات تخرج أولا كما يحدث دوما ، تحركت مريم تقف جانبا تنتظرهم لترى مجموعة من الفتيات ينظرن إليها يتهامسن ومن ثم يضحكن ، لتظن أنهن يسخرن منها احتضنت كتبها تنزل رأسها أرضا ... أخيرا خرج مراد ومعه يوسف ، تحركا صوب مريم الواقفة هناك ... قطب مراد جبينه قلقا حين رآها تقبض أصابعها بعنف على الكتاب في يدها ،مريم لا تفعل ذلك إلا حين تكون متضايقة أو حزينة ، ولكن من أحزنها ؟! نظر حولها فلم يجد أحد ، اقترب هو ويوسف منها ؛ ليجد يوسف من يقبض على كتفه من الخلف نظر خلفه سريعا ليرى وليد توسعت حدقتيه يرفع يده سريعا ينفض يد وليد عن كتفه يحادثه محتدا :
- أنت عايز إيه يا وليد
نظر مراد لهما متعجبا ما يعرفه أن يوسف ووليد من أقرب الأصدقاء ، ربما يوسف غاضب لشئ ما فعله وليد .. حمحم وليد يردف مرتبكا :
-أنا عايز اتكلم معاك ضروري ، صدقني مش أكتر من خمس دقايق
قطب يوسف جبينه غاضبا كاد أن يرفض حين غمغم مراد يحاول الصلح بين الصديقين :
-روح معاه يا يوسف، أنا مش عارف انتوا متخانقين ليه دا انتوا اصحاب بقالكوا كتير ، أنا هستناك أنا ومريم هنا
تنهد يوسف يرمي وليد بنظرة حادة قبل أن يتحرك يتبعه إلى حيث سيذهبان ، وقفا أمام المرحاض الفارغ ليقف يوسف يرفض الدخول يقطب جبينه في حين حمحم وليد يردف مرتبكا يهمس يسأله :
-يوسف أنت واخد مني موقف ليه دا جزائي اني صارحتك بالحقيقة
توسعت حدقتي يوسف مدهوشا ، يشعره وليد من نبرة صوته أنه هو الجاني ، عاد خطوتين للخلف يغمغم مدهوشا :
- واخد منك موقف ؟! وأنت زعلان ، المفروض اعمل ايه ، اخدك بالحضن بعد اللي قولتهولي ، أنت مش عارف إن دا من الكبائر ، عارف حسابه عند ربنا ايه يا وليد وما تقوليش حرية شخصية ، ما فيش حرية شخصية في الدين
حرك وليد رأسه للجانبين اقترب من يوسف خطوتين يردف مدافعا يحاول إقناعه :
- يا يوسف طب ما ربنا قال ولا تقربوا الزنا ، ومع ذلك في ناس كتير جداا بتزنى والزنا بردوا من الكبائر على فكرة
توسعت حدقتي يوسف يغمغم مدهوشا :
-أنت بتستشهد على مصيبة ببلوة عشان تبررلهالي وإحنا ايه اللي يخليلنا نعمل الكبائر أصلا
حرك وليد رأسه للجانبين يائسا من إقناعه ليقترب منه خطوة أخرى يهمس بترجاه :
-سيب الدين ، الحياة مش كلها دين ، وبعدين يا سيدي لو شايف اننا بنعمل ذنب نبقى نتوب بعد كدة ، اسمع كلامي يا يوسف فرصة واحدة تجرب فيها مشاعرك في اتجاه جديد غير مألوف ، مش هتخسر حاجة
انتزعت يوسف يديه بعنف من كفي وليد يصيح فيه محتدا:
- بنعمل ذنب ، أنت مشاركني معاك ليه اصلا ، ولاء هخسر يا وليد هخسر اخرتي ودنيتي واحترامي لنفسي ، دا ما اسموش خارج عن المألوف دا اسمه شذوذ عن الفطرة اللي ربنا خلقنا بيها ، روح يا وليد ربنا يعينك على نفسك
وتركه يغادر المكان، بالخارج مراد بالقرب من مريم صامتا يختلس النظرات إليها بين الحين والآخر ليراها تفعل المثل تحاول أن تنظر إليه دون أن يراها ليبتسم سعيدا ويطرب قلبه ، لو تعلم تلك الحمقاء التي دوما ما تقلل من قدرها كيف يراها لما فكرت حتى في أن تظن أنها ليست جميلة
رأى يوسف متوجهم إليه يبدو غاضبا للغاية حاول أن يسأله عما به ليقاطعه يوسف يصيح فيه محتدا :
- مراد أنا مخنوق بعدين نتكلم ، يلا لو سمحت ، يلا يا مريم
ارتبكت لما يبدو أخيها غاضبا اومأت له سريعا تتحرك بصحبتهم إلى السيارة التي تنتظرهم خارجا
__________
على صعيد آخر في مكتب راقي في منطقة هادئة فاخرة من المناطق الجديدة لافتة كبيرة لها شكل زخرفي خلاب كُتب على سطحها اسمه بشكل كبير وأسفلها جملة
( المهندس جواد عمرو وشريكته ، الصفوة في هندسة الديكور )
الصفوة اسم يُختص به نخبة معينة من علية القوم ... مكتب كبير مكون من طابقين ، ألوانه متناغمة، لوحات وتصميمات تغطي كل ركن من الحائط بشكل يخطف الأنظار الجميع هنا في حالة حركة دائبة متناغمة كخلية النحل
في مكتب جواد ، جلست اماندا فوق ساقيه تلف ذراعيها الطويلة حول عنقه ليرفع يده يزيح خصلاتها الشقراء خلف أذنيها يقبل أرنبة أنفها لتضحك متغنجة :
-أنت شقي كتير جواد ، وأنا بحب كدة كتير أوي
ضحك عاليا على طريقة كلامها المحببة له ، يعبث في خصلات شعرها الشقراء يغمغم مبتسما:
-وأنا بحبك أوي يا أماندا ، قوليلي صحيح آخر صفقة بتاعت الغردقة رسيت علينا إزاي دا كان في عروض كتير أقوى مننا مقدمة
ابتسمت اماندا دون أن ترد ماذا تخبره ، لدي طرقي الخاصة التي لن تحب أن تعرفها أبدا لإقناع العميل ، لا بالطبع لا يجب أن يعرف ابتسمت له برقة تحركها كفها واظافرها الطويلة على صفحة وجهه تهمس ببطئ :
-حبيبي أنا اقنعتهم وبعدين أنت جواد عندك ماتريال هايلة وتصميماتك very very very impressive ، أنت مش اي حد جواد
ابتسم تشعر ذاته العليا بالرضا من مديحها ، احتضن وجهها بين كفيها يقرب وجهها منه يود تقبيلها حين قاطعهم صوت دقات على باب الغرفة ، تأفف جواد حانقا لتقم أماندا من على قدميه تجلس على المقعد المجاور لمكتبه تضع ساقا فوق أخرى سمح للطارق بالدخول ليُفتح الباب توسعت عينيه اندهاشا حين رأى من يقف خارجا ، والده هنا ولكن لما؟ والده لم يأتي لمكتبه منذ الاقتتاح تقريبا ، قام يتحرك صوبه ابتسم مدهوشا :
-بابا ! ، اهلا وسهلا المكتب نور
دخل عمرو إلى داخل المكتب ابتسم لجواد ينظر لمحيط المكان حوله معجبا بتفاصيل كل شيء هنا اختفت ابتسامته تلقائيا حين وقعت عينيه على اماندا تجلس هناك ، تأفف حانقا يوجه حديثه لجواد :
-جواد أنا عايزك في كلمتين لوحدنا
حمحم جواد لينظر صوب اماندا يشير لها بعينيه أن تخرج ، فقامت من مقعدها اقتربت منهم توجه حديثها لعمرو :
-هاي يا عمو ، I am so happy to see you
أعطاها عمرو ابتسامة صفراء يومأ لها على مضض ؛ لتتحرك هي لخارج غرفة المكتب تجذب الباب خلفها ، تحرك عمرو يجلس على مقعد آخر غير التي كانت تجلس عليه جلس هناك ليتحرك جواد يجلس مقابلا له يغمغم مبتسما :
- مفاجأة سعيدة والله يا بابا ، ما شرفتنيش في المكتب من ساعة الافتتاح ، تشرب إيه
ابتسم عمرو يميل قليلا يربت على ساق جواد يغمغم :
-ماشي يا عم الواجب ، أنا جايلك في موضوع مهم ، واتمنى ما تقصرش رقبتي ، ليان بنت عمتك إيمان
تأفف جواد حانقا ما إن سمع اسمها ، مال أبيه يصر أن يلصق به تلك العكلة الدبقة كم يكرهها :
-مالها ست ليان هانم
-ليان بنت عمتك بتدور على مكتب ديكور للتدريب وأنا لما عرفت قولت إزاي يبقى ابن خالها عنده مكتب كبير وتدور برة ، هعتمد عليك ولا هتقصر رقبتي وتخلي شكلي وحش قدام عمتك
كاد أن ينفجر رافضا لولا جملة أبيه الأخيرة التي جعلت غضبه يتراجع رغما عنه زفر أنفاسه بعنف يومأ على مضض :
-ماشي يا بابا ، بس تعرفهم أنها هتتعامل زي اي متدرب ، مش عشان بنت اختك هتتعامل معاملة خاصة
ابتسم عمرو ساخرا يردف يحذره :
-صدقني دا اللي أنا عايزه منك ، أنك تعاملها عادي ما بقولكش حبها ، بقولك احترمها ليان وتبطل تحرجها بكلامك اللي زي السم دا ، قسما بربي يا جواد لو عرفت أو سمعت أنك ضايقتها هتشوف مني وش عمرك ما حياتك ما تخيلته
تأفف جواد حانقا منها ها هي المدللة ليان جاءت لتدمر علاقته الوحيدة الجيدة في منزلهم مع أبيه ، اومأ برأسه على مضض يعتصر جوال من الليمون فوق رأسه فقط ليوافق فقط على وجودها ، ابتسم عمرو في خبث ، عازما تلك الحية اماندا خارج حياة ابنه وقريبا سيفعل !
_____________
هناك على صعيد آخر ، خرج من الشركة الخامسة تقريبا يجر ذيول خيبته ، رغم شهاداته وخبرته إلا أن أصحاب الشركات يتواصلون مع والده أولا وبالطبع والده العزيز يطلب منهم أن يرفضوا طلبه للالتحاق بأي وظيفة حتى لو صغيرة لأن أبيه قال !!
ها هو والده من جديد يسعي لتدميره بكل ما أوتي من ظلم له ، استقل سيارة أجرة يذهب إلى وجهته الأخيرة قبل أن يذهب إلى طرب
وقف أمام شركة كبيرة بالإلكترونيات كتب على واجهتها الزجاجية
H.A software company
يعرف صاحب تلك الشركة وأولاده ربما يجد وظيفة له هنا ، توجه إلى الداخل يطلب من المساعدة لقاء صاحب الشركة لترد عليه بنبرة عملية سريعة :
-أنا آسفة يا افندم بس حمزة باشا يومه النهاردة complete ممكن احددلك ميعاد بكرة لو تحب
لم يكد يحرك رأسه وسمع صوت يغمغم من خلفه مدهوشا :
-رعد أنت بتعمل ايه هنا ، سندس اللي أنتِ موقفاه دا رعد مهران ، ابن واحد من أكبر الشركا
اعتذرت المساعدة منه ليلتفت هو صوب أدهم ابتسم له ابتسامة ذابلة ليقترب أدهم منه يعانقه يغمغم مبتهجا :
-عاش من شافك يا عم ، ايه يا ابني فينك
ابتسم رعد له يرد بتلك الإجابات المحفوظة الاعتيادية عن مشاغل الدنيا ، ليربت رعد على كتفه يردف :
-صحيح كنت عاوز حمزة باشا في ايه ، صفقة جديدة
ارتبك رعد يشعر بالاحراج لا يعلم كيف يقولها ولكن لم يبقى لديه سواهم الآن يحتاج للحصول على عمل حتى يثبت لوالده أنه لن يظل المتحكم بحياته أبد الدهر ، حمحم يهكس مرتبكا :
-لاء بصراحة أنا جاي عايز أقدم على شغل ، وأرجوك ما تسألنيش السؤال المعتاد بتاع طب وشركة باباك ازاي يعني وانتوا أصحاب أكبر شركات في البلد والكلام دا كله
شعر أدهم أن ما يمر به رعد ليس بالقليل إطلاقا ولم يرد أن يزيد عليه ما هو في فيه ، لذلك ربت على كتفه يردف مبتسما :
-ماشي يا عم مش هسأل تعالا بس معايا نشرب حاجة لحد ما يخلص الإجتماع بتاعه
اومأ رعد موافقا يتحرك معه ، لم يعلم كلاهما أن حمزة رأى وسمع كل شئ من خلال كاميرا صغيرة موجودة بالخارج ... تحرك من مقعده يطلب جاسر ليخبره الأخير أن يرفض طلبه وأن رعد يفعل ذلك ليعاند فقط فما كان منه إلا أن ابتسم يغمغم ساخرا :
- شوف الدنيا إنت مش خدت ابني عندك يشتغل ، أهو ابنك جالي وبصراحة الواد شكله مطفي ، سوري يا جسور بس أنا هقبله عادي باي
__________________
•تابع الفصل التالي "رواية أسيرة الشيطان الجزء الثالث" اضغط على اسم الرواية