رواية ورقة التين الفصل الرابع 4 - بقلم داليا الكومي
" جئتك طفلة حقًا لكني كبرت هنا وعلمت ما ينتظرني كبالغة .. عالم الأطفال يختلف عن عالم البالغين حتى ولو كنت مشردة فيه ومهددة بالاغتصاب .. هنا تبدل قلبي من قلب أخضر لقلب يابس " ..
الصدمة الحقيقية تأتي حينما نكتشف أنفسنا .. مبادئنا ثابتة طالما لم تختبر ..
كان يظن أنه صاحب مبادئ حتى اكتشف حقيقته .. مبادئه متلونة ومتغيرة طبقًا للظروف وطبقا لمزاجه وكم ذبحه هذا .. حتى وأنت ميت يا هارون الزفت تخرج أسوء ما في .. كان يلعن نفسه ويلعن اليوم الذي رآها فيها فدموعها كانت أكبر من احتماله حقًا .. لكن الحياة لا تسألنا عن الخطوة القادمة ولا تستشيرنا فيما ستقدمه لنا من مصائب أو نفحات .. ضميره أحيانًا يؤنبه لقسوته معها لكن كلما تذكر ما فعله هارون لا يستطيع التجاهل وفقط العيش بسلام كما يريد .. هارون فقط لم يقتل والدته بل قتل طفولته وطفولة مهند وحرمهما من الحياة ..
الأم هي الحياة مهما أن كان عمرك .. لن يحاسبه على أحلامه التي بددها فهو استطاع بناء أحلام غيرها وتحقيقها ولا حتى على الإهانة التي لن ينساها طول العمر لكنه تسبب في حرمانهم من أغلى كائن في الوجود وحرق قلوبهم أحياءً وكأنه مستذئب يقتات على القلوب البشرية ..
ربما ليس ذنبها ما فعله والدها لكنها تحمل دمائه وكتب عليها دفع الثمن حتى ولو كانت بريئة ولا يظن أن أي شخص يحمل تلك الدماء سيكون بريئًا .. هذه هي العدالة من وجهة نظره حتى لا يفقد إيمانه .. على أحدهم دفع الثمن ..
وأوصلها حتى باب المنزل وانطلق بالسيارة .. كان بحاجة للخلوة للبقاء وحيدًا ..
وتوقف أمام الترعة الكبيرة ليستعيد توازنه ..
لكنه سمع صوت حمدون يأتي من خلفه .. أوف أريد البقاء وحيدًا .. لكن حمدون لم يمنحه الفرصة وقال بترحاب ..- يا هلا يا أبو العزم .. عيدكم مبارك ..
واستدار ليرد عليه تحيته .. ربما تكون تصرفاته مقصودة وربما لا لكن حمدون حينما علق قائلًا ..- ما هذه الأناقة؟؟ ملابسك تغيرت كثيرًا هذه الأيام .. ماذا حدث لك؟
انتبه لأنه يتبدل بسرعة البرق .. وكأنه عمل له عمل سفلي قوي يبدله بقوة لا إرادية..
اللعنة عليك حمدون شاكر .. تذكرني بما صرت عليه .. لا أنا ما زلت نفس الشخص وأمامي نفس الهدف الملابس لم تغيرني ولن أجري وراء مظاهر كاذبة.. فتهف بصرامة استنزفت كل حواسه ..- كنت أريد محادثتك هاتفيًا سيد حمدون لكن بما أنك هنا فأطلب منك الإذن للحضور لمنزلكم يوم الخميس القادم لطلب يد ابنتك ..
الحياة فرص .. انتهاز الفرص هو حق مكتسب للذكي والتخلي عنها يجعلك محلك سر.. الفدانين اللذان بحوزته يجعلاه يعيش عيشة كريمة فما بالك بمنذر الذي يحول التراب لذهب .. من العدم استطاع امتلاك عشرة فدادين ومنزل رائع لا يملكون مثله بحديقته الغنائه وحظيرة مواشي وطموحه لا حدود له في القريب العاجل سيكون من الأعيان .. هو أفضل فرص برلنتي بالإضافة لكونه شاب محترم وخلوق.. حريص ربما لكنه ليس بخيلًا .. الكل يعلم هذا ..
وبابتسامة عريضة مد كفه ليصافح منذر قائلا بحب ..- وهل سنتعرف عليك بعد؟؟ أنت ابننا يا منذر وبرلنتي لك بدون كلام فلتكن الخطبة الخميس القادم لن نضيع المزيد من الوقت ..
وبهت منذر بهذه السرعة؟؟ هل كان باب السماء مفتوحًا حينما كتب على الدبل تاريخ الخميس .. هو فقط كان ينفس عن شحنة غضبه وخاصة أن ربى تثير إعجاب أي ذكر حتى الجرو الصغير ..
وهتف بارتباك ..- لكن اليوم هو الأحد .. لا يوجد وقت للاستعداد ..
- لا تحمل الهم كله من خير الأرض .. لا نحتاج سوى لملابس جديدة وبعض الأنوار والزغاريد ستنطلق تلقائيًا .. موعدنا الخميس القادم ..
**
المقاومة تحتاج لطاقة كبيرة وطاقتها تشتت وأصبحت كدمية نفذ عنها شحنها ..
لأجل عاصم فقط أعادت شحن نفسها بنفسها .. لن يسنده أحدهم إن أصابها مكروه
خطوبة منذر لن تكون نهاية الكون طالما عاصم بخير .. كلمة السر عاصم فقط ..
ولدهشتها صباح اليوم التالي وجدت الجرو الصغير يقبع ساكنًا في الحديقة .. لقد عاد للمدينة وأحضره .. كان موقف غاية في الرقة وجعلها تتأكد .. " القسوة لها فقط "
ورحبت به بحرارة وأصدر الجرو صوتًا ضعيفًا وكأنه تعرف عليها .. وبدون الكثير من الكلام أحضر منذر رضاعة مخصوصة للحيوانات وأعطاها لها وفقط قال .. - هذه استعملها للحملان التي تنفق والدتها أثناء الولادة استعمليها ..
محظوظ أنت أيها الجرو لاهتمامه بك‘‘ لكن هل تأكد بنفسه أن والدته لن تعود؟؟ هل تأكد أن الآباء ليس كلهم قدري ولا الأمهات كلهم زينب وأنهم قد يتركون أبنائهم عرضة للنهش بل ويبيعوهم ويقبضون المقابل؟؟
ورضع الجرو بنهم شديد يدل على أنه جائع .. مازال يذكرها بعاصم واعتماده عليها وبمنظره المحبب .. وتركها لتهتم بالجرو وانصرف لأشغاله العديدة ..
لأجل خاطر الجرو فقط تحملها وتحدث معها ..
وليومين كاملين خصصت له الكثير من وقتها لتلتهي به عما يحدث.. لن تحتمل التفكير في خطبته.. واعتماد الآخرين عليها يمنحها السلام الداخلي الذي تحتاجه والوقود الذي يشعلها فلا تنطفئ..
ولكن فوزية لم تتركها للهو معه كثيرًا وحضرت لتقول.. - اليوم سأخبز كمية كبيرة
من الخبز الفلاحي ومن الفطير فغدًا كما تعلمين يوجد حفل وسنأخذ معنا الفطير والخبز في الزيارة.. توجد بعض الملابس بحاجة للغسيل .. هل يمكنكِ تولي الأمر ؟؟
لأول مرة يكون عليها الغسيل لكن كان هذا اليوم سيأتي لا محالة .. منذر هددها سابقًا بسحب فوزية تمامًا من العمل في المنزل .. صحيح هو لم ينفذ تهديده للآن لكنه يمنحها بعض الوقت لتتمكن من العمل ثم حينما تأتي برلنتي لهنا ستكون هي الخادمة الوحيدة إذا سمحت لها بالبقاء .. وتحجرت الدموع في عينيها وهي تتخيل برلنتي تخرج من غرفته ..
- نعم فوزية أستطيع ..
- حسنُا غرفة الغسيل فوق السطوح كما تعلمين ابدأي فورًا لينعم الغسيل بالشمس من بداية اليوم .. اغسلي الأبيض أولًا ..
أي عمل يشتت تفكيرها عن التفكير مرحبًا به..
- منذر .. لو لديك ملابس للغسيل رجاءً احضرها .. اليوم يوم الغسيل ..
وأكملت فوزية الخبيز وبدأت الغناء ليسليها ..- يا أبو اللبايش يا جــــــــ..
ثم بترت كلمتها وهي تنظر لربى .. ثم خرست تمامًا ..
وانصرفت ربى لتبديل ثيابها .. لن تستطيع الغسيل بجلباب فوزية الطويل الواسع وغرفة الغسيل منفصلة تمامًا .. وستترك فوزية للغناء بحرية وللاحتفال دون حرج.. ليس عليها الحرج أبدًا لأنها تعلم من هي تمامًا ..
واختارت إحدى فساتينها القطنية القديمة القصيرة وارتدته تحت الجلباب وستخلع الجلباب في الأعلى قبل أن تبدأ الغسيل..
تجربة جديدة ككل شيء حولها .. أول مرة من كل شيء من الحلو ومن المالح وحتى من المر الذي يترك أثرًا فالمر السابق ولدهشتها لم يترك فيها أي أثر دائم بل غيرها للأفضل ..
لكن فوزية فور انصرافها لم تستطع الصمت أكثر من هذا فألقت بالعجين من يدها بضيق لتقول بغم.. - أعلم أن الأمر ليس من شأني لكن جحا كان أولى بلحم طوره..
لا هذا كثير .. كان على وشك الانفجار وهو يتجه لغرفته .. لم يباركه أحدهم حتى والده ولا حتى مهند .. وفوزية تلقح عليه بكلمات مسمومة .. لكن سيتزوج من برلنتي مهما حدث .. لن يحمل أولاده دماء هارون المسمومة مطلقًا.. هل جن هؤلاء لمجرد التفكير في إمكانية نسيانه لكراهيته لها ولدمائها الملوثة؟؟
- منذر..
وتوقف على صوت والده.. - لم أعاتبك لتحديدك موعد الخطبة دون استشارتي فأنت رجل كبير وناضج لكني سأعاتبك على إهمالك شراء فستان جديد لربى لتحضر به المناسبة.. كل من في سنها ينتهزون فرص الأفراح للظهور ..
وصرخ منذر بعصبية ..- لن أشتري شيئًا .. لا أحد سيشتري ملابس جديدة حتى أنا..
وعلق والده باستنكار ..- ألم تشتري فستان الخطبة لعروسك؟؟
- لا لم اشتري .. أرسلت لهم مبلغ من المال يكفي لشراء الفستان والجاتو ومشروبات الحفل ..
- حسنًا إذا ارتضى حمدون بهذا فلا بأس هذا شأنه لكن دعني أنا اصطحب ربى الليلة وأحضر لها فستانًا جديدًا .. لا تنسى أنت منعتها من ارتداء ملابسها القديمة والفتاة بحاجة لملابس جديدة ..
- لا .. لن تذهب ربى اليوم لأي مكان ..
وتركه وذهب لغرفته يدور كالثور الهائج .. ملابس جديدة للظهور بها؟؟
وبعنف انتزع قميصه من الخزانة .. هذا القميص يحتاج للغسيل ليرتديه تحت حلته السوداء يوم غد وبنفس العنف صعد للسطوح واقتحم غرفة الغسيل قائلًا بعصبية .. - هاك قميص بحاجة للغسيل يا فوـــــــ
لكن التي كانت تغسل لم تكن فوزية ... بل كانت كتلة من نور اختلطت أشعة الشمس بأشعتها لتصنعها حولها هالة من نور تبهره وتخفي الكلمات من حلقه ..
اللعنة ما هذا؟ خمرها تعدى مرحلة أن يسكر بالشرب ووصل لمرحلة النظر والنفس وكل شيء .. كان كالمسحور ..
لذا وجب عليه إفاقة نفسه بنفسه قبل أن يدمن خمرها فتحوله لمدمن لا أمل في شفائه ولا عقل له .. فسحب القميص مجددًا ليقول بسخرية فاشلة ..- للأسف اعتقدتكِ فوزية.. سامحيني لن أترك القميص تحت يديكِ فله أهمية قصوى في يومي غدًا ..
قاسي عديم القلب متبلد المشاعر قد من حجر صوان..
وحان وقت الانفجار وصرخت ..- اللعنة عليك وعلى قميصك .. تحاول إفشالي بكل قوتك حتى وقت نجاحي‘‘ كنت تعلم أن فوزية في عطلة واخترت دعوة عائلة يهمك أمرها لمجرد إهانتي والتشفي في فشلي وحينما لم تستطع تواصل على قتلي بالكلمات كلما سنحت الفرصة حتى وأنا أعمل بكل طاقتي لنيل رضاك السامي صعب المنال .. أنا لم أنسى من أنا وأعلم كنيتي جيدًا .. ربى هارون تيجان .. ربى هارون تيجان فلا تحاول تذكيري في كل ثانية .. وللأسف كنت طفلة غبية حينما قررت الحضور لهنا لكني كبرت وعلمت ..
وجذبت القميص من يده بكل قوتها ..- والقميص سأغسله رغمًا عنك بل وسأكويه أيضًا لتكون غاية في التأنق أمام نسائبك ..
وخطفت القميص لكن توازنها اختل بشدة مع الأرض الزلجة من الغسيل لتسقط أرضًا ويرتفع فستانها القصير كاشفًا عن ساقيها ..
**
العمل البدني شاق ومتعب وخاصة حينما لا تعلم ماذا عليها أن تفعل .. كمية كبيرة من الأشياء الواجب عليها إتقانها في فترة قصيرة لتثبت لمنذر أنها ليست فتاة مدللة ولا أنها حضرت للتسول أو لتكون عالة عليهم .. وتجربة الغسيل في حد ذاتها كانت تجربة عويصة وكادت تيأس عدة مرات حتى استاطعت التحكم في الأمور لكن بالكثير من الفوضى حولها ..
ستغسل القميص وسيكون رائعًا لإفحامه فقط لكنها لم تعمل حساب الصابون الذي غرق الأرضية فاختل توزانها وسقطت كطفلة مشاغبة تقوم بحركات خرقاء .. والآن سيواصل منذر سخريته علي سقطتها الغبية ومع أن سقطتها كانت من الشدة بحيث جعلت كل جسدها يأن لكنها كانت غاية في الدهشة ولم تركز مع ألم جسدها لمجرد رؤيتها لمنذر أبيض الوجه.. هل يحمل مشاعر لها كإنسانة وهل شعر بالقلق؟؟
لم تكن تستوعب حينما انتفض وهتف بقلق بالغ وهو يهرع لحيث سقطت.. - ربى هل أنتِ بخير؟؟
لكنها لم تجب ليس بسبب الألم المبرح الذي تشعر به ولا بسبب إحراجها لكن بسبب موقفه الغريب الذي لم تجد له تفسير أنا ما زلت ابنة هارون ..
ولصدمتها ركع حيث تقبع ورفعها بين ذراعيه لتبتل ملابسهما سويًا وتنتقل المياه لكامل ملابسه عبرها ..
وعلى الرغم من البرودة المتسربة إليها شعرت بنيران حارقة تلفحها حتى أن قوة النيران جعلتها تستفيق من صدمتها ومن صدمة وجودها بين ذراعيه .. لأول مرة يقترب منها رجل هكذا مما جعلها تبدأ في الارتعاد لكن صدمتها الكبرى كانت في اكتشافها أنها لم تنفر أو تصاب بالاشمئزاز كشعورها كلما حاول أحد الرجال ملامستها ولو من بعد لكن شعرت بسعادة بالغة ورجفة بداخلها لا تعرف لها سبب..
ولا تلقائيًا تعلقت في رقبته ودفنت رأسها في صدره .. فلتقم القيامة بعد خمس ثوان لا يهم طالما ستعيش تلك الثواني بين ذراعيه ..
شجرته المثمرة في الخارج .. هل هي شجرة الجنة أم شجرة الخطيئة ؟؟ حينما أكلت من تلك الشجرة سترت وآمنت لم تتعرى ولم تبدي سؤتها إذًا الإجابة معلومة ولا تحتاج للكثير من التفكير لكن!! السؤال الأزلي الذي حير الكثيرين : أين تقع الجنة وأين تقع النار؟ والإجابة مكانهما في قلوبنا .. فجنتي حيث تكون..
كانت لحظات أشبه بالحلم وشعرت وكأنه يضمها وارتفعت درجة نيرانها لدرجة الانصهار ثم وضعها على الأرض برفق وهم بضمها مجددًا وهو يقترب بوجهه من وجهها فتخشبت لكن فجأة تراجع وغشى قناع قاتم من السواد وجهه وقال بسخرية سوداء.. - استراتيجية جديدة.. تستخدمين فن الاغواء جيدًا لكن لا تنسي أنا محصن ضد الاغواء وضد ثمرته.. ثم أكمل بعصبية مدمرة ..- لا أنتِ لست ثمرة بل أنتِ الخطيئة بنفسها ..
الكلمة تقتل .. وهو يقصد قتلها .. قسوته السابقة لم تقتل روحها وقاومت لتصمد فضربها بالقاضية .. والمضحك أنه يقول هذا ولا يعلم عن ماضيها ولا عن تنقلها وسط طاولات القمار لتخدم السكارى .. يتهمها بالإغواء كأي ساقطة وهو لا يعلم فماذا سيفعل حينما يعلم هل سيقتلها مجددًا؟؟ لكن لا حاجة به لقتلها مجددًا فعملية القتل تمت بنجاح شكرًا لك ..
وحينما اطمئن لنجاح مهمته انسحب وتركها جثة عليها مواجهة القادم وعليها الاستمرار في العمل وفي النضال ..
**
عادات وتقاليد تتعرف عليها على الرغم من كسرة قلبها ونفسها لكنها لم تظهر الألم‘‘ ستخزنه بداخلها فلا يحق لأحدهم رؤيته ..
الألم سيزول كل شيء سيزول مع الوقت لا شيء يدوم حتى الإنسان نفسه يفنى ..
كانت تراقب ما يحدث من شرفتها وهي تجبر نفسها على النزول لمواجهة منذر وخطبته وبرلنتي وعائلتها وقلبها المحطم‘‘ كل هؤلاء عليها مواجهتهم وفي المقابل عاصم وعمها قدري هما كل أسلحتها ..
ووجهها الذي فقد حمرته وتحول للون الأبيض أعطاها مظهر المريضة حتى أنها صدمت من رؤية وجهها بالمرآة ودخلت فوزية أثناء محاولتها للتماسك وعلقت بحسرة..- وجهكِ فقد لونه الجميل ..
وظهر على وجه فوزية التفكير ..
- لا يجوز ذهابكِ للحفل هكذا ستشمت تلك البشعة فيكِ والله لا أعرف ماذا أعجبه فيها؟؟ انتظريني لدقائق ..
وخرجت فوزية وتجمدت هي مكانها .. هل يظهر عليها المرض هكذا؟؟ لكن للأسف مرضها لا علاج له .. وحضرت فوزية على الفور وهي تحمل في يدها قلم كحل وصحن صغير وقطعة قطن وقالت بحنان ..- هذا قلم الكحل خاصتي اشتريته للعيد استعمليه .. حتى أنا وضعت منه اليوم ..
كحل؟؟ لم تستعمله من قبل .. في حياتها لم تستعمل أي زينة وجه ..
وحينما أدركت فوزية حيرتها وضعت لها الكحل بنفسها بداخل عينيها لتحددهما فيظهر اتساعهما ويتناقض السواد مع بياض بشرتها لكنها لم تكتفي ووضعت القطنة في الصحن الصغير الذي تحمله ومررت على شفتيها قائلة .. - ماء سلق الشمندر ..
التقطه من الحديقة خصيصًا لأجلكِ ..
وحقًا توردت شفتاها وصرخت حينما قرصتها بعنف في وجنتيها ..
- هكذا أفضل كثيرًا .. هيا .. وسبقتها للأسفل وفور أن خرجت من غرفتها وجدت زوج عمتها ينتظرها وفي يده كيس مخملي صغير وناولها إياه قائلًا بحنان .. - هذه القلادة البسيطة كانت لعمتكِ .. اهديتها لها حينما استطعت .. لم أفرط فيها ولن أفرط .. معكِ ستكون في أمان .. احتفظي بها في رقبتكِ فهي تجلب الحب والحظ.. لم تخلعها من رقبتها يومًا وكانت كلما شحبت استمدت طاقتها من دفئها .. استبدليها أحيانًا لكن عودي وارتديها لتعيد اللون لوجنتيكِ ..
وانسحب فظلت متخشبة للحظات .. هدية قيمة ربما لا تستحقها .. ربما عليه أن يهديها لزوجة منذر فهي ستكون أولى بها .. في هذا اليوم بالخصوص يهديها إياها بدلًا من برلنتي؟؟
وفتحت الكيس .. كانت قلادة بسيطة جدًا لكن بها سحر خاص وارتدتها وشعرت بحرارتها .. أعاد زوج عمتها اهداء تلك القلادة كما فعل سابقًا .. لكن مع اختلاف النوايا لكن يظل الحب يغلف كل أفعاله .. ربما حب العشيق يختلف عن الحب الأبوي لكن يظل الحب حب ويمنح الطاقة وربما هذا سرها .. وشعرت حقًا بالحرارة تتدفق لوجنتيها وبالدماء تتجدد فيها ..
وأكملت طريقها للأسفل وهي مشحونة بتلك الطاقة وشعرت أنها استردت جزءً من جمالها الذي بهت ..
ولحسن حظها كان منذر مظلم الوجه ولم ينظر إليها حتى بل كان منشغلًا بالحديث مع أصدقائه .. منذ حضورهما لم ترى لمنذر أيه أصدقاء حتى أنها تعجبت حينما ظهر له العديد من الأصدقاء فجأة ..
كانت الحديقة تعج بالرجال وعرض أحدهم أن يقلهم جميعًا بسيارته لحيث منزل عائلة حمدون لكن منذر رفض بشدة وسمح فقط لمهند ولعاصم بمرافقته وقام غندور بتحميل الصندوق الخلفي لسيارته بصناديق التين والعنب والمانجو وبمشنة الفطير والخبز والتي غلفتها فوزية بشكل احترافي وصعد خلفهم ومد يده لزوجته فصعدت خلفه ..
ومن حظها مجددًا أن عمها حشر نفسه لجوار منذر قبل صعودها للسيارة ليسمح لها بالركوب لجوار النافذة بعيدًا عنه مسافة كافية ولم يعترض منذر على هذا الترتيب وانطلق ومن خلفه انطلقت زفة سيارات غطت على شهقاتها الداخلية التي ربما كانت ستكون مسموعة..
ووصلوا سريعًا مع أنها كانت ترغب ألا يصلوا أبدًا.. لم يبتعدوا كثيرًا فمنزل عائلة حمدون كان قريبًا جدًا فقط بضعة شوارع تفصلهم عنه .. لا عجب أنه اختارها فهو بالتأكيد يعرفها ويعرف عائلتها طيلة حياته ..
وهبطت من السيارة تجر قدميها ومع وصولها وجدت نفسها تسحب من قبل والدة برلنتي التي قالت بضيق .. - تعالي معي حتى تخرج برلنتي من غرفتها وننضم للرجال لن تجلسي في مجلس الرجال بمفردكِ ..
وسمعتها تبرطم وتقول .." لماذا أحضرها معهم ؟؟"
ليته لم يفعل صدقيني .. وهل كنت أرغب بالحضور ..
ولم تمر سيدة من المدعوات للحفل إلا واستوقفتهما وسألت ماجدة عن هويتها ونظرن إليها بإعجاب واضح حتى أن بعضهن تمتمن " ما شاء الله تبارك الله "
فدفعتها ماجدة لداخل غرفة برلنتي وأمرتها بقسوة ..- انتظري هنا ..
كانت تخفيها من أعين السيدات اللائي انبهرن بها .. ودخلت الغرفة على مضض ..
كانت برلنتي تتزين أمام مرآتها مرتدية لفستان أخضر فاتح مبالغ فيه كفستان خصص للارتداء في المنزل وتحاول لف حجابها المبالغ فيه أيضًا بعدما وضعت قدرًا كبيرًا من زينة الوجه .. لماذا لا يعترض منذر علي وضعها لزينة الوجه؟؟
حتى يوم العزومة كانت تضع الكثير منه ..
وشاهدتها برلنتي في المرآة فرفعت كأس مشروب أحمر اللون وارتشفته ببطيء ثم وضعته على الطاولة بجوارها واستدارت لها تقيمها من رأسها حتى أخمص قدميها ثم جلست على المقعد بعجرفة.. وقالت بتشفي.. - هل قدموا لكِ شربات الورد بمناسبة خطبتي .. أوه للأسف يبدوا أنهم لم يهتموا بكِ لأنكِ نكرة على كل أنا كنت احتاجك خيرًا فعلت والدتي بإحضارك لخدمتي..
والتقطت حذاء ساتاني بنفس لون فستانها من علبته ثم رفعت ذيل فستانها الطويل وكشفت عن قدميها العاريتين وقالت بلهجة آمرة ..- البسيني الحذاء لأخرج لخطيبي فهو ينتظرني بلهفة ..
ماذا سيحدث لها أكثر من هذا؟؟ ماذا لديها لتخسره؟؟ في الواقع لديها إهانة وقسوة لكن مقابلهما أمان وحياة حقيقية لعاصم .. لديها ستر ومأوى بعد ضياع وتشرد مقابل الكثير من العذاب اللا منتهي لكن ..
الحياة فرص.. وتلك قد تكون فرصتها الوحيدة للانتقام من تلك المتعجرفة وقد تكون أيضًا بوابتها للجحيم ولخسارة كل شيء إذا ما علم منذر ما فعلته لكن لن تعلم حتى تجرب..
لكنها كانت بحاجة لوضع أعصابها التي تحترق في الثلاجة لتفعل، ربما الحل الأمثل كان جذبها من شعرها ومسح بلاط الغرفة بها لكنها لا تستطيع بدنيًا على الأقل والبديل خطر في ذهنها ولم تستطع المقاومة..
واستجمعت كل طاقتها وحولتها لبرودة تنسل من بين شفتيها ولقوة تناولت بها كأس شربات الورد الذي كانت تشرب منه برلنتي وسكبته على حذائها الساتاني الفاتح ليتحول ويصبح عنابي اللون بلا خريطة معالم واضحة وشهقت برلنتي بحسرة وعدم تصديق وهتفت ربى.. - أوه آسفه بالخطأ.. وتركتها لحسرتها وللفوضى التي أحدثها الشربات المنسكب وخرجت ..
وصرخات هيسترية انطلقت من الغرفة تجاهلتها تمامًا وهي تسرع للهرب فاستوقفها شاكر متسائلًا لكنها تجاهلته وكأنه الفراغ وهي تبتهل أن يغطي الضجيج القادم من الخارج على صرخات برلنتي ولا يصل الصوت لمسامع منذر لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.. لصدمتها وجدت منذر يتجه نحوها وعينيه تنفثان اللهب كتنين ثائر..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بالأمس كاد يقع في الخطيئة‘‘ كاد يأكل الثمرة المحرمة ويعيش في جهنم للأبد وهي السبب لكنه تماسك وغلب شيطانه ..
كيف تكون طفلة وغاوية في نفس الوقت؟؟ بالأمس كانت ستغويه حتى ولو لم تكن ترتدي فستانها القصير.. حتى ولو كانت ترتدي جلباب فوزية باهت الألوان.. لكن تلك الغبية ألم تعلم أن مهند أو والده قد يصعدان للسطوح ويرياها؟
فهل يعطي العذر لشاكر الذي يلاحقها كظلها أم يقتله؟؟ أفكاره متداخلة مشتتة ولا يستطيع التفكير بصفاء ذهن.. اللعنة ليس عليه الآن التفكير في أي شيء الأهم أولًا..
سيلقن شاكر درسًا لملاحقتها ثم يأتي دورها لاحقًا وهتف بها بصرامة مرعبة..- اسبقيني للسيارة..
لا تعلم ماذا سيفعل مع شاكر أو هل سمع صرخات برلنتي الهيسترية أم لا لكنها سمعت شاكر يقول بدفاعية.. - كنت أسألها عن سبب الصراخ ..
لكنها لم تتوقف لتسمع إجابته وركضت للسيارة تنتظر ما سيفعله بها..
هل سيهينها أمام الناس ويفتعل فضيحة؟؟
ونظراته الصارمة حينما حضر أخرستها .. على كل حال من الجيد أنه سينتشلها من هنا حتى ولو سيقتلها .. القتل خيرًا من البقاء في منزل يعم بكراهيتها ويعمل جاهدًا على كسرة قلبها .. وانطلق بالسيارة دون أن يوجه لها أي كلام .. وأمام المنزل ركز نظراته على وجهها وكأنه يبحث عن سبب ليصب عليها لعنته كزينة الوجه مثلًا وحينما لم يجد اتجه بنظره لجسدها ليفحص ملابسها لكن نظره تعلق على القلادة وتعرف عليها على الفور فأشاح بوجهه بعيدًا عنها للحظات .. كان يبدو أنه يبذل جهدًا خرافيًا للتماسك وحينما نجح عاد للنظر تجاهها وأشار لها بأصبعه بتهديد ..- ستنتظرين في المنزل حتى عودتنا وسأغلق عليكِ بالمفتاح ولن تحاولي الحركة لخطوة واحدة لخارج المنزل هل تفهمين؟؟
**
لقد أقام علاقات بعدد شعر رأسه بالغصب وبالرضى .. بالتهديد وبالابتزاز .. بدفع الأموال أو بتقديم الهدايا لكنه لم يرد فتاة كما أرادها .. ولم ترفضه فتاة ولم يستطع نيلها مثلها ..
يريدها هي فقط الآن وسيجن إن لم يحصل عليها ..
ورفع هاتفه ..- معوض ماذا فعلت ..؟؟
- أنا قادم في الطريق .. انتظرني .. قالها وأغلق الخط..
من مصلحتك أن تحمل أخبارًا حقيقية هذه المرة لقد نفذ صبري .. كان يتلظى على الجمر في انتظاره ودخل معوض وعلى وجهه علامة الانتصار ..
- لقد وجدتها .. الفتاة في برشوم .. تقيم لدى عائلة عمتها كما توقعت.. أيضًا وضعت رجال عند مدرسة شقيقها لو ظهرت هناك سنختطفها فورًا.. سنصلح ما فعلنا فقط اعطنا بعض الوقت ..
حينما علم عن زينب تيجان توقع أن تفر الفتاة لهناك وصدق حدسه‘‘ إخراجها من هناك لن يكون صعبًا حتى ولو هجم برجاله على المنزل لكنها ستخرج بمفردها إن آجلًا أو عاجلًا وستكون له فقط عليه بعض الصبر .. الجميل يستحق الصبر ..
**
اليوم التالي غاب معظم النهار ففكرت بحسرة أنه لابد وأن يكون مع خطيبته وبدأت تشعر بغيرة قاتلة ثم انتبهت لأن برلنتي قد تخبره عن إفسادها لحذائها فيعاقبها والله وحده أعلم بمقدار غضبه وقتها ..لا تعلم حتى ماذا فعلت أو ماذا ارتدت لكن العائلة لم تتأخر في الحضور وحينما عادوا لم يتحدث أحدهم عن مشكلة حتى فوزية لم تثرثر بالكلام فقط قالت ..- سأخلد للنوم باكرًا .. وكان يبدو عليها الضيق .. وحاولت استدراج عاصم في الكلام لكنه أوجز وقال ..- أنا ومهند لم ندخل المنزل .. كنا نلهو في الجوار ..
ولدهشتها حينما حضر طلب من غندور مساعدته في رفع كرتون ضخم من صندوق سيارته للحمام بالدور العلوي ..
وحينما تلصصت لتعلم ما هو صدمت حينما اكتشفت أنه ابتاع غسالة ملابس أتوماتيكية.. بالطبع لن يرهق زوجته الدلوعة بالغسيل خاصة وهو يعلم جيدًا أن أيامها في خدمته بدأت عدها التنازلي ..
وخفق قلبها بألم حينما أجاب غندور ردًا على سؤاله ..- ألن نضعها في غرفة الغسيل في السطوح ..
- لا غندور السطوح له خططًا أخرى في رأسي .. ضع الغسالة في الحمام العلوي ونظف السطوح جيدًا لا أريد حتى ذرة غبار ..
- غسالة أتوماتيكية؟؟ يا حلاوة يا ولاد ..
هكذا هتفت فوزية وهي تلحقهما للأعلى وأطلقت العديد من الزغاريد ابتهاجًا بالغسالة.. زغاريد لم تطلقها بالأمس ولم تحاول حتى ومزاجها تحسن اليوم كثيرًا بعدما ظلت صامتة منذ الصباح ولم تلين إلا مع رؤيتها للغسالة ..
واكتشفت أنه ماهرًا حتى في أعمال السباكة .. لم يطلب سباكًا لتركيب الغسالة بل ركبها بنفسه وحينما انتهى طلبها وتحدث معها بجدية ..- هل تعلمين طريقة تشغيلها؟؟
اللعنة سيجنها .. ينقلها من سابع سماء ليدفنها في سابع أرض في لحظات .. متقلب المزاج عصبي عنيد غيور لكن في الواقع هذا ما يميزه ويجعله قادرًا على الاعتناء بمن يهمه أمرهم وعلى تحمل مسؤوليتهم بالكامل .. شخصية ستقضي عمرها كله في محاولة نيل رضاه ولن تستطيع ..
ومع أنها شغلتها من قبل بل وتستطيع قراءة كتيب التعليمات بنفسها إن احتاج الأمر ولا حاجة له لتعليمها لكنها هتفت ..- لا ..
قالت لا فقط ليطيل الحديث معها ويعلمها بنفسه .. وللاستمتاع بلحظات الهدوء والحديث الخالي من السخرية والقسوة والإهانة ..
وانهمك لدقائق في شرح كيفية تشغيلها .. كانت تحفظ كل حرف يقوله حتى أنها لو اختبرت فيما قاله ستأخذ الدرجة النهائية .. وكانت تستمتع بلحظات الهدنة التي ربما لن تتكرر ..
- جربي الآن ..
ومدت يدها للتشغيل في نفس اللحظة التي مد هو يده فيها أيضًا وتلامست أيديهما على زر التشغيل فتحول وجهها للون الأحمر وسحبت يدها سريعًا هل سيتهمها بالإغواء مجددًا؟؟ لكنه لم يتحدث بل تنحنح وسحب يده هو أيضًا فعادت لتشغيل الغسالة ..
انتهى الدرس سريعًا .. اللحظات الرائعة تدوم كلمح البصر واللحظات البشعة تدوم كسنوات ..
**
الأيام التالية لم تسمع اسم برلنتي ولا عائلتها نهائيًا مما منحها الكثير من الراحة وتجنبت الاحتكاك بمنذر كي لا يؤنبها ويسم بدنها بكلماته مجددًا .. ستتجنب إثارته وستعيش على تلك الهدنة القصيرة لأطول وقت .. وفي إحدى الأمسيات شاهدت عاصم يقرأ مجلدًا صغيرًا فسألته بدهشة ..- ماذا تقرأ؟؟
فأجابها ..- ألغاز المغامرون الخمس .. مهند يمتلك مكتبة كبيرة وأنا بدأت القراءة مثله ..
إضافة جديدة لعاصم .. سيتعلم كل ما هو مفيد وامتلأت عيناها بالدموع .. فأغمضتهما كي لا يلاحظ عاصم وتنفست بعمق لتحاول ابتلاع تلك الدموع وجفلت حينما لمس عاصم كتفها‘‘ فقال بحيرة ..- ما زلتِ تنتفضين من الخوف .. ربى نحن لم نعد في القاهرة ..
الحمد لله يا عاصم وهل لا أعلم هذا ..- لا تقلق حبيبي أنا بخير ..
ولم ينتبها لقدوم منذر الذى قال فجأة من خلفهما ..- أه قبل أن أنسى .. ستأتين معي في الأسبوع القادم لمدرسة عاصم لسحب ملفه لتقديمه في المدرسة هنا ..
وأبيض وجهيهما من الخوف ومن الصدمة .. لكن الأهم ماذا سمع بالضبط ؟؟ هل هي صدفة ليذكر القاهرة الآن ؟؟
وتحشرجت الكلمات في حلقها وهتفت بصعوبة بالغة ..- لا أريد الذهاب للقاهرة .. سأصف لك مدرسته لتذهب ..
لكنه علق بضيق ..- المشي في القاهرة مزعج ويستهلك الكثير من الوقت لمن لا يعرف طرقاتها .. ستأتين معي لإرشادي .. هذا غير قابل للنقاش ..
سيعيدها للقاهرة؟؟ كل مخاوفها وقلقها وتوترها وحتى قضمها لأظافرها عاودوها من جديد .. منذر سيفتح طاقة جهنم مجددًا ولن تغلق هذه المرة هي أكيدة من هذا ..
**
ماذا يريد ؟؟
لحوالي خمسة عشرة دقيقة ومخلوف يلف ويدور في الحديث ولا يعطي جملة مفيدة ..
وقدمت ربى القهوة وخرجت على الفور..
وهتف منذر بضيق من وصل الحد ..- اللهم طولك يا روح ماذا تريد يا مخلوف؟؟
وتنحنح عشرات المرات قبل أن يبتلع ريقه وتشجع ليقول وهو يشير لحيث خرجت ربى ..- أريدها ..
والشر الذي انطلق انطلاقًا من وجه منذر وكأنه كان على وشك ارتكاب جريمة جعله يسرع بالقول ..- لولا أنك خطبت من بيت حمدون ما كنت طلبتها منك خشية أن تكون حجزتها لنفسك لكن بما أنك خطبت فيشرفني أن أطلب يد بنت خالك المصونة.. سأبيع لك القراطين المجاورين للمصرف وأدبر الباقي لإنهاء التزامات الزواج .. لا شيء خسارة فيها .. إنها تستحق التفريط في الأرض ..
الحقير يساومه .. لطالما طلب منه شراء تينك القراطين لتحسين صرف أرضه وجعل الرقعة الزراعية خاصته متواصلة لكنه كان يرفض والآن يساومه ..
وتمالك أعصابه لأقصى درجة لولا أنه في منزله لكان دفنه في الحديقة وهب صارخًا قائلًا بغضب عاتي .. - لا يوجد لدينا بنات للزواج .. اشرب قهوتك وغادر منزلي ولا تقترب من حدوده وإلا دفنتك في الحديقة ..
عصبية منذر الشهيرة وجنونه..
كان يعلم أنه سيرفضه لكنه لن يفوت الفرصة.. وهتف بخبث..- إذًا أنت ترفض لأنها تعجبك .. كنت أقول إقامتها في منزلكم وكلكم رجال لا تسيء لكني كنت مخطئـــــــــــــــــــــــ..
ولم يمنحه منذر الفرصة لإنهاء جملته وهوى بقبضته على أسنانه محطمًا إياها وتناثر الدم على وجه مخلوف وقبض منذر على رقبته وكاد يخنقه وتدلدل لسان مخلوف لولا أن والده وغندور تدخلا وخلصاه من بين يديه ومنذر يصرخ ..- اخرج من بيتي يا قذر وإلا قتلك ولا دية لك ..
وهرول مخلوف للخارج غير مصدق أنه مازال يتنفس .. اللعنة .. لقد أغضب التنين وفي عرينه .. وكان يبرطم قائلًا .." البنت لعمتها تركت المنزل بدون علم أهلها‘‘ بنات فلتانة "
ووضع منذر كفه على فمه يتنفس بصعوبة .. وصرخ والده في الجميع وأشار لهم بالتفرق ..
كان الجو المشحون لا يحتمل الكلام ولا المجادلة فاختفى الجميع على الفور .. لا يعلم أحدهم سبب هجوم منذر على مخلوف ولا سبب الحالة التي وصل إليها منذر لكنهم لن يجرؤا ويسألوا .. وحده والده استمع لحوارهما وقبض على زمام الأمور بحسم ..
منذر يتصرف بهمجية وغباء يضر الجميع ..
وحينما تأكد قدري أنهما بمفردهما قال بغضب واضح ..- " فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " ..
حادك الصواب هذه المرة بسبب تهورك واندفاعك .. الأمور لا تأخذ هكذا‘‘ بسبب غبائك فتحت باب للخوض في عرض فتاة طاهرة كانت في أمانتنا بل وتوسع الموضوع لينال عرض والدتك ..
لولا أني والدك وربيتك بيدي ما كنت قبلت لها بالإقامة معنا في المنزل وجميعنا رجال ولا بإقامتها في الطابق العلوي وأنت فقط تقيم فيه لكن بغبائك أظهرت صورة غير الحقيقة .. من سيمسك لسان مخلوف الآن؟ معه كل الحق فيما سيقوله ..
لم يكن من حقك رفضه بهذا الأسلوب .. الواجب عليك كان استشارتها وتقديم أسبابك لها للرفض وانتظار رأيها ومن ثم احترامه.. بماذا فرقت عن هارون؟؟ أنت تتحول لتكون هارونًا جديدًا وديكتاتورًا وبغباء بدون أن تشعر .. لم تكن مشكلتهما هما انعدام الرجولة في محيطهما بل مشكلة من أوصلهما لتلك الحالة .. ربى وزينب لم يجدا لهما حامي فحضرا لحمايتنا وكدنا ننجح في هذا حتى أتيت أنت وهدمت كل شيء .. لا تعتقد أني لم أتابع أخبار هارون خلال كل تلك السنوات .. لا منذر أنا كنت أعلم ما يفعله وما وصل إليه من انحدار وسوء خلق فاق حتى ما كان عليه منذ سنوات فمازالت تربطني بعض الصلات ببعض موظفينه القدامى .. الحقيقة التي لا تريد الاعتراف أن هارون يكون خالك أنت أيضًا ودمك به دمه شئت أم أبيت‘‘ إما أن تعود لعقلك ورزانتك المعهودة أو تنسحب من الساحة وتترك مسؤوليتهما لي .. هذا آخر تحذير لك بعدها تصرفي لن يعجبك ..
يحمل دمائه؟؟ بالطبع لا وألف لا .. دمائه لا تسري في عروقي ولو حتى بمقدار ضئيل .. أنا برشومي أصيل..
وحاول منذر الاعتراض لكن والده هتف بصرامة أكبر ..- ستستمع لكل حرف أقوله وستنفذ .. توصيلك لها يوم الخطبة وتركك لخطبتك لن يمر مرور الكرام .. لولا أني تداركت الأمر وأعلنت أنك نسيت خاتم الخطبة وعدت لإحضاره كانت ستصبح فضيحة على نطاق واسع .. واليوم أعدت تقليب الجمر المختفي تحت الرماد.. ماذا تفعل منذر ؟؟ حقًا ماذا تفعل .. عين في الجنة وعين في النار؟؟
لكن احذر نارك تلك لن تأكلها بمفردها بل ستأخذنا جميعًا معها في طريقها ..
•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية