رواية فارس بلا مأوى الفصل الخامس والاربعون والاخير 45 - بقلم ولاء محمد رفعت
يتجول في الرواق ذهاباً و إياباً و قلبه يحترق من الخوف عليها، فهي الآن بين إيدي الأطباء.
لم ينس ذلك المشهد عندما هاتفه إحدي موظفين الإستقبال و أبلغه بما حدث أمام الشركة، غادر مكتبه علي الفور و ذهب ليري ما حدث إلي من أستطاعت إختراق قلبه و تحويل مسار حياته من اليأس إلي الأمل، من القنوط إلي الصبر، من الأسود إلي الأبيض، و علي يدها عادت إليه إبتسامته النابعة عن سعادة لم يشعر بها قط من قبل سوي معها فقط.
حين خرج من بوابة الشركة اصتدم بذاك المشهد المروع، وجد زوجته مسجاه علي الأسفلت في سكون و عدم حركة و دماء تنسدل من جانب شفاها، حملها علي الفور و أدخلها إلي سيارته و رغم محاولته للتظاهرة بالثبات و القوة، فكان داخله غرار ذلك.
و ها هو الآن ينتظرها أمام غرفة العمليات، و عندما إستمع إلي صرير فتح الباب المعدني توقف عن السير و ألتفت إلي الطبيب الذي خرج للتو، ركض إليه و سأله بتوجس:
- هي عامله إيه؟
خلع الطبيب القناع الطبي عن فمه و أنفه ثم أجاب:
- أطمن حضرتك، مدام مروة بخير الحمدلله، شوية رضوض و كدمات و شرخ في في الساعد الأيمن و رجلها اليمين برضو، بس للأسف مقدرناش ننقذ الجنين.
جحظت عيناه من الصدمة، لم تكمل سعادته بخبر حمل زوجته و الآن يستمع إلي خبر وفاة إبنه قبل أن ينبض قلبه.
شعر الطبيب بحالته فأردف:
- ربنا يعوضك، و الحمدلله أهم حاجة إن المدام بخير و ربنا يرزقكم بالأحسن.
أومأ له الأخر في صمت، تابع الطبيب حديثه:
- حضرتك لازم تعمل محضر ضد صاحب العربية و أنا هاكتب لك التقرير الطبي دلوقت.
كان كالمُغيب و شارد في ملكوت آخر، يردد كما يلي:
- قدر الله ماشاء فعل.
و في تلك اللحظة تدخل موظف الأمن الشاهد علي ما حدث قائلاً:
- علي بيه، أنا عايز أقول لحضرتك علي حاجة.
نظر إليه الأخر بعدم فه، فأردف الرجل:
- اللي حصل لمدام مروة كان مقصود و أنا شوفت اللي عمل فيها كده!
※ـــــــــــــــــــــــــ※
يقف هؤلاء الرجال في صفوف، يمسك كل منهم صينية معدنية مقسمة لأربع أطباق، يرتدون جميعهم الزي الأزرق الخاص بالسجن، و كان زكريا يقف في إنتظار دوره فـ جاء إحدهم و دفعه و وقف أمامه بل و رمقه بشرٍ و سأله بتهكم:
- عندك مانع؟
نظر إليه الأخر بإمتعاض:
- أظن فيه حاچة إسمها طابور و ليك دور تجف فيه بدل قلة الذوق اللي سوتها دلوق.
قهقه الرجل الذي يبدو علي ملامحه الشر و يقصد ما يفعله من أجل إستفزاز الأخر و الدخول في معركة معه.
لكزه في كتفه و سأله بتهكم:
- و لا ما وقفتش في دوري هاتعملي إيه يعني، مش ناقصنا غير جوز العالمة هو اللي يتكلم، السجن ده للجدعان الرجالة مش للرافعين إريل.
ألقي زكريا الصينية علي الأرض و كاد يرفع يده ليضرب الأخر لكن تدخل هذا الذي صاح بصوته الغليظ:
- الإريل ده يبجي أبوك يا ولد الغازية.
و قام بتوجيه لكمة قوية إلي هذا الرجل و وقع علي بعد مسافة من قوة اللكمة، فألتفت الأخر إلي زكريا الذي تفاجئ بوجوده:
- رافع! ، إيه اللي چابك أهنه.
إبتسم الأخر و أجاب بسخرية:
- مهنش عليا أهملك في السچن لوحدك، جولت لما أچي أونسك.
كاد زكريا يتفوه، فباغت الرجل بعدما نهض رافع بدفعه و الهجوم عليه، نهض رافع و الشر يتطاير من سوداويتيه، رمقه زكريا بإيماءه ثم قال:
- چيت في الوجت المناسب يا ولد خالي.
و بدأ العراك الذي تدخل فيه أصحاب الرجل الذي بدأ في الهجوم و بين زكريا و رافع.
تدخل عساكر الأمن لفض هذا الشجار و الذي أنتهي بعقاب جميعهم الحرمان من وجبة الغداء و سجن كلا من رافع و زكريا داخل زنزانة منفردة و كذلك الرجل الأخر سُجن بمفرده.
بعدما ولج كلا من رافع و زكريا الذي دفعه العسكري قائلاً:
- أدخل يا حيلتها منك ليه، فاكرينها سايبة و بتتخانقوا ده سيادة المأمور هينفخكم.
أغلق الباب الحديدي ثم أوصده بالأقفال من الخارج، جلس رافع علي الأرض و يستند علي الحائط بظهره قائلاً:
- مهما سوي فينا مش هيچي ربع اللي حصلي.
هبط زكريا علي عقبيه، جالساً أمامه و سأله:
- مالك يا ولد خالي، و إيه اللي چابك أهنه؟
لاح شبح إبتسامة بائسة علي شفتيه التي يعلوها شارب كث:
- اللي چابني أهنه شيطاني، اللي خلاني أسوي أي حاچة مهما كانت حرام، عماني عن الحق و دلني علي سكة الباطل، سرجت و نهبت، جتلت و زنيت و چيت علي ناس كتير و ظلمتهم جوي.
غر زكريا فاه، فالأول مرة يري صديق دربه و إبن خاله في تلك الحالة:
- واه، ليكونوا عرفوا بحكاية فارس و اللي سويته أنت فيه إياك!
إبتسم الأخر بتهكم و أخبره بكل أريحية:
- أنا اللي بلغت عن حالي.
عقد زكريا حاجبيه بدهشة و تعجب:
- كيف يعني؟
بدأ رافع بسرد كل ما حدث معه و في الأيام الأخيرة من وفاة زوجته التي كانت تجهض و أنتهت المحاولة بموتها، أخبره بعقاب ربه بالحكم عليه بقطع نسله مما جعل زكريا يدرك أن حمل نوارة ليس من نجل خاله.
و سرد إليه أيضاً عندم أنتهي المطاف به إلي خسارة أكثر إنسانة أحبها كثيراً و تزوجت من آخر، فكل هذا جعله يكره ذاته بل و يعاقب نفسه بالعقاب الذي يستحقه منذ زمن، فـ ربما هذا يزيح عن قلبه لو القليل من الهم و الحزن أو ربما بداية توبة عاصي.
و بعدما أستمع الأخر أطلق تنهيدة و يليها يعقب علي ما أنصت إليه:
- دين تدان يا صاحبي، و الدنيا دوارة يوم تبجي في يدك و يوم تاني تشيل و تحط عليك.
- و ساعات الدنيا بتحكم عليك و تفرض عليك سكة وعرة جوي.
تقدم زكريا جوار رافع و جلس بجانبه:
- ده وهم الشيطان بيضحك عليك بيه، إحنا اللي بنختار بيدنا السكة اللي عنمشوا فيها، و إحنا چرينا ورا الحرام و كنا فاكرينه فيه المتعة كلها، أتاري كان كيف الحفرة اللي مليانة دهب و كنوز رميت حالك چواها لأچل تكبش و تاخد لكن أكتشفت إنها مچرد لامعة كذابة و إنه فخ كبير لازم تتحمل و تضحي لأچل تطلع منه.
أعتدل في جلسته و ألتفت إلي جواره، نظر إلي رافع بسخرية من حاله قائلاً:
- خابر أنت، البت سمر بعد ما تابت و ربنا هداها صاحب الكباريه علم إنها أتچوزت و لأچل يرچعها خلي رچالة تبعه أهنه يضايجوني و يرازوا فيا، إنهم يعايروني بزوچ الغازية، كل ده لأچل أطلجها فتجوم راچعة تاني للرجص.
ربت الاخر علي كتفه و أخبره:
- سمارة بتحبك جوي إياك تهملها في يوم من الأيام، يمكن توبتها علي يدك فرصة ليك تبدأ حياة چديدة و نضيفة.
أطلق الأخر زفرة من أعماقه لعله تخفف عما يحمله داخله من سر لا يريد البوح به لإبن خاله:
- عمر ما كانت جلوبنا طوع يدنا، و يا سلام لما جلبك يوم ما يدق، يدق لحد إستحالة يكون ليك و ما ينفعش تفكر فيه كمان، و يوم ما فكرت خسرت أعز الناس ليا و بجي ما بيني و بينه شرخ عمره ما يداوي.
قطب رافع ما بين حاجبيه و سأله:
- قصدك علي مين؟
إنتبه الأخر لما هو أوشك علي الإفصاح به، ضحك و أبدل مسار الحديث إلي جهة أخري قائلاً:
- إلا جولي، اللي خلي فاطمة تتچوز الدكتور، دي كان حداها إنها تجعد چار أمي علي أمل أنك أنت تتغير و تتجوزوا.
تجهم وجهه لاسيما عندما تذكر المواجهة الأخيرة التي دارت بينه و بين فاطمة، و سرعان تحول ذلك التجهم إلي إبتسامة هادئة تحمل في طياتها حزن دفين:
- أني جطعت لها الأمل اللي كانت عايشة عشانه.
※ــــــــــــــــــــــــــ※
في مدينة روسكوف الفرنسية و داخل فندق ريچينا، تجلس خلف النافذة و تحتسي القهوة، تراقب قطرات الندي الكثيفة علي لوح الزجاج، تستنشق عبق رائحة الأشجار و النباتات المنتشرة في الشارع، تذكرها برائحة النجع صباحاً، عندما كان تفتح نافذة غرفتها المُطلة علي الزرع، و إذا بصورته تداهم ذاكرتها مجدداً و هو يقف في وسط فروع ثمار الذرة يُناديها:
«تعالي يا بطتي،أتوحشتك جوي جوي»
أغمضت عينيها و هزت رأسها بنفي، تريد أن تبدد تلك الذكريات بشتي الطرق، فهي الآن قد بدأت حياة جديدة و لا تريد أن تظلم الإنسان الذي أحبها بصدق و جعلها شريكة حياته و دربه.
خاصة بعد ما حدث بينهما بالأمس....
«حدث بالأمس»
أستيقظت عندما شعرت بقربه منها، يدنو نحو خدها و يقبله:
- صباح الجمال.
إبتسامة طفيفة تجلت علي شفتيها:
- صباح النور.
كان قد خرج من المرحاض للتو، يلقي المنشفة حول عنقه، يرتدي قميص و بنطال قطني، نهضت فوقفت أمامه كعادتها بتوتر:
- أني هملتك نايم، مارضتش أصحيك لأنك كنت راچع متأخر و فضلت مستنياك لحد ما نعست.
كان يمشط شعره إلي الوراء، نظر إليها عبر المرآة و قال:
- معلش يا حبيبتي، بعد ما المؤتمر ما خلص قابلت جماعة أصحابي من مصر لما عرفوا إن أتجوزت قرروا يعملوا لي حفلة بسيطة عشان عريس جديد و كده يعني.
كانت كلماته الأخيرة يصاحبها نظرة تحمل اللوم و العتاب، تهربت من النظر إليه و قالت:
- هاروح أچهز حالي.
- فاطمة.
توقفت و ألتفت إليه، تقدم نحوها حتي وقف أمامها مباشرة و باغتها بسؤال تراه في عينيه منذ أن أصبحت زوجته قانوناً!
- أنتِ لسه بتحبي رافع؟
ما كان لديها شىء تقوله سوي إنها أثرت الصمت، تبع الآخر سؤاله لها بسؤال آخر:
- ياريت عايز إجابة واضحة عشان أفعالك بتثبت لي فكرة واحدة.
يا لك من أحمق، كيف تسأل و أنت قد قرأت كل ما قومت بتدوينه في مذكراتي و تعلم جيداً ماذا كان هو يعني لي!
تلك الكلمات التي دارت في خلدها للتو، بينما يحيي كأنه يسمع أفكارها، هز رأسه بسأم:
- خلاص وصلت الإجابة، عموماً أنا زي ما وعدتك عمري ما هاضغط عليكِ في حاجة و لو عايزنا ننفصل أنـ...
بترت حديثه و أمسكت يده:
- و أني مش رايده إننا ننفصل، أني أختارتك بإرادتي و بعدت عنه هو كمان برغبتي، و لو مكنتش رايداك من الأول مكنتش هابقي واجفة جدامك دلوق.
أطلق زفرة علها تخفف ما بداخله من غضب و ضيق و صراع، رمقها بنظرة مليئة بالشوق و الغرام فأخبرها عما يحمله قلبه لها:
- و أنا يا فاطمة بحبك و عندي إستعداد أعمل أي حاجة عشانك و أشوفك فرحانة، لكن نظرة الحزن اللي ما بتفارقش عينيكِ بتقطع قلبي و ببقي عامل زي اللي و لا طايل سما و لا أرض.
حاوط خديها بين راحتي كفيه و أردف:
- أنا من أول لحظة شوفتك فيها، حسيت بشعور عمري ما جربته و لا حسيته قبل كدة، و لما قريت دفتر مذكراتك لو أي واحد مكاني كان تراجع و يبعد عن مجرد التفكير فيكِ، بس اللي حصلي عكس كده، لاقيت كل حاجة فيا بتتشد لك، أنا بحبك، و متأكد إنك في يوم من الأيام هاتحبيني زي ما بحبك.
ظل يحدقها بتحدي عاشق، رأي في عينيها نظرة غريق يطلب النجاة، لم يدري بنفسه حينما أقترب بشفتيه نحو خاصتها لكي يثبت لها مشاعره لكن أنهار كل شىء عندما أنتفضت و أبتعدت فجأة و ركضت إلي داخل المرحاض، أغلقت الباب و استندت بظهرها عليه، تضع يدها علي فمها و أخذت تبكي.
و بعد دقائق سمعت صوت صفق الباب بقوة، خرجت و علمت إنه قد غادر الغرفة و يحمل بين طيات فؤاده حزن عميق.
«عودة إلي الزمن الحالي»
أنتبهت إلي صوت فتح الباب، تركت القدح علي المنضدة و نهضت فرأته يدلف دون أن ينظر إليها مُتجهاً إلي الخزانة، فتح الضلفة بحدة ثم اخرج الحقيبة، أمسكت يده و سألته:
- بتسوي إيه؟
رمقها بنظرة ساخرة قائلاً:
- بلم هدومي و ياريت تحضري شنطتك أنتِ كمان عشان راجعين علي مصر، و هناك هريحك مني و أهي فرصة عشان ترجعي لحبك القديم.
تفاجئت بقراره الصادم و آخر ما كانت تتوقعه منه،أمسكت بيده و أوقفته عما يفعله :
- أني رايده أفضل وياك.
رفع جانب فمه بإبتسامة و بتهكم قال لها:
- شكراً علي جبر الخاطر.
- ده مش چبر خاطر، أني بجول الحقيقة، يمكن ما أملكش جلبي لكن عقلي هو اللي أختارك، ليه مستعچل علي حبي ليك، أعطِ لجلبي فرصة إنه يبجي ملكك.
صمت لثوان و هو يراقب ملامحها و يشعر بصدق كلماتها، و سرعان تحولت نظرة التوسل داخل عيناها إلي الغضب و هي تنظر إلي صدره، جال ببصره نحو ما تنظر إليه، فـ رأي شعرة شقراء عالقة بقميصه الرمادي و أثر حُمرة شفاه، أبتلع لعابه بتوتر.
أشارت نحو صدره بسبابتها و سألته:
- إيه اللي علي جميصك ده يا حضرة الدكتور المحترم؟
لم يصدق ما يسمعه فهل هي تغار حقاً، خبأ إبتسامته خلف قناع الجمود و أخبرها ببرود:
- زي ما أنتِ شايفة، شعرة صفره و أحمر شفايف.
صاحت بحدة مبالغة:
- لاء و الله!، ما أني خابرة إنه زفت و جطران أني بسألك إيه اللي چابهم علي صدرك، عتخوني يا يحيي!
ضحك بتهكم و أجاب بأريحية و كأنه يخبرها بأمر عادي:
- و فيها إيه لما أعرف واحدة تانية، أنا إسمي متجوز بس مجرد كلمة مش فعل.
شهقت من تصريحه و إثباته لخيانته:
- يا بچاحتك يا أخي، و بتعترف عيني عينك.
دفعته من أمامها مُردفة:
- أني بقي اللي هلم خلچاتي و....
جذبها من يدها و دفعها إلي الخزانة، أقترب منها و كاد يلتصق بها:
- مالك أتضايقتي ليه أوي كده!، بتغيري عليا؟
أبتلعت لعابها بتوتر من قربه الشديد و تضارب المشاعر الضاري داخلها:
- أني، أني...
- أنتِ إيه، هقولك أنا.
أزاح خصلاتها جانباً ليتمكن من تقبيل عنقها ثم قال:
- أنتِ حبيبتي.
و قام بتقبيل خدها:
- و روحي.
- و إستحالة أبعد عنك بعد ما بقيتِ ليا.
و ألتقم شفتيها في قبلة جعلت ساقيها كالهُلام، فأحاطت عنقه بذراعيها، و عندما فعلت ذلك حاوطها أيضاً من خصرها و حملها إلي الفراش، ينحني بها رويداً دون أن يقطع قُبلته.
جعلها تتمدد علي ظهرها ثم أبتعد بشفتيه لكي يعطيها المجال للتنفس.
- عايزة تسبيني؟
هزت رأسها بالنفي و همست:
- لاء، و أنت؟
أجاب بنبرة عاشق مُتيم غارقاً في بحر لؤلؤتيها السوداء :
- أنا أسيب الدنيا بحالها عشانك أنتِ.
تنحنح ثم أردف بصوت عذب و كأنه طير يغرد علي غصن الآيكة:
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني لأسبوع لأيام لساعات
فلستُ أنا الذي يهتم بالأبدِ
تعالي، تعالي
تعالي واسقطِ مطراً على عطشي و صحرائي
و ذوبي في فمي كالشمع و انعجنِ بأجزائي
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني بطهري أو بأخطائي
و غطيني أيا سقفاً من الأزهار يا غابات حنائي
أنا رجل بلا قدراً فكوني أنتِ لي قدري
آه أحبيني
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني، أحبيني
أحبيني و لا تتساءلي كيف و لا تتلعثمي خجلاً
و لا تتساقطي خوفاً
أحبيني، أحبيني
كوني البحر و الميناء كوني الأرض و المنفى
كوني الصحوة و الإعصار كوني اللين و العنف
أحبيني معذبتي و ذوبي في الهواء مثلي كما شئتي
أحبيني بعيداً عن بلاد القهر و الكبت
بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت
أحبيني معذبتي و ذوبي في الهواء مثلي كما شئتي
أحبيني بلا عقد وضيعي في خطوط يدي
آه آه أحبيني.
كانت تستمع إلي غنائه لها بتعجب و دهشة، و عندما أنتهي صاحت و دفعته و جلست بركبتيها فوق الفراش:
- واه، كيف عرفت أني بحب كاظم و الأغنية دي كمان جوي.
غمره الشعور بالسعادة عندما رأي لمعة الفرح تنير عينيها فأخبرها :
- البركة في دفتر مذكراتك، تاني أحلي حاجة حصلت لي في حياتي، و أنتِ الحاجة الأولي.
ضربت حُمرة الخجل وجنتيها من كلماته و غزله لها، أقتربت منه و سألته:
- ممكن تغنيها لي تاني؟
جذبها من يدها لتسقط علي صدره و قال:
- من عيوني، هغني لك زي ما أنتِ عايزة بس بعد ما هغني لك أغنية تانية هاتعجبك أوي.
رمقته بعدم فهم:
- أغنية إيه دي؟
- دي ما بتتغناش، دي بتتحس.
عانقها و بشفتيه يعزف لها علي خاصتها أجمل ألحان الحب في سيمفونية من القبلات الحميمية، و أنامله تتجول علي منحنياتها كإصابع عازف بيانو ماهر.
أنغمر كليهما علي أجمل ألحان العشق لتبدأ معزوفة جديدة، فكان هو الموسيقار و العازف.
و بعد مرور وقت...
كانت تتمدد علي ظهرها و تدثر كامل جسدها بالغطاء، تنظر إلي السقف في سكون، أقترب منها ليُقبلها علي أنحاء وجهها و كأنه لم يصدق إنها أصبحت زوجته شرعاً و قانوناً.
و من بين القبلات، عبست و رمقته بإمتعاض لكزته بحنق:
- بعد عني أنت خاين.
كاد ينفجر من الضحك علي هيئتها الطفولية، فأخبرها حتي لا يثير غضبها:
- هتصدقيني لو قولت لك دي كانت حالة إنسانية و أنا داخل الفندق لاقيت واحدة بتصرخ و بتستغيث عشان بنتها مُغمي عليها، عرفتها إن أنا دكتور أضطريت أشيل البنت لأوضتها عشان أقدر أفحصها، كانت داخلة في غيبوبة سكر و الحمدلله فاقت و علقت لها محاليل، كتبت لها علي شوية أدوية و بعدها طلعت علي هنا.
هزت رأسها كمحاولة بأن تقتنع بحديثه:
- ماشي، ربنا يكتر من خيرك يا دكتور و يخليك للشقره و البيضا و السمرا.
رفع إحدي حاجبيه و كاد يتحدث فقاطعه رنين هاتفها:
- دي مكالمة علي الماسنجر، شكله بكر أخوي و قمر، رايدين يطمنوا علينا.
※ـــــــــــــــــــــ※
تقف داخل المطبخ و تقوم بصب الشاي في الكوب ثم حركت المعلقة لتقليب و ذوبان السكر، تناولت صينية صغيرة وضعت فوقها كوب الشاي و ذهبت إلي غرفة المعيشة، و قبل أن تولج إلي الداخل سمعت صوته علي ما يبدو يرسل رسالة صوتية
- أتوحشتك جوي جوي يا حبيبتي، لما تكوني فاضية أبقي أتصلي عليا، رايد أطمن عليكِ.
و ضغط علي علامة إرسال، و إذا به ينتفض عندما صاحت بغضب:
-و دي مين اللي أتوحشتك يا حضرة الشيخ يا محترم يا للي حافظ كتاب الله و خابر الحلال و الحرام!
ألتفت إليها قائلاً:
- أباه، عتشكِ فيا يا قمر!
تركت الصينية أعلي المنضدة و عقدت ساعديها أمام صدرها:
- ده يقين مش شك يا جلب قمر، و أنا تو سمعاك بتبعت رسالة بصوتك لحبيبة الجلب اللي بتخوني معاها.
رفع هاتفه و أشار إليها نحو إسم المرسل إليه:
- أقرأي الإسم زين.
أقتربت لتقرأ فوجدت الإسم (فاطمة)، ضربت حمرة الحرج خديها فنظرت لأسفل و تمتمت بصوت منخفض:
- حقك عليا.
ترك الهاتف علي المنضدة و أقترب منها قائلاً:
- عيبك يا قمر متسرعة، و بعدين المفروض تكوني خابراني زين، مش أني اللي يتجاله أنت خاين!
رفعت يديها لتحاوط عنقه و أخبرته بصوتها العذب و بدلال:
- أعذرني يا حبيبي، بحبك جوي و بغير عليك،أصلك أنت ما خابرش الوليه اللي ساكنة في الشقة اللي جدامنا في الطالعة و النازله ليك تسوي حالها بتخرج چردل الزبالة و تفضل تبص عليك، و بيني و بينك أني عمري ما أرتحت لها خصوصاً لما عرفت إنها مطلقة و....
أشار لها بالصمت بوضع سبابته علي شفتيها و أخبرها بعتاب:
- عيب يا قمر، مش من أخلاقنا و لا ديننا نظن السوء و كمان قذف محصنات، و لنفرض ما أنتِ خابرة إن بغُض بصري من أول ما بخرچ من باب الشقة و ربنا شاهد عليا، و لا أنتِ حداكِ شك في إكده!
هزت رأسها بالنفي و قالت:
- لاء طبعاً، كل الحكاية إني بغير عليك جوي حتي إسأل ولدك و هو هيجولك.
عقد حاجبيه يحاول إدراك ما تفوهت به للتو:
- إنتِ....
وضعت يدها علي بطنها و أخبرته:
- أيوه حبلي.
تقفز السعادة من عينيه، جذبها إلي صدره و عانقها ثم أخذ يردد دعاء الحمد و الشكر:
- الحمد و الشكر ليك يارب، الحمدلله حمداً كثيراً.
رفعت وجهها و وضعت كفها علي خده:
- بتمني من ربنا لو چه ولد يبجي نسخة منك في كل حاچة الشكل و الطبع و الأخلاق.
- ولد، بنت، المهم تجومي بالسلامة و المولود يچي سليم مُعافي يارب، و إن كان علي النوع كل اللي يچيبه ربنا زين، كفاية إنه هيبجي حتة من القمر.
و قام بتقبيل وجنتها، بينما هي فعلت المثل ثم عانقته قائلة:
- أني بحبك جوي يا بكر، ربنا يخليك ليا و ما يحرمني منك أبداً.
أمسك هاتفه و أخبرها:
- جومي ألبسي نقابك عقبال ما أتصل بفاطمة و يحيي.
نهضت و سارت تتغنج بخصرها، قائلة بدلال:
- أمرك يا سي بكر.
أطلق تنهيدة حارة و قال:
- أنتِ قد اللي عتسويه ده؟
و غمز لها بإحدي عينيه، و قبل أن تولج إلي غرفة النوم، جذبت مشبك الشعر فأنسدلت خصلاتها الشقراء ثم ألتفتت إليه لتجيب بصوتها الناعم الذي يخترق القلب قبل الأذن :
- ما أنت خابر أني قدها جوي، جوي يا شيخ بكر.
عض بأسنانه علي شفته السفلي و قال بتوعد:
- أنتِ اللي چبتيه لحالك يا روح جلب الشيخ بكر.
و بعد أن لمس علامة الإتصال سرعان ما قام بالضغط علي الرفض و ترك الهاتف علي الأريكة و هم بالذهاب إليها، فسألته:
- جفلت ليه؟
أقترب منها و حاوطها من خصرها ثم دفعها برفق داخل الغرفة قائلاً:
- رايد أطمن علي ولدي، حداكِ مانع إياك!
كان جوابها أطلقت ضحكة سلبت لبه و فؤاده
، عقب بنبرة تنبأ علي ما هو مُقبل عليه:
- اللهم چنبنا الشيطان و چنب الشيطان ما رزقتنا.
أغلق الباب بقدمه لينفرد بقمره التي ظفر بها بعدما مرت عليهم العديد من الظروف العصيبة، لكن كليهما تحمل و تحلي بالصبر حتي جمعهما الرحمن معاً لتكون هي مسكنه و هو سكنها.
※ــــــــــــــــــــــــ※
أنتهي الطبيب من فحص زينب التي منذ أن جاءت إلي المشفي و هي في حالة سكون كالجماد، تنظر إلي السقف و عبراتها تنسدل من حين لآخر من ذهبتيها ذات الجفون المنتفخة و شديدة الإحمرار من فرط البكاء و ما تعرضت إليه من عذاب نفسي و جسدي علي يد هذا الطاغية.
تجلس بجوارها سُمية التي بمجرد أن علمت ما حدث من زوجها أرتدت ثيابها دون تردد و ذهبت إلي المشفي، و ها هي تمسك بيدها و تمسح علي جبينها، سألت الطبيب:
- كيفها دلوق يا دكتور؟
كان يدون بعض الكلمات في التقرير مُجيباً عن سؤال سمية:
- ما أكذبش عليكِ، الواضح جداً إنها أتعرضت لصدمة شديدة و ده باين من آثار العنف علي جسمها، و تهتك في أنسجة المهبل نتيجة إعتداء جنسي عنيف.
شهقت الأخري و وضعت كفها علي فمها، فعقبت بصوت خافت:
- يخربيتك يا سليم الكلب، اللهي ما تجوم من رقدتك و يچي اللي يشيل و يحط عليك و يخلصنا منك.
أنتهي الطبيب من ما كان يكتبه و قال:
- هي دلوقتي محتاجة لراحة و بعد ساعتين هابعت الممرضة تديها حقنة مسكن، و تقيس الحرارة.
فأخبرته الأخري:
- أني هاعطيها لها بنفسي يا دكتور و هاتابع حرارتها، أني كنت بشتغل ممرضة في مستشفي قنا العام.
أومأ لها بالموافقة:
- تمام، خلاص خليكِ جمبها و لو فيه أي حاجة أضغطِ علي الزرار اللي وراكي، عن إذنك.
- أتفضل يا دكتور.
أطلقت زفرة ثم ألتفتت إلي صديقتها و قالت:
- كان مستخبي لك كل ده فين يا جلب خايتك، منه لله أخوكي رماكي لواحد ما يعرفش ربنا، اللهي يا سليم يا ولد أم سليم تتحدف في چهنم و تتحط أنت و أبو لهب في سيخ واحد قادر يا كريم.
صدح رنين هاتفها من داخل حقيبتها، جذبت السحاب و أمسكت بالهاتف فرأت المتصل زوجها، رمقت إسمه بإمتعاض و لم تجب علي الإتصال بل قامت بتفعيل الوضع الصامت ثم ألقت الهاتف داخل الحقيبة.
أنتبهت إلي زينب التي كانت تحاول أن تنهض و تردد بصوت خافت:
- فارس، يا فارس.
أمسكت صديقتها بيدها:
- جايمة رايحة فين!
كانت الأخري تنظر بشكل عشوائي كالتي فقدت عقلها:
- أني رايده أشوف فارس، سليم جتله إياك!، سوي فيه حاچة؟
ربتت سمية علي ظهرها و أخبرتها:
- أجعدي بس، و أطمني أني قبل ما أچي لك عديت عليه في الأوضة اللي چارك، هو بخير بس الدكتور قال إنه لازم يرتاح و تحت المتابعة.
و كأنها لم تستمع إلي كلمات صديقتها، أنتابتها حالة هياج هيستري و أخذت تصرخ:
- همليني، رايده أطمن عليه لحالي، سليم سوي فيه إيه.
سمية في محاولة منعها من النهوض:
- و الله العظيم فارس زين، أهدي و أرتاحي و لما يصحي هاخدك و نروح له نطمنوا عليه.
- يا فارس، فارس.
رددت النداء بصياح، مما جعل سمية تضغط علي الزر فجاء الطبيب بنفسه و معه الممرضة التي تمسك بحقنة المسكن، فساعدتها الأخري بإمساك ذراع زينب لكي تتمكن الأولي من غرز الإبرة به.
ما زالت تردد إسمه في حالة يرثي لها، لم تبالي إلي حالتها و الوهن المتمكن من جسدها، أهم ما لديها أن تطمئن علي من تعشقه إلي حد الثمالة.
- فا ر س، يا فا....
إنسدل جفنيها و دلفت في سُبات حيث سكن جسدها تماماً و ما يتحرك بها سوي تلك العبرات التي تنزلق من جانبي عينيها.
※ــــــــــــــــــــــــــــ※
داخل غرفة يسودها الظلام الدامس، تجلس في زواية علي الأرض تضم ركبتيها إلي صدرها و تتلفت يميناً و يساراً بخوف، يرتجف جسدها و يردد لسانها بنفي و إنكار لما أقترفته قبل مجيئها إلي هنا:
- ما أقتلتهاش، ما أقتلتهاش، أنا معملتش حاجة.
ها هي أصبحت كما قيل لها سابقاً من زوجها و من ما كانت في يوم صديقتها عندما أخبرتها بأن سيأتي الوقت الذي ستصبح فيه خاسرة لكل شئ، و بالفعل هي الآن أصبحت وحيدة بل و أصابها خلل و إضطراب نفسي، و ما زاد الطين بلة الجريمة التي أرتكبتها و هكذا خطت نهايتها بيديها، و كما تقول الحكمة الجزاء من جنس العمل، ربما خُيل إليها أن طليقها لن يتركها في تلك المحنة، حمقاء لا تعلم ما الذي ينتظرها من مصير محتوم!
أنتفضت بذعر عندما سمعت طرق علي باب غرفتها الموصد:
- تعالي يا ندي يلا أنا حطيت الغدا.
نظرت نحو الباب بأعين جاحظة و ما زالت تردد تلك الجُمل السابقة، و عندما لم تجد والدتها رداً قامت بإدارة مقبض الباب، وجدته موصد من الداخل:
- هي لحقت تنام، خلاص لما تقوم هابقي أحضر لها الأكل.
تركتها و ذهبت إلي مائدة الطعام، تنهدت ثم جلست علي الكرسي،أمسكت بالملعقة:
- بسم الله الرحمن الرحيم.
و قبل أن تبتلع الطعام توقفت عندما قال زوجها بحدة:
- مش أنا قولت و نبهت عليكِ إنها ما تخرجش!
أزدردت الأخري لعابها، فكان زوجها نائماً و هي كانت تُعد الطعام و أكتشفت خروج إبنتها خلسه دون علمها و خشيت أن تتحدث إليها في الهاتف حتي لا توقظ إبيها الذي منع إبنته من الخروج.
تركت والدتها الملعقة و قالت بتوتر:
- هي كانت محتاجة شوية حاجات كانت قايلة لي عليهم و نسيت، فـ نزلت تجيبهم و طلعت.
ضرب زوجها بقبضته علي المائدة:
- بطلي كذب و تداري عليها، ما حرمتيش من عمايل بنتك، و لا مستنيه لما تجيب لنا مصيبة، أحمدي ربنا إن أكرم إبن ناس و متربي، أقسم بالله لو كان واحد تاني كان زمان بنتك متبهدلة و يا عالم كان عمل فيها إيه، بنتك رفصت النعمة اللي كانت في إيديها و مشيت ورا شيطانها اللي خلاها خسرت راجل بعتبره في مقام إبني اللي ما خلفتهوش، عقلي بنتك أحسن لك.
هزت رأسها بطاعة، لم تتجرأ علي المجادلة فلديه كامل الحق لما ذكره للتو.
سألها باحثاً بعينيه عن شىء ما:
- أومال فين لارا؟
- راحت تلعب مع بنت أم رامي في الشقة اللي قدامنا.
كاد زوجها يتفوه لكنه قاطعه رنين جرس الباب و يتبعه طرقات شديدة متتالية، نهضت بفزع:
- ده مين اللي بيرزع علي الباب كده، استر يارب.
نهض زوجها و قال لها بأمر:
- خليكِ أنا هافتح و أشوف مين.
ذهب و فتح الباب، فظهر إليه رجل يرتدي ثياب عادية و خلفه تقف قوة من الشرطة، قال الرجل:
- دي شقة ندي محمود العربي؟
أجاب الأخر بصدمة:
- أنا والدها، فيه حاجة؟
أخبره الضابط بصوت أجش:
- معانا أمر من النيابة، مطلوب القبض علي بنتك بتهمة محاولة قتل مروة عبدالكريم حرم رجل الأعمال علي الحسيني
صاحت والدتها التي تقف خلف زوجها:
- قتل!، يالهوي.
- أدخلوا جيبوها.
كان أمر الضابط للعساكر، و قبل أن يدلفوا إلي الداخل قال والدها بتوسل:
- أنا بستسمحك يا بيه، ممكن أدخل أجيبها لك بنفسي، أصلها شكلها نايمة و حضرتك فاهم البيت ليه حُرمة و....
زفر الضابط بنفاذ صبر و قال بحدة :
- إحنا جايين نقبض عليها، أدخل يا بني أنت و هو خلصوا.
سبقتهم والدتها و أخذت تطرق الباب:
- إفتحي يا ندي، عملتي إيه يا بنتي تاني، إفتحي.
كانت الأخري بالداخل ترتجف من الخوف:
- معملتش حاجة، ما قتلتهاش، معملتش حاجة.
و عندما وجد الضابط عدم إستجابة الأخري في فتح الباب الذي أدرك إنه موصود من الداخل، أعطي الأمر إلي إحدي العساكر:
- أكسر الباب ده.
تقدم الأخر و أخذ يدفع الباب بجسده و والدتها تصرخ بتوسل أن يتوقفوا عما يفعلوه، لكن لا محالة خاصة بعدما أستطاع العسكري أن يفتح الباب فأوقفه رجاء والد ندي إلي الضابط لاسيما عندما رأي حالة إبنته التي تنظر إليهم بخوف و ذعر و ترتجف كالطفلة التي رأت أشباحاً.
- أرجوك لو سمحت ممكن أنا هاجيبها لك، حضرتك شايف حالتها عاملة إزاي.
زفر الأخر بغضب فقال مشيراً للداخل:
- أتفضل، خلينا نخلص.
ذهبت والدتها تبحث عن هاتفها :
- أنا لازم أبلغ أكرم قبل ما بنتي تضيع، جيب العواقب سليمة يارب.
و في داخل الغرفة، تقدم والدها منها يمد يده إليها:
- قومي يا ندي، قومي يا بنتي، الله يسامحك شوفتي وصلتينا لإيه!
رفعت يديها في وضع الحماية و أخذت تصرخ:
- معملتش حاجة، معملتش حاجة، ما أقتلتهاش.
حاول والدها أن يجعلها تنهض لكن جسدها كان في حالة تشنج و خشي أن يجذبها عنوة فيقوم بإيذائها، و عندما دلف الضابط و كأنها رأت ملاك الموت، أتسعت عيناها و نهضت تحاول أن تختبىء خلف والدها و تردد ما قالته سابقاً.
أشار الضابط إلي رجاله بنفاذ صبر:
- هاتوها.
أمسكها الرجال و كانت ترتجف و تتلوي بين قبضتهم لذراعيها، و حينما و صلت إلي باب الشقة، كانت جارتهم قد فتحت باب شقتها لتري سبب تلك الضجة و الصراخ، شهقت السيدة عندما رأت منظر ندي بين يدي رجال الشرطة، بينما لارا ألقت الدمية التي بيدها و صرخت:
- مامي.
ركضت إلي والدتها، فأسرع جدها و منعها و عانقها يربت علي ظهرها و يقول:
- لله الأمر من قبل و من بعد، أسترها يارب.
و بالداخل كانت زوجته تلحق ما يمكن إلحاقه، تضع هاتفها علي أذنها تنتظر إجابة طليق إبنتها.
و في مكان آخر داخل المشفي المحتجز به سليم بعد إصابته بالرصاص و جعلته يقع مُغشياً عليه بسبب كثرة الدماء التي نزفها آنذاك.
يقف أكرم في بهو الإستقبال،و بالرغم من هيئته المُزرية بعد نجاحه في القبض علي سليم العقبي أكبر رجال الأعمال و الذي لم يستطع أحد من قبله الإيقاع به أو بوالده داغر العقبي.
يقف كالصقر المتربص لأعداءه،و هذا بناء علي طلبه بأن يكون قائد الحراس بنفسه في المشفي لعلمه بخطورة سليم و ما يمكن أن يفعله رجاله بالخارج من محاولة تهريبه.
كان يقف و يؤكد علي رجاله:
- ممنوع أي حد يدخل و لا يخرج من المستشفي، أنا طالع فوق و لو فيه أي جديد بلغوني.
أومأ رجاله و في صوت واحد:
- تمام يا فندم.
و قبل أن يولج إلي المصعد أوقفه رنين هاتفه، فرأي المتصل جدة إبنته، زفر بتأفف و أعاد الهاتف داخل جيبه، ظناً منه إنها ندي التي لم تكف عن محاولاتها البائسة بالإتصال عليه و ترجوه بالعودة.
عاد الإتصال مرة ثانية بل و ثالثة، داهمه شعور بأن هناك خطب ما و ربما أمر يتعلق بإبنته، أجاب علي الفور:
- نعم؟
جاءه صوت والدة ندي تبكي و تخبره:
- ألحقني يا أكرم، البوليس جه خد ندي بيتهموها في محاولة قتل مروة صاحبتها، بالله عليك روح و أقف جمبها إحنا ملناش غير ربنا و أنت يا بني.
تسمر مكانه، فهذا أخر ما كان ينقصه، محاولة قتل صديقتها!، إلي هذه الدرجة ساءت حالتها!، كيف لم يكتشف هذا من قبل!، يبدو غيابه المستمر عنها بسبب عمله قبل و بعد الزواج جعله لم يتعرف علي خصالها جيداً، فما أكثر الأزواج الذين يعيشون تحت سقف واحد و لم يفهم كليهما الأخر و يكتشفون كوارث بعدما يمرون في محن تُعري وجه كل منهما من الأقنعة الزائفة ليري كليهما الحقيقة الصادمة.
أنتبه إلي ندائها المتكرر :
- أكرم، يا أكرم.
أجاب عليها بهدوء قاتل:
- نعم مع حضرتك، ما تقلقيش أنا هاتصرف، سلام.
أنهي المكالمة و ظل في مكانه يحاول إدراك ما يحدث، مسح علي خصلاته و يزفر بقوة لقد أكتفي من المصائب هذا اليوم، قام بإجراء مكالمة هاتفية مع إحدي معارفه لدي النيابة و علم بأنه بالفعل قد تم صدور أمر بالقبض علي طليقته و قسم الشرطة التي أُخذت إليه للتحقيق معها.
أتجه إلي بوابة الخروج للمشفي و قبل أن يغادر قال لمساعده من الحراسة:
- ساعة زمن و راجع عايز كأني أنا موجود فاهم، أنت المسئول قدامي عن أي حاجة لو حصلت.
رد الأخر بحزم:
- أطمن يا فندم كله تحت السيطرة.
ذهب أكرم و عبر الرواق فـ أصتدم بإحدهم يرتدي مأزر الطبي الأبيض و قناع الفم يخفي نصف وجهه، و نظارة طبية، حاول هذا الشخص تلاشي النظر إلي أكرم مباشرة و مضي في طريقه إلي المصعد.
※ـــــــــــــــــــــ※
في إحدي بلاد شرق أوروبا يجتمع هؤلاء الرجال ذوي الهيئات المُهيبة و المُخيفة في آن واحد حول الطاولة المستديرة، ينتظرون رئيسهم الذي دلف للتو يرتدي حُلة سوداء خلفه حارسين ضخام الجسد.
وقف كل من يجلسون حول الطاولة ينتظرون تلك الإشارة التي صُدرت من رئيسهم للتو بعدما جلس علي مقعده الوثير.
تنحنح و أخبرهم بصوته الرخيم:
- جميعكم ينتظر أن يعلم سبب هذا الإجتماع الطارئ، علمت الآونة الأخيرة بما يحدث في مصر من وقوع رجالنا هناك، لكن هذا ليس الأمر الذي يعنيني، فاليوم علمت بأن الذي وقع بين يدي الشرطة هو من أهم رجالي.
رفع إحدهم يده و قال بتهكم:
- إذا كنت تقصد سليم العقبي سيدي، فهو من فعل ذلك بنفسه، منذ أن تزوج و لم يهتم بتأمين عملنا من عيون رجال الأمن لديه في مصر.
فقال آخر و يبتسم بسخرية دون أن يستأذن رئيسهم :
- و لما لم تقُل بأن زوجته هي من وراء ذلك، رأيتها منذ شهور برفقته في لاس فيجاس، لم أشعر بالإرتياح لها بتاً و أؤكد لكم إنها خلف ما حدث لا سيما بعدما علمت من إحدي مصادري إنها قد هربت منه حينها و سرقت الحاسوب الخاص به، ألم يثير هذا الأمر الشك لديكم!
عقبت إحداهن علي حديثه:
- بالطبع لم تشعر بالإرتياح نحوها ديفيد، لأنها عربية مسلمة أليس كذلك!
رمقها الأخر بنظرة نارية، مما جعل رئيسهم يضرب بيده علي الطاولة و هذا الخاتم المصنوع من الذهب الأبيض يصدر بريقاً لامعاً، فذلك الشعار المحفور به أكثر ما يميزه، الفرجار المفتوح و المتقابل مع المسطرة المنفرجة يتوسطهما حرف الـ G.
- حديث مرة أخري دون إذن مني سيكون له عقاب رادع، أعلم كل ما لديكم قبل أن يصل إليكم.
عاد بظهره إلي الوراء و أنتصب في جلسته ليردف:
- سليم قد أصبح الحصان الخاسر لدينا، و جاء لي صباح اليوم عدة أوامر صارمة من المحفل، علي رأسها تصفية سليم العقبي.
غرت المرأة فاها و بدي عليها الصدمة، أبتلعت لعابها بتوجس حينما نظر إليها رئيسهم، فسألته بجدية زائفة لتخفي توترها:
- هل تم الأمر؟
ظهرت علي ثغر الأخر إبتسامة مُرعبة قائلاً:
- إنه يُنفذ الآن ريبيكا.
و بالعودة إلي أحضان الوطن، داخل المشفي و صعوداً إلي الطابق التي توجد به غرفة سليم، يسير هذا الغريب و المُريب في الرواق وجد أمام الغرفة رجلين من الحراسة التابعة للشرطة، أخرج بطاقة تعريف زائفة و أرتدي الشريط المتصل بها حول رقبته ثم مضي إلي الغرفة بثقة بالغة، أوقفه الحارس و قبل أن يسأله فرفع له البطاقة:
- أنا الدكتور النبطشي المسئول عن حالة سليم العقبي.
أشار إليه الحارس:
- معلش يا دكتور أصلها أوامر شديدة، لأنه اللي جوه مجرم خطير.
أخبره الأخر بإبتسامة ذئب من أسفل القناع:
- ما تقلقش أنا هاخد بالي كويس.
فتح الباب و ولج إلي الداخل ليجد سليم تتصل أجهزته الحيوية بأجهزة طبية و يده بها إبرة متصله بمحلول مُعلق علي حامل عمودي.
أخرج من جيبه إبرة و داخل عبوتها سائل مجهول المصدر، أقترب من الكيس المُعلق و كاد يغرز به الإبرة فتوقف فجأة بفزع!
يُتبع....
قبل قليل... وصل صلاح بالأسفل فأوقفه رجال الأمن، فأخرج لهم البطاقة الخاصة بهويته، فكان رد الرجل عليه بحدة:
- ما قولت لك ممنوع و دي أوامر أكرم بيه، يلا بقي أتكل علي الله.
رمقه صلاح بإزدراء و أبتعد بعدة خطوات قائلاً بصوت خافت:
- لازم أتصرف.
قام بإجراء إتصالاً هاتفياً بإحدي الشخصيات الهامة و الذي أستطاع بنفوذه الوصول لإدارة المشفي و التحدث مع المدير المسئول، فـ خرج بنفسه لإستقباله:
- أهلاً و سهلاً يا صلاح بيه، المستشفي نورت.
تزحزح رحل الأمن إلي المدير الذي أمره:
- وسع كده لصلاح بيه منك له.
صافحه صلاح بإبتسامة دبلوماسية:
- متشكر لحضرتك، أنا بس عايز أطمن بنفسي علي سليم باشا.
- و الله يا فندم لو كان عليا كنت طلعتك و خليتك تقعد معاه، بس جاي لنا أوامر مشددة إنه ممنوع حد يدخله و لولا تليفون الباشا الكبير مكنش حد من العساكر رضي يدخلك.
رمقه الأخر بإمتعاض قائلاً بـ دهاء :
- طيب تمام متشكر، و هابلغ الباشا بتحياتك ليه.
توترت ملامح الرجل ثم قال :
- ليه بتقول كده، أنا....
- أنت هاتدخلني أطمن علي سليم باشا، قولت إيه؟
قالها بنبرة أمر و تهديد جلية إذا لم ينفذ الأمر، أومأ له الأخر بالموافقة و علي مضض:
- تحت أمرك.
و بالعودة إلي هذا الغريب، فتح الباب و ولج إلي الداخل ليجد سليم تتصل أجهزته الحيوية بأجهزة طبية و يده بها إبرة متصله بمحلول مُعلق علي حامل عمودي.
و بالفعل تحرك و دلف كليهما داخل المصعد، و بعد أن خرج صلاح من المصعد تقدمه مدير المشفي بخطوات ليرشده إلي الغرفة و حين وصل، انهاه إحدي الحارسين عن الولوج إلي الداخل :
- ممنوع يا باشا.
رمقه الرجل بإمتعاض و أخبره:
- أنا الدكتور و مدير المستشفي يا غبي، ابعد عن الباب.
فعقب الأخر:
- و لما أنت الدكتور أومال اللي لسه داخل حالاً يبقي مين؟
و حين إستمع صلاح إلي كلمات الحارس التي ضرب الشك في دواخله لا سيما عندما صدح صوت إستلام رسالة ألكترونية عبر البريد الألكتروني الخاص بهاتفه، ألقي نظرة سريعة عليها فوجد فحواها بالإنجليزية و ترجمتها كما يلي:
« تحرك أيها الوزير لقد تم صدور الحُكم بالتخلص من الملك»
و بالداخل أخرج هذا الملثم من جيبه إبرة و داخل عبوتها سائل مجهول المصدر، أقترب من الكيس المُعلق و كاد يغرز به الإبرة فتوقف فجأة بفزع!
حيث دفع صلاح ما بيده بقبضة قوية أطاحت الإبرة ثم أمسك بتلابيبه و أخذ يكيل له لكمات شديدة القوة غرار طبيعته الهادئة، و لما التعجب فهو يعمل داخل عالم لا يحكمه سوي قانون الغابة، البقاء للأقوي و لا مكان للضعفاء.
لم يستسلم الأخر بل أخذ يقاومه و دلف الحارسين و خلفهم مدير المشفي علي إثر تلك المعركة التي صدح صوتها إلي الخارج.
رفع الحارسين أسلحتهم صوب الرجل الغريب، رفع المدير يده و قال:
- أوعي تضرب نار.
أستغل الغريب ذلك الموقف فألتفت إلي النافذة لكن لم يمهله صلاح الهرب فأخرج سلاحه الذي يخبئه خلف ظهره و أخذ يضرب بمقبضه علي رأس الرجل حتي وقع فاقداً للوعي.
نظر صلاح إلي الحارس:
- خدوه و أحبسوه عقبال القوة ما تيجي تاخده.
عاد بظهره و ألتفت ليطمئن علي سليم الممدد لا حول و لا قوة له، من يراه يغر فاه بتعجب من وضعه الضعيف في تلك الحالة، كم من ظالم عتي نشر في الأرض فساداً و أرتكب أفظع الجرائم، ما كانت نهايته سوي الهلاك و الدمار، يحصد ثمار شره بيده و التي تؤدي به إلي الهاوية، يسقط في قاع الجحيم.
أمسك بيد صديقه و دنا بالقرب من أذنه ليهمس إليه:
- لازم تفوق بسرعة، حياتك في خطر.
※ـــــــــــــــــــــــــــ※
- أنا معملتش حاجة، ما أقتلتهاش، هي اللي خربت لي حياتي.
ظلت تردد تلك الكلمات و تجلس داخل مكتب الضابط الذي زفر بضجر:
- هاتفضلي تكلمي نفسك كده كتير!، ما تخلصي و ردي علي سؤالي، إيه اللي خلاكي تخبطيها بالعربية و إياكِ تنكري لأن الكاميرات جايباكي و أنتِ بتتحركي ناحيتها بالعربية و بعد ما خبطيها دوستي بنزين و هربتي صح!
رفعت رأسها و رمقته بعيون يملأها الإحمرار من فرط البكاء المستمر، يرتجف جسدها كلما تذكرت جريمتها التي باءت بالفشل و ألقت بها بين يدي رجال الشرطة!
طرق إحدي رجال الشرطة الباب ثم ولج قائلاً:
- رائد باشا، النقيب أكرم عمران بره و عايز يدخل.
أعتدل في جلسته و أخبره:
- أنت جاي تستأذن، دخله فوراً.
نهض ليستقبله، دلف أكرم فصاح الأخر بترحيب و سرور:
- أهلاً أهلاً، نورت القسم يا باشا.
حينها ألتفتت إليه و تلاقت عيناها بخاصته، خفق قلبها بخوف و فاضت عيناها بنظرة توسل إلي مساعدتها و إنتشالها من ذلك الوحل الذي أسقطت بها نفسها.
جال ببصره إلي الضابط و بادله المصافحة و بشبه إبتسامة قال:
- تسلم يا رائد بيه.
صاح الضابط مُنادياً:
- تعالي يا بني خد المتهمة و حطها في الحجـ....
قاطعه أكرم ناهياً إياه:
- سيبها، أنا جاي عشانها.
رمقه الأخر بتعجب فأبتلع أكرم لعابه قبل ما يردف:
- مدام ندي تبقي أم بنتي.
أومأ له الأخر و قال:
- أنا و الله ما أعرف إنها زوجة حضرتك، و مخبيش عليك وضعها سيئ جداً لأن اللي عملته متسجل في كاميرات الشركة، ده غير إنه لسه جاي لي أخبار من المستشفي إن المجني عليها الحمدلله لسه عايشة بس الخبر المؤسف إنها كانت حامل و الجنين نزل بسبب الخبطة اللي خدتها.
كانت تستمع و تنظر إلي أكرم باكية، تهز رأسها برفض و تردد:
- ما قتلتهاش، معملتلهاش حاجة.
بينما أكرم رغم ما يشعر به بشفقة و حزن علي هيئتها و حالتها التي وصلت إليها و قلبه الذي يذرف دموع الألم علي من عشقها يوماً، لكنه تحكم في تلك المشاعر التي تريد إضعافه و هو لن يريد الخنوع، يكفي ما حدث معه سابقاً و ما يحدث حالياً.
أرتسم ملامح الجمود و القسوة ليهدم داخلها أي آمال للعودة إليه، أو ربما يريد أن يخبرها أنها أصبحت بالنسبة إليه ماضي قد ولي بكل ذكرياته.
- معلش يا رائد باشا، ممكن أقعد مع المدام علي إنفراد شوية؟
أومأ الأخر بالموافقة و قال له:
- يا خبر، سعادتك بتستأذن!، المكتب مكتبك و علي راحتك طبعاً.
هم بالمغادرة:
- عن إذنك.
تركهما بعدما أشار إلي كاتب المُحضر و غادر كليهما، و هنا ساد الصمت الذي قاطعه شهقاتها المعلنة عن نوبة بكاء.
- أكرم، أنا مكنش قصدي أعملها حاجة، أنا بس كنت عايزة أنتقم منها عشان خلتك تبعد عني، هي اللي بعتت لك اسكرينات الشات اللي ما بيني و بينها.
رطفع زواية فمه جانباً و ألقي عليها الصاعقة:
- محدش بعت لي إسكرينات، أنا شوفت بنفسي، و لا ناسية إن جوزك بيشتغل إيه!، أنا أديتك الأمان مرة و أتنين، بس أنتِ مصونتيش الأمانة و قابلتيها بالخيانة.
صاحت ببكاء و إنكار:
- أقسم بالله ما خنتك.
رفع يده كإشارة بأن تصمت:
- الخيانة مش لازم تكون خيانة جسدية، الخيانة هي إنك تكوني علي ذمة راجل يتمني لك الرضا و شايلك جوه قلبه، و بسبب ظرف خلاه يبعد عنك شوية بدل ما تواسيه و تقفي جمبه روحتِ أترميتِ في حضن واحد تاني عشان ترضي غرورك، الطمع سيطر عليكِ و خلاكِ عايزة كل حاجة حتي لو غلط.
أزاحت عبراتها بطرف أناملها و قالت:
- أنا بعترف بغلطي و ندمانة عليه، بس أرجع لي و أديني فرصة أخيرة، أنا مش قادرة أعيش و أنت بعيد عني.
أغمض عينيه و جز علي أسنانه، ما زالت تراوغ و تكذب لا تعلم إنه و هو في طريقه إلي القسم أُرسل إليه كل ما حدث اليوم منذ أن غادرت منزل عائلتها.
عاد بظهره إلي الوراء و وضع ساق فوق الأخري، يرمقها بنظرة إزدراء ، ردد بسخرية:
- أيوه فعلاً عندك حق، مش قادرة تعيشي بعيد عني بأمارة لما روحتي الشركة لعلي الحسيني و تيجي مراته في نفس التوقيت، تقومي نازلة لأنك خايفة لتفضحك في وسط الشركة و الموظفين اللي كانوا زمايلك في يوم من الأيام، يقوم الغل و الحقد اللي مالي قلبك خلاكِ تنزلي تستنيها في العربية و أول ما تنزل لوحدها تروحي خبطاها و تخلصي منها، تقوم الساحة تفضي لك و ترجعي لحبيب القلب، صح يا مدام ندي!
هزت رأسها بالرفض، تردد بإنكار:
- لاء محصلش، محصلش.
أنزل ساقه و أقترب منها يرمقها بنظرة شديدة الإزدراء:
- زي ما أنتِ، لسه كدابة و عمرك ما هاتتغيري، و أحب أقولك إن كاميرات الشركة جوه و بره جايباكِ من أول ما وقفتي بالعربية قدام الشركة و لما دخلتي عشان رايحة مخصوص لعلي، و مجية مروة قطعت لك الأمل الوحيد، تحبي أقولك إن عارف تحركاتك من أول ما بتتحركي من باب شقتكم!، و أوعي تفتكري إن مراقبتي ليكِ عشان لسه عاشق سواد عيونك، إطلاقاً عشان فيه أمانة سايبها معاكِ و هي بنتنا اللي للأسف تبقي أنتِ أمها.
أخذت تمسح عبراتها بعشوائية و بتحدي و إصرار تخبره لما تظن إنه ينكره:
- أنت اللي بطل تنكر، أنا عارفه و متأكدة أنك بتحبني، بدليل وجودك هنا قدامي، جاي عشان تخليهم يخرجوني.
- تصدقي أنتِ صعبانة عليا أوي، غرورك وصل لمرحلة الهلوسة يا خسارة يا ندي، هريحك و أقولك أنا جيت ليه.
خالج الحزن ملامحه و هو يخبرها بعدما أنحني بجذعه قليلاً إلي الأمام:
- أنا جيت عشان خاطر ما أكسرش قلب والدك اللي بعتبره في مقام والدي الله يرحمه، عشان خاطر بنتي اللي ملهاش ذنب تتعاير بإن أمها رد سجون بتهمة محاولة قتل، عشان أقفل أي مجال للصحافة و أي حد يدور ورا دوافعك للجريمة و يعرف السبب الحقيقي و هاتبقي وصمة عار تانية لبنتنا و أهلك، برغم اللي عملتيه فيا لكن أنا إبن أصول و ما بتهنش عليا العِشرة.
صمت و ينتظر ردها و الذي كان مفاجأة إليه، بدأت تضحك ثم تعالت ضحكاتها رويداً رويداً، تقول من بينها:
- أنت بتحبني يا أكرم، و هو كمان بيحبني، هو هيتنازل عن المحضر بالتأكيد، أيوه أنا عارفة.
توقفت عن الضحك و بدأت تهذي:
- أنت هتخليهم يطلعوني و نرجع لبعض و ننسي كل حاجة و نعيش في تبات و نبات.
تمزق فؤاده علي الحالة التي وصلت إليها، لم يكن يريد يوماً أن يصل الأمر بينهما هكذا و كان يتمني تغييرها إلي الأفضل لعله يعطيها فرصة أخيرة، لكن ما أقترفته في الصباح جعله بدلاً من أن يتقدم خطوة للأمام يتراجع أميال إلي الوراء.
- ندي أنتبهِ و إسمعيني كويس، أنا كل اللي أقدر أعمله هاخليهم يحولوكي علي مستشفي لعلاج الأمراض النفسية.
نهضت و وقفت ترمقه بصدمة تحولت إلي نظرة نارية ضارية و صاحت بغضب :
- للدرجدي عايز تنتقم مني!، عايز تطلعني مجنونة!، أنت كمان طلعت زيك زي مروة.
- وطي صوتك و إهدي و إسمعيني، أنا عايز مصلحتك...
أجفلته بالقبض علي تلابيبه و أخذت تعنفه بجنون:
- ده أنا قبل ما تعملها هاخلص منك، كلكم ما تستحقوش تعيشوا، كلكم لازم تموتوا و أنت أولهم، سامع أنت أولهم.
وجهت له عدة ضربات في صدره و تصرخ:
- أنا مش مجنونة، أنا مش مجنونة.
جذب رأسها إلي صدره و عانقها بقوة، يربت علي ظهرها و يغمض عينيه كمحاولة لعدم الإستسلام إلي البكاء، فهو آلامه أضعافاً عن ما تشعر به هي، لكن لا مفر من النهاية التي خطت كلماتها بيدها!
※ــــــــــــــــــــــــــــــــــ※
صف سيارته أمام البناء ثم أطلق زفرة يخرج بها عناء يوم شاق، منذ أن أبلغه إحدي رجال صديقه ما حدث في الهنجر و ترتب عليه إصابة سليم بطلق ناري، و تم القبض عليه و إيداعه في المشفي تحت حراسة مشددة، و بعد ما حدث من محاولة الإغتيال و الرسالة الواردة إليه جعلته في حالة قلق و خوف من ما هو قادم.
ولج إلي داخل البناء و أستقل المصعد، و بعدما وصل إلي شقته و دلف إليها لم يقابله سوي السكون.
- سمية، سمية.
نادي و لم يلق رد، أخذ يبحث عنها في الغرف و كذلك في المطبخ، قام علي الفور بالإتصال بها، ظل ينتظر حتي أنتهي الرنين، زفر بضيق لأنه قبل أن يغادر أمرها بأن تلتزم المكوث في المنزل ريثما يعود، لكنها لم تكترث لأمره و ذهبت لتطمئن علي صديقتها.
جلس علي الأريكة و يحاول تكرار الإتصال عدة مرات و لا إجابة، زمجر و ألقي بالهاتف علي الطاولة أمامه ثم عاد بظهره إلي الوراء، إنتبهت مسامعه إلي صوت فتح باب الشقة فكانت هي من فتحت و دخلت، رمقته بلا مبالاه و كأنه لا وجود له و تابعت سيرها إلي الغرفة.
تركت حقيبتها أعلي طاولة الزينة و جلست علي الكرسي تخلع حجابها، شعرت به يقف خلفها، سألها بنبرة لأول مرة يحدثها بها:
- كنتِ فين و ما بترديش علي التليفون ليه؟
تخلع حذائها و نظرت إليه بزاوية، ترفع حاجبها بإمتعاض:
- كنت بطمن علي صاحبتي، كيف ما روحت تطمن علي صاحبك.
عقد حاجبيه و الغضب ينضح من زرقاويتيه:
- و ما بلغتنيش ليه قبلما تنزلي؟
أجابت ببرود قاتل:
- مليش مزاچ.
أقترب منها و قبض علي ساعدها، و من بين أسنانه يعنفها:
- هو إيه اللي ملكيش مزاج، ردي عليا عدل أحسن لك.
كانت نظراتها لم تقل عن ردودها الباردة:
- عتهددني إياك، و لا ما تكونش ناوي تسوي فيا كيف ما سوي سليم في زينب!
ترك ذراعها و أبتعد قليلاً يحاول أن يهدأ من روعه، ألتفت إليها و قال:
- سمية، أنا ربنا يعلم اللي أنا فيه من الصبح و كم الضغط النفسي، فياريت تراعي ظروفي و تبطلي كلامك و أسلوبك المستفز ده معايا، زينب صاحبتك علي عيني و راسي، و هو كمان صاحبي و من واجبي أقف جمبه في محنته أي أن كان اللي عمله.
أطلقت ضحكة ساخرة ثارت دهشته:
- لتكون ناوي إياك تقف چاره و تدافع عنه بعد اللي سواه في زينب و فارس و أي حد ظلمه و چار عليه من غير شفقة و لا رحمة!، تخيل لو كنت أني اللي أتأذيت علي يده كيف ما سوي فيا قبل إكده كنت هدافع عنه برضك!
زفر ما بين كفيه، لا يعلم كيف يخبرها فأردفت حديثها:
- بص يا ولد الناس، أنا أخر مرة عطيتك فرصة و جولت لك بَعد عن الشيطان دي قبل ما ناره تطولك، و الحال كيف هو الحال و لا بعدت و لا حداك نية حتي تبعد، و چاي دلوق بعد كل البلاوي اللي سواها تقولي هتقف چاره و تدافع عنه، إكده ما تفرقش عنه حاچة واصل.
أجاب بدفاع واهي:
- لاء طبعاً أنا مش زيه، أنا كل شغلي معاه ماسك له الشئون القانونية و أي قضية بخلصها له.
إبتسمت و تخبره بتهكم:
- أيوه ما أني خابره، يسوي المصيبة من أهنه و تقوم أنت مطلعه منها كيف الشعره من العچين، يعني عتدافع عن الظلم و واحد ظالم، يبقي ما تفارقش حاچة عنه، عموماً أنت واعي و خابر زين عتسوي إيه، علي راحتك جوي.
توجهت إلي الخزانة و فتحت الضلفة لتأخذ حقيبة كبيرة و ألقتها علي الفراش، و قبل أن تمد يدها إلي ثيابها أوقفها:
- أعقلي يا سمية، ما تبقيش أنتِ و الدنيا عليا، أنا محتاج لوجود جمبي.
رمقته بإمتعاض فوجدت يحدقها بتوسل، فقالت:
- و مين قالك أني مش محتاچة و چود چاري!، أني لما بقولك تبعد لأچل خايفة عليك من الطريق الواعر اللي ماشي فيه، و لو مكنش لأچل خاطري يبقي لخاطر ولدك.
كانت تشير إلي بطنها حتي يدرك تلك المفاجأة، فسألها ليتأكد:
- هو اللي فهمته ده صح و لا إنا فاهم غلط؟
أجابت لتؤكد له:
- أيوه أني حبلي، يعني دلوق اللي ما بيني و بينك مش مچرد عقد چواز لاء، اللي ما بينا بقي روح بتكبر چوايا لحد ما يچي بالسلامة، هيبقي محتاچ لوچودك وياه، تعطيه حبك و حنانك، تعلمه الصوح من الغلط، و لا رايده يطلع يكمل مشوارك!
نزل الخبر عليه كقطرة ماء تسقط من السماء في عز الظهيرة وسط صحراء قاحلة، شق الفرح ثغره و أقترب منها و عانقها و قبل مفترق خصلات شعرها، أغمض عينيه و أخذ يستنشق عطره، يخبرها بـ رجاء عاشق:
- خليكِ جمبي أوعي تبعدي عني، و أوعدك هاعمل اللي يريحك.
رفعت وجهها من صدره لتجد الحزن يتخلل ملامحه و في حالة ضعف لم تراه سوي معها هي فقط،جلست علي طرف الفراش لتخبره:
- اللي يريحني هي راحتك، و أني مش أشوفك ترمي حالك في النار و أني واقفة أتفرچ عليك، ده أني أرمي حالي في النار و أشيلك من چواها، أني مش بحبك يا صلاح، الحب كلمة قليلة جوي علي اللي چوايا، أني بعشقك.
في تلك اللحظة داهمه الشعور بالعجز تحت وطأة تلك الكلمات التي تخترق خلايا قلبه النابض بعشقها، جثي أمامها علي عقبيه و لم يشعر بعبراته التي تجمعت كالغيوم وسط السماء الزرقاء و هبطت كالمطر علي وجنتيه.
وضعت يدها علي خده تتلمس دمعته لتتأكد من ما تراه، شهقت بصدمة و شجن:
- عتبكي ليه؟
أجاب بكلمات تخرج من صميم قلبه لتخترق قلبها:
- الموت أهون عليا من أنك تبعدي عني، أنا من غيرك يا سمية ممكن أموت.
جذبت رأسه إلي صدرها و عانقته بقوة، تمسد رأسه و بدأت أيضاً تبكي:
- بعد الشر عنك يا حبيبي، ربنا يبارك في عمرك و يبارك لي فيك، بالله عليك ما تقولش إكده تاني.
لم يكف عن البكاء فـ لجأت إلي أسلوبها الفكاهي، أردفت:
- ألا جولي يا صلاح هي أم أربعة و أربعين مفيش أخبار عنها؟
توقف عن البكاء و أبتعد برأسه و نظر إليها بعدم فهم، فأردفت:
- أنا جصدي علي الست صوفيا.
- مش متابع، بس أخر حاجة أعرفها إنها اتجوزت من رجل أعمال أسباني عايش في فرنسا.
عقبت بتهكم:
-أحسن ريحت و أستريحت، ملهاش نصيب تشرب المُغات و فاتها طاچن العكاوي اللي سويته لها يوم ما سافرت.
ضحك رغماً عنه و يعلم إنها تريده يبتسم، رمقها بنظرة حب و فرح قائلاً:
- أنا بحبك أوي يا سمية.
- حاف إكده؟
رمقها بإستفهام:
- حاف إزاي؟
أنحنت للأمام قليلاً لتصبح عيناها صوب زرقاويتيه قائلة بالفرنسية:
je veux un bisou
غر فاه فأردفت:
- ما تستغربش أني أتعلمتها من فيلم فرنساوي.
رمقها بإبتسامة حالمة فهي حقاً الوحيدة التي تثير دهشته و تغمره بسعادة لم يتذوقها سوي معها،تغدق عليه بحنانها الفياض و تحتضنه في أصعب اللحظات و تكون اليد الحانية التي تربت عليه،و السعادة التي تمليء قلبه في عز أحزانه، نهض و أنحني عليها فتراجعت بظهرها و تمددت علي الفراش، أقترب بشفتيه من خاصتها و قال:
et moi je te veux.
※ـــــــــــــــــــــــــــ※
قد مضي يومان علي وجود كلا من فارس و زينب داخل المشفي و ذلك تحت حراسة من الشرطة.
- ها يا مدام زينب، حاسة بإيه دلوقت؟
كان سؤال الطبيب و يدون بعض الملاحظات في الدفتر، أومأت إليه و قالت:
- الحمدلله.
- يعني مش حاسة بصداع، تنميل في الأطراف؟
هزت رأسها بالنفي و أجابت بإقتضاب:
- لاء.
عقب مبتسماً:
- حلو جداً، كده يا ستي أقدر أقولك حمدالله علي السلامة و تقدري تروحي في أي وقت، بس نصيحة لازم تتابعي مع دكتور للأمراض النفسية، عشان ما يحصلكيش إنتكاسة في أي وقت.
- ممكن أدخل و لا أعاود مطرح ما چيت!
ألتفت زينب إليها و أبتسمت، من دونها التي تستطع رسم البسمة و السعادة علي ثغرها، قال الطبيب:
- أتفضلي يا مدام سمية، صاحبتك بقت بخير الحمدلله و هاكتب لها تصريح علي الخروج.
جلست سمية جوارها و ربتت علي يدها:
- حمدالله علي السلامة يا بت القناوي.
إبتسمت لها زينب و أجابت:
- شكراً علي وقفتك معاي طول اليومين اللي فاتو.
رمقتها الأخري بعتاب و قالت:
- أني إكدة أزعل منك جوي، مفيش بنتنا الحاچات دي، يا بت ده أنتِ خايتي اللي ما خلفتهاش أمي الله يرحمها.
نهض الطبيب و أخبرهما:
- عن أذنكم أنا بقي، هاروح أكتب التصريح و أبعته لكم.
- أتفضل يا دكتور.
قالتها زينب ثم غادر الطبيب، رمقتها سمية بتوتر فقالت الأخري:
- مالك يا سمية، فيه حاچة و لا إيه؟
- بصراحة أنا خچلانة جوي، بس و الله صلاح طيب و إبن حلال عكس سخام البرك اللي اللهي ما يقوم من رقدته يارب.
تنهدت زينب و أشارت إليها بيدها:
- رايد مني إيه، لا يكون رايد مني أتنازل عن اللي سواه فيا الباشا بتاعه إياك!
- أبداً و الله، بالعكس هو چاي و واقف بره رايد يطمن عليكِ و قالي كمان هيسوي لك اللي أنتِ ريداه.
رفعت زواية فمه جانباً بسخرية و قالت:
- خليه يدخل يا سمية.
أبتسمت الأخري رغماً أنها تعلم بأن صديقتها وافقت علي مضض، لكن ربما هناك بصيص من الأمل بأن تسامحه بعدما يقف بجوارها كما أخبرها من قبل.
فتحت الباب و أشارت إلي زوجها بالدخول، طرق الأخر الباب قبل أن يدخل ثم دلف، يحمل باقة زهور، و حينما رأته زينب شعرت بـ رجفة خوف يكفي إنه يذكرها به، أنتبهت إليه و هو يضع علي الكومود باقة الأزهار و قال :
- حمدالله علي سلامتك.
- الله يسلمك.
ردت بإقتضاب و كانت تتحاشي النظر إليه مباشرة، بينما هو نظر إلي سمية و أشارت إليه بحركة من عينيها أن يبدأ بالحديث الذي جاء أن يخبر به زينب.
تنحنح ثم قال:
- أرجو أن حضرتك ما تكونيش شايلة مني أو وجودي ما يكونش مرغوب فيه، أقسم لك إن مكنتش أعرف علي اللي سليم بيه عمله معاكِ سواء أنتِ أو فارس، بس أوعدك هقف جمبك و أي طلب هاتطلبيه أنا تحت أمرك.
هزت سمية رأسها بنعم كدلالة علي صدق ما قاله زوجها، فقالت زينب:
- أني كل اللي طلباه أهم من أي حاچة، تطلقني منه، تاني حاچة ياريت و أني خابره صعب عليك لأنك محامي سليم، رايده منك تقف چار فارس لحد ما ياخد براءة، و طلبي الأخير ياريت تهمل العدالة تاخد مچراها ويا الظالم.
كانت إجابته غرار توقعها، إبتسم و قال موافقاً:
- أعتبري كل اللي طلبتيه حصل، بس بالمناسبة أستاذ فارس يعتبر خد براءة، أخوكِ سلم نفسه بعد ما أعترف إنه اللي عمل فيه كده، كل الحكاية أول ما فارس يخرج من المستشفي هيسلم نفسه و مجرد إجراءات روتينية هايعملوها معاه و إحتمال كبير هياخد حكم بكام شهر عشان كان هربان.
ضرب الحزن قسمات وجهها فأردف:
- ما تقلقيش الأحكام دي بتبقي مع وقف التنفيذ، أنا هخلي واحد من أكفأ المحامين اللي عندي في المكتب هو اللي يمسك له القضية، أي خدمة تانية؟
- شكراً.
صدح رنين هاتفه الوارد من مدير المشفي الأخر، نهض قائلاً:
- عن إذنكم، معايا مكالمة و راجع.
خرج من الغرفة و أجاب علي الإتصال:
- ألو يا دكتور.
أجاب الأخر بصوت يبدو عليه التعب و الإرهاق:
- أنا سليم مش الدكتور.
- سليم!، حمدالله علي السلامة.
حاول الأخر أن يعتدل في جلسته بصعوبة و قال من بين أسنانه بألم:
- زينب عامله إيه؟
صمت الأخر، يتردد أن يخبره بأي شىء فقال:
- أنساها يا سليم، أنت دلوقت في خطر كبير لو ما سلمتش من الحكومه مش هاتسلم من الجماعة إياها.
- لو قصدك علي محاولة قتلي اللي لسه حكي لي عليها الدكتور، شكله تبع نشأت عزام، خايف لأجيب سيرته بعد ما قبضوا عليا.
تلفت صلاح من حوله ليتأكد بخلو الرواق من حوله ليخبر الأخر بصوت خافت:
- أنا قبل ما أدخلك بلحظات قبل ما الواد يحط لك السم في المحلول جات لي رساله علي الجيميل غالباً من ريبيكا آدم لأنها الوحيدة اللي مخلصة ليك باعته فيها بتقول، تحرك أيها الوزير لقد تم صدور الحُكم بالتخلص من الملك.
ساد الصمت و الأخر في صدمة يحاول أن يستوعبها فقال:
- صدروا الأمر بتصفيتي عشان بقيت بالنسبة لهم كارت محروق.
إبتسم بتهكم و أردف:
- خايفين أفضحهم بعد كل اللي قدمتوا ليهم علي طبق من دهب.
تنهد صلاح و عقب علي حديثه:
- ياما قولت لك بلاش يا سليم تحط إيدك في إيد الجماعة دول، ملهمش أمان و سكتهم مش سكتك.
- أنا ما روحتش لحد، هم اللي أختاروني و قدمت لهم كتير في مقابل إن يفضل إسم العقبي محدش يتجرأ يجي جمبه.
- و أديهم أستغنوا عن خدماتك و بقيت علي القايمة السودة عندهم، تقدر تقولي دلوقت إيه اللي نقدر نعمله!
أجاب الأخر بأمر محسوم:
- مفيش غير حل واحد، الهروب!
※ـــــــــــــــــــــــ※
توقف الحاج نعمان بسيارته أمام المشفي، أوقف المحرك و نظر إلي إبنته يسألها بسأم:
- لسه مُصرة تطلعي معايا و تشوفيه؟
رمقت والدها بـ بسمة زائفة، تظهرها علي وجهها تخبىء خلفها حزن مرير إذا رآه والدها سوف يعود بها من حيث جاء يكفيه ما قد عاشه معها من آلام نفسية منذ أيام، كان لأول مرة يراها في تلك الحالة، تصرخ و تبكي كالطفلة التي فقدت والديها، إنه ألم الشعور بالخذلان من كانت تدعوه يوماً بالحبيب و هذا بعدما أنقشعت من أمام بصرها غيمة الوهم الكاذب و جعلتها تصل لنهاية واحدة فقط!
- أطمن يا بابا أنا أقوي و أكبر من أن أضعف تاني قدام واحد زي ده، مجرد صفحة و قطعتها و رمتها ورا ضهري، أنا جيت مخصوص عشان أعرفه مين هي شهد بنت الحاج نعمان!
و داخل إحدي غرف المشفي، كانت هناك إضاءة من مصباح صغير مُسلطة علي حدقته اليمني ثم أنتقلت صوب حدقته اليسري، ترك الطبيب المصباح و قال له:
- مد دراعك لقدام و التاني جمبه، و أقفل و أفتح صوابعك.
فعل فارس ما أمره به الطبيب و رأي سهولة تحريك أنامله بـ حرية فقال:
- تمام، أرفع رجليك علي السرير و حطهم جمب بعض.
أمتثل لأمره، فقام الطبيب بمسك القلم و أخذ يحركه علي باطن قدمه و بين أنامله، أنتفض الأخر دون إرادة بسبب شعور الدغدغة الذي يسري في قدمه.
- كده تمام أوي، الحمدلله الأعصاب مفيش أي حاجة، ممكن بس من وقت للتاني تصيبك زي لسعه خفيفة من أثر الصدمة الكهربية اللي أتعرضت لها، و بالنسبة للجرح اللي في صدرك الممرضة هتغير لك عليه دلوقت، و مواظبتك علي الأكل الكويس و العلاج الغرز هتقفل بسرعة.
كان لم يشغل ذهنه سوي هي فقط يريد أن يذهب إليها ليطمئن عليها، رغماً من إنه في ذات الوقت لا يريد أن تراه و هذا بسبب عجزه و ضعفه عندما كان مُقيد و لم يستطع الدفاع عنها من بطش سليم.
- هو أنا ينفع أخرچ النهاردة؟
أجاب الطبيب:
- الحمدلله حالتك أتحسنت، و هكتب لك علي تصريح الخروج بس طبعاً بعد ما أكرم بيه ما يجي.
تذكر أمر تسليم نفسه إلي الشرطة، لكن ما يُطمئِن قلبه هو الخبر الذي علمه قبل إختطافه من رجال سليم و هو إعتراف رافع الذي أدي إلي إظهار براءته للعدالة.
دلفت الممرضة تحمل صينية بها أدوات طبية قائلة:
- دكتور، في راجل واقف بره بيقول إنه حماه أستاذ فارس.
أنتبه فارس إلي أمر شهد و والدها و اللذان لم يأتيا في ذهنه علي الإطلاق، فهكذا العشق يجعلك تنسي مَنْ أنت و مَنْ حولك.
رد الطبيب:
- ما ينفعـ...
قاطعه فارس و هو ينهض بجذعه و أعتدل قائلاً:
- لو سمحت يا دكتور ممكن تخليه يدخل.
وافق الأخر علي مضض:
- طيب بس ياريت بسرعة عشان أنت عارف وضعك ما يسمحش.
أومأ له فارس:
- خابر يا دكتور، مُتشكر.
- طيب هاغير لك علي الجرح دلوقت و لا أجي لك في وقت تاني؟
سألته الممرضة، فأجاب:
- خليها وجت تاني.
غادر كلا من الطبيب و الممرضة، ملئ الأخر رئتيه بالهواء ثم أخرج أنفاسه بإنتظام لعله يهدأ قليلاً، فالمواجهة التي ستحدث ليست بالأمر الهين.
طرق علي الباب، فقال:
- أتفضل يا حاچ.
فتح الأخر الباب و دخل:
- السلام عليكم.
حاول فارس أن ينهض ليقف فأشار له الحاج نعمان:
- خليك مستريح مكانك، أنا مش هطول عليك.
و جلس علي أقرب مقعد ثم أردف:
- ألف سلامة عليك.
- الله يسلمك يا حاچ.
تنحنح نعمان و يقبض علي رأس عصاه الأبنوسية بكلتا يديه:
- أنا جيت أطمن عليك بحكم العِشرة اللي كانت بيني و بين ولدك الله يرحمه.
تأكد فارس من حدسه، فقد علم سبب مجيئه و هو الأمر الذي يخص إبنته:
- اسمعني بس يا....
قاطعه الأخر بإشارة من يده قائلاً:
- مش عايز أسمع أي حاجة، وقت الكلام خلص خلاص، أنا مش هقولك و لا هعايرك بوقفتي جمبك في عز محنتك لأن الحمدلله عمري ما ندمت علي أي عمل خير لأن كله لله، أنا اللي كنت غلطان، و أكبر غلط يوم ما إديتلك بنتي و أمنتك عليها، الخلاصة زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف.
وجد فارس إنه لا فائدة من الدفاع عن نفسه أو تقديم أي مبررات، فـ يكفي ما أستمعت إليه شهد من تسجيل مكالمته مع زينب، و كلماته عنها التي كانت كالخناجر المسمومة، أخترقت قلبها فجعلته إشلاء يصعب تجميعها مرة أخري، عليه تحمل كم الإهانات الموجهة إليه من والدها.
تنفس فارس الصعداء بعدما أدرك قرار الأخر و الذي كان يريده منذ زمن:
- حاضر يا حاچ، أنا تحت أمرك.
رمقه نعمان بإمتعاض و أخبره:
- هي هاتدخلك دلوقتي، كل اللي هاتعمله هاتقولها كلمة واحدة، و يكون في علمك دي رغبتها هي، أصلها عرفت قيمة نفسها و قدرتها كويس.
أخرج هاتفه من جيب جلبابه و قام بالإتصال علي إبنته المنتظرة في الخارج.
و علي مسافة قريبة حيث تقف شهد أنتفضت عندما رن هاتفها، فعلمت إنه قد حان الوقت كما أتفق معها والدها.
خفق قلبها بشدة، فبرغم جراح قلبها النازفة لكن ما زال بداخلها جزء يعشقه، و المسيطر الآن هو العقل بعدما أفاق من سباته و صدمتها الحقيقة و التي كانت غافلة عنها طوال الأيام المنصرمة.
وضعت هاتفها داخل الحقيبة و سارت بخطي وئيدة بتردد، تخشي عندما تراه فتستسلم و تنثر بقايا كرامتها أسفل قدميه، فأسعفتها ذاكرة أذنيها حديثه مع زينب و كيف كانت بالنسبة إليه مجرد (رد جميل)، تذكرت أيضاً هي من أخطأت في حق نفسها منذ البداية عندما وافقت علي الزواج منه رغم إعترافه لها إنه لا يملك قلبه و لا يهوي سوي إمرأة واحدة.
وصلت أمام الغرفة فوجدت حارسين علي جانبيها، طرقت الباب ثم دخلت و تنظر لأسفل، التنفس لديها شبه متوقف في تلك اللحظة العصيبة.
بينما فارس لن يقل حاله عنها، يتحاشي النظر إليها، يخشي أن يواجهها بعد الذي حدث داخل الهنجر!
قطع والدها تلك اللحظات:
- أتفضلي يا بنتي قولي له طلبك خلينا نمشي.
أسدلت نظارتها الشمسية من فوق رأسها علي عيناها، لا تريد أن يري الإنكسار و الهزيمة داخل عيناها، وقفت بشموخ و زهو، أبتلعت غصتها المُرة و أطلقت لسانها:
- أولاً أنا مش جاية عشان أقولك ألف سلامة و لا الكلام ده كله لأنك خلاص ما بقتش تفرق بالنسبة ليا، لأن أنا كنت كتير عليك أوي.
- شهد، أنجزي و قولي طلبك.
أمرها والدها بذلك، و بدون أن تلتفت إليه و عيناها ما زالت صوب فارس الذي أثر الصمت و تركها تقول ما تريد:
- لو سمحت يا بابا سيبني أكمل كلامي، و أعرفه إنه لو عاش قد اللي عاشه مرتين عمره ما هيلاقي زيي أبداً، هو تمامه واحدة من عينته،و أحب أعرفه إنه مش هيرتاح أبداً حتي لما يرجع لبنت عمه.
هنا نظر إليها و عقد ما بين حاجبيه بضيق، فأردفت الأخري:
- أنت فكرك إنها هاترجع لك زينب اللي تعرفها.
أطلقت ضحكة ساخرة:
- بالعكس هاترجع لك واحدة مكسورة و مهما لميت اللي مكسور منها هاتنجرح معاها و عمرك ما هتتهني علي لحظة حلوة مع بعض، و ده هيبقي ذنبي، لأني عمري ما هسامحك لحد ما أموت.
لاحظت قبضة كلتا يديه علي الفراش، يبدو إنه يكافح في كظم غضبه، فـ كلماتها أصابت هدفها تماماً.
و نظرته القاتمة التي يرمقها بها تواً جعلتها تكتفي بما أخبرته به، لاسيما عندما تحدثت عن زينب، و هذا يزيدها حزناً.
أستعادت رباطة جأشها قبل أن تلقي عليه طلبها الأخير:
- طلقني.
أزدردت ريقها و في إنتظار إجابته، لم يتردد في تلبية طلبها و التفوه بأصعب كلمة تلقي علي مسامع حواء:
- أنتِ طالق.
و علي غير المتوقع أطلقت زغرودة، نهض والدها و أقترب منها يمسك بيدها فهو يدرك حالتها النفسية الآن، يعلم إن خلف تلك الزغرودة صرخة و كأنه يسمعها، و خلف إبتسامتها ألف دمعة تريد التحرر و الإنسدال علي خديها.
تأهب لمغادرة المكان و قبل أن يفعل ذلك برفقة إبنته وجدا الباب يُفتح و دخلت كلا من زينب و سمية التي تلقي تحية السلام بتهليل:
- السلام عليـ....
صمتت و تنظر إلي نعمان و إبنته التي أخذت تتمعن النظر في ملامح زينب من خلف نظارتها الشمسية ثم جالت ببصرها إلي فارس و الذي كان كالميت و عادت الروح إليه بمجرد رؤية حبيبته.
- يلا يا بنتي.
قالها والدها و يربت عليها بحنان، ذهبت و ذهب كل شئ، سارت في صمت يخفي آهات من ألم روحها، و ما أن وصلت إلي السيارة ألتفت إلي والدها و أرتمت علي صدره، أخذت تبكي بقوة و قهرة قلب قد أحترق.
ربت نعمان عليها:
- ربنا يريح قلبك و يرزقك باللي يستاهلك يا بنتي.
ردت من بين شهقات بكائها:
- عمري ما حبيت و لا هاحب غيره.
عانقها والدها و يتماسك بقوة من أجلها:
- شهد بنتي اللي أعرفها أقوي من كده،أنتِ فعلاً زي ما قولتي له كتير عليه، أنتِ غالية أوي و اللي زيه ما يعرفش قيمتك، هو اللي خسران، و بكرة هتقابلي اللي يناسيكِ كل ده و تعيشي معاه أجمل سنين عمرك.
※ــــــــــــــــــــــــ※
لنعود إلي فارس و زينب، حيث تنظر إليه غير مصدقة و هذا بسبب ما مر كليهما به طوال الشهور التي مضت.
- حمدالله علي سلامتك يا باشمهندس، كيفك دلوق؟
سألته سمية، فأجاب مبتسماً ليواري توتره الذي يشعر به حيال زينب:
- الله يسلمك، أني مليح الحمدلله.
- شكلك ما خابرش أني مين، إسمي سمية چارتك من النچع أبوي يبقي الحاچ عبدالحق كان بيشتغل حداكم في أراضي العمدة والدك الحاچ قاسم القناوي الله يرحمه.
عقب بترحيب:
- أهلاً و سهلاً.
نظرت إلي صديقتها وجدتها تلتزم الصمت، فـ قالت:
- بجولك يا زينب أني هخرچ أشوف صلاح راح فين أحسن ليكون بيتشقط و أني جاعدة وياكم كيف العزول و لا ليا عزا، هابجي أستناكِ في الأوضة اللي كنا فيها.
لم تجد رداً أو نظرة من صديقتها الشاردة، أبتسمت و قالت:
- بقي إكده!، ماشي يا ستي مين لقي أحبابه نسي و باع أصحابه، بالإذن.
و بعد أن غادرت، ظلت زينب تقف في مكانها تنظر إلي فارس الذي يتجنب النظر إليها،تخلت عن صمتها و سألته:
- ما رايدش تشوفني و لا إيه يا ولد عمي؟
نظر إليها دون تمعن و أجاب:
- لاء طبعاً، كل الحكاية أني ما جدرش أبص في عينك.
- بسبب اللي حوصل و لا بسبب حاچة تانية؟
- أني مستحي من حالي، المفروض أول ما چت لي الفرصة و هربت كنت أول حاچة أعملها أروح لك أو أدور عليكِ، خوفت من اللحظة اللي كيف ما قابلتك في النادي، بس لو كنت خابر بالشيطان اللي متچوزك، كنت خلصتك منه بأي طريقة.
أطبقت شفتيها لتكبت عبراتها عندما تذكرت اللحظات السوداء الماضية فقالت:
- كل واحد فينا مشي في طريق أتفرض عليه، سواء أني و لا أنت،يعلم ربنا رغم كل اللي مريت بيه مهما كان صعب كنت أنت الأمل بالنسبة ليا، ما أنكرش أوجات كتير چت عليا يأست فيها و أستسلمت لكن روحك اللي مكنتش بتفارقني و لا لحظة كانت بتشچعني و تجولي أتحملي يا زينب، خلاص هانت عشان توصلي للچنة لازم تعافري بكل قوتك، مفيش حاچة ملهاش تمن، و التمن دفعته غالي جوي، لكن كله يهون لأچل اللحظة دي.
أبتسمت و أردفت تخبره بسعادة يتخللها عبرات الفرح:
- خابر أني خلاص خليت المحامي هيرفع لي دعوة طلاق، و هابجي حرة.
رفع عينيه أخيراً لينظر إلي خاصتها عن كثب، ظل يرمقها بتأمل و عشق يفيض من رماديتيه كالسماء الملبدة بالغيوم تحجب خلفها نور الشمس ذات البريق الساطع:
- كان نفسي تكوني حرة في اللحظة دي، كنت أترميت في حضنك دلوق، بس أوعدك أول ما تخلص شهور العدة هاكتب كتابي عليكِ، و قبل ما ده يوحصل هاخد لك حقك عن كل لحظة ألم عيشتيها.
- أني ماريداش حاچة في الدنيا غيرك، بالله عليك لأچل خاطري، إياك تسوي حاچة تودي روحك في داهية.
أمسك بيدها و ربت عليها بيده الأخري قائلاً:
- ما تقلقيش، أني خابر اللي هسويه زين، كل اللي بطلبه منك تاخدي بالك من حالك، خليكِ مع سمية شكلها بت حلال جوي، لحد ما اخلص شوية إچراءات و هاخدك و نرچعو علي البلد.
رمقته بفرحة لم تعهدها منذ زمن، تغمرها سعادة لقاء حبيبها بعد فراق مستحيل، لعل هذا سوف يبدد مخاوفها التي ما زالت تلزمها من حين لآخر، لا تعلم أن ما تنكره يُخزن داخل عقلها الباطن و يكون كالبركان الذي يحسبه الجميع خامد و هو غرار ذلك.
※ــــــــــــــــــــــــــــــــــ※
تتمدد علي أريكة جلدية داخل غرفة خاصة بمفردها بعدما أوصي أكرم الضابط عليها ريثما يتم ترحيلها إلي النيابة.
كانت في حالة عزلة عن الواقع تبكي تارة و تضحك تارة، تتخيل من حين لأخر أن أكرم عاد إليها فـ تكتشف إنه مجرد حلم يقظة ليس أكثر.
طرق علي الباب يليه صوت الضابط:
- مدام ندي،في زيارة لحضرتك؟
نهضت من علي الأريكة و وقفت قلبها يخفق، تظن إنه أكرم و سوف يتراجع في قرار إيداعها في مشفي لعلاج الأمراض النفسية و ربما سيجعلهم يطلقون سراحها.
- خليه يتفضل.
فُتح الباب و دخل أخر شخص تود رؤيته في تلك اللحظة، شهقت بخوف و تراجعت عدة خطوات إلي الوراء.
- إيه خايفة لأكون جاي أخلص منك زي ما حاولتي تخلصي من مراتي و إبني اللي لسه ملحقش يشوف النور يتقتل بسببك!
وضعت كفها علي فمها و أجهشت في البكاء، تهز رأسها برفض:
- ما أقتلتهاش، ما أقتلتهاش.
رمقها بإزدراء و قال بتهكم:
- أنتِ فعلاً ما قتلتهاش و لا ضحكتي علي حد و أستغليتيه أسوأ إستغلال و لا خنتي، ده أنتِ إبليس يتعلم منك.
ظلت تقرر ما تقوله سابقاً فضرب بقبضته علي الحائط و صاح بها:
- أسكتِ مش عايز أسمع صوتك، فاكرة حبة الجنان اللي عماله تعمليهم دول هيدخلوا عليا و أصدقك!
إبتسم بتهكم و قال:
-ده كان زمان يا مدام ندي، علي الحسيني بتاع زمان مات و أندفن و أندفنت كل ذكرياته معاه، اللي واقف قدامك ده واحد تاني، واحد لقي واحدة غيرت له حياته ٣٦٠ درجة للأحسن، و مش هاسمح لك تيجي بعد كل ده تدمري لي حياتي زي زمان!
أنا مش هارحمك، و لو مروة سامحت في حقها أنا مش هاسامح و لا هتنازل عن القضية، خليكِ دوقي طعم الوحدة و الخسارة، إنسانة طماعة و مغرورة و كدابة و خاينة زيك لازم تاخد جزائها و تخسر كل حاجة.
أقتربت منه بـ حذر و توجس قائلة:
- أنا مكنش قصدي أأذيها، بس لما جيت لك الشركة عشان أشوفك و أقولك إن أنا خلاص أتطلقت و ممكن نرجع لبعض، لاقيتها جت و دخلت لك و سمعتكم و شوفتك و أنت حاضنها و بتحبها و نسيتني أنا، قادت جوايا نار الغيرة مقدرتش أستحمل، ما حستش بنفسي غير و أنا بخبطها بالعربية، عشان خرب بيتي و خدتك مني.
حدقها بصدمة جلية تنضح من عينيه، و هنا قام عقله بتحذيره و أعاد علي ذاكرته ما فعلته به و جعلته آسير لهوسه بها لسنوات حتي جاءت زوجته و أنقذته من براثن عشقٍ وهمي.
و بنظرة نارية قاتلة رمقها و أقترب منها ليخبرها بوعيد:
- ده أنتِ لو أخر ست في العالم عمري ما هابقي ليكِ تاني، و أقسم بالله زي ما خليتك تعيشي أجمل أيام حياتك زمان، لأخليكِ تعيشي في كابوس مش هاتصحي منه أبداً، و علي حسب ما سمعت جوزك أتوسط لك و هيخليهم يرحلوكِ علي مستشفي للأمراض النفسية.
أتسعت إبتسامته و أردف:
- بالمناسبة أنا قعدت فيها أتعالج لمدة سنتين، شوفي بقي يا سبحان الله هاتدوقي من نفس الكاس و علي إيد جوزك اللي فضلتيه عليا، أتمني ليكِ إقامة تعيسة.
قالها مبتسماً مما أثار جنونها، فقامت بمهاجمته و تصرخ بكلمات غير مفهومة، دلف الضابط و العساكر، استطاعوا إبعادها عنه بصعوبة.
بينما علي وخز قلبه شعور بالندم و الشفقة عليها، و قبل أن يستسلم لشعور خامد ربما ينشط، رحل علي الفور من الغرفة بل و القسم كله، و مجرد أن ولج إلي داخل سيارته أخذ يضرب المقود بيده و بقوة، فـ نيران الإنتقام قبل أن تحرق من أسائوا إليك تصيبك أنت مثلهم ربما أكثر.
جاء اليوم المنشود داخل قاعة المحكمة تجلس كلا من زينب و سمية علي مقاعد جلوس الحاضرين، و في المقاعد الموازية يجلس أكرم و العم جابر و جواره الخالة هنادي حيث جاءت برفقة زوجها لحضور جلسة الحكم و رؤية فارس الذي تربي و كبر علي يديها، فهي في مثابة والدته.
يقف فارس خلف القضبان في إنتظار حكم القاضي و جواره جنيدي الذي قرر تسليم نفسه، و كان القاضي و المستشارين يطلعون علي المذكرة من خلال الملف المقدم إليهم، بينما المحامي الذي كلفه صلاح بتلك القضية يقف أمام المنصة.
صدح صوت القاضي الرخيم:
- بعد الإطلاع و المداولة في القضية رقم ٩٨١ جنايات، لقد حكمت المحكمة علي كلا من جنيدي عبدالجليل محسب بالسجن لمدة عامين مع التنفيذ، و فارس قاسم القناوي بالسجن لمدة ٦ شهور مع إيقاف التنفيذ رُفعت الجلسة.
عانق جنيدي فارس مُهللاً:
- ألف مبروك يا صاحبي، فرحان لك جوي جوي، كأني أني اللي خارچ.
ربت الأخر علي كتفه و قال:
- أتچدعن أنت و خلص مدة عقوبتك علي خير، و أني مش ههملك واصل.
- تسلم يا أبو الفوارس.
صاح بهما الحارس:
- يلا منك ليه أنتم هاترغوا.
أقتربت زينب من القضبان تنادي و السعادة تنضح من ذهبيتيها :
- ألف مبروك يا فارس.
و قبل أن يذهب مع الحارس ألتفت إليها و قال:
- مبروك علينا أنا و أنتِ، عقبال لما تبجي حرة.
ظل كليهما ينظر إلي الأخر بسعادة تغمر أفئدتهم النابضة بالغرام و العشق الذي تحدي كل الظروف حتي يحدث هذا اللقاء.
- يلا يا عم الحبيب مش وقتك.
صاح بها الحارس و جذب فارس من ذراعه، ذهبت زينب إلي المحامي و سألته بخوف و قلق:
- هم واخدينه علي فين إكده؟
أجاب الأخر:
- ما تقلقيش يا مدام زينب، دي مجرد إجراءات روتينية و هايروح علي طول.
عقبت سمية لتطمئنها:
- ما تخافيش يا زوزو،كلها مسألة وجت و هتلاجيه قدامك، يا سلام علي الحب و سنينه بكرة تتچوزوا و هاتقعدوا في خلقة بعض لحد ما تزهجوا.
أجابت الأخري بنبرة مليئة بالشوق و التيم:
- عمري ما أزهق طول و أني وياه.
و بالخارج بعد مرور وقت ليس بكثير، خرج فارس ليجد في إستقباله العم جابر الذي فتح له ذراعيه:
- حمدالله على السلامة يا ولد الغاليين.
أرتمي الأخر علي صدره و عانقه بقوة:
- أتوحشتك جوي يا عم چابر.
- أخص عليك يا فارس يا ولدي، كل دي ما تسألش علي خالتك هنادي!
قالتها الخالة فذهب إليها و بسعادة و لهفة عانقها كالطفل الذي عاد إلي والدته بعدما ضل طريقه.
- حقك عليا يا خالة، ربنا يعلم كنت ديماً علي بالي، لكن كيف ما أنتِ خابرة ظروفي كانت واعرة جوي، و الحمدلله دلوق بقت زينة بوچودكم چاري، أنتم أهلي و ناسي اللي ربنا عوضني بيهم بعد موت أمي و أبوي الله يرحمهم.
ربت عليه جابر قائلاً:
- ربنا يرحمهم، البركة فيك يا ولدي، حكم و أنت واجف قدامي حاسس كإني شايف قاسم بيه الله يرحمه.
- أتوحشته جوي و نفسي أزوره، مالحجتش أحزن عليه، منه لله اللي كان السبب.
ربتت الخالة علي كتفه:
- ده كان إبتلاء يا ولدي و الحمدلله عدي علي خير.
تدخل صوت آخر جاء صاحبه للتو:
- المرة دي عدي علي خير بفضل ربنا، لو أتكررت مرة تانية مش هارحمك وقتها.
ألتفت فارس إليه و انفرجت شفتيه بإبتسامة عارمة قائلاً بمزاح:
- حرمت يا حضرة النقيب، أول و أخر مرة.
ضحك الجميع، صافحه أكرم و عانقه:
- كفارة يا باشمهندس.
- الله يسلمك و يبارك لك، أني متشكر جوي علي إنقاذك لينا، لولاك كان زمانكم عتقرأوا عليا الفاتحة.
أبتسم أكرم و أخبره:
- ده أنا اللي بشكرك و بشكر بالذات مدام زينب اللي بسببها قدرت أوقع سليم العقبي و كل اللي معاه، إنجاز كبير كنا شاغلين عليه بقاله سنين و بالخدمة اللي قدمتها مدام زينب قدرنا نوصل لتشكيل عصابي كبير من رجال الأعمال بيتاجروا في كل البلاوي اللي تتخيلوها.
أجابت زينب بإمتنان:
- العفو يا حضرة النقيب، أنا و الله لو كان بيدي حاچة أكتر كنت قدمتها ليكم، اللي زي سليم و غيره كيف مرض السرطان لازم تحاربه بكل قوة و عزيمة لحد ما تقضي عليه، أني اللي بشكرك جوي إنك چيت في اللحظة المناسبة، لولا تدخلك مكنتش خابر هيحصل إي في فارس، أني شوفت حاچات علي يد ولد العقبي الموت أهون منها بكتير.
قالت تلك الكلمات و الحزن ينبلج من عينيها ليخيم علي الجميع، ربتت عليها الخالة هنادي لتخفف عنها هذا و لأنها رأت نظرة ألم في عيون فارس،فأرادت أن تبدل حالتهما من الحزن إلي الفرح:
- إنسي يا بتي و بإذن الله ربنا هايعوضك عن كل اللي فات بالأحسن، و الأحسن چارك أهو شاب أسمر و حليوة و عيونه ملونة، مستعد يچيب لك نچمة من السما، بيعشقك و يموت فيكِ حتي دفاتر الرسم اللي حداه و مخبيها في السندرة تشهد علي إكده.
تنحنح فارس و رمق الخالة بأن تصمت عن هذا الأمر، عقبت سمية التي لم تسمح لهذا الموقف أن يمر أمامها كمرور الكرام فقالت:
- كأنك مكسوف يا باشمهندس، لاء إكده وحشه في حقك، و علي رأي المثل اللي يتكسف من بت عمه ما يچيبش منها عيال.
ضحك جميعهم، و قال العم جابر مشيراً إليهم نحو ساعة يده:
- خدنا الحديت و ضحكنا و ربنا يكتر من أفراحنا، بس الساعة خمسة المغرب و أخر قطر هيعدي علي قنا هيطلع بعد نص ساعة.
تبادل الجميع مصافحة ما قبل الوداع، عانقت سمية زينب قائلة:
- خدي بالك من حالك.
فتحت حقيبتها و أخرجت منها علبة هاتف جديد و أعطتها لها:
- خدي المحمول دي خليه معاكِ، فيه خط خليت صلاح يسچله بإسمك، هابقي أطمن عليكِ كل شوية.
عانقتها الأخري بقوة:
- ربنا يخليكِ ليا يا صاحبتي، معرفاش أودي چمايلك فين.
رمقتها سمية بإمتعاض و بتحذير أخبرتها:
- إياكِ تجولي إكده تاني، مش أنتِ بتعتبريني كيف خايتك؟
أومأت لها زينب و عقبت :
- و أكتر كمان ربنا يعلم.
- و مفيش چمايل ما بين الأخوات.
و لدي فارس و اكرم الذي ربت عليه بقوة:
- خد بالك من نفسك و أبقي طمني عليك، و بإذن الله أول أجازة ليا هاجي لك.
- ده النچع حدانا هينور بيك، أني علي أي حال معاود علي أهنه بعد يومين، چاي لك في خدمة بس هجولك عليها لما أچي لك بإذن الله.
أومأ له الأخر و أخبره بترحاب:
- أنا تحت أمرك في أي وقت، مع السلامة يا باشمهندس.
※ــــــــــــــــــــــــــــ※
صدح رنين التنبيه داخل محطة مصر للسكك الحديدية و يليه صوت الموظف يقول:
- علي جميع المسافرين التوجه إلي القطار المتجه لمدينة أسوان المنتظر علي الرصيف رقم ٤.
و بداخل القطار يجلس العم جابر و الخالة هنادي جوار بعضهما و في المقابل يجلس كلا من فارس و زينب حيث الأخري، تجلس جوار النافذة، مال برأسه بالقرب من أذنها:
- خابرة ميتي أخر مرة ركبت فيها القطر؟
أخذت تتذكر حتي أعادت عليها الذاكرة بمشهد من الماضي فقالت له:
- لما چيت معاي نستلمو شهادة التخرج، و بعدها طلبت منك نروحو الملاهي.
إبتسم بمكر و أكمل حديثها:
- أيوه و دخلنا بيت الرعب و كنتِ خايفة جوي، و جعدتِ مكلبشة في حضني كيف العيلة الصغيرة، أهو خابرة الحضن ده رايده منك أول ما نكتبو كتابنا، و لا أجولك هخليه كتب كتاب و فرح.
و عند ذكره لكلمة فرح داهمتها الذاكرة بذكري ليلة زفافها أو كما تسميها ليلة ذبحها، لاحظ فارس رجفة جسدها و كأنها تنتفض، سألها بخوف و قلق:
- مالك يا زينب، بتترعشي ليه إكده؟
ضمت ذراعيها و كأنها تحتضن جسدها، أجابت:
- مفيش حاچة.
أنتبهت إليها الخالة و سألتها لتطمئن علي حالها:
- بردانة إياك!، أجفلك الشباك؟
لم تنتبه زينب إلي حديث الخالة و ربما لم تسمعها و هذا بسبب ما تراه داخل عقلها، أصبحت آسيرة في براثن الذكريات السوداء،
تحرك لسانها بصوت خافت:
- مفيش،مفيش.
نهضت و مالت نحوها تسألها:
- الحمام منين؟
نهضت الخالة و أمسكت يدها قائلة:
- تعالي يا بتي أنا هوديكِ.
ذهبت مع الخالة إلي المرحاض، انتظرتها الخالة في الخارج ريثما تنتهي، بينما الأخري بعد أن دلفت فتحت صنبور المياه و أخذت تغترف المياه المنهمرة بكفيها و تلقيها علي وجهها و تهمس داخل عقلها:
- إهدي يا زينب، مفيش حاچة.
رفعت وجهها لتنظر إلي صورتها في المرآة و رأت الرعب في حد ذاته يقف خلفها، يحاوط عنقها بساعده و يرمقها بنظرة سوداء قاتلة:
- مش قولت لك مفيش قوة في الدنيا تقدر تبعدك عني،أنتِ ملكي أنا و بس!
يرتجف جسدها و قطرات العرق تزداد علي جبينها، يبدو علي ملامحها الخوف و الفزع الشديد، تردد كلمات تكاد تصل إلي مسمع فارس الذي داهمته حالة من القلق و الخوف عليها:
- لاء، هملني، بعد عني، أني بكرهك.
أخذ يربت علي يدها لعلها تستيقظ:
- زينب، زينب فوقي.
أخرجت الخالة من حقيبتها محرمة ورقية و نهضت قائلة:
- يا جلب أمها شكلها عتحلم بكابوس.
قامت بتجفيف جبينها، ثم أمسكت بزجاجة مياة معدنية و سكبت منها القليل في يدها و قامت بنثرها علي وجهها.
شهقت كالعائد من الموت، بوجه شاحب تتلفت يميناً و يساراً و من حولها لتتأكد إنه مجرد كابوس عابر أو ربما قد تكون هلاوس!
- خدي يا بتي أشربي و أستعيذي بالله من الشيطان الرچيم.
أخذت الزجاجة و تجرعت الماء بنهم، حيث كانت تشعر بالظمآ الشديد و رددت ما قالته لها الخالة ثم نظرت بجوارها فوجدت فارس يرمقها بقلق و يمسك بكفها بين يديه:
- ما تخافيش أني چارك، أنتِ مليحة؟
أومأت له و سرعان تجمعت الدموع داخل ذهبيتيها لذا لم تنظر إليه مباشرة و تصنعت تجفيف وجهها من الماء، أجابت بإقتضاب:
- الحمدلله.
مال إليها و همس بسؤال و قلبه غير مطمئن بتاتاً بسبب ما تراه عيناه من حالة يرثي لها:
- زينب، لو مجدراش تسافري ممكن ننزل المحطة الچاية و نرچعوا، شكلك تعبان جوي، اللي مرينا بيه مش هين و لازم نتابع مع دكتور نفسي، خصوصاً أنتِ.
لم يكن لديها رغبة للتحدث في أي أمر و ربما تريد الهرب من تذكر ذلك الكابوس، و آخر ما ينقصها تردد صوت سليم عندما كان يتوعدها إنها لم تستطع التخلص منه علي الإطلاق، سوف يكون مثل ظلها حتي عندما تنام، سيأتي لها في أحلك كوابيس قد رأتها منذ ولادتها!
- بزيداك بجي معوزاش حاچة.
صرخت بتلك الكلمات مما جعلت كلا من فارس و الخالة هنادي و العم جابر يرمقونها بحزن و شفقة علي حالها البائس.
أخرج العم جابر من جيب سترته مصحف صغير:
- خدي يا بتي أمسكي المصحف و أقرأي فيه، ده حديت ربنا كله شفاء بيريح النفس و يبث فيها السكينة و إلا بذكر الله تطمئن القلوب.
أقتربت منها الخالة و قالت بصوت خافت:
- تعالي أوصلك للحمام تغسلي وشك و تفوقي.
و عندما تذكرت أحداث الكابوس الذي راودها عند نومها أثناء حديثها مع فارس، هزت رأسها بالرفض التام:
- لاء، قصدي ما ريداش، تسلمي يا خالة.
أراد فارس أن يعانقها و يربت عليها لعلها تهدأ لكن مبادئه و أخلاقه لم يسمحا بذلك، فنهض من جوارها و أشار للخالة:
- تعالي يا خالة أقعدي چارها.
نهضت الخالة و جلست بجوارها ثم حاوطت ظهر زينب التي مالت برأسها علي صدر الخالة التي أخذت تمسد فوق وشاحها و تتلو بعض الآيات و الأذكار، بينما أحتضنت زينب المصحف بين يديها و قامت بضمه إلي صدرها و بدأت تتلو أيضاً ما تحفظه من آيات الله تعالي.
و ذلك تحت بصر فارس الذي لا تحيد عيناه عنها بل كان يتأمل ملامحها التي أصبحت كالزهرة في موسم الخريف حينما تجف أوراقها و تذبل، يتخيل كم المعاناة و العذاب التي تعرضت إليه علي يد هذا الشيطان، مما يجعله أكثر إصراراً علي ما ينوي فعله، مجرد أيام تفصله عن إنتقامه المحسوم.
※ــــــــــــــــــــــــ※
عاد فارس إلي مسقط رأسه بعد رحلة عذاب دامت لشهور، عاد و قلبه ينبض من جديد، يدرك ما هو مُقبل عليه الأيام القادمة و عليه أن يتحلي بالصبر حتي يظفر بالفوز العظيم، فوز فؤاده الذي عاد إليه عشقه و فوز ظهور براءته و ذلك بعد أن أخبره العم جابر بعلم أهل النجع بهذا الخبر الذي جعلهم سعداء من أجله، فهم يحبونه كما أحبوا والده، فالنبات الطيب لا يطرح سوي الثمار الطيبة و العكس صحيح.
و بمجرد أن وطأت قدمه أرض النجع بعدما ترجل من السيارة التي أخذتهم من أمام محطة القطار حتي منزل عائلة القناوي، أُطلقت زغاريد النساء يصاحبها تهليل و ترحاب و سرور من أهل البلدة، أقترب كل منهم يصافحه و يعانقه بحفاوة و الجملة الشائعة التي تكررت إليه من الجميع
« حمدالله علي سلامتك يا غالي يا ولد الغالي»
بدأت فرقة القرع علي الطبول و المزمار يعزفون من موسيقي الفلكلور الصعيدي، أقترب العم جابر من فارس و أخبره:
- أهل البلد أول ما خابروا أنك معاود بقت الفرحة ما سعياهمش عاد، الكل بيحبك كيف ما بيحبوا أبوك الله يرحمه.
ربت فارس علي كتف الأخر و قال بنظرة مليئة بسعادة تنبع من القلب:
- الله يرحمه، أهو اللي أنا شايفه دلوق خلاني أتأكد أبوي مامتش، ده عايش في كل واحد من أهل البلد، و أنت يا عم چابر فيك حنية أبوي و طيبة قلبه، ربنا ما يحرمني منك و لا من الخالة هنادي.
- و ربنا يسعدك يا ولدي و ينصرك ديماً علي من يعاديك.
تقدمت منهم الخالة هنادي و قالت:
- يلا يافارس يا ولدي، تعالي أحضر الدبيحة، دي فرحة رچوعك بالسلامة و من خير قاسم بيه الله يرحمه.
كانت زينب منذ أن وصلت ألتزمت الصمت، أنتبه فارس إليها فسألها:
- سرحانة في إيه إكده؟، أنا كنت فاكر إنك هاتكوني فرحانة أول ما نرچعو علي أهنه.
رمقته بنظرة ضائعة كالشريدة تجوب داخل أرض التيه:
- لو قاصدك لأچل أهلي، أني لحد دلوق ما خابرش هاشوفهم كيف بعد اللي حوصل و اللي چرالي و هم السبب في كل ده.
- ألف حمدالله علي السلامة يا ولد أخوي.
ألتفت كليهما إلي صاحب الصوت، فقال كل منهما:
- أبوي!
- عمي!
لم تشعر زينب بحالها و تقفز نحو والدها ترتمي بين ذراعيه، تدفن وجهها في صدره، تخبره بصوت يختبئ خلفه شجن دفين:
- أتوحشتك جوي جوي يا أبوي.
عانقها بشوق و حزن و هذا بعد ما علمه من العم جابر عبر الهاتف، شعرت بقطرات دافئة تتساقط من عينيي والدها الذي يبكي قائلاً:
- حقك علي يا بتي، ياريتني ما وفقت و لا فرطت فيكي و لا سمعت حديت أخوكِ منه لله.
ثم رفع بصره إلي فارس و أردف:
- حقك علي يا ولدي، مكنتش خابر اللي سوي فيك المغرس ده ولدي، عمري ما فكرت أنه يوصل بيه سواد قلبه و يسوي فيك إكده.
- الحقد يا عمي لما بيدخل للقلب بيخلي صاحبه كيف الكفيف ما بيشوفش غير السواد، و بيبجي أعمي البصر و البصيرة.
تدخل العم جابر قائلاً:
- بزيداكم حديت عاد، الچزار واقف مستنيك يا ولدي.
ذهب جميعهم ليشاهدوا العجل و الجزار يسمي الله ثم بدأ الذبح، في تلك اللحظة داهم زينب مشهد دموي رأته من قبل و هو ما حدث للرجل الذي وقع ضحية في يد سليم و قام بسلخه حياً، لم تتحمل أكثر من ذلك، يكفي تلك ما نالته اليوم من ضغوط نفسية ناتجة عن الهلاوس التي يبدو إنها سوف تلاحقها الأيام القادمة، أستسلمت إلي فقدان الوعي لعلها تهرب من ذلك الكابوس المظلم.
أنتبه الجميع إلي صياح خميس والد زينب:
- بتي.
هرع إليه فارس ليحملها علي ذراعيه و أتجه بها إلي منزل عمه كما طلب منه الأخر.
※ــــــــــــــــــــــ※
تسمع تكرار صوت نداء والدتها، خيل لها إنها في حلم، لكن لمسات والدتها الحانية و هي تمسد يدها بين كفيها و صوتها الدافئ يقول لها بحنان غادق:
- قومي يا بتي، طمني جلب أمك عليكي، الله يسامحه اللي كان السبب.
فتحت عينيها فوجدت والدتها تجلس بجانبها و الخالة هنادي تقف بجوارها:
- قومي يازينب، قلوبنا أنخلعت عليكي تو ما وقعتي من طولك.
وضعت الأخري يدها علي رأسها و الإمتعاض يختلج ملامحها، فقالت و الوهن يداهم جسدها الذي أصبح هزيلاً:
- أني فين؟
أجابت والدتها و الحزن جلي في صوتها:
- أنتِ في دار أهلك و علي سريرك يا ضنايا، تو ما أبوكِ جالي أنك چاية، وضبت لك أوضتك و خليتها كيف لما كانت وقت فرحك.
يا ليت ما تفوهت والدتها بتلك الذكري السوداء، مجرد رؤيتها لكل ما في الغرفة من أثاث و فراش و جميع الأركان، كل ذلك كافياً بإستعادة أسوأ مشهد لها علي الإطلاق:
«مشهد سابق»
" روحي يا بتي ويا چوزك أرتاحوا، لساتكم وراكم سفر و طريج طويل، و أنتي بجي لك يومين ما نعستيش عاد.
قلبها يخفق من شدة الخوف لاسيما بعد تلك الإبتسامة التي ما زالت في أعين شقيقها، أنتبهت إلي ضغطة قبضة سليم القوية علي أناملها:
- يلا يا زينب.
و في ثوان كانت داخل الغرفة و دلف خلفها، أغلق الباب بقوة مما جعلها أهتزت بوجل و أعتصرت عينيها تردد بداخلها بعض الأذكار.
خلع العباءة و يليها سترته و ألقاها علي أقرب كرسي ثم جلس فوقه، لم تبرحها نظراته:
- واقفه عندك ليه كده؟
و بدون أن تنظر إليه حيث تتجنب النظر في عينيه ذات النظرات المرعبة، قالت:
_ أني مرتاحة إكده، رايد أنت ترتاح لك شوي، عندك السرير أهو أرتاح كيف ما أنت رايد.
خلع ربطة عنقه ثم ساعة يده و وضعهما علي المنضدة التي أمامه في صمت رهيب زاد من خوفها لكنها تظاهرت بالثبات.
قطع صوته بهدوء الذي لا يقل رعباً عن نظرات عينيه:
_ ما إحنا مش داخلين الأوضة عشان نرتاح.
رفعت عينيها لترمقه بصدمة و إستفهام، فهذا الصوت الذي بداخلها ينذرها بالخطر، نهض متقدماً نحوها بخطي في ظاهرها هادئ لكنها عكس ذلك:
_ شكلك فهمتي سبب وجودنا هنا، و لا أي يا عروسة؟
أزدردت لعابها و بمجرد وقوفه أمامها مباشرة أبتعدت إلي الخلف متجهة نحو الباب لكنه سبقها إليه و أوصده بالمفتاح الموجود به.
ركضت إلي إحدي الأركان تمسك بثوب زفافها في وضع الدفاع:
_ لو اللي في دماغي ده صوح، أحب أفكرك بوعدك ليا، أن چوازنا علي الورج.
يبتسم و بداخله مُنتشي من السعادة، فتلك نظرة الرعب بداخل عينيها تغذي وحش ساديته و ترضيه.
و في لحظة غافله منها وجدته أمامها يمسك برسغيها:
_ أنا ما وعدتكيش يا زينب، أنتِ وقتها كنتِ بتملي شروطك و ناسية إنك هاتتجوزي مين، تحبي أعرفك مين هو جوزك، مين اللي المفروض ما تنطقيش غير إسمه علي لسانك!، مين اللي عينيكِ مش هاتشوف غيره!، مين اللي نسيتي إنه جوزك و روحتي القسم عشان تشوفي إبن عمك و ما خوفتيش لما يعرف هيعمل فيكي أي!
و مع كل جملة يتفوه بها كانت قبضتيه تزداد ضغطاً حتي ظنت عظام أناملها سُحقت، تأوهت من الألم الغير محتمل، فقال بفحيح يلفح شفتيها:
_ صرخي، محدش من أهلك بره يقدر يدخل ينقذك من أيدي، عارفة ليه.
أردف و يدفعها علي الحائط بجسده ملتصقاً بها:
_ تحبي أجاوبك عملي زي ما أخوكي طالب مني و مستني إثبات شرفك؟
جحظت عينيها مُتناسية ألم أناملها، أستعادت رباطة جأشها و قوتها برغم دموعها التي أنسدلت للتو:
_ بعد عني، علي چتتي اللي عتجوله دي، و روح جول للحيوان أخوي خايتك أشرف منك و من أمثالك كيفك إكده.
ضغط بجسده عليها بقوة قائلاً:
_ و لما أخوكِ من لحمك و دمك يشكك فيكِ و يطلب مني دخلة بلدي، منتظرة مني أي عشان أتأكد، ها؟
رأت بداخل ظلام عينيه شيطان مارد لم يهدأ إلا عندما يكسر كبريائها و يجعلها ذليلة أمامه، فهي الآن تلعن شقيقها بكل اللعنات علي منح هذا الوحش الذي يسحق جسدها حق سلب عذريتها قهراً و رغماً عنها، فلا تجد سوي تلك الفكرة التي أتتها للتو فقالت بتأوه من بين أسنانها:
_ لو رايد إثبات خدني عند الحكيمة في الوحدة الصبح و هي تكشف عليا و تجولك إني.
أغلقت عينيها بخجل و أردفت:
_ إني بت بنوت و لا لاء.
قهقه و تعالت ضحكاته المخيفة، حتي توقف و عادت ملامحه الوحشية مرة أخري:
_ عايزاني أخدك عندك الدكتورة يا زوزو، أومال أنا لزمتي أي يا حبيبتي.
ترك يديها حتي عادت روحها لها فأخذت تفركهما من فرط الألم، و لم يمهلها أن تلتقط أنفاسها فجذبها من خصرها و برغم ثوبها المتسع و ذو عدة طبقات شعرت بأنامله و هو يغرزها بقسوة لتطلق تأوهاً نابعاً من أعماقها.
- أهدي كده ده لسه بنقول يا هادي، يقولوا عليكِ أي و أنتِ كل شوية تصوتي.
أجابت من بين دموعها و ألمها:
_ أجتلني يا سليم و ريحني، أني ما عايزاش أعيش وياك واصل.
أبعد يديه من خصرها، ليعود صوت ضحكاته، يحاوط وجهها بكفيه يقول بسخرية:
_ ليه كده يا زوزو، ده أنا حبيتك من أول ما شوفتك و أقسمت إنك هاتكوني ملكي مهما حصل و بأي طريقة.
جذبها فجاءة و دفعها إلي الفراش ثم أعتلاها:
_ أنتِ بتاعتي أنا، ملكي أنا، هاتعيشي معايا لحد ما يفرقنا الموت، فاهمة يا زينب.
كانت ملامحه تخيفها أكثر من كلماته، أقسمت إنه ليس شخصاً طبيعياً بل مريضاً.
باغتها بنزع حجابها بعنف حتي تشعثت خصلاتها من أثر ذلك، أخذت تقاومه و تدفعه لينهض من فوقها، فكيف لعصفورة صغيرة بأن تدفع بوحش ضخم يريد إلتهامها!
أردف من بين أسنانه لاهثاً:
_ ما تقاوميش يا زينب، عمرك ما تقدري تبعديني عنك، أستسلمي لمصيرك.
لم تجد رد علي هذيانه من وجهة نظرها سوي تلك الكلمات و يديها تدفعه في صدره:
_ ده في أحلامك يا سليم، و أني لساتني كيف ما جولت لك علي چتتي لو لمست مني شعره، و چوازي منك مجابل حياة فارس، غير إكده ملكش حاچة عندي واصل.
من الحماقة أن تكون عاجزاً و في وضع ضعيف للغاية و تتصنع القوة دون إستخدام عقلك و ذكائك بحكمة، فالتفوه بنبرة التحدي و العند لن تأتِ لك سوي بعواقب وخيمة، و هكذا ما حدث.
ليتها ما تفوهت بحديثها الأحمق هذا، فهي للتو أيقظت جانبه الآخر المظلم و الذي كان يحاول كبحه و عدم إظهاره له حتي الآن.
نهض عنها و هو يجذبها من خصلاتها و حتي لا تصرخ و يسمعها من بالخارج، كمم فاهها بقبلة وحشية، ليست قبلة حميمية بين زوجين بل كانت تعذيب و منعها من الصراخ، و لم يكتف بذلك، أمسك بساعديها و قام بثنيهما خلف ظهرها و بجزء من لفافات حجابها الأبيض قام بتقيد معصميها.
ما زال يُقبلها متذوقاً دماء شفتيها بللذة، توقف عن تقبيلها ليتركها تلتقط أنفاسها اللاهثة، ليباغتها بجزء آخر من لفافات حجابها يكمم فاها ثم ألقي بها مرة أخري علي الفراش و الظلام يسود عينيه و شيطانه المسيطر عليه، خلع ثيابه تحت نظراتها التي تتوسله ليتراجع عن ما سيفعله، تتلوي في الفراش مستخدمة ساقيها في النهوض لكن هيهات، أصبحت مثبتتان بقبضتيه القويتين، و أرتمي فوقها و شرع فيما عزم عليه، لم يرحم صرخاتها المكتومة و دموعها التي أنفجرت كالأنهار المتدفقة، أنتزع روحها قبل نزع عذريتها بكل وحشية، أبتعد عنها و بنظرة إنتصار حدجها، دنا برأسه نحو وجهها و هي ملقاه كالجسد بدون روح ليقول لها بتهكم:
_ ألف مبروك يا حبيبتي.
و قبلها من وجنتها ثم نهض، أرتدي ثيابه تاركاً قميصه مفتوحة أزراره،أقترب منها فرفعت ساقيها لتكور جسدها في وضع الجنين لتبتعد عنه، جذب الشرشف الملطخ بدمائها بقوة من أسفل جسدها و أتجه به نحو الباب، قام بفتحه منادياً علي شقيقها الذي لبي نداءه و جاء نحوه فقام الآخر بإلقاء الشرشف في وجهه، ألتقطه رافع بسعادة عارمة، و لم يتمهل فخرج و وقف أمام المنزل يخرج سلاحه و أطلق عدة أعيرة نارية متتالية و تبعه رجاله في الإطلاق كرسالة إلي أهل النجع.
«عودة إلي الوقت الحالي»
أخذت تصرخ و داهمها حالة بكاء هيستري تردد:
- بعدوه عني، بعدوه.
دوي صراخها التي تتمزق إليه القلوب جعل فارس الذي كان يجلس مع عمه، يذهب إليها و الخوف و القلق ينهش كليهما صدره
قالت والدتها بحزن و بكاء:
- إيه اللي صابك يا بتي، ألحقني يا فارس بتي بضيع.
و بمجرد رؤيته لها في تلك الحالة المزرية أقترب منها و عانقها و أخذ يربت عليها و يتلو بعض الآيات و الأذكار و يمسد علي وشاحها الغير مُهندم حتي هدأت قليلاً، أشار إلي والدتها التي كانت تبكي حزناً علي حال إبنتها بأن تكف عن البكاء.
رفعت زينب رأسها عن صدره و أخبرته بتوسل:
- أني ما ريداش أجعد أهنه، الأوضة دي اللي دبحني فيها سليم بأمر من أخوي، خدني من أهنه يا فارس بالله عليك.
كان يستمع إليها و قلبه ينفطر كلما تخيل كم ما تعرضت إليه من تعذيب نفسي و جسدي، ربت عليها و أخبرها:
- أهدي يا حبيبتي، ما تخافيش هخلي الخالة هنادي تاخدك أنتِ و مرات عمي و تجعدوا هناك في دارنا.
※ــــــــــــــــــــــــــــــ※
في بقعة متطرفة من البلدة حيث المقابر الخاصة بأهل النجع، يجلس فارس أمام قبر والده و يحمل في يده جريدة خضراء.
- أتوحشتك جوي يابا، أني من غيرك ما سواش حاچة، تو ما هملتني تو ما تغدر بيا، و الغدر ما يچيش غير من أقرب الأقربين، ضعت وجتها و ضاعت الإنسانة الوحيدة اللي عشقها قلبي قبل عينيا.
تجمعت عبراته علي رماديتيه فأصبحت كالغيوم الملبدة التي أوشكت أن تهطل زخات من المطر:
- مرينا بظروف صعبة جوي ما يتحملهاش بشر، و يوم ما تچمعنا بعد فراق...
أثر الصمت رغماً عنه بسبب حالة البكاء التي أنتابته، فأطلق لعبراته العنان:
- بقينا أنا و هي كيف الزجاج المكسور اللي كل ما تيچي تلمه و تچمعه ينكسر و يچرحك، جولي يا أبوي كيف نقدروا نرچعوا أني و هي كيف الأول!
أخذ يمسح عبراته بباطن كفه و يردف قائلاً:
- خابر لما أمي ماتت و أنت عوضتني عن غيابها عمري ما حسيت باليُتم، لكن دلوق أني من غيرك يتيم، أني محتاچك جوي يا أبوي.
نهض و جثي علي ركبتيه و كأنه يحتضن قبر والده المدفون فوق الأرض داخل قبر علي هيئة قبة.
أمتدت إليه يد العم جابر يربت عليه بـ مواساة:
- بزيداك بُكا يا ولدي، الحاچ قاسم الله يرحمه مخلف راچل و البركة فيك، شد حيلك عاد، و خليك كيف أبوك كانت الحاچة اللي تكسره بتقويه و كل كبوة يبقي أقوي من المرة اللي قبلها، قوم يا ولدي، قوم يا فارس، خلينا نلحق ندلي علي مصر(القاهرة) بدري قبل ما الليل يليل علينا و أنت خابر ما بعرفش أسوق بالليل.
نهض فارس و ترك الجريدة أمام القبة و ألقي نظرة و إيماءة من عينيه و كأنه يخبر والده بأن يطمئن عليه، سوف يكون بخير عن قريب بإذن الله.
※ـــــــــــــــــــــــــ※
و في اليوم التالي، ينظر في ساعة الهاتف ثم تركه و أتجه نحو المرآة و قام بتمشيط خصلاته بعناية، جاء من خلفه صوت العم جابر:
- لساتك مُصر يا ولدي علي اللي ناوي تسويه؟
رمقه فارس من خلال المرآة بجدية و إصرار قائلاً:
- ما أني لو ما سويتش إكدة يبقي مش هقدر أرفع عيني قدامها، لازم أرچع حقها و أكسره كيف ما كسرها.
و بعدما غادر الفندق الذي مكث فيه منذ أمس، قام العم جابر بتوصيله أمام المخفر حيث أنتظره أكرم الذي رحب به و صافحه بحفاوة، أطلعه علي مطلبه و كان يخشي رفضه، لكن وجده متعجب من هذا الأمر، و قبل أن ينفذ إليه أي شئ سأله أكرم :
- طب ممكن أعرف سبب مقابلتك ليه، أنا خايف عليك، سليم مش سهل، و عمرك ما تتوقع أي ردة فعل ليه، من يوم ما أتحبس و هو في زنزانة لوحده و عليه حراسة مُشددة.
أطلق فارس زفرة من أعماقه فأجاب دون تردد و عيناه يملؤها توعد ثائر:
- خابر، أني ما همنيش اللي سواه فيا و لا اللي كان هايسويه عاد، أني رايد أعيشه اللي باقي من عمره في قهر و ذل.
عقد أكرم ما بين حاجبيه بعدم فهم، فسأله بتوجس:
- أوعي تكون ناوي تقتله!
رمقه الأخر بشبه إبتسامة ثم ربت علي كتفه قائلاً:
- ما تقلقش يا سيادة النقيب، ما أضعيش حريتي مرة تانية في واحد كلب كيف سليم، أني هاخد حق بت عمي من غير دم.
و ما لبث الاثنان سوي دقائق حتي توقف كليهما أمام باب حديدي يقف أمامه حراسة من ذوي المهام الخاصة و هذا بناء علي طلب أكرم الذي يعلم جيداً حدوث أي محاولة لتهريب سليم من قِبل رجاله في الخارج.
أشار إلي إحدي الحراس بأمر:
- أفتح الباب.
نفذ الحارس أمره علي الفور، و قبل ولوج فارس إلي الداخل وضع أكرم يده علي كتفه و قال:
- خد بالك من نفسك.
بعد أن دخل جال ببصره أرجاء الزنزانة حيث الإضاءة خافتة، وقعت عيناه عليه و يجلس علي الكرسي مولياً ظهره إليه، يتصاعد دخان السيجارة الذي ينفثه من فمه و أنفه.
- يا تري جاي عشان تاخد حقك مني و لا عشان أطلقها!
نظر فارس نحوه بإمتعاض و قال:
- أني مش چاي لأي حاچة من اللي قولتها دلوق، لأن في كل الأحوال زينب بقت حرة سواء لو كنت لساتك عايش أو ميت.
نهض بهدوء مع إطلاق ضحكة دوي صداها بين الجدران الأربعة، أستشف منها الأخر بسخرية أو تهكم من ما تلفظ به للتو.
تقدم سليم نحوه بخطي و ئيدة قائلاً بتهكم جلي:
- شكلك طموح أوي يا أبو الفوارس و بتحب تحلم بأوهام عايشة في خيالك.
وضع السيجارة بين شفتيه و سحب نفساً عميقاً ثم أطلق دخاناً كثيفاً في وجه فارس الذي أغمض عينيه و أخذ يلوح بيده لإبعاد الدخان عن محيط أنفاسه.
تبدلت نظرة الإمتعاض إلي أخري يشوبها إبتسامة ظافر بمعركة سوف تنتهي الآن، و قال له بتهكم مثل الذي أخبره به:
- الأوهام دي حداك أنت لو مجرد أن تفكر تُهرب من أهنه.
نظر من حوله و أردف بإستهزاء:
- واضح جوي إن أكرم موصيهم عليك، ما يفرجش المكان أهنه عن القبر اللي بإذن الله هايتوك فيه بعد ما يعدموك.
ألقي سليم باقي السيجارة ثم دعس عليها بحذائه:
- ما تفرحش أوي كده، كلها أيام و خارج أي إن كان الطريقة، بس أوعدك أول حاجة هاعملها أكمل اللي بدأته.
و أشار له بعينه نحو أثر الجرح الذي صنعه أعلي صدر الأخر، و أردف:
- و بالنسبة لزينب أديك شوفت بعينيك لما كنا في الهنجر.
تذكر فارس علي الفور مشهد الإعتداء الوحشي الذي أقترفه هذا الشيطان في زينب أمامه، برغم الحالة التي كان بها آنذاك لكن ذاكرة عينيه لم تنس ذلك المشهد الذي حرق و جرح قلبه بقوة و ما زال كلما يندمل ذاك الجرح ينفتح من جديد.
وضع سليم يده علي كتف فارس الذي قد وصل إلي ذروة غضبه رغم السكون الذي يبدو عليه، أقترب من أذنه ليخبره بفخر و تحدي:
- زينب ملكي أنا و بس.
و إذا بفارس يصيح فجأة كالوحش الذي خرج من الكهف لتوه لمهاجمة أعداءه:
- كانت ملكك يا إبن الـ...
دفع يده من فوق كتفه بقوة و باغته بلكمة جعلت سليم تراجع إلي الخلف دون أن يختل توازنه، وضع يده علي فكه أثر اللكمة، لكنه نظر إلي الأخر بإبتسامة و قال بسخرية أراد بها إستفزازه:
- تصدق معرفش إنك طلعت زي الرجالة و بتضرب، و لما أنت شبح أوي كده ما روحتش أتشطرت علي إبن عمك اللي أدالك علي قفاك و سجنك ليه!، و لا شاطر تهرب زي العاهرة اللي هربانة من بوليس الآداب!
لم يجب فارس عليه سوي أن هجم عليه بلكمات متتالية، يزمجر كاللليث، بادله الأخر مثلها حيث كان سليم يرجع إلي الخلف و يحاول تفادي الضربات و الدفاع في آن واحد و لم ينتبه إلي الكرسي الذي نجح في إيقاعه علي ظهره، فأستغل فارس هذا و جثي فوقه علي ركبتيه و أخذ يكيل إليه اللكمات:
- العاهرة دي تبقي أنت يا ولد الحرام.
حاول الآخر صد الهجوم و بخفة أستطاع إزاحة فارس من فوقه و نهض يمسك بالكرسي و رفعه لأعلي و ينهال به علي فارس، بينما الأخر تمكن من إمساك إحدي أرجل الكرسي و ركل سليم في قدمه مما جعله يقع إلي الوراء و لم يمهله أن يلتقط أنفاسه، أنقض فوقه و أخذ يضربه بكل ما أوتي من قوة، و كان العجيب في الأمر هي إبتسامة سليم التي تحولت إلي ضحكات ساخرة حتي لو كان في موضع ضعف و الأخر في مركز قوة في تلك المعركة الضارية.
- أنت فاكر لو رجعت لك، هتبقي زينب اللي كنت تعرفها زمان!، حتي لو أتعدمت زي ما بتقول و أنت أتجوزتها هفضل عايش ما بينكم.
كان يتلفظ بالكلمات و يلتقط أنفاسه بصعوبة، أردف:
- اللي معاك دلوقت واحدة شكلتها بإيديا، عمرها ما هاترجع إنسانة طبيعية و بكرة الأيام تثبت لك.
نهض من فوقه و يلهث من فرط ما فعله للتو، أخبره:
- هخليها تتعالچ و تعود كيف الأول و أحسن، علي الأقل إنها أتخلصت منك، و رچولتك اللي كنت عتتباهي بيها و تتشطر عليها و إحنا في الهنچر هحرمك منها واصل.
و عندما أدرك سليم مقصده، أطلق صرخة قوية لأول مرة و هذا بعدما ركله فارس بين ساقيه بلا رحمة.
ضم ساقيه و وضع يديه معاً و يتلوي من الألم، بينما فارس يخبره:
- دي لأچل اللي سويته فيها غصب عنها من أول ما أتچوزتها.
لم يمهله تحمل ألم الركلة الأولي، فأمسكه من تلابيب قميصه و سدد له لكمة في وجهه و باغته بركلة أخري بين ساقيه جعلت عينيه كادت تخرج من محجريهما.
في تلك اللحظة فتح الحارس الباب و دخل أكرم، أمسك و أوقفه قائلاً:
- كفاية كده يا فارس ليموت و تودي نفسك في داهية عشان واحد زي ده.
و قبل أن يذعن فارس لأمر أكرم ألقي كلماته علي سليم الذي أصبح في حالة لا يرثي لها، فالكل ظالم نهاية مهما طال ظلمه، و ما أكثر الظالمين علي مر العصور لكل منهم نهاية عادلة علي ما أقترفت إياديهم من جور و طغيان.
- أظن دلوق يا سليم أنك اللي عتتوهم إن زينب تكون وياك تاني.
أقترب منه و دنا منه و أردف بسخرية:
- بعد اللي سويته فيك لا هتنفعها و لا تنفع غيرها، هتبقي مجرد ذكر في البطاقة، و كيف ما بيقولوا حداهم في أمريكا
go to hell.
قالها ثم بصق في وجهه و أعتدل واقفاً ليغادر المكان و بداخله يشعر بالفرح و النصر، و هكذا لم يبق سوي خطوة العلاج، عليه أن يتواصل مع أمهر الأطباء للعلاج النفسي من أجلها و من أجله أيضاً.
※ـــــــــــــــــــــــــــ※
قد مرت الأيام بل ثلاثة أشهر ربما أكثر حدث خلالها الكثير...
لنبدأ لدي علي و مروة قد أصبحت حياتهما مستقرة و هذا بعد إيداع ندي داخل المصحة النفسية لتلقي العلاج المناسب لحالتها، و ها هما علي متن اليخت في رحلة بحرية علي شواطئ اليونان، يعانقها من ظهرها بعشق و يريح رأسه علي كتفها يتأمل الأمواج الصغيرة الناتجة من شق اليخت للبحر من خلف نظارته الشمسية السوداء، أنتبه إلي صوتها الناعم و هي تنطق إسمه:
- علي؟
- عيونه.
ألتفت بين ذراعيه لتصبح في مواجهته و ضعت يدها علي بطنها و الأخري تلمس بها لحيته المُشذبة، ترمقه بسعادة تقفز من عينيها و هي تخبره:
- أنا حامل.
خلع نظارته الشمسية و سألها بجدية:
- بتتكلمي بجد؟
أجابت بدلال و تحاوط عنقه بيديها:
- و الحاجات دي فيه هزار.
و إذا به يحملها علي ذراعيه قائلاً:
- يعني حامل و عماله تجري و تلعبي من الصبح، أنتِ لازم ترتاحي.
- يعني هفضل مرتاحة لمدة تسع شهور!
- اه، و إياكِ أشوفك بتتحركِ و لا بتعملي حاجة، و يلا هدخلك ترتاحي في الأوضة و هاروح أقول للكابتن يرجع للمرسي.
سألته غير مصدقة ما تراه في عينيه من خوف و لهفة:
- خايف عليا و لا علي البيبي؟
أجاب و يدلف إلي داخل اليخت:
- خايف عليكم أنتم الأتنين طبعاً، و خصوصاً أنتِ.
صاحت بصوت جهوري من السعادة التي غمرتها للتو:
- بحبك يا لول.
و لدي أكرم كان يتابع سير القضية التي لم يؤخذ فيها حتي هذا الوقت حكماً نهائياً و هذا يعود إلي حالة سليم الصحية حيث تلقي علاج و متابعة و بسبب نفوذ صلاح بعد أن أتفق مع الطبيب بإطالة فترة علاجه داخل المشفي و كتابة تقرير طبي سوف يمليه عليه حتي يأتِ موعد جلسة المحكمة، و بالطبع كل ذلك بمقابل مادي ليس بالهين.
و اليوم موعد حفل التكريم يحضره وزير الداخلية ليقدم إلي كل العاملين علي قضية إيقاع رجال الأعمال الفاسدين، فقام اللواء بإعلان ترقية أكرم من رتبة نقيب إلي رتبة رائد و أهدائه وساماً تذكارياً و مكافأة مالية علي مجهوده المتفاني.
بينما لدي صلاح و سمية التي تدعم صديقتها منذ ثلاثة أشهر، حيث كانت تذهب برفقتها إلي عيادة الطبيب النفسي و تنتظرها ريثما تنتهي الجلسة ثم تعود إلي المنزل لتجد صلاح في إنتظارها علي أحر من الجمر، و رغم انشغاله في قضية صديقه لكنه لم يجعلها تشعر بذلك بتاً و نفذ بعض من وعوده لها، علي رأسها تمكن المحامي الذي وكله في رفع دعوة الطلاق من كسب القضية و هذا بعد أن قدم له كل ما يساعده في إسراع النطق بالحكم الذي كان في صالح زينب و تم قبول الدعوة بالفعل و هذا منذ ثلاثة أشهر.
و في ليلة كان يتقلب علي جانبه ليعانقها فوجد مكانها شاغراً، نظر في ساعة هاتفه وجدها الثالثة صباحاً، نهض منادياً:
- سمية، يا سمية.
لم يجد إجابة منها، شعر بقبضة في قلبه، يخشي أن تكون قد تركته إذا علمت بما يخفيه عنها من قضية سليم الذي يدافع عنه أو ربما حدث لها مكروه، فتح باب المرحاض أولاً لم يجدها، ذهب إلي الخارج أنتبه إلي إضاءة المطبخ و صوت يصدر منه، علم هي لا محالة، تنفس الصعداء و حمد ربه ثم ذهب إليها.
و إن وطأت قدمه المطبخ وصل إلي أنفه رائحة غير مستساغة بل رائحة مقيتة بالنسبة إليه، و حين وقعت عيناه عليها تسمر مكانه و الصدمة تغزو ملامحه.
بينما هي كانت تفرش الأرض بغطاء قطني تجلس أعلاه و أمامها صينية الطعام فوقها صحون مليئة بنوعين من الأسماك و أنصاف ثمرة الليمون الحامضة و خبز، رفعت وجهها عندما رأت قدميه، أبتسمت إليه و قالت:
- واقف حداك ليه إكده يا صلوحتي!، أصلي و أني بوصل زينب و فارس لمحطة القطر ، و أني راچعة جولت للسواق يعدي علي فسخاني و چيبت من عنده رنچا و فسيخ، أصلي وحمي چاي عليهم جوي.
- فسيخ و رنجا الساعة ٣ بالليل، ليه بتعملي في نفسك كده!، إيه ذنبه إبني المسكين اللي في بطنك تأكليه العك ده و الريحة صعبة أوي.
أخذت تضحك و تراه يضع أصبعيه علي أنفه فقالت:
- أباه عليك يا صلوحتي، ما تبقاش فرفور إكده تعالي بس هو ريحته صعبة بس طعمه كيف الزبدة، تعالي أدوقك و مش راح تندم واصل.
نهضت و في يدها قطعة خبز محشوة بقطعة لحم من الفسيخ و يدها الأخري تحمل عود من البصل الأخضر، أقتربت منه:
- عشان خاطري دوق اللقمة دي، راح تحبه جوي أني كنت كيفك إكدة و أني صغيرة و لما دوقت منه بقيت أعشقه، أفتح خشمك يلا، أهو ده أرحم من السوشي النتن اللي چيبته أول إمبارح.
رمقها بإمتعاض و بتردد قال:
- هو أنا عملت لك حاجة و أنتِ بتنتقمي مني!
ألتصقت به و بدلال أجابت:
- ليه بتجول إكده يا نن عيوني، أني رايدة منك تشاركني أچمل لحظات حياتي، الحق عليا!
زمت شفتيه بإزدراء و يرمق القطعة التي بيدها:
- الحق عليا أنا.
و فتح فمه فقامت بوضع القطعة داخل فمه:
- أيوه هم يا جمل، أسم الله عليك يا حبيب جلبي، خد دي بقي بلع بيها بصلة خضرة شرانية.
رمقها بعدم فهم و ذلك لأخر كلمة تفوهت بها فأردفت:
- بصلة شرانية كيف كلمة شريرة حداكم في البندر بالبلدي بصلة حراقة.
أخذ يلوك الطعام بفمه علي مضض، و بعد قليل...
- كفاية يا صلاح أنت ماشاءالله خلصت لك علي فسيخة بحالها و رنچتين، هتفيص مني و ما أقدرش أشيلك عاد.
كان يمضغ بإستمتاع و رفع يده بإشارة إعجاب:
- طعمهم حلو أوي، إزاي مكنتش باكل الحاجات دي.
أنتهي من تناول الطعام و أخذ ينفض يديه ثم نهض ليغسل يديه و قال لها:
- مج شاي بقي من إيديكِ الحلوين أو لو عندك في التلاجة كانز هات لي واحدة عقبال ما أخد shower عشان ريحتي كلها فسيخ.
و لدي قمر و بكر، حياتهما علي وتيرة الإستقرار لا تخلو من بعض الخلافات أحياناً مثل حياة أي زوجين لكن أجمل ما في الأمر تنتهي المشكلة بموقف رومانسي حالم، يحتويها بحبه و حنانه، يغمرها بعشقه و يسكنها قلبه كما يسكن فؤادها.
و في صباح يوم ما، يستعد للذهاب إلي عمله الجديد حيث يعمل في الحسابات لدي محل داخل مركز تجاري في وسط مدينة مجاورة للبلدة التي يقطن بها.
- أني ماشي يا قمري، ماعوزاش حاچة مني قبل ما أمشي؟
خرجت من المطبخ تمسك بعلبة بلاستيكية:
- أستني خد علبة الواكل دي معاك.
أمسك بالعلبة و قال:
- Lunch box!
شايفاني عيل صغير إياك!
فتحة حقيبته التي يأخذها معه، جذبت السحاب لتضع العلبة داخلها قائلة:
- دي فيه الواكل اللي عتتغدي بيه بدل ما تاكل من بره و بطنك توچعك، كيف قبل إكده، الواد عمر إبن خالي كان چايب أتنين واحدة ليه و واحدة ليك.
أقترب منها و عانقها بحنان:
- ربنا ما يحرمني منك يا قمري، علي طول مدلعاني و كأني ولدك.
حاوطت وجهه بين كفيها و أخبرته:
- ما أنت ولدي برضك، و ولدي الكبير كمان.
أخبرها بأنفاس يملؤها الشوق:
- ولدك زعلان منك.
سألته بدلال و تحاوط عنقه بساعديها:
- و ولدي زعلان ليه؟
رمقها بمكر و بحزن زائف:
- شوفي أنتِ نسيتي إيه!
تذكرت و أبتسمت:
- خلاص ما تزعلش، أني فعلاً بقي لي يومين ناسية.
- و أني بقي رايد حق اليومين اللي فاتوا بالنهاردة كمان.
لم يعط لها فرصة للتحدث، ألتقط شفتيها علي الفور و يعانقها برفق و حذر بسبب بطنها التي كبرت قليلاً.
لم يقل حال فاطمة و زوجها عن شقيقها، حيث كلما أتيح له الوقت و أخذ أجازة، فيأخذها في نزهة ترفيهية و ها هما الآن يقف كليهما أسفل برج إيفل و يلتقط يحيي لهما العديد من الصور، نجح في جعلها تحبه حتي لو بنسبة خمسون في المائة، و مع مرور الوقت سوف تعشقه مائة بالمائة و لما لا، فهو يوفر لها كل ما تتمناه أي إمرأة من الحب و الأمان و الحنان، و حضن يحتويها في لحظات حزنها و يد حنونة تربت عليها في لحظات ضعفها، فكل ما كانت ترجوه أن تجده لدي رافع في الماضي ها هي لم تجده سوي لدي يحيي الزوج و الحبيب و الأخ و الأب، لم تشعر بالغربة بتاتاً و هي معه، فهذا مكافأة و جائزة صبرها طوال السنوات المنصرمة، تخيلت لوهلة إذا كانت علي ذمة إبن عمتها، لكانت الآن تنعي حظها العثر كلما ذعب لزيارته في السجن، فكل منهما أختار دربه، و كل منهما ظفر بنهاية عادلة.
و كذلك الأمر لدي زكريا الذي سيظل ينفذ عقوبة السجن و يظل مسجوناً لمدة خمس عشر عاماً، يفقد حريته ضريبة لما اقترفه من ذنوب أتمها بالقتل بعد تهربه من نسب طفل الفراش من الخادمة، و الشئ الوحيد الذي فعله علي مضض رغماً عنه هو زواجه من سمارة التي وضعت مولودتها بعد حمل تسعة أشهر، و كم من المضايقات التي تعرضت لها خلال تلك الفترة و خاصة بعد أن أعتزلت الرقص و أرتدت الحجاب و تابت إلي ربها، تذهب كل فترة من حين إلي أخر لزيارة زوجها و رؤيته.
- أزيك يا سي زكريا، شوفت بنتنا طالعة زي القمر كلها أنت.
خفق قلبه من الفرحة و يحمل طفلته بين يديه:
- ماشاء الله، اللهم بارك، فعلاً هي كيف القمر، سمتيها إيه؟
إبتسمت إليه و ببراءة أخبرته:
- سميتها قمر علي إسم مرات الشيخ بكر الله يكرمه.
خفق قلبه و تسمر مكانه، أردفت:
- أصل من وقت ما أتقبض عليك و ربنا يبارك له علي طول بيسأل عليا و بيبعت لي فلوس، بيقولي أنتِ مرات أخويا و مسئولة مننا و أي حاجة محتاجها ماتتكسفيش و أطلبي و أنا زي أخوكِ، و لما ربنا قومني بالسلامة جاب لي كل لوازم النونو و البت نواعم كمان ما سبتنيش و لا لحظة.
كانت السعادة تنضح من عينيه، لم يصدق نفسه بعد الذي حدث بينه و بين شقيقه من جرح صعب مداواته، فهو يساعده و يقف بجوار زوجته و إبنته، أتسع ثغره أكثر عندما وصل إلي مسامعه صوت شقيقه:
- مبروك ما چالك يا ولد أبوي.
أخذت سمر رضيعتها من يديه، قفز إليه بكر و عانقه بقوة و ربت علي ظهره قائلاً:
- أتوحشتك جوي يا ولد أبوي.
هكذا عاد الصفاء إلي النفوس و مهما ضرب الخلاف ما بين الأخوة، فالتسامح يُزيل أي شائبة بينهما.
و لنذهب إلي القاهرة حيث متجر الحاج نعمان، لم ننكر الحزن الذي لازم شهد طوال الأيام الماضية لاسيما بعد أن قام فارس بطلاقها، و لأن تم الزواج ببطاقة فارس الزائفة، جعل المحامي يستخرج له وثيقة طلاق بها نفس البيانات التي دونت في وثيقة الزواج و هذا مجرد روتين أوراق رسمية لتحصل علي لقب مطلقة وسط المجتمع.
ظلت تمكث داخل غرفتها لأكثر من شهرين حتي تمكن والدها من جعلها تخرج من تلك الحالة بعد أن بث بها الثقة من جديد و أخبرها بعد تأكده إنها أصبحت أفضل من ذي قبل فقال:
- هقولك كلمتين و ياريت قبل ما تردي تعقليهم في دماغك، أنا السبب في كل اللي حصلك، الغلط غلطي من الأول يوم ما عرضتك للجواز عليه، كان المفروض لما عرفت إن قلبه مش ملكه مكنتش حطيتك سد خانة ليه و النتيجة اللي حصل، أنتِ يا شهد جميلة و أي راجل يتمناكِ، الغلط كله كان من عندي و أنتِ غلطي برضو يوم ما مشيتِ ورا قلبك و لا غيتِ عقلك، إحنا بشر و وارد نغلط حتي في إختيارتنا، و الصح إننا نتعلم من تجاربنا و نتفادي الأخطاء دي و مانبصش تحت رجلنا و نفضل واقفين، حبي نفسك و قدريها خلي عندك إيمان و إرادة ما تخليش قلبك يتحكم فيكِ و لا عقلكِ يتحكم فيكِ لوحده، لازم دمج ما بين الأتنين عشان نختار صح و تبقي رضيتِ عقلك و قلبك و تعيشي مرتاحة و مبسوطة.
عانقت والدها و قالت بصوت خافت يخبيء في طياته الكثير من الألم و الحزن:
- أنا مش عايزة حاجة من الدنيا دي غيرك يا بابا.
ربت عليها بحنانه الغادق قائلاً:
- و أنا كمان يا حبيبتي، مليش غيرك في الدنيا و نفسي أشوفك مبسوطة و أطمن عليكِ ديماً.
- ما تقلقش يا حبيبي، أنا بخير طول ما أنت بخير.
رفع يديه في وضع الدعاء داعياً ربه:
- يارب يا شهد يا بنتي ربنا يرزقك باللي يريح قلبك و يعوضك عن كل لحظة حزن عشتيها، آمين يارب.
كانت شاردة في كلمات والدها و تتردد في ذهنها حتي أنتبهت إلي المدعو حمودة و هو يناديها:
- يا مدام شهد، أنا خلاص قفلت كل حاجة.
نهضت من خلف المكتب و تناولت متعلقاتها و قالت:
- أنا هامشي و أبقي أقفل المحل كويس، سلام.
و كادت أن تخرج من المحل وجدت ما يسد الطريق عليها سيارة تقف أمام المتجر مباشرة، صاحت بغضب كالعادة:
- مين صاحب العربية دي، و إزاي يركنها هنا، دي إسمها قلة ذوق.
- و ضيفي عليهم قلة أدب.
ألتفتت إلي صاحب الصوت الرجولي، كان شاباً يبدو من ملامحه الرجولية إنه في نهاية عقده الثالث، ذو بشرة حنطية و عينان رمادية يا لصدفة!
- مين اللي سمح لك توقف عربيتك هنا؟
رفع حاجبيه بتعجب من أسلوبها الذي أعجبه لكن لم يبد ذلك فقال:
- و الله دي عربيتي و الشارع ملك للجميع و أوقفها في المطرح اللي يعجبني، يعني ملكيش فيه.
- بقي كده!، طيب.
كانت ترمقه بتوعد و إنتقام، أتجهت نحو سيارته و أخرجت مبرد الأظافر و قامت بخدش سيارته، ركض نحوها و أمسك بيدها ليوقفها عما تفعله:
- أنتِ مجنونة يا بت، ده أنتِ لعبتي في عداد عمرك.
و رفع يده الأخري، أتسعت عيناها تظن إنه سوف يصفعها، أوقفه صوت أخر:
- واد يا قاسم، بتعمل إيه عندك؟
أنتبهت إلي الإسم جيداً، بينما ذلك القاسم أجاب بصوت جهوري:
- مفيش يا حاج، ده موضوع هيتحل دلوقت و جاي لك.
جذبت يدها من قبضته و قالت له بتهديد:
- أقسم بالله إيدك دي لو أتمدت تاني كنت....
قاطعها و يقترب منها:
- كنتِ هاتعملي إيه وريني.
أشارت له بسبابتها:
- أرجوك يا أستاذ قاسم بطل اللي بتعمله ده و أقف مكانك.
ضحك و غمز لها بعينه قائلاً:
- إيه ده لحقتي تلقطي الإسم من الحاج، عموماً ما تخافيش أنا مكنتش هضربك، أنا كنت هابوسك.
أتسعت عيناها:
- أحترم نفسك.
ضحك مرة أخري و قال:
- في إيه ما تفكِ شوية بهزر معاكِ.
جاء والده و سأله:
- أنت سايب المحل يضرب يقلب و بتعمل عندك إيه؟
و أنتبه إلي شهد و أخذ يتأمل في ملامحها عن كثب و صاح بتهليل:
- إيه ده شهد بنت الحاج نعمان!
عقب إبنه بمزاح:
- إيه ده يا حاج أنت بتعط من ورايا و لا إيه.
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم، فأردف الرجل:
- أنا عمك نصر صاحب أبوكِ من أيام الجيش و كان لينا واحد صاحبنا تالت بس لسه عارف إن الله يرحمه توفي من شهور، ابوكِ هو اللي أتوسط لي عند صاحب المحل اللي جمبكم عشان أشتريه منه و أفتح محل موبايلات، و ده يبقي إبني قاسم.
هزت رأسها في صمت، يكفيها حديثاً اليوم. ربما ستبدأ حكاية جديدة لها، و هل هذه بشائر دعوات والدها أم ما كتبه لها القدر!
※ــــــــــــــــــــــــــــ※
يخرج صلاح من مكتب وكيل النيابة بعدما قدم إليه جميع الأوراق و التقرير الطبي الزائف الذي يفيد بإحالة سليم إلي مشفي لعلاج الأمراض النفسية و إذا أثبت الأطباء هناك إنه مريض نفسي فهذا سوف يجعله يقع تحت بند فاقد للأهلية و لم تتم محاسبته سوي بعدما تتم فترة العلاج النفسي، مجرد حجة واهية لتأمين سلامته من رجال المافيا و خاصة بعدما أرسل له إحدي رجاله من الخارج رابط قام بفتحه ليجد صورة ريبيكا أسفل عنوان
«إنتحار سيدة أعمال في ظروف غامضة»
يبدو إنهم علي علم بكل ما يحدث لذا حاول بكل نفوذه بالتكتم علي كل ما يحدث بأن لن يصل إلي الصحافة و إذا علم إحدي الصحفيين بالإجراءات التي تمت مع سليم فسرعان ما يذهب إليه صلاح و إعطاء له مبلغ مالي لجعله يصمت تماماً، و هنا القوة للمال و لا عزاء للضمير!
و ها قد جاء اليوم الموعود، طلب فارس من جميع أفراد العائلة التجمع في منزل عمه خميس، حضرت عمته جليلة و زوجها الشيخ واصف و بكر و قمر، بينما فاطمة ما زالت في الخارج مع زوجها، و زينب تجلس في زواية تراقبه في صمت و لأول مرة منذ شهور يري الفرح و السرور يتطاير كليهما من ذهبيتيها، و عادت نظرة العشق من جديد، يتذكر أول مرة عندما اخبرها بحبه عندما كانا صغاراً.
جاء فارس إليهم للتو يرتدي الجلباب الصعيدي و فوقه العباءة، وقف في منتصف الردهة أمامهم و قال:
- السلام عليكم يا آل قناوي.
ردد الجميع عليه التحية فأردف:
- أنا طلبت منكم تتچمعوا أهنه عند عمي رغم كنت رايد أچمعكم في دار أخوكم الله يرحمه، و سبب طلبي هو رايد تكونوا أهلي و عزوتي كيف ما كان أبوي عايش.
نظر إلي عمه و قال:
- حضرتك يا عمي في مقام أبوي و مرات عمي الحاچة رسمية في مقام أمي الله يرحمها.
و نظر إلي عمته و أردف:
- و حضرتك يا عمتي ليه البعد و الجفا!، المفروض تكوني كيف أمي التانية، مش أني كيف زكريا و فاطمة و بكر و لا إيه؟
أبتلعت الأخري ريقها، فهو لديه حق، لم تسأل عليه يوماً بل كانت كلما تراه منذ صغره تتجاهله و أحياناً تقسو عليه.
- طبعاً يا ولدي كيفك كيف ولادي، سامحني علي أي حاچة سويتها وياك زمان.
عقب الشيخ واصف:
- حداك حق يا ولدي، و ياما قولت لها إكده لكن لما الحقد يملي القلوب، الواحد ما بيشوفش قدامه و لا بيفرق ما بين صغير و لا كبير.
أجاب فارس:
- و أني مش چاي أقلب في الماضي يا چوز عمتي، كل اللي رايده منكم إنكم تودوني و أودكم، بيت قاسم القناوي مش ليا لوحدي ليكم أنتم كمان، بيت عمدة أهل النچع هيفضل عامر بحسكم و بحس ولادكم و أحفادكم، أنا رايد نفتحوا صفحة چديدة وياكم و لو حد شايل مني أو زعلته في يوم من الأيام يجولي.
قال بكر:
- الشهادة لله يا ولد خالي عمري ما زعلت منك و لا أنت زعلت حد واصل.
و عقب عمه خميس:
- يا فارس يا ولدي، أنا كنت طول عمري بتمني من ربنا إنه يرزقني بولد كيفك إكده في اخلاقك و ادبك و علامك و تربيتك، لكن الحقد و الغل اللي أتزرع چواتي من ناحية أخوي خلوني قسيت علي ولدي و بجي كيف ما أنتم خابرين و أديه بيتلجي عقوبته في الدنيا و لساته عقابه في الآخرة.
ربت فارس علي كتف عمه و قال:
- أني مسامحه يا عمي.
عقب الشيخ واصف قائلاً:
- ربنا يبارك فيك و يبارك لك يا ولدي، قاسم الله يرحمه عرف يربي صوح راچل من ضهر راچل.
تنحنح فارس ثم أخبرهم:
- الأمر التاني اللي چيت عشانه، هو إن بطلب يد زينب من عمي خميس، إيه جولك يا عمي.
أجاب عمه بسعادة:
- من غير ما أجول يا ولدي، من يوم ما بتي وعيت علي الدنيا و هي ليك.
تدخل بكر بـ روح الدعابة قائلاً:
- إكدة كلنا نقرأ الفاتحة، و لا إيه يا عروسة.
نظرت زينب بخجل و قالت:
- كيف ما قال أبوي.
فقالت رسمية والدة زينب:
- يبجي إكدة نرقعوا أحلي زغروطة.
أطلقت زغرودة وصلت إلي أهل النجع، عقبت العمة جليلة:
- و إني روحت فين، أحلي زغروطة لأجمل عرسان.
هكذا كانت الأجواء تعم بالفرحة و الحب، و عادت الحياة إلي فارس من جديد، فها هم الجميع يعانقونه بالمباركات و التهنئة و كذلك زينب التي لم تصدق تلك اللحظة.
أختتم الفرحة قول والدها:
- و بإذن الله كتاب الكتاب و الدخلة أخر السبوع.
※ـــــــــــــــــــــــــ※
و قبل ميعاد الفرح بيومين، أخذ فارس زينب و ذهب كليهما إلي زيارة الطبيب، التي أستمرت زينب لديه علي العلاج في الشهور الفائتة...
- ها يا مدام زينب، عامله إيه دلوقت؟
أجابت بطيف إبتسامة:
- الحمدلله بقيت أحسن بكتير يا دكتور.
هز رأسه بـ رضا، بعدما تأمل ملامحها و قرأ لغتها الجسدية:
- تمام، أولاً ألف مبروك ليكِ و للباشمهندس فارس، ربنا يتمم لكم علي خير، ثانياً و أهم زي ما قولت لك قبل كده الراحة النفسية التامة، نبعد عن أي ضغط نفسي، يوم ما تحسي بخنقة أو ضيقة عليكِ بأهم حاجة المداومة علي الصلاة و علاقتك بربنا، قراءة القرآن بصوتك أنتِ هايبعد عنك أي طاقة سلبية، إقرأي و أخرجي و أتفسحي، جددي من حياتك علي طول، أبعدي عن أي حاجة تفكرك بالماضي و ياريت تبدأوا حياتكم في مكان بعيد عن بيت أهلك و كذلك بيت والده، ابدأوا حياة جديدة مليانة فرح و فكاهة، حاولوا تكتشفوا نفسكم من أول و جديد كأنكم بتتعرفوا لأول مرة علي بعض، فضفضوا لبعض كأنكم أصحاب، ده بيفيد جداً و بيقوي علاقة الطرفين، الحالة اللي كانت بتيجي لحضرتك مجرد هلاوس بتحاول السيطرة عليك لكن مع هزيمتها بالتعليمات اللي مشيتي عليها بقيتِ أحسن من الأول.
هزت رأسها بالإيجاب و قالت:
- الحمدلله.
إبتسم الطبيب و أخبرهما:
- كده خلاص ما لكوش عندي غير ألف مبروك.
※ـــــــــــــــــــــــــــــــ※
بدأ العزف بالمزمار البلدي و يتبعه قرع الطبول و دوي صوت إطلاق الأعيرة النارية في السماء تعبيراً عن الفرح، فاليوم هو اللقاء الأسطوري، تجمعت قلوب العشاق بعد عذاب و ألم و فراق.
أمر فارس بمراسم زفاف من التراث القديم، حيث خرجت العروس من منزل والدها و صعدت إلي هودج مُحاط من جميع الجوانب بأجمل الأقمشة الملونة و المزركشة، و كان الهودج أعلي الجمل.
بينما فارس كان في إنتظارها يمتطي الحصان و يتراقص علي المزمار، فهو رفض أن يرتدي حُلة سوداء بل أرتدي جلباب أبيض تعلوه عباءة فاخرة و علي رأسه عمة ملفوفة حول رأسه بشكل مهندم.
نزل من فوق الحصان عندما رأي قدوم موكب العروس و أصوات أبواق السيارات التي تسير بمحاذاة الجمل و تهليل أهل النجع اللذين حضروا جميعاً.
توقف الموكب أمام دار القناوي المزين بالسرداق الخاصة بالأفراح و الورود، تقدم فارس من الجمل و انتظر عندما هبط علي الأرض ثم أقترب و أزاح الستار مد يديه إليها فأستندت بيديها علي كتفيه ليحملها علي ذراعيه، تعالت الزغاريد و صفير الشباب و تهليلهم.
أخذ يتأملها بـ وله و عشق، فكانت ترتدي ثوب الزفاف مرة أخري لكن تلك المرة ينضح من عينيها الفرح و السعادة كالفراشة التي تحلق بين الزهور، ثوبها يجعلها كالأميرات في أبهي زينتهن.
و في تلك اللحظة وصل المأذون و بدأت مراسم عقد القران أمام أهل البلدة، كان المأذون يجلس خلف الطاولة و علي جانبيه فارس و عمه خميس و بجواره تجلس زينب.
أخذ الشيخ يُملي عليهما ما يرددونه و كان كلا من فارس و زينب يرددون بسعادة تغمر قلوبهما، حتي جاءت لحظة التوقيع و قال المأذون:
- بطايق الشهود يا سادة.
مد بكر بطاقتان هوية قائلاً:
- أتفضل يا شيخنا، بطاقتي و بطاقة أبوي.
تدخلت يد عنوة تضع بطاقة هوية أمام المأذون يقول صاحبها:
- عليا الطلاج من مارتي اللي لسه ما أتچوزتهاش لأكون أول شاهد علي چوازة صاحبي و لا إيه يا أبو عمو.
نهض فارس و بسعادة ردد:
- چنيدي، يخرب عقلك.
عانقه الأخر و ربت عليه بقوة:
- ألف مبروك يا عريس.
ثم أخبره بصوت خافت:
- أوعي تجول لحد إن إحنا كنا أصحاب في زنزانة واحدة، الحمدلله ربنا رزقني بظابط إبن حلال لما دليته علي تاچر المخدرات اللي كنت بشتغل حداه، قوم لي محامي شاطر جوي و قدر يخرچني و بقيت حداه مخبر.
ربت فارس علي كتفه قائلاً:
- كفارة يا صاحبي، بطلوعك من السچن و النهاردة فرحي علي اللي بيعشقها جلبي، بجي إكده ما عوزش حاچة تاني من الدنيا كل حبايبي و أهلي و ناسي حواليا.
و بعد الإنتهاء صدح صوت الشيخ بالجملة الذي يرددها في نهاية المراسم:
- بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما علي خير إن شاء الله.
أعطي أحدهم عصا خشبية إلي فارس و قال:
- يلا يا عريس.
و أمسك بكر عصا أخري و قال:
- ده واچب عليا يا ولد خالي.
أختطفت زينب منه العصا و رمقت فارس بتحدي و إبتسامة قائلة:
- ده واچب عليا أني.
أخذ الأثنان في مشهد جعل الجميع يتابعونهم بسعادة و حماس يمارسان التحطيب، و عندما أمسكت زينب طرفي العصا لأعلي باغتها فارس و ألقي بعصاها بعيداً فأقترب منها و حاوطها بين ذراعيه و يمسك بعصاه بالعرض خلف ظهرها حيث أصبحت محاصرة بين العصا و صدره فقال لها بأعين تنضح بالحب:
- أهو ده اليوم اللي كنت بحلم من زمان.
بادلته نظراته و التي لا تقل عنه عشقاً:
- أني حاسة و كأني عايشة في الچنة، اللي بيحصل ده حقيقي و لا هلاوس!
ضحك و أخبرها:
- لو دخلنا دلوق الدار هقولك حقيقي و لا هلاوس.
رفع يده بتحية إلي الجميع، فألقوا عليه عبارات التهنئة، صافحه عمه و زوجته التي قامت بتوصيته علي إبنتها و أخبرها بأن زينب ليست مجرد زوجته فهي روحه التي يحيا بها،
صافحته و قامت بتهنئته العمة جليلة و ربتت عليه لأول مرة بحنان قائلة:
- ربنا يتمم لك علي خير يا ولدي.
- تسلمي لي يا عمتي.
قالها و قام بتوديع الجميع ثم حمل زينب علي ذراعيه و دلف إلي داخل الدار.
※ــــــــــــــــــــــــ※
بعد ولوج كليهما إلي داخل الدار، تفاجئت زينب من تغير كل شئ حيث دهانات الجدران و الأثاث تبدل بأخر جديد و عصري للغاية.
أنزلها و هي تتأمل المكان بإنبهار:
- الله، أي الچمال ده، الدار كأنها كيف البيوت اللي في المسلسلات.
عقب مبتسماً و يحاوط خصرها بذراعه:
- كل ده سويته في أسبوع، لأن حبيبتي تستاهل كل غالي، و فيه مفاچأة تانية، أتواصلت مع الشركة اللي كنت بشتغل حداهم في أمريكا أتاري كانوا بعتوا لي علي الـ gmail
من ست شهور، كنت مقدم لهم مشروع قبل ما أرچع من هناك علي أهنه و بعد ما درسوه و عملوا تجربة الحمدلله نجح و بعتوا لي أسافر عشان رايدين مني أكون شريك وياهم، و حولوا لي أول دفعة من الفلوس علي الفيزا من يومين، خليك مكانك و راچع لك.
تركها و دلف إلي إحدي الغرف و بعد ثواني خرج إليها يحمل علبة مغلفة بالمخمل الأسود، قام بفتحها و ظهر خاتم يبدو من الماسة التي به إنه باهظ الثمن.
أتسعت عينيها بصدمة و قالت بدهشة:
- واه يا فارس، ده شكله غالي جوي.
أخذه ثم أمسك يدها ليضعه في بنصرها بيدها اليسري و قام بتقبيل ظهر يدها قائلاً:
- الغالي يرخص لك يا غالية.
إبتسمت و نظرت إلي أسفل بخجل، لاحظ ذلك كما تذكر حديث الطبيب النفسي إليه عندما طلب التحدث إليه علي إنفراد ليخبره بأنه يتحلي بالصبر معها و أن يكون حذر خاصة في الوقت الخاص بهما، إنها ما زالت تعاني من إضطرابات و ضغوط نفسية رغماً من الهدوء و السلام النفسي الذي تعيش فيه الآن.
- ما تيچي ناكل، الخالة هنادي طبخ لنا شوية طواچن من اللي جلبك يحبهم، ده غير الحلو و مانستش طاچن الرز باللبن أبو مكسرات اللي عتحبيه.
- أني مش چعانة، لو چعان ممكن أجعد وياك عقبال ماتاكل.
أمسك يدها و خلل أنامله بين أناملها و أخبرها:
- بصراحة أني مش چعان، تعالي غيري فستانك و أني أغير خلچاتي و نتوضو و نصلوا ركعتين شكر لله إنه چمعنا ببعض بعد قصة عذاب تتعمل أفلام و مسلسلات.
أومأت له و قالت:
- حاضر.
و بعد قليل خرج من المرحاض بعدما أبدل ثيابه بأخري رياضية حيث يرتدي قميص و بنطال قطني و خصلات شعره مصفوفة بعناية، بينما هي كانت في الغرفة تحاول جذب سحاب ثوبها من الخلف و لم تستطع فك حجابها أيضاً لكثرة الإبر المثبته به.
طرق الباب يسألها:
- زينب، چهزتي و لا لسه؟
زفرت بنفاذ صبر و سأم، فذهبت لفتح الباب و رمقته بـ يأس و أخبرته:
- معرفاش أجلع الحچاب و لا الفستان.
أمسك يدها و ولج إلي داخل الغرفة:
- تعالي أني هخلعهم عنك.
و بمجرد أن لمست يده حجابها أنتفضت رغماً عنها، سألها بقلق:
- مكسوفة و لا خايفة مني؟
حدقت إليه بنظرة لا يعلم منها شئ سوي إنها فاقدة للأمان، ضمها إلي صدره و أخذ يمسد علي رأسها قائلاً:
- ما تخافيش طول ما أني وياكِ، أني خابر سبب قلقك، أحب أطمنك مش هاسوي معاكِ أي حاچة غير لما تكوني مستعدة، أني يهمني راحتك يا روح جلبي.
و ما أن أدخل السكينة إلي قلبها بكلماته، بادلته العناق.
أخذ يخلع لها طبقات الحجاب فأنسدلت خصلاتها الغجرية علي ظهرها، رمقها لثوان بنظرة هيام، قام بتقبيل جبهتها و في نفس الوقت يجذب سحاب ثوبها.
- دلوق كده المشكلة أتحلت، أني هستناكِ بره لحد ما تخلصي و نادمي عليا.
ها هي تقف أمام المرآة بعدما توضأت و أرتدت إسدال الصلاة، أنتابها شعور مخيف تجهل مصدره، فأسرعت تتلو بعض السور القرآنية التي تحفظها بصوت مسموع لها، شعرت بالطمأنينة علي الفور.
خرجت لتجده يتلو آيات سورة الرحمن بصوت عذب، ظلت واقفة تستمع إليه ريثما أنتهي و قال:
- صدق الله العظيم.
- صوتك حلو جوي في القرآن، أول مرة أسمعك و أنت بتقرأ.
أغلق المصحف و قام بتقبيله ثم وضعه في المكتبة و نهض قائلاً:
- أنتِ ناسية إن حافظ القرآن كله علي يد الشيخ واصف!
- أيوه فاكره زين، أومال أني حبيتك من شوية.
جز علي شفته السفلي و رمقها بنظرة ما:
- طب يلا قدامي نصلوا قبل ما أسوي حاچة تنقض الوضوء.
ضحكت و قالت بسخرية و مزاح:
- يلا يا شيخ فارس.
وقف إتجاه القبلة و هي خلفه بخطوة، بدأ يصلي في خشوع و يتلو الآيات بصوت عذب.
- السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.
رددت خلفه و أنتهيا من أداء صلاة الشكر، تقدم منها و وضع يده علي رأسها و أخذ يردد بعض الأدعية.
و بعد أن أنتهي، حاوط وجهها بين كفيه قام بتقبيل جبهتها و أطال قليلاً في قبلته ثم رمقها بنظرات مليئة بالشوق و الغرام و قال:
- أني بعشقك جوي يا زينب.
- و أني ما عرفتش معني العشق غير علي يدك أنت.
و أمسكت بيده و كفه الملامس لخدها و قامت بطبع قبلة في باطن كفه، فقبلتها هذه جعلته لم يتحمل أكثر من ذلك و هَّم بتقبيل شفتيها في قبلة بث إليها من خلال كل مشاعره نحوها، مدت ذراعيها لتعانقه و كأنها تتشبث به، فهي لم تشعر بالأمان يوماً سوي و هي بين ذراعيه.
و دون أن تدرك كيف و متي حدث ذلك، اصبحت أعلي الفراش و مازال يُقبلها و يغمرها بين يديه بعناق حميمي، يردد علي مسامعها كلمات تذوب لها الأفئدة من فرط العشق الذي جعلها تخفق بشدة.
نتشعر و كأنها تحلق فوق غيوم وردية ناعمة تأخذها إلي مملكة الحب الآسر لقلوب العشاق.
أطلقت مشاعرها نحوه و هو أيضاً، فكل منهما يكمل ما ينقص الآخر، تغمض عينيها و تشعر بلمساته التي كانت كالسحر، و كأنها المرة الأولي كذلك هو أيضاً برغم زواجه السابق لكنه يشعر لأول مرة بلذة يشوبها العديد من المشاعر الرومانسية الحميمية.
كان تلاحم روحي أكثر من كونه تلاحم جسدي، ظل كليهما هكذا حتي بلغ كل منهما قمة المتعة، متعة لم تقتصر علي الجسد فقط، بل علي الروح أيضاً.
و هكذا بدأت حكاية فارس و زينب بعد أن جمعهما القدر من جديد و أستقرت قلوبهما كإستقرار الروح في الجسد.
※ـــــــــــــــــــــــــــ※
في مستشفي العباسية، و تحديداً قسم ٨ غرب حيث يمكث القتلي و المجرمين الذين يعانون من أمراض تجعلهم خطر علي من حولهم.
و إذا أنقطع التيار فجأة و صراخ إحدي الممرضات بإستغاثة، ركض رجال الأمن نحو مصدر الصوت فقابلهم دخان كثيف ينبعث من الغرفة التي نهاية الرواق و رائحة شئ يحترق.
حاول رجال الأمن كسر الباب و صاح إحدهم:
- حاولوا أكسروا الباب بسرعة الحالة اللي جوه ده لو جري له حاجة هانروح كلنا في داهية.
و بعدما تمكنوا من كسر الباب لفحهم دخان أسود و رائحة إحتراق تكتم كل من يستنشقها.
- يا ساتر يارب إيه الريحة دي، هات يا بني الكشاف أنا مش شايف حاجة.
رد الأخر:
- ده شكله كان ماس كهربا، خد بالك.
أخذ يوجه ضوء الكشاف حتي وقعت بقعة الضوء علي جثة قد تفحمت بالكامل، صاح الرجل بذعر:
- يا نهار أزرق روحنا في داهية، الراجل أتكهرب لحد ما أتحرق.
- طب إزاي و إحنا مأمنين كل حاجة في الأوضة.
فقال ثالثهم:
- ماس الكهربا ده بفعل فاعل، لازم نبلغ مدير المستشفي و هو يتصرف، روح بلغه بسرعة.
صاح الأخر بإعتراض قائلاً:
- و لما يسألني مين اللي أتحرق أقوله إيه!
أجاب بجدية:
- بطل غباء و قوله سليم العقبي.
༺تمت بحمد الله༻
يتبع روايات جديده وحصريه اضغط هنا
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية