رواية عطر القسوة الفصل الرابع 4 - بقلم داليا الكومي

 رواية عطر القسوة الفصل الرابع 4 - بقلم داليا الكومي


لسانها عقد من الصدمة....جواز ...الخميس ...فضيحة...الصور ...تالا ...تزاحمت الأفكار بداخل عقلها بقوة          

همت بالاعتراض لكنها سمعت خالد يقول.... 
-  لكن بشروطى ..
ضغط علي اسنانه حتى كاد يحطمها...- لا تتمادى وإلا سأفعصك  
كرر بصرامة.. - الزواج سيتم بشروطى وإلا لا زواج علي الاطلاق  ...اريد تراخيص المصنع كاملة تكون في يدى قبل الزواج وسترفع يدك عن المزرعة .. انساها بمعنى أوضح وليست المزرعة فقط بل سترفع يدك عن كل شيء يخصنى أما سليلة الحسب والنسب فسلطتى عليها ستكون مطلقة وستقيم في المزرعة طوال فترة زواجنا ولن تخطو خطوة بدون علمى  
وافقت علي شروطى اذًا سنتم الصفقة ... سأستر ابنتك المنحلة واحافظ علي صورتك في المجتمع .. وأنا أيضًا سمعتى لها نفس الأهمية ولن اضحى بها أبدًا بسبب تصرفات فتاة طائشة استطيع تأديبها بنفسي .. أما اذا لم توافق فحينها ..
قاطعه بغيظ ..- موافق
صفقة .. زواجها اصبح مجرد صفقة ..

اصبحت مشوشة لدرجة انها انفصلت عن الواقع وتقبلت مصيرها واستمعت إليهما وكأنهما يتحدثان عن زواج فتاة اخري وليس زواجها هى .. 
اكمل كلامه...- الزفاف سيكون هنا الخميس القادم .. رتب أمورك

من الأن اصبحت ملكه .. اصابع والدها ترتسم بغباء علي وجنتها .. وعلي الرغم من غضبه سألها بقسوة ..- هل أنتِ بخير؟ هزت رأسها بالنفي .. وهى تبكى بصمت

وجه حديثه لوالدها وحذره مجددًا ..- اقسم لك ستندم لو لمستها مجددًا .. وغادر بقوة رجت الارض عند رحيله ..

بعد رحيله أخيرًا استطاعت النطق ...سألت والدها بألم ...- لماذا أبي ؟ اقسم لك أنى بريئة .. هذا ليس زواج هذا عقاب قاسي عمري فقط التاسعة عشر ولا اريد الزواج وخصوصًا بتلك الطريقة المهينة ..
اغلق باب النقاش في وجهها....- زفافك وتحدد كلامك لن يفيد ...تالا ظلمت بسببك وربما بزواجك تبرئ ساحتها.. تستطعين الرفض لكن ستتحملين نتيجة افعالك كاملة .. سأحبسك في المنزل  .. لن تكملي تعليمك وقتها وستنسين شكل الشارع .. فكري جيدًا سارة .. أنا خططت بذكاء .. خالد يسري له وضعه وثقله حتى بدون أمواله .. استطيع القسم أنه سوف يستعيد امبراطوريته في غضون شهور .. في النهاية ستتزوجين من مليونير ..

صرخت بانهيار ...-  تالا ... دائمًا تالا هى من تفضلان سواء أنت أو أمى .. وبالنسبة لذلك الوقح أنا لا يهمنى أمواله مطلقًا  - أنتِ تهذين يا فتاة .. لم تجدى مبرر لأفعالك المشينة فتتحاملين علي شقيقتك المسكينة 
كتمت مشاعرها فما فائدة الكلام أو حتى الصراخ .. محاكمتها تمت وحكم عليها بالذل لأخر يوم في عمرها .. لم يكن خبر زواجها من خالد هو ما يؤلمها لكن ظلم ابيها لها ذبحها فدائمًا تالا تنتصرعليها .. لكن زواجها منه بتلك الطريقة سيذلها لن تستطيع أن ترفع عينيها في عينيه يومًا ..   نعم تريده ولكن ليس بكل هذا الذل ...

لكنه القدر وتدابيره .. مصيرها قد تحدد منذ يوم طرقها لبابه.... شيء غريب يربطها به ...احساس بالأمان يحتلها عندما تراه...ربطت به برباط غير مفهوم .. ربما زواجها منه هو ما تتمناه  فعليًا لكن ما يؤلمها هو الطريقة التى سيتم بها ذلك المقاومة تضعفها كثيرًا ولم يعد لها طاقة عليها .. اجابت باستسلام .. - أنا اوافق علي الزواج  
كانت ستتزوجه حتى رغمًا عنها لكنه قال بارتياح...- أخيرًا فكرتى بعقل ..اتعشم أن تكونى اتعظتى مما حدث ولولا أن الشخص الذى قضتيى الليلة معه هو خالد يسري لكان لي تصرف مختلف تمامًا معكِ

يا ليته صمت ولم يقل تلك الجملة القاسية والتى اثبتت أن والدها لا يهتم بها اطلاقًا وفقط المظاهر تهمه  .. تغاضى بكل بساطة عن حماقتها وقضائها ليلة في منزل رجل غريب فقط لأن ذلك الرجل هو خالد يسري الشهير .. كم المها تعليقه عندما قال لولا أن الشخص المتهم معها لم يكن خالد يسري لكان تصرف بطريقة اخري اشد قسوة علي حسب قوله ... كل ما يهمه اسمه وسمعته كوزير وطالما خالد مليونير حتى لو مليونير سابق فهو صفقة رابحة بالنسبة له وسيستفيد منه .. مقولة سمعتها عن خالد وسط الشائعات والاتهامات " الرجل المعجزة .. يحول التراب لذهب "  
اغمضت عينيها ولسانها نطق بالقبول وكأنها مجبرة ولكن فعليًا هل هى مجبرة ؟ هل كان الرفض خيار أمامها ؟

سؤال بلا جواب .... قوة مسيطرة تجعلها مسلوبة الارادة أمامه .. تجعلها مستسلمة.. هل ذلك هو النصيب ؟؟ هل هو من كتبت علي اسمه منذ يوم والداتها وسيكون رجلها حقًا..؟؟

علي أي حال فالحياة مع خالد ومع مشاعرها التى تنمو تجاهه أفضل بكثير من الحياة مع أم تهتم بأزواجها اكثرمن بناتها وأب يهتم بالسلطة والأموال أكثر منهما أيضًا... إن كانت قد اصبحت سلعة تباع وتشتري فعلي الأقل هى ستختار لمن ستباع    
                                                                  ***

مال ناحيتها ليهمس بسخرية  ...- فستان أبيض !! .. من تخدعين الآن ؟
نظرت إليه ببلاهة ثم نظرت إلي فستانها لتتأكد من احتشامه مغطى بالكامل ..اذًا ما يثيره الآن ...- أليس ذلك هو ما ترتديه العروس في العادة ؟

رد إليها نظرتها بنظرة وقحة إلي عينيها العسليتين بتحدى سافر ليقول بنفس درجة وقاحة نظرته ...- مازلتى تمثلين البراءة حسنًا جميلتى ألم تسمعى من قبل أن اللون الأبيض خصص للعذروات البريئات لأنه رمزًا للطهارة.. البريئة التى لم تمس ترتدى لزوجها الأبيض  .. لكن الأنثى المستعملة من قبل ترتدى الألوان .. فمن تخدعين اذًا .. بالتأكيد ليس أنا ..
كلماته نزلت عليها كأنها دش بارد .. الحقير يصفها ب " المستعملة "  
 هل أكلت الهرة لسانك ؟ لا تعليق...؟- 
رفعت رأسها بكبرياء وقالت ...- لا 
واصل اهانتها بلا رحمة ...- يبدو أنكِ أزمة كبيرة ووالدك لم يعد في امكانه السيطرة علي جموحك .. زواجك بتلك الطريقة يدل علي ذلك .. وأحسن والدك الاختيار تمامًا فأنا من سيكسر رأسك الجميل ذلك .. لا تتوقعى من تدليلك كما كان يفعل .. أنا دمى حر وفقط سترتك لأنكِ صورتى في منزلي لكن أقسم بالله لو فقط فكرتى في الخروج بدون اذنى سوف اقتلك ..

لماذا يواصل تعذيبها ؟؟ متى سيقتنع ببرائتها ؟؟؟ ربما والدها ساهم بشكل كبير في كسرتها أمامه لكنها هى رضخت ورضوخها فسر علي أنها تقر بما يقولون .. تقر بأنها خاطية مذنبة ملوثة .. يهينها ويحتقرها بل ويهددها .. هل القرب منه يستحق كل تلك الاهانات المتواصلة ..؟ لو تستطيع خلع فستانها الآن وارتداء الأسود لكانت فعلت .. كانت سترتديه حدادًا علي كرامتها المهدرة علي أرضية غبائه .. يكفي هذا!! 
ردت عليه بتحدى ...- لم ينعقد القران بعد تستطيع تغيير رأيك .. لكن ربما أنت لا تستطيع لأنك تخشي أبي ..؟ 
بالفعل نجحت في استفزازه ولأول مرة منذ معرفتهما ..لو فقط يتحصل علي عنقها لكان دكه بيديه تلك الغبية لا تعلم ما تقول - أنتِ لا تعلمين من هو خالد يسري .. لم يخلق بعد من يستطيع تهديدى .. واسم منصور الجباس لا يمثل لي أي تهديد حتى هو من يحتاجنى لتنظيف قاذوراته .. قراري مصدره دماغي وبارادتى الحرة اقرر .. وهناك أيضًا ما يسمى بالوعد,, فالوعد عندى مقدس .. لكنى اعتقد أنكِ لا تؤمنين بتلك الأشياء .. حتى الوعود لا تحترمينها أليس كذلك ...؟

بالفعل يكفي هذا .. غلطة غبية في لحظة تهور ستدفع ثمنها لما تبقي لها من عمر .. لماذا هى ..؟؟ لماذا تالا لا تدفع مثلها علي الرغم من طيشها ؟؟ استغفرت ربها في صمت .. هل ستعترض علي قضاء الله ..؟

اغمضت عينيها بألم ... - لو دافعت عن نفسي ستصدقنى ..؟ لوقلت لك أننى احترم الوعود بل اقدسها ستصدق ؟؟

صدقنى لو فقط كنت اعتقد انك ستستمع لكنت تكلمت ..
اسكتها بنظرة نارية من عينيه... - وفري كلامًا ودموعًا لن تفيد .. اصبحت اتعرف بسهولة علي دموع التماسيح الكاذبة واصبحت محصنًا ضدها .. 
" اعلم " ووفرت دفاعها عن نفسها الذى لن يفيدها,, ستصمت فالصمت هو صديقها الوحيد حتى الكلام مع نفسها اصبح يؤلمها ...  أين الخلاص..؟ طوال عمرها وهى مستكينة تائهة في افكارها ...تائهة بين عقل حاد هو رقيبها الوحيد علي تصرفاتها وبيئة ملائمة لكل الوان الانحلال ...     

لطالما قاومت واختارت أن تعيش في عالم خيالي خاص بها ..عالمها الافتراضى  من صنع مخيلتها الخصبة وبطله فارس مغوار.. بطلها المجهول كان يشبه خالد وعندما قابلته أخيرًا وجدته يحتقرها .. بطلها يحتقرها يالها من نهاية مأساوية لقصة حياتها قبل حتى أن تبدأ  
صوت والدها قطع افكارها... هتف بلهجة آمرة ..
 المأذون وصل- 
الرعشة هزتها حتى النخاع والبرودة غمرتها ...تحركت معه كأنها قربان..كأنها الاضحية و هو يقودها إلي مصيرها.. إلى الذبح .. 
سلمها لوالدتها ثم اتجه ليدمغ عليها دمغة خالد للأبد ..وتوقيع صك عبوديتها له ..                                                                             

دموع !! الدموع التى كانت تتلألأ في عينيها صدمتها ..فلأول مره في حياة تري الدموع في عينى والدتها .... 
 أمى هل تبكين ...؟- 
جففت دموعها وقالت بحنان ...- من السعادة حبيبتى ..أنتِ رائعة كملاك في فستانك الأبيض ..  في حياتى لم أري عروس مثلك في جمالها .. لكن لو فقط افهم سبب تلك السرعة الرهيبة التى تم بها الزواج لكانت سعادتى اصبحت كاملة ..أنتِ        مازلتى صغيرة علي الزواج حبيبتى .. أنا علم كم هو وسيم وساحر ومن السهل التصديق أنكِ وقعتى في حبه لكن قلبي لا يريد أن يقتنع .. سارة أنتِ تحبينه أليس كذلك ؟؟ لكن متى حتى تعرفتى إليه ..؟ لم اسمعك تتحدثين عنه قبل الاسبوع الماضى .. حبيبتى منصور لم يجبرك .. هل فعل ..؟؟

اجابتها بصدق...- ريحى بالك أمى أنا بالفعل احبه ...نعم تحبه تلك اجابة شق سؤالها الأول ونعم مجبرة عليه تلك اجابة الشق الثانى لكن التفاصيل ستؤلمها وما الداعى لايلامها اذا كانت ستتزوجه علي كل حال ؟؟ وحاليًا والدتها في أضعف حالتها .. تلك لم تكن راجية المستكاوى القوية أبدًا ..

اعتذرت لها بندم واضح ودموعها تهدد بالنزول ...- سامحينى سارة ...بالفعل أنا اهملتكما.. لكنى تغيرت من الداخل اريدكما أن تعلما أننى احبكما فعلا .. زواجى من شخص مثل عاصى  فتح عيونى علي اشياء لم اكن اهتم لها من قبل ...سامحينى يا سارة.. واتمنى أن تسامحنى تالا أيضًا ..

الدموع التى حبستها لسنوات تحررت أخيرًا من محبسها .....دموع اخرجت كبت سنوات الحرمان .. أخيرًا لديها " أم " 
ودموعها جعلت والدتها تحتويها  بين ذراعيها في حنان  ربما لأول مرة تشعر به .. طبعا احتضنتها مئات المرات من قبل لكن كانت احضان روتنية عادية للتحية .. قبلة علي الخد أو عناق عابر .. لكن هذا كان حضن يساوى حضن أم 

مسحت دموعها بأصابعها وقالت  في محاولة منها لتغيير مزاجها  .. 
-  لا يجوز أن تبكى اليوم .. ستفسدين زينة وجهك .. لكن ربما كان هذا اسلم ليقل جمالك .. أنتِ صغيرة علي تحمل رغبات رجل كخالد .. 

زفاف سارة .. بالطبع هى لا تريد تقديم تهنئة فعلية لكن فضولها يقتلها لمعرفة علاقة خالد بشقيقتها .. حظها تلك ال..

واختارت النزول من غرفتها في تلك اللحظة المميزة حينما كانت ما تزال سارة في احضان والدتها وبكل الحقد الموجود في الدنيا وجهت نظرات حقودة لوالدتها التى تحتضن شقيقتها بحنان ...حقد عجزت عن اخفائه تحت قناع الملاك الذى ترتديه دائمًا ..ورؤيتها لشقيقتها في فستانها الأبيض مليء قلبها بالغل .. "ملاك حقيقي نقية بريئة "...اشياء تفتقد إليها ..

الغضب اعماها وخصوصًاعندما لمحت خالد ويده في يد منصور والمنديل الأبيض يغطيهما... حتى عندما حاولت تشويه صورتها وانقاذ نفسها... المحظوظة كان نصيبها عريس أوسم من عارضي الأزياء .. كتمت صرخة قهر ...              واستدارت عائدة لغرفتها ... فحضور زفاف تؤامتها شيء لا يحتمله شيطانها المقيت ..

                                                                ** 
سارة .. تعالي لتقابلي والدتى الحاجة نادية وشقيقتى شيماء  - 
هزت رأسها بصمت وتبعته يكفيها أنه يتحدث بتهذيب ولم يناديها بالساقطة أمام الناس .. كم هى جميلة وراقية والدته بحجابها الأنيق... والأهم تبدو حنونة جدًا ... أيضا كانت شيماء ترتدى الحجاب ...قارنت والدتها وشقيقتها بحماتها وشيماء هناك فرق واضح في الملابس وحتى في الاهتمام ... حسدته علي عائلته الصغيرة.. علي امتلاكه لعائلة فهى لم تمتلك واحدة يومًا ..

 ما شاء الله انها رائعة الجمال يا خالد ...لماذا تكتمت علي خطبتكما ..؟ - 
ضحك بإستهزاء...- والآن اعلنت .. ما رأيكما فيها بعدما اخرجتها من علبتها المخملية..؟
رحبت بها شيماء بفرح حقيقي... - مرحبًا بكِ عزيزتى في عائلتنا الصغيرة ...أخيرًا سيكون لدى شقيقة .. 
لا تبدو كحماة شريرة علي الاطلاق .. نظرتها تفضحها .. حتى أنها نظرت إليها باعجاب واضح وهى تسأله .. - كم عمرها يا خالد ..؟ اعتقد انها من عمر شيماء اليس كذلك ..؟
اجابها بلا مبالاة.. - في التاسعة عشر 
عينيها اتسعت من الصدمة.. لكنها تمالكت نفسها بذكاء واثرت تجاهل فارق السن الكبير بينهما .. الفتاة جميلة وبالتأكيد سلبت لبه وابنها رجل حقيقي تعجب به جميع الفتيات .. وسلطان الهوى لا يخضع لقانون ..
لكن شيماء شهقت باندهاش... - انها تصغرنى بسنوات .. الفارق بينكما حوالي ثلاثة عشر عام .. 
نهرتها والدتها بحزم  ...- بنت !!! 
بروده لا يطاق..- لماذا تنهريها أمى ؟؟ انها لم تقل سوى الحقيقة ..

من الغريب أن تفاجىء بزفاف ابنها الوحيد حتى أنها جهزت جناحه في منزلها بصعوبة ..لكنها تعلم الازمة التى مر بها مؤخرًا .. ربما كانت تعتقد أنه لن يقرب من جنس الحريم مجددًا لذلك كان يكفيها رؤيته سعيدًا لتتجاوز حتى عن حقها في المعرفة .. كان اكثر ما يخيفها أن يكون تزوج لمصلحة ما .. الزواج من ابنة وزير قد يكون حل يخرجه من ازمته لكنه كان سيكرر غلطة عمره ويرتبط بفتاة مدللة فاسدة كبسنت لكن مجرد نظرة واحدة لسارة وعلمت منها كم هى مختلفة ..        يكفي فستانها المغطى الذى لا يترك شبر من جسدها عاري,, مختلف عن المعتاد في ذلك الوسط .. معظم مشاكله السابقة مع بسنت كانت بسبب ملابسها .. وعلي الرغم من قوة شخصيته وتملكه إلا أنها في النهاية تمكنت من خداعه .. أما تلك فمختلفة ذلك الوصف الأدق " مختلفة " ونظرتها لخالد تدل علي أنها تحبه .. 
حضنته بحنان ...- عروسك رقيقة للغاية يا خالد احفظها في عينيك بقدر رقتها  .. لقد جهزت جناحك القديم في الفيلا لتقيما فيه ..
هز رأسه ...- لا يا حبيبتى .. نحن سنقيم في المزرعة ..
وجهت نظرة اشفاق لسارة وقالت ...- ستمل في المزرعة يا خالد ...انها لا تصلح لاقامة عروس 
رد بحزم ...- هذا امر غير قابل للنقاش ...سنقيم في المزرعة لدى الكثير من الاعمال هناك.. كما تعلمين حبيبتى .. حسام في المانيا وشحن المكينات الجديدة وهى علي وشك الوصول لذلك اريد انهاء المصنع قبل وصولها

وكعادتها في الفترة الاخيرة صمتت باستسلام ...بخنوع .. اعتادت أن يديرالاخرون حياتها عنها...لم تعترض وهم يتحدثون عنها كأنها غير موجودة... راقبت والدتها وهى تقترب منهم مع عاصى الذى امسك يدها الرقيقة بقوة بين يديه ...

- اريدك أن تعلمى اننى متواجد لأجلك دائمًا .. ومع أن معرفتنا قصيرة لكنى استطعت معرفة من هى سارة " رقيقة وحساسة " أنتِ سهلة العطب يا سارة فلا تحاربي بمفردك ..

ومع أنه يتمسك بيديها باهتمام أبوى لكنها لاحظت أن خالد سوف يهجم علي عاصى ويمزق وجهه .. الأسلم ستسحب يدها بعيدًا فاخر ما تريده الآن اثارة الفضائح ..
لكن قبل أن تشكره أو حتى تسحب يدها دخل والدها بصحبة نرمين التى كانت تراقبها بحسد ونظراتها كانت تأكل خالد بطريقة مفضوحة ..
حتى لحظة الاهتمام الوحيدة التى عاشت تتمناها لسنوات يحرمها والدها منها .. لكنه للأسف يهتم بالمظاهر فقط ..

اخذ يدها من يد عاصى بحركة متعجرفة وسلمها لعريسها..." لا اريدك أبي أن تزيد من اهانتى وترمينى للعريس المجبر علي الزواج ".. ليت عاصي يسلمنى لخالد فلربما اشعر بحب واهتمام الأب ولربما خالد يعلم أن هناك من يهتم بي ولا يرانى مجرد جريمة يدفنها ..
قلبها مازال لا يطاوعها علي قبول اقامة العروس في المزرعة .. سارة مرفهة والحياة الخشنة لا تناسبها .. خالد يستأسد عليها منذ الآن .. ابنها وتعرفه جيدًا ..  اقترحت بلطف...- حسنًا علي الأقل اقضيا الليلة في الجناح .. سيكون مرفهًا يا خالد أكثر من المزرعة .. 
ليجيبها بعناد ...- لا سنسافر الليلة .. 
" مسكين منصور لا يعمل مع من يتعامل " بعد انتهاء الحفل البسيط ... طلب منصورطاقم الحراسة كى يرافقهما في طريقهما إلي المزرعة...وبدأ في اعطاء اوامره ببقاء بعض الحراسة معهما هناك بصفة  دائمة...
وأمام حاشيته لم يهتم .. اعترض بصرامة تثبت قوته ...- من اليوم هى زوجتى وستعيش وفقًا لظروفي أنا وحراستك احتفظ بها لنفسك .. سنتستخدم سيارتى في السفر وحراستك احتفظ بيها لنفسك ..انا كفيل بحماية نفسي وحماية زوجتى
قلبها خفق بعنف لدى سماعها لكلمة زوجتى...كم هو احساس رائع أن تنتمى لذلك القوى الرائع...                       

شعرت بقوة شخصيته الجبارة...علي الرغم من قوة والدها إلا أنه لم يستطع أن يفرض عليه أي شيء منذ بداية صفقتهما     فخالد دائما كان المسيطر...صدق عندما اخبرها انه لا يهاب والدها في الحقيقة والدها هو من يخافه ويحترمه وانتهز الفرصة لتزويجها اياه ..

ومن هى لتتحدى القدر ..؟ بكل استسلام غادرت معه .. ربما للتحرر من فساد استفحل حتى النخاع وربما لسجن يخنقها لا يوجد وسط ..أبيض أو أسود .. اللون الرمادى كئيب حتى أنها لا تحبه ..لكنها ستغامر وتسلم نفسها للغريب الذى بجرة قلم أصبح زوجها..

بارد ووقح حتى النهاية ألن يفتح لها باب السيارة ؟؟ جلف لا يفهم في الاتيكيت لكنه ربما يريها مكانتها منذ البداية ..بلا مبالاة رهيبة  وبكل برود ركب سيارته ذات الدفع الرباعى وانتظرها تصعد بنفسها للمقعد المجاور له .. عندما ركبت بخنوع ادارالسياره وانطلق بها واخذها معه الي المجهول .. " يبدو أن الأسود سيطغى " ..  

نفس الطريق تقطعه لثانى مرة .. نفس الأشجار التى حفرت في ذاكرتها وربما نفس المحاصيل السابقة لكن هى المختلفة .. فستانها الأبيض ينير ظلمة السيارة وحلة خالد شديد السواد تتناقض معها .. قطعته من قبل كفتاة صغيرة غارقة في اليأس وعادت تقطعه اليوم كسيدة متزوجة تتشح بالأمل ..                                                               
عند بوابة المزرعة اوقف السيارة وانتظرعطية ليفتح لهما البوابة التى كانت أخيرًا مغلقة ..

- احضر الحقائب ..

في الماضى تتذكر أنها لم تجدها أبدًا مغلقة..هل كانت تلك اشارة من القدر تخبرها أنها ستنتمى لهذا المكان يومًا ما .. ؟ ربما لو وجدتها مغلقة يومها لكانت انصرفت واتخذت حياتها منحنى مختلفًا تمامًا ..لكنها هنا اليوم وتعود تقطع الممر حتى نهايته في سيارة زوج فرضت عليه .. حتى باب منزله..

من ستكون  في هذا المنزل ؟؟ سيدة المنزل أم ممسحة بالية تمسح بها كل الأرضيات القذرة وتداس بالأقدام ؟؟

منزل طردت منه ثم دعيت إليه والآن وهى عروس بفستان أبيض عاملها كنكرة  لا محل لها من الاعراب حتى أنه غادر سيارته وتركها مذهولة من وقاحته ربما رضع الوقاحة مع حليب أمه ... لا تلك اللطيفة حليبها عسل .. وقاحته مكتسبة ويتلذذ بتطبيقها عليها  ..

المفاجأة خشبتها .." لعين " لعدة دقائق ظلت تجاهد لكى تحبس الدموع .. لو بكت الآن سوف تعيش في الذل إلي الأبد.. وضعها يحتاج إلي الكثير من الحكمة .. تجرأت وغادرت السيارة من المؤكد أنه ينتظرها لتفعل  فهى بالتاكيد لن تعيش فترة زواجهما في السيارة ..  

صرير الباب والاستقبال الفارغ يذكراها بمنزل الأشباح .. كم هو مضحك أن تخشي منزل زوجك أكثر من خشيتك لمنزل رجل غريب .. كل ركن في الصالة يحمل طيف من الماضى ... نفس الأريكة التى استقبلتها فاقدة للوعى استقبلتها مجددًا وبالتأكيد تعرفت عليها من رائحتها وربما لا فللخوف رائحة مميزة لم تكن بها يومها ..

 سيظهر في أي لحظة الآن .. صبرت نفسها وانتظرته .. لكن مرت ساعة ساعتان وهى تنتظر ولا جديد .. مع شدة ارهاقها تكورت حول نفسها وفستانها الأبيض غطاها كدرع واقي.. ستقاوم النعاس حتى اخر نفس فيها لكن غلبها النوم وسلطانه كان اقوى من مقاومتها لتسقط في نوم عميق علي نفس الأريكة صديقتها..

- لا حول ولا قوة إلا بالله ...لماذا تنامين هنا يا بنتى ..؟ هل توجدعروس عاقلة تغادر فراش زوجها في ليلة دخلتها ..؟

لابد وأنه قضى ليلة من الاحباط .. 
فتحت عينيها علي الصوت المتحدث  بجوار رأسها لتري فلاحة بسيطة ترتدى جلباب زاهى الالوان وعلي وجهها علامات الذهول ..

زواج غير مألوف !! وخصوصًا في الأرياف حيث الزوجة محلها فراش زوجها وتحت قدميه .. ربما اعتبرتها " متمردة "
أين تستطيع الاختباء بذلك الفستان .. ؟؟  والأسوء أنها مجبرة علي الرد علي الاتهام بالتمرد والدلع واحباط زوجها ..

ألا يكفي أنها بسببه تشعر بالألم في كل انحاء جسدها وخصوصًا رقبتها.. لطالما كانت غرفتها ملاذًا افتقدته الآن وهى تتكور في أريكة .. والسؤال الموجه لها بطريقة غير مباشرة لماذا لم تقضى الليلة في فراش زوجك ؟؟

دارت احراجها بصعوبة .. - صباح الخير كم الساعة الآن ؟ بالتأكيد أنتِ زوجة عم عطية ..
- نعم  خادمتك صفية ..الساعة قاربت علي السادسة صباحًا حضرت لخبز الفطير المشلتت الذى يحبه خالد بك.. فطور الصباحية لا بد وأن يكون مميزًا لتقويته ..في العادة هو يفطر في التاسعة قبل توجهه للمصنع ..واليوم توقعت أن يطيل النوم لكنى فوجئت بالعروس شاردة خارج فراشه ..

شاردة!! كفرس متمردة شردت من مروضها ولجامها تهتك من قوة الأيادى التى اعتادت أن تجذبه حتى أنها باتت بلا مآوى... - لم أعرف إلى أين أذهب وغلبنى النوم من شدة ارهاقي ..

 

صوت خطواته الثقيلة علي الدرج منعها من التعليق مجددًا لكن لم يمنع ذهولها .. ماذا يعنى أنها لا تعرف إلي أين تذهب ..؟؟ إلي فراشه بالطبع .. 
فضولها غلب حتى تعقلها ..واحراجها الذى لم تحاول اخفائه بدى جليًا في صوتها ...- وجدتها نائمة علي الأريكة .. 
اشار لها بالانصراف في حركة تدل علي نفاذ صبره... - اعتقد أنه لديكِ أشياء هامة تقومين بها صفية .. 
انسحبت علي مضض .. لم تشبع فضولها ..العروس قضت الليلة في الخارج؟؟ " عشنا وشوفنا "
" لا ترحلي يا صفية وتتركينى له " سألها بقسوة ...- لماذا نمتى علي الأريكة ..؟
هل حقًا لا تعرف ؟؟ خفضت عينيها أرضًا ..همست  ...- لم اعرف إلي اذهب

هل تتخيل ليونة في الرد ؟؟ تنحنح ليقول بنبرة اعتذار... 
- غرفتك بالأعلي بجوار غرفتى ... في البداية قررت أن اتركك في غرفة الضيوف التى استعملتيها سابقًا لكن هذا كان سيفتح المجال للكثير من التأويل والغمز .. غرفتك بها حمام مشترك يربطها بغرفتى وهذا سيمنع الأقاويل .. بالأمس توقعت أن تستعملي غرفة الضيوف فأنتِ تعرفين طريقها جيدًا ..

حتى في اعتذاره غبي .. ربما تجاهل اعتذاره هو الحل ...- اريد الذهاب إلي غرفتى .. من فضلك ارشدنى إليها ..

حملت ذيل فستانها الطويل وتبعته .. في احلامها الوردية كان يحملها علي الدرج بفستانها الأبيض وفي الحقيقة تلهث لتلحقه فخطواته انهت الدرجات في قفزتين ...

غرفة فخمة يغلب عليها اللون الموف بسرير كبير وسجاد فخم أسود اللون ...واجمل ما فيها التراس الذى يطل علي الأراضى التى سلبت لبها سابقًا..اراضى متسعة علي مدى البصر كانت علي الأغلب مزروعة اشجارفاكهة لانها لمحت ثمار خضراء تزيين الاشجار وكأنها لوحه مرسومه بفن.. هل يملكها كلها يا تري ..؟؟

اكثر ما لفت انتباها كان وجود تكعيبة عنب تظلل جلسة مريحة من ارائك البامبو البنية المزينة بوسادات برتقاليه مريحة  يا الله انها الجنة لكنها للأسف محرمة عليها ..
- هذا باب الحمام الذى يربط بين غرفتينا .. ستعلمين بالتأكيد عندما استعمله .. سأكون في المصنع طوال اليوم لكن صفية ستكون هنا لخدمتك ..سأحذرك مجددًا سارة .. كونى مطيعة واستمعى لتعليماتى حرفيًا وإلا ستندمين .. لا خروج من المزرعة تحت أي ظرف بدون علمى  ولا اتصالات هاتفية وأنا غير متواجد ..  

استقبلت تحذيراته بصمت وهل للأسير حق الاعتراض ..؟؟!!  وربما يأتى يومًا يفهم فيه حقيقتها ..ويعلم أنها بريئة من تهمه الشنيعة ..

من السهل جدًا أن تثور لكرامتها ولكن من الصعب أن يفهم ... هل تتمنى المستحيل عندما تتوقع منه أن يغير نظرته إليها...؟ عندما يؤلمها الحب تتذكر ألم اشد وهو ألم الفراق فتتحمل مصيرها بصبرعل وعسي أن تنصلح الأمور وتحدث المعجزة التى تتمناها ويلين قلبه القاسي ...هل ذكري خيانة زوجته مازالت حية لديه ويعاقبها بسببها ...؟ 

تعصب فجأة وقال بغضب عارم ...- دور المقهورة الذى تمثليه لن يخدعنى.. تكلمى اعترضى ...سبينى حتى  .. لكن ما معنى استسلامك هذا ؟؟

بدون مقدمات هجم عليها وامسك فستانها ومزقه بيديه من المنتصف إلي قطعتين وهو يصرخ بعصبية ...                       - اخلعى عنكِ هذا اللعين ... رؤيته تعصبنى .. 
قماش فستان الزفاف الرقيق المسكين لم يتحمل عنفه المبالغ فيه تجاهه...الفستان سقط لنصفين عند قدميها المرتعشتين لتقف أمامه بملابسها الداخلية مرتعشة مصدومة من عنفه ....بفزع حاولت أن تغطى نفسها بأي شيء فلأول مرة في حياتها تكون في مثل هذا الوضع أمام نظرات رجل  .... دموعها انهمرت بشدة من المهانة وحاولت تغطية نفسها بيديها    

ضحك بسخرية مريرة ادمت قلبها ...- حواء المثالية بورقة تين
دموعها تحولت لبحور نازفة غسلت وجهها ...قسوته هذه المرة فاقت الحد ....فهو لم يمزق فستانها فقط بل مزق كرامتها ايضا بلا رحمة ....

لكن لدهشتها نظراته التى كانت من لحظات قاسية قسوة الجرانيت تغيرت فجأة لشيء أكثر رقة.. ربما دموعها الصادقة اثارته ....   

 رفع يده ومسح دموعها بحنان ادهشها وادهشه هو شخصيًا لاحظت تردده كأنه يخوض حرب مع نفسه ...يداه الممسحة بدموعها جذبت شعرها بقسوة مفاجئة حتى اقتربت منه وشعرت بدفء انفاسه علي وجهها الباكى .. لحظات التقارب مذهلة الجنة والنار .. السحاب والغيوم وال .. والمطر ..

 نظر مطولا لعينيها العسليتين الباكيتين اللتين كانتا تستعطفاه ثم ترك شعرها وانسحب من غرفتها بهدوء..

•تابع الفصل التالي "رواية عطر القسوة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات