رواية خلف أسوار الجليد الفصل الرابع 4 - بقلم نور سيف

 رواية خلف أسوار الجليد الفصل الرابع 4 - بقلم نور سيف

خلف أسوار الجليد
الفصل الرابع
للكاتبه نور سيف

الساعة الخامسة والنصف فجرًا

اليوم الرابع في الصحراء.

فتحت نور عينيها على صوت غريب — صوت إيقاعي متكرر كأن شخصًا يضرب شيئًا بقوة وانتظام

طق. طق. طق.

جلست في فراشها وفركت عينيها بتثاؤب عريض ثم لبست سترتها الثقيلة — فجر الصحراء بارد كثلاجة — وخرجت من خيمتها تتبع الصوت.

مشت حول المخيم النائم حتى وصلت لمنطقة خلف السيارات.

وهناك توقفت.

آدم.

مرتديًا فانلة بيضاء ضيقة وبنطلونًا رياضيًا أسود. يضرب كيس ملاكمة صغيرًا معلقًا في هيكل معدني قابل للطي — من الواضح أنه يحمله معه في رحلاته.

كان يتحرك بدقة وقوة مخيفة. جسده ليس ضخمًا كلاعبي كمال الأجسام لكنه صلب منحوت و مشدود

عضلات ذراعيه تتقلص وتنبسط مع كل لكمة وعرقه يلمع في ضوء الفجر الأول.

وقفت نور مسمّرة.

فمها مفتوح قليلاً.

عيناها واسعتان.

وعقلها — ذلك العقل العاقل المنظم يقول لها يا نور ارجعي خيمتك فورًا

وقلبها — ذلك الخائن — يقول خمس دقائق كمان مش هيضرّوا حد.

كانت ستبقى خمس دقائق فعلاً لولا أن قدمها اصطدمت بجردل مياه كان بجانب إحدى السيارات.

كلاااانج

صوت مدوّي في صمت الفجر الصحراوي.

توقف آدم عن الضرب والتفت بسرعة.

التقت العيون.

هو بفانلته المبللة بالعرق وأنفاسه العالية وشعره المبعثر.

وهي بسترتها وشعرها المنكوش وآثار النوم على وجهها ونعالها المقلوبة — كانت لابسة النعل اليمين في الشمال والشمال في اليمين من العجلة.

صمت مطبق لثلاث ثوانى

ثم قالت نور بصوت أجش من النوم وهي تحاول إنقاذ الموقف

— صباح الخير أنا كنت بس... بتفقد الجرادل.

— بتتفقدي الجرادل.

— أيوه. الجرادل. عشان... عشان الجرادل مهمة في الصحرا. بنحط فيها مية و... حاجات.

— حاجات.

— أيوه.

نظر لها نظرة طويلة ثم نظر للجردل المقلوب ثم نظر لنعالها المقلوبة.

وحدث شيء.

شيء صغير بسيط لكنه زلزل الأرض تحت قدمي نور.

زاوية فمه اليمنى ارتعشت. ثم اليسرى. ثم — ولمدة ثانية واحدة فقط — ظهرت ابتسامة.

ابتسامة حقيقية.

ليست ابتسامة ساخرة ولا جانبية ولا باردة. ابتسامة وصلت لعينيه وأضاءت وجهه بالكامل لثانية واحدة قبل أن يمسكها ويقتلها ويعيد تركيب القناع الجليدي.

لكن نور رأتها.

رأتها ورأت كيف يبدو حين يبتسم بحق.

وكادت ركبتاها تخونانها.

سعل آدم سعلة مصطنعة وقال بنبرة عادت لبرودتها

الفطار الساعة سبعة وأنصحك تلبسي نعالك صح قبل ما تتفقدي الجرادل المرة الجاية.

ومشى نحو خيمته.

ونور وقفت في مكانها تنظر لقدميها واكتشفت فعلاً أن النعال مقلوبة.

— يا أرض ابلعيني.

ثم ابتسمت ابتسامة عريضة غبية سعيدة وقالت

بس هو ضحك
ضحك بجد. وأنا السبب. أنا وراء أول ابتسامة حقيقية لآدم الصياد. ده إنجاز يتسجل في جينيس

ثم نظرت للجردل المقلوب

شكرًا يا جردل. أنت بطل قومي.

الساعة السابعة صباحًا الفطور.

الجميع جالسون على السفرة الصحراوية — بطانيات على الأرض وأطباق فول وجبن وعسل وخبز محمّر على الفحم.

نور جلست بجانب كارلوس تترجم له أنواع الأكل المصري. كان كارلوس منبهرًا بالفول تحديدًا

هذا هذا الشيء البني ما هذا؟

ده اسمه فول يا سيد كارلوس. أكلة مصرية عمرها آلاف السنين. بنقول عليه الأكلة الشعبية رقم واحد

أخذ كارلوس ملعقة وتذوّقه ثم أغمض عينيه بنشوة

¡Increíble! هذا أفضل من أي طبق تاباس أكلته في برشلونا

ضحك الوفد وبدأوا جميعًا يتذوقون الفول بحماس.

واحدة من السيدات أضافت عليه طبقًا من الشطة الحمراء فتحوّل وجهها للون الطماطم وبدأت تلهث وتشرب المياه بهستيريا بينما الجميع يضحك.

نور التفتت لتضحك ووجدت آدم جالسًا على بعد عدة أمتار وحده كعادته — يأكل بصمت وهدوء.

لكنها لاحظت شيئًا.

كان ينظر للمشهد الكوميدي مع السيدة الإسبانية والشطة.

ورغم أنه لم يضحك إلا أن عينيه كانتا أقل قسوة من المعتاد. كان هناك شبح — مجرد شبح — لتسلية مكتومة.

خطرت لنور فكرة مجنونة.

قامت وملأت طبقًا بالفول والسلطة والعسل والجبن وأخذته ومشت نحو آدم.

شعرت بنظرات سيف المذعورة تتبعها وبعينيه يقول بتعملي إيه يا مجنونة؟

تجاهلته.

وصلت لآدم ووضعت الطبق بجانبه على البطانية وقالت ببساطة

الجبنة اللي عند حضرتك ناشفة. دي طازة أحسن.

نظر للطبق. ثم نظر لها.

مين قالك إن جبنتي ناشفة؟

— شكلها من هنا. والعسل ده بلدي من عم حسن بيجيبه من واحة الفرافرة. لازم تجربه.

— يا آنسة نور أنا مش محتاج حاجه...

— العسل ده فيه مضادات أكسدة ومعادن وبيقوّي المناعة. وحضرتك في الصحرا ومحتاج مناعتك تكون حديد. ده كلام علمي مش رأي شخصي.

قالتها بسرعة ونبرة مهنية وكأنها تقدم تقريرًا طبيًا وليس طبق جبنة.

صمت آدم.

نظر لها بتلك النظرة الفاحصة المعتادة — كأنه يحاول يفك شفرة وجودها.

ثم مدّ يده وأخذ قطعة جبنة مع عسل.

أكلها.

ولم يعلّق.

لكنه أكل الطبق كله.

ونور مشت وهي تشعر بانتصار داخلي أكبر من أي انتصار حققته في حياتها.

كريم — الذي كان يتابع المشهد من بعيد عبر مكالمة فيديو مع سيف كتب رسالة لسيف

البنت دي هتخلّي آدم باشا يبتسم قبل نهاية الرحلة. حط عليها ١٠٠٠ جنيه رهان

ردّ سيف ٢٠٠٠ إنه مش هيبتسم

ردّ كريم ما هو ابتسم الصبح عند الجردل

ردّ سيف إيه؟ إيه حكاية الجردل؟

ردّ كريم هاحكيلك بعدين. بس جهّز الفلوس

الساعة العاشرة صباحًا.

الموكب في طريقه لسيوة.

الطريق طويل — حوالي ست ساعات — والصحراء على الجانبين مسطحة مملة حتى الرمل نفسه بدا وكأنه ملّ من نفسه.

نور كانت في السيارة الأولى مع كارلوس ودونيا إيزابيل وميغيل الذي ساقه تحسّنت كثيرًا وصار يتنقل بعكاز بسيط.

بعد ساعتين من الطريق بدأ الملل يتسلل للوفد.

فقالت نور فجأة

طيب يا جماعة.. ما تلعبوا لعبة؟

— لعبة إيه؟

— لعبة اسمها لو كنت فرعون

كل واحد فيكم يتخيل إنه فرعون مصري ويقول أول قرار هياخذه.

ضحك كارلوس

— أنا أولًا لو كنت فرعونًا لأمرت ببناء هرم خاص بالفول

انفجر الجميع بالضحك.

قالت دونيا إيزابيل

— أنا لو كنت فرعونة كنت هأمر كل الرجال يخدموا النساء يوم في الأسبوع

صفقت نور

— أنا مع دونيا إيزابيل في الحكم ده

قال ميغيل

— أنا لو كنت فرعون كنت سأبني مستشفى في الصحراء عشان لو صندوق وقع على رجل حد تاني يلاقي علاج

ضحكوا جميعًا مرة أخرى. ميغيل صار يمزح عن إصابته بدلاً من أن يتذمر — وهذا دليل على مهارة نور في خلق أجواء إيجابية حتى في أصعب الظروف.

في السيارة الثانية كان آدم جالسًا بجانب حسن الذي يقود.

صوت الضحك من السيارة الأمامية يصل عبر اللاسلكي المفتوح.

سمع آدم اللعبة سمع ضحكات الوفد سمع صوت نور وهي تقلّد صوت فرعون بطريقة كوميدية جعلت حتى حسن يبتسم.

قال حسن

— البنت دي فيها نور فعلاً زي اسمها.

لم يردّ آدم. لكنه لم يغلق اللاسلكي.

بعد عشر دقائق وبينما هو ينظر من النافذة قال فجأة بصوت غريب كأنه يتحدث مع نفسه أكثر مما يتحدث مع حسن

— لو كنت فرعون كنت هبني سور حوالين مصر كلها.

نظر حسن له من طرف عينه

— سور من إيه يا بيه؟

— من كل حاجة. سور يمنع أي حد يدخل أو يخرج.

— ومين هتحمي بالسور ده؟

صمت آدم طويلاً ثم قال

— اللي جوّاه.

لم يسأل حسن أكثر. لكنه فهم ما لم يُقل. السور الذي يتحدث عنه آدم ليس سور مصر

هو سور قلبه. والشخص الذي يحميه بداخل ذلك السور... ذكرى.

ذكرى بعينين خضراوين.

الساعة الرابعة عصرًا.

وصلوا سيوة.

واحة سيوة كانت أشبه بحلم مرسوم بالألوان المائية.

بحيرات ملحية تعكس السماء كمرايا مثالية. آلاف أشجار النخيل والزيتون تحيط بالقرية القديمة.

وفي قلبها قلعة شالي الأثرية المبنية من الطين والملح منذ مئات السنين تقف شامخة رغم الزمن.

نور وقفت عند مدخل الواحة ونظرت حولها بانبهار طفولي حقيقي — ذلك الانبهار الذي لا تستطيع تمثيله.

— يا إلهي. كل مرة بشوف سيوة كإني بشوفها لأول مرة.

كارلوس وقف بجانبها

— هل جئتِ هنا من قبل؟

— مرة واحدة مع بابا لما كنت صغيرة. كان بيحب سيوة أوي

كان بيقول إن سيوة هي المكان اللي ربنا جعله مفتوح على الجنة

ابتسم كارلوس بحنان

— والدك كان شاعرًا أيضًا بالإضافة لكونه سائق تاكسي يقرأ عن الأمازيغ؟

ضحكت نور

— بابا كان كل حاجة. كان بابا.

وشعرت بغصّة في حلقها لكنها ابتلعتها وابتسمت.

لم تلحظ أن آدم كان يمشي خلفهم وسمع كل كلمة.

المساء.

الفندق الصغير الذي يقيم فيه الوفد في سيوة كان بيتًا سيويًا تقليديًا تحوّل لنُزل ساحر.

جدران من الطين السميك تحافظ على البرودة بالداخل أثاث بسيط من خشب الزيتون وفوانيس تقليدية تضيء الممرات بضوء دافئ برتقالي.

بعد العشاء طلب كارلوس من نور أن تأخذهم في جولة ليلية حول بحيرة الملح القريبة — بحيرة فطناس الشهيرة.

وافق آدم على الجولة لكنه أصرّ على مرافقتهم شخصيًا لأسباب أمنية — هكذا قال

نور لم تصدّق السبب الأمني. بحيرة فطناس آمنة كغرفة نوم. لكنها لم تعترض.

الساعة التاسعة ليلاً.

بحيرة فطناس.

المشهد كان فوق الوصف.

البحيرة الملحية تمتد في الظلام كمرآة عملاقة سوداء تعكس القمر الكامل

أشجار النخيل المحيطة تتمايل بلطف في النسيم.

والصمت عميق لا يقطعه إلا صوت الضفادع البعيد

الوفد الإسباني تفرّق حول البحيرة. بعضهم يلتقط صورًا وبعضهم جلس على الصخور يتأمل والبعض غمس قدميه في المياه الملحية الدافئة.

نور ابتعدت قليلاً عن المجموعة تمشي على حافة البحيرة وحدها.

كانت تحتاج لحظة مع نفسها. لحظة بعيدًا عن الترجمة والشرح والابتسام والأداء.

وقفت عند نقطة هادئة حيث ينتهي الرمل ويبدأ الماء المالح اللامع.

خلعت حذاءها ووضعت قدميها في المياه الدافئة.

أغمضت عينيها.

وتنفست.

— وحشتني يا بابا.

همستها للهواء للقمر. للمياه لنفسها.

— كنت عايزاك تشوفني هنا. كنت عايزاك تشوف إن بنتك وصلت

بنتك بتشتغل في أكبر شركة سياحة في مصر.

بنتك بتقف قدام أجانب وبتتكلم بلغتهم وبتشرحلهم تاريخ بلدها. كنت هتفرح أوي يا بابا. كنت هتفرح أوي.

انهمرت بالدموع

ثم سمعت خطوات خلفها.

لم تحتج أن تلتفت لتعرف من القادم.

صارت تميّز وقع خطواته طويلة واثقة منتظمة كدقات الساعة

وقف آدم بجانبها على بعد متر.

لم ينظر لها. نظر للبحيرة.

صمت طويل.

ثم قال

— المية هنا نسبة ملوحتها أعلى من البحر الميت الجسم بيطفو فيها لوحده.

— عارفه

صمت آخر.

— إنتِ بتعيطي؟

— لأ.

— الضوء باين على خدك. في أثر دموع.

قالت

— مش دموع دي... مية البحيرة.

— مية البحيرة وصلت لخدك وإنتِ واقفة ورجلك بس اللي في المية؟

— هي المية هنا بتتبخر وبتطلع لفوق ظاهرة علمية.

نظر لها آدم وهي تكابر وتخترع تفسيرات علمية لدموعها

وقال بنبرة فيها شيء غريب شيء يشبه الرقة لكنه مغلّف بخشونة

— دموعك عشان أبوكي

لم يكن سؤالاً. كان جملة خبرية. كأنه يعرف.

أومأت نور برأسها دون أن تنظر له.

صمت.

ثم قال شيئًا لم تتوقعه

— أنا كمان فقدت حد.

التفتت إليه بسرعة.

كان ينظر للبحيرة بعينين ثابتتين لكن فكّه مشدود بقوة وعروق رقبته بارزة

علامات رجل يقاتل مشاعره بكل ما يملك.

— مش شرط أقول مين. بس عايزك تعرفي إن

اللي بتحسيه ده أنا فاهمه أكتر ما تتخيلي.

ابتلعت نور ... لم تسأل. لم تضغط. فقط قالت بصوت خافت

— شكرًا إنك قلتلي.

أومأ برأسه إيماءة جافة.

ثم بعد لحظة أضاف — وكأن الكلمات تُنتزع منه انتزاعًا

— أبوكى... اللي ربّى بنت زيك كان لازم يكون إنسان استثنائي.

والبنت اللي بتشتغل وبتصرف على إخواتها وبتنزل صحرا وبتقف قدام عاصفة ومبتخافش... دي مش بنت عادية.

نظرت له بعينين لامعتين

— ده مدح يا أستاذ آدم؟

— ده حقيقة.

— طيب ممكن أسجّلها عشان مش هتتكرر غالبًا؟

ولأول مرة — ليس ابتسامة مسروقة أو مقموعة — ضحك آدم.

ضحكة قصيرة مكتومة خرجت من أنفه أكثر من فمه. لكنها كانت حقيقية بلا شك.

— إنتى مبتسكتيش يا آنسة نور؟

— جربت السكوت مرة يا أستاذ آدم ملقتهوش مناسب ليا.

— ده باين.

وابتسم مرة أخرى هذه المرة أوسع

هذه المرة وصلت الابتسامة لعينيه وغيّرت ملامحه بالكامل — كأنه شخص آخر.

شخص أصغر سنًا وأقل ثقلاً وأكثر حياة.

نور خزّنت تلك الابتسامة في ذاكرتها كمن يخزّن قطعة ماس نادرة.

وقفا جنبًا إلى جنب في صمت.

قدماها في المياه المالحة حذاؤه على حافة الرمل.

القمر فوقهما البحيرة أمامهما. والصحراء خلفهما.

وبينهما... مسافة متر واحد تتقلّص ببطء.

ليس جسديًا بل شيء آخر

شيء غير مرئي. جدار شفاف بدأت فيه شقوق صغيرة تتسع.

الساعة العاشرة والنصف.

عاد الجميع للنُّزل.

نور ذهبت لغرفتها — أول سرير حقيقي منذ أيام — واستلقت على الفراش النظيف بنعيم خالص.

أخرجت هاتفها ووجدت عشرين رسالة من أمها

الرسالة الأولى يا نور إنتي فين؟ ليه مش بتردي؟

الرسالة الخامسة قلبي هيقف يا بنتي.

الرسالة العاشرة لو مرديتيش هبلّغ عنك الشرطة

الرسالة الخامسة عشرة أنا بلّغت جارتنا أم حسام وقالتلي إن في رحلة شغل صعب تردى

طيب ما كنتي تقولي
الرسالة العشرون ربنا يوفقك يا حبيبتي.

بعتيلك أكل مع أخوكي الصغير عمر بس عمر أكل الأكل في الطريق ورجع

ضحكت نور بصوت عالى حتى دمعت عيناها.

اتصلت بأمها

— ألو يا ماما.

— نووووور يا حبيبتي إنتي كويسة؟ بتاكلي؟ الشمس مضربتكيش؟ في وحوش في الصحرا؟

— مفيش وحوش يا ماما أنا كويسة.

— والمدير بتاعك ده اللي زي الديب ده معاملك كويس؟ ولا عايزاني أجيله أكلمه؟

تخيّلت نور أمها — سيدة مصرية شعبية طيبة ضخمة — وهي تقف أمام آدم الصياد وتكلمه بأسلوبها وكادت تختنق من الضحك.

— لا يا ماما مش محتاجة كل حاجة تمام

— طيب بصّي يا بنتي.. أم كريم جارتنا بتقول إن ابن أختها الدكتور اللي في طنطا لسه بيسأل عليكِ وعايز يتقدملك قلتلها أسأل نور الأول.

— يا ماما مش وقته

— ما هو لازم نلحق يا بنتي إنتي خمسة وعشرين سنه

— يا ماما أنا في نص الصحرا بتكلمك من سيوة

— سيوة الحتة اللي فيها تمر حلو جيبيلي معاكي تمر يا حبيبتي.

— حاضر يا ماما. باي يا ماما.

— باي إيه؟ ده كلام يتقال ده؟ قولي مع السلامة يا ماما. احنا مش أمريكان يا بنتي.

— مع السلامة يا ماما.

أغلقت الخط وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت.

ثم نظرت للسقف وتمتمت

— يارب خلّيهالي. خلّيهالي يارب ومتحرمنيش منها.

في الغرفة المقابلة — وهذه صدفة مزعجة — كان آدم يجلس على حافة سريره.

الجدران في هذا النُّزل السيوي القديم رقيقة

سمع ضحكها سمع محادثتها مع أمها سمع دفء تلك العلاقة البسيطة.

ولسبب لم يفهمه شعر بوخزة في صدره.

ليست وخزة ألم.

بل وخزة حنين.

حنين لشيء كان يملكه يومًا وفقده.

أخرج هاتفه وفتح الصورة المقفولة مرة أخرى.

العينان الخضراوان. الابتسامة الدافئة.

— سارة.

نطق الاسم بصوت مبحوح.

— كنتِ هتحبيها. لو كنتي هنا كنتى هتحبيها أوي.

هي شبهك في حاجات كتير. العند... والضحكة... وإنها مبتخافش.

ثم أغمض عينيه بألم

— بس أنا مش هخون وعدي ليكِ يا سارة. أنا قلت مفيش حد بعدك. ومفيش.

أغلق الهاتف.

وضعه على الكومودينو.

واستلقى على السرير.

لكن النوم لم يأتي

بدلاً من ذلك ظلّ يسمع صدى ضحكتها من خلال الجدار الرقيق.

ضحكة نور.

ضحكة تتسلل إليه كالمياه من شقوق سور قديم.

مياه دافئة.

مياه خطيرة.

اليوم التالي اليوم الأخير في الصحراء.

الجولة الأخيرة قلعة شالي.

نور وقفت أمام الأطلال القديمة ونظراتها تلمع بشغف حقيقي وبدأت تتحدث بالإسبانية

بُنيت قلعة شالي في القرن الثالث عشر من مادة غريبة

خليط من الطين والملح وأحجار صخرية محلية يسميه أهل سيوة #الكرشيف

القلعة صمدت لقرون لكنها بدأت تتآكل... ليس بسبب الحروب ولا الزلازل... بل بسبب المطر.

توقفت ونظرت للوفد بمعنى

— نعم. المطر. أندر شيء في الصحراء هو الذي دمّرها.

في سنة ١٩٢٦ هطلت أمطار غزيرة نادرة استمرت ثلاثة أيام فأذابت جدران الملح والطين وانهار جزء كبير من القلعة.

صمتت ثم أضافت بصوت أعمق

— هناك عبرة جميلة هنا

أحيانًا الأشياء التي نبنيها لتحمينا — الأسوار والجدران والقلاع — لا تسقط بسبب الهجمات العنيفة

بل بسبب قطرات صغيرة مستمرة من شيء ناعم ولطيف المطر دمّر ما عجزت عنه الجيوش.

رفعت عينيها — لم تقصد أقسم أنها لم تقصد — ونظرت مباشرة لآدم الذي كان يقف في الخلف مسندًا كتفه على عمود حجري.

التقت عيناهما.

وفي تلك اللحظة فهم آدم أنها لم تكن تتحدث عن القلعة.

كانت تتحدث عنه.

عن أسواره عن جداره عن قلعته الباردة التي بناها حول قلبه

وعن قطرات المطر الناعمة التي بدأت تذيبها

شدّ على فكّه.

واستدار ومشى بعيدًا.

الساعة الثانية ظهرًا.

وقت الرحيل
وقت العودة للقاهرة.

الوفد كان حزينًا لانتهاء الرحلة. كارلوس احتضن نور احتضانًا أبويًا وقال لها بالإسبانية وعيناه تدمعان

— يا نور.. أنتي لست مجرد مرشدة سياحية أنتِ سفيرة لبلدك. مصر محظوظة بك.

وأضاف بصوت أخفض

— وأظن أن هناك شخصًا آخر محظوظ بك أيضًا.. حتى لو كان لا يعرف ذلك بعد.

ونظر بطرف عينه ناحية آدم.

احمرّ وجه نور كالطماطم

— سيد كارلوس

ضحك كارلوس وربّت على كتفها

— الرجال الإسبان يفهمون الحب يا عزيزتي. حتى لو كان حبًا يرتدي قناع الجليد.

الموكب تحرّك عائدًا للقاهرة.

في السيارة الأولى نور صامتة لأول مرة في الرحلة.

تنظر من النافذة للصحراء التي تنسحب خلفهم ببطء.

شعرت بشيء غريب
ليس حزنًا على نهاية الرحلة

بل حزن لأنها تعرف أن آدم الذي رأته في الصحراء — الذي ابتسم وضحك وعزف العود وأحضر لها الشاي وقال لها إن أباها كان يستاهل الاحترام

— هذا الآدم سيختفي حين يعودون للقاهرة.

سيعود المدير البارد و الجدار العالي و القناع الحديدي.

وهي ستعود الموظفة الجديدة التي تمشي على حبل مشدود فوق بركة تماسيح.

لكن شيئًا ما تغيّر.

شيئًا لا يمكن التراجع عنه.

لأنها رأت ما خلف القناع. رأت الإنسان المكسور الذي يعزف في الظلام ويبتسم للجرادل ويخاف من المطر أكثر مما يخاف من العواصف.

ولأنها — رغم كل إنكارها وكل ضرباتها لخدها وكل

ركّزي يا نور

— تعرف في أعماقها أن قلبها بدأ ينزلق نحو ذلك الرجل بسرعة مخيفة.
.

مخيفة لأن المسافة بينهما ليست مسافة مكتب ومدير فقط... بل مسافة عالَمين مختلفين.

في السيارة الثانية كان آدم ينظر من النافذة هو الآخر.

حسن يقود بصمت. لأنه يعرف صاحبه. يعرف أنه حين يصمت هكذا يكون في حرب داخلية.

بعد ساعة كاملة من الصمت قال آدم فجأة

— حسن.

— أيوه يا بيه.

— هل الواحد ممكن يخون وعد لو... لو الشخص اللي وعده مش موجود؟

نظر حسن للمرآة ورأى عينَي آدم — مرهقتين محتارتين مجروحتين.

أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بحكمة بدوي عاش ستين سنة في الصحراء

— يا ابني.. الوعد للحي واجب. والوعد للميت... سجن.

— سجن؟

— أيوه. لأن الميت لو يرجع ثانية واحدة مكانش هيرضى تعيش في سجن عشانه

اللي بيحبنا بجد عايزنا نعيش مش نموت وراهم.

صمت آدم.

أغمض عينيه.

وشعر بشيء في صدره — شيء كان مغلقًا بإحكام منذ سنوات يصدر صريرًا خفيفًا.

كصوت باب قديم يبدأ في الانفتاح.

الساعة التاسعة مساءً.

وصل الموكب للقاهرة.

توقفت السيارات أمام الفندق. نزل الوفد متعبين لكن سعداء. المصافحات والعناق وكلمات الشكر والوداع.

كارلوس صافح نور بحرارة وقال لها بصوت مسموع أمام الجميع

— سأكتب في تقريري لشركتنا في برشلونة أن هذه الرحلة كانت الأفضل في تاريخ تعاملاتنا. وسأذكر اسمك يا نور بالتحديد.

ثم اقترب من آدم ومدّ يده

— سيد الصياد.. لديك كنز في هذه الشركة. حافظ عليه.

ونظر لنور بطرف عينه بابتسامة ذات معنى.

شكره آدم بأدب وجمود ظاهري.

تفرّق الجميع.

نور وقفت وحدها أمام الفندق تنتظر تاكسي يوصلها للدقي. حقيبتها الصغيرة على كتفها وملابسها مغبّرة ووجهها متعب لكن عينيها تلمعان.

سمعت صوت محرك سيارة يتوقف بجانبها.

نافذة سوداء تنزل ببطء.

آدم.

في سيارته الفاخرة. ينظر للأمام لا ينظر لها.

— الدقي في طريقي. اركبي أوصلك.

— مش محتاجة شكرًا يا أستاذ آدم. هاخد تاكسي.

— الساعة تسعة ونص بالليل وإنتِ واقفة لوحدك في الشارع وشايلة شنطة. اركبي.

نبرته لم تكن طلبًا. كانت أمرًا مغلفًا بالقلق.

ترددت.

ثم ركبت.
.
.

السيارة تتحرك في شوارع القاهرة الليلية.

الأضواء والزحام والأصوات وأبواق السيارات — كل شيء صاخب وملوّن وحي بعد أيام في صمت الصحراء.

جلست نور في المقعد الخلفي تعمّدت أن تجلس في الخلف وليس بجانبه — وعيناها تراقبان المدينة من النافذة.

صمت.

صمت طويل.

ثم قال آدم وعيناه على الطريق

— أداؤك في الرحلة كان... أنا...

توقف.

نور التقطت أنفاسها وانتظرت.

— كان ممتاز.

قالها بصوت منخفض كأنه يعترف بجريمة.

ابتسمت نور

— ممتاز مش "فوق الممتاز"؟ إمبارح في العاصفة كانت فوق الممتاز. يعني نزلت درجة؟

نظر لها في مرآة السيارة بنظرة لا تعرف إن كانت غضب أم إعجاب

— إنتِ مش بتخافي مني خالص صح؟

— لأ.

— ليه؟

فكّرت لحظة ثم قالت بصدق مباشر

— عشان اللي بيعزف عود في نص الليل ويجيب شاي بالنعناع لموظفة بتعيّط مش إنسان المفروض حد يخاف منه.

صمت.

صمت طويل.

طويل جدًا.

ثم قال بصوت بالكاد مسموع

— يا آنسة نور.

— أيوه.

— إنتى بتلعبي بالنار.

— أنا عارفة.

— والنار دي... لو ولعت... هتحرق

— وأنا عارفة.

نظر لها في المرآة مرة أخرى. عيناه عاصفة من الصراع — بين ما يريده وما يخافه

بين الوعد القديم والشعور الجديد بين سارة ونور، بين الماضي والحاضر.

ثم أدار وجهه للطريق وقال ببرود مصطنع واضح الزيف

— هنرجع الشركة بكره كل حاجة هتكون زي ما هي.

أنا المدير وإنتِ الموظفة الرحلة خلصت. وكل اللي حصل في الصحرا بيفضل في الصحرا.

— كل اللي حصل؟

— كل اللي حصل.

ابتسمت نور ابتسامة حزينة حكيمة أكبر من سنواتها الخمسة والعشرين

— حاضر يا أستاذ آدم. زي ما تحب

توقفت السيارة أمام بيتها في الدقي.

فتحت الباب ونزلت ثم انحنت لتنظر له من النافذة

— شكرًا على التوصيلة. وعلى الشاي بالنعناع. وعلى العود. وعلى إنك قلت إن بابا كان يستاهل الاحترام. مش هنسى حاجة من دول.

وقبل أن يردّ أضافت بابتسامة

— وبالمناسبة... اللي بيحصل في الصحرا مبيفضلش في الصحرا. الصحرا بتتكلم يا أستاذ آدم. بس مع اللي يعرف يسمعها.

وأغلقت الباب ومشت نحو العمارة.

ظلّ آدم جالسًا في سيارته لخمس دقائق كاملة بعد أن اختفت.

يديه على عجلة القيادة.

رأسه مسنود على ظهر الكرسي.

عيناه مغلقتان.

وقلبه — ذلك القلب الذي أقسم أنه مات — ينبض.

ينبض بإيقاع جديد.

إيقاع يشبه خطواتها.

إيقاع يشبه ضحكتها.

إيقاع يخيفه أكثر من أي عاصفة.

همس بصوت مكسور

— سارة... سامحيني.

ثم أدار المحرك وانطلق في شوارع القاهرة.

وحيدًا.

لكن ليس كما كان وحيدًا قبل خمسة أيام.

لأن شيئًا تغيّر.

شيئًا لا يمكن إلغاؤه.

شيئًا بدأ بمقلاة.

وتمرتين.

وجردل مقلوب.

ونعال معكوسة.

ونجمة اسمها سهيل.

وقلعة من طين دمّرها المطر.

وفتاة تقرأ النجوم ولا تخاف من العواصف.

**يتبع في الفصل الخامس...**
العودة إلى القفص الزجاجي

•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية

تعليقات