رواية فارس بلا مأوى الفصل الرابع والاربعون 44 - بقلم ولاء محمد رفعت
ظلام دامس و سكون رهيب يعم أرجاء هذا المكان الموحش ذو الرائحة العطنة، أصوات أنين و زمجرة تأتي من خلف شريط لاصق يكمم فاه شهد التي منذ أن أستيقظت و وجدت أنها و فارس كلاهما مُكبل بالسلاسل الحديدية.
و في ذلك المكان المخيف و المرعب أصابها حالة ذعر و هلع فأخذت تصرخ تارة و تسب هؤلاء الرجال الذين قاموا بخطفهما و أتوا بهما إلي هنا؛ فمازالت تجهل السبب حتي قام أحدهم بوضع شريط لاصق علي فمها و بعد قليل حدث الذي كان يتوقعه فارس المُقيد بضم يديه إلي أعلي رأسه بسلسلة حديدية تلتف حول رسغيه معاً و أخري متصلة بالتي حول يديه و بعمود معدني مقيد به سائر جسده، و قدميه مُقيدة داخل دلو ملئ بالماء، مُجرد من قميصه حتي يلفح جذعه العاري ذلك البرد المحيط به .
و إذا توجهنا ببصرنا أمام فارس بمسافة قليلة، سنري ضوء أصفر باهت يتسلط علي ذلك الجالس فوق كرسي من الجلد المُبطن ذو مسند للظهر كبير و مساند جانبية في مقدمتها تمثالين لأسدين، يجلس بكل شموخ و هيبة، يكشف الضوء عن عينين شديدة الحدة، تُرهب كل من ينظر إليهما، و ما زاد هيئة صاحبها رعباً تلك الإبتسامة المرسومة علي ثغره، كوحش رابض أمام فريسته يستلذ بمشاهدتها و هي تموت من إنتظار مصيرها نحو الهلاك.
قاطع ذلك المشهد حركة تأتي من جوار الكرسي، لم يكلف عناء نفسه سوي النظر بطرف عينيه مما جعل فارس حاول بكل جهده بسبب العتمة التي تخيم علي المكان التمعن و التحقق من التي تحاول النهوض حتي صعقه صوتها عندما صرخت بأسمه و ليس هذا فقط بل ما أسبر دواخله تلك الوضعية التي هي بها، حيث يلف حول رقبتها طوق متصلة به سلسلة نهايتها في قبضة هذا الرجل الذي أستيقظ شيطانه مرة أخري و أقسم أن يريهم الجحيم بجميع ألوانه لكي يعلم كليهما من هو سليم العقبي !
- أحب علي يدك يا سليم، همله لحاله، فار....
و قبل أن تكمل لفظها لأسمه جذب السلسلة فجاءة مما سبب لها ألم شديد في عنقها و شعرت بالإختناق الشديد، كلا يديها مُقيدة خلف ظهرها مما زاد شعورها بالعجز، أطلق ضحكة ساخرة و يليها قوله لها:
- مفاجأة حلوة يا بيبي.
نظر إلي الطوق حول عنقها و أردف:
- ده مقامك و دورك اللي أختارتيه، نقدر نقول اللي كنتِ بتمثليه، مجرد كلبة مطيعة، صح يا زوزو؟
أخذ يربت علي رأسها و كأنها حيوانه الأليف، بينما هي تحاول أن تلتقط أنفاسها بلهاث و ترمقه من طرف عينيها فباغته صوت فارس:
- هملها يا سليم و حسابك معايا أني.
نظر إليه الأخر و مازال محتفظاً بتلك الإبتسامة الشيطانية قائلاً:
- مستعجل علي رزقك ليه يا أبو الفوارس، ده أنت مشرف هنا لحد ما نشوف هاتستحمل اللي هاعمله فيك لحد أمتي و هخلي زوزو حبيبتي مراتي تشوفك و أنت بتخرج في الروح واحدة واحدة.
أخذت شهد تزوم و تتحرك كثيراً، تهز رأسها بالنفي دلالة أنها ترفض ما سمعته للتو، أشار سليم إلي إحدي رجاله المنتظرين علي بُعد مسافة قليلة، فتقدم الرجل نحو شهد و جذب اللاصق الذي سبب لها بعض الألم، أخذت تلتقط أنفاسها ثم صاحت بدفاع عن زوجها:
- بدل ما جاي تتشطر علي جوزي و مكلف نفسك و خاطفنا روح اتشطر علي الوسـ.... مراتك اللي كانت بتلف ورا جوزي.
صاح بها فارس بغضب:
- أكتمِ يا شهد.
و في غضون لحظات و قبل أن ترد علي صياح زوجها، بإشارة من سليم إلي الرجل، شقت حنجرتها صرخة إثر لطمة قوية جعلتها تشعر بـ نار حارقة في منتصف وجهها، أهتز فارس بغضب عارم و بزئير أسد جامح:
- بعد عنها يا إبن الـ....
نهض سليم بهدوء و كأن لم يحدث شىء، علق طرف السلسلة بحلقة في الكرسي ثم أتجه إلي فارس حتي وقف أمامه مباشرة، أخرج من جيبه هاتفه و قام بتشغيل إحدي التسجيلات
" -زينب، كيفك يا جلبي؟
لحظات من السكون و الهدوء التام حتي ظن أنها ربما أنهت المكالمة
- زينب،رايد تسمعيني زين و تعرفي إن اللي شوفتيه ده كله مش حجيجي.
-كيف و أني شايفة يدها في يدك!، كيف و أني شايفة الفرحة مالية عينيها و هي بتجول أعرفكم بچوزي!، كيف لما چت لك فرصة تهُرب بدل ما تيچي لي تروح لواحدة غيري و تستخبي في حضنها!
-قسماً بالله بحب و لا هاحب غيرك أنتِ، أني أتچوزتها كرد چميل مش أكتر، أني بحبك جوي يا زينب، أنا ما بشوفهاش غيرك أنتِ، صوتك في وداني و صورتك بشوفها في كل واحدة عيني بتيچي عليها.
-أني معاها بچتتي لكن روحي و جلبي وياكي أنتِ، كل نفس بتنفسه أنتِ السبب فيه، عايش علي حبك اللي بيچري في عروقي، زينب أني كل يوم بموت و لما شوفتك وياه جلبي أندبح و عمال ينزف من وجتها، الموت عندي أهون من إنك تكوني مع غيري.
أخبرته من بين أنينها:
-و أني مُت خلاص يا فارس، من وجت ما أخوي هددني بحياتك يا إما أهملك، من وجت ما چبرني أتچوز واحد الشيطان چاره ملاك، من وجت ما خدني الشيطان ده بالغصب و كل ما يجرب مني و أني جلبي ينادم عليك و بفوج و أني بندبح في كل مرة، خابر اللي كان بيصبرني أنت، عمرك ما فارجتني لحظة، عمري ما نسيت حضنك ليا لما چيت لك القسم.
-و أيه اللي چابرك عليه لدلوق أتطلجي منه.
صدر من شفتيها ضحكة باكية بل و ساخرة من حالها البائس فأخبرته:
-تمن الكلمة دي دفعته غالي جوي، و بجي استحالة بعد.....
-بعد أي؟، كملي وجفتي ليه؟
-فارس أني لازم أشوفك ضروري، أول ما هظبط أموري هابلغك عن طريج ريهام، و لحد ما أشوفك بالله عليك خلي بالك من حالك و إياك تسوي حاچة و لا تتهور حياتي و حياتك و حياة أهلي كلها في خطر لو حوصل حاچة و سليم شم خبر.
رد بغيظ و غضب من بين أسنانه:
-واه، رايدني أتفرچ علي اللي بيحوصل وياكي و أسكت إياك!
- لو ليا خاطر عندك بالله عليك أسمع كلامي، أني خابرة بسوي أي زين، و أطمن عن جريب هخلص منه و أخلص الدنيا من شره. "
كان الأربعة يتبادلون الأنظار، فنظرات فارس ينظر بقلق و خوف علي معشوقة فؤاده الجاثية علي الأرض في وضع مُزري، بينما شهد أقل ما يقال عن ما يرتسم علي ملامحها ألا و هو الشعور بالصدمة، و زينب لا تقل عن حال فارس، لكن سليم يكفي تلك النظرة الحالكة التي تنذر بالشر الضاري لا محالة.
لمس علامة إيقاف التشغيل و أخذ يترقب ردود الأفعال فوجد شهد تنظر بصدمة بعد ما قد سمعته من لسان فارس حيالها، بينما زينب ظلت تهز رأسها بجنون و تردد كلمة لا، و أخيراً فارس يرمقه بعداء و كراهية و لولا قيوده لكان أنقض عليه و فتك به في الحال.
ألتفت سليم إلي زينب و سألها بسخرية:
- ألا قولي لي يا بيبي، لحقتي تنسي اللي عملته فيكِ هنا المرة اللي فاتت!، لاء و العجيب و الغريب إنك بكل سذاجة و عبط دخل عليكِ حكاية إن صدقت لعبة الخاضعة المطيعة لحد ما زي ما قولتِ له هخلص منه و أخلص الناس من شره!
خطي نحوها حتي أصبح علي مقربة شديدة منها، نظر إليها و هي تجلس أسفل قدميه، هبط و جلس علي إحدي ركبتيه، وضع كفه علي خدها يربت بخفة:
- واضح جداً أنك لسه معرفتيش مين هو سليم العقبي، و واضح كمان مكنتيش عارفة أن كل نفس و حرف منك بيكون عندي علم بيه و سايبك تتصرفي براحتك و تبلعي الطعم زي ما أنا عايز بالظبط.
لم تتوقف عيناها عن ذرف الدموع لكنها رفعت وجهها إليه بشموخ و رمقته بقوة ربما تستمدها من وجود فارس غرار الخوف الذي ينهش داخلها من المجهول و تنفيذ سليم لوعيده:
- و أني خابرة زين مع مين بتعامل، و خابرة أنك مراقب كل خطواتي و كنت بتخيل منظرك و أنت سامع كيف بكرهك و بتمني أتخلص منك في كل لحظة، و كيف أدفعك كل لحظة ألم و قهر عيشتهالي و أنتقم منك أشر الإنتقام.
رفع زواية فمه جانباً بتهكم و قال:
- و ده اللي خلاكي تنسخي الملفات اللي علي اللاب بتاعي و تحطيها علي فلاشة و اللي بالتأكيد خليتي صاحبتك ريهام توصلها للبوليس، بالتحديد وصلتها لأكرم عمران.
كادت عيناها تخرج من محجريهما فرط دهاءه و مكره، تركها في حالة ذهول و نهض و ألتفت إلي فارس و أردف:
- أكرم اللي سبحان الله يطلع أبوك كان صاحب أبوه اللواء، صدق اللي قال مصر كلها اوضة و صالة.
إبتسم فارس بتهكم مماثل و عقب علي حديث الأخر بقصف مفاجئ:
- أيوه كان صاحبه و اللي أبوك راح قتله لأچل ما يقبضش عليه و يوديه في ستين داهية، و يا عالم إبنه يمكن يحقق اللي مالحقش أبوه يسويه و يخليك تشرف السچن أنت و أمثالك.
و كالمعتاد كان لسليم رد فعل يفاجئ به الجميع، أطلق ضحكة و كأنه سمع تُرفة فكاهية، و عندما توقف عن الضحك قال:
- ياه الواحد زهق من كتر الشعارات اللي ما بتتغيرش و الخير بينتصر و جو الأفلام الأبيض و أسود اللي ضاحكين عليكم بيه.
عقد حاجبيه و أردف بجدية:
- أظن كفاية كدة كلام بقي، أنا مش مستضيفكم هنا عشان نرغي، حتي اسأل زوزو و هي تقولك.
و أشار إلي رجاله فأتي أثنان منهم بإجترار منضدة معدنية يعلوها جهاز و أدوات يكفي أن تنظر إلي كل أداة منها و ستدرك ماذا سيحل بك من عذاب.
صرخت زينب في محاولة بائسة:
- لاء يا سليم، لو لسه ليا خاطر حداك، هاسوي اللي أنت رايده، و لا أجولك لو رايد تنتقم، أنتقم مني، فارس مالوش صالح باللي حوصل، مكنش خابر أني رايحه له، و اللي چري لولدك كان قضاء و قدر.
و لأول مرة منذ أن بدأ العرض هجم عليها قابضاً علي السلسلة و جذبها بحدة حتي شعرت بطقطقة فقرات عُنقها،و بصوت كالرعد صاح في وجهها:
- مش عايز أسمع صوتك لحد ما يجي دورك، أنا لسه علي تهديدي ليكِ بحق إبني اللي راح بسببك حياته قصاد حياة أعز الناس ليكِ، هخليكِ تشوفيه بعينك و هو بيترجاني عشان أرحمه برصاصة في دماغه و أخلصه من اللي هاعمله فيه دلوقت.
أشار إلي إحدي رجاله فقام بإمساك سلكين متصلين بصندوق أسود يتوسطه مؤشر و به زر تشغيل و زر أخر مسئول عن تغير شدة التيار،قام الرجل بإلقاء طرفي الأسلاك في الدلو الملئ بالماء ثم تنحي جانباً و أومأ لسيده بأن الأمر علي أهبة الإستعداد، رمق سليم فارس بنظرة شديدة القتامة و ضع يده علي زر التشغيل قائلاً:
- بصراحة أنا كنت محتار في إختيار وسيلة تعذيب تليق بمقامك فأفتكرت إنك مهندس و كنت دارس التيار الكهربي و عارف أن أحسن موصل جيد للكهربا الميه.
ضغط علي زر التشغيل و سرعان سري التيار الكهربي ليضرب قدمين فارس و بالتالي سائر جسده، حينها شعر و كأن آلاف من الخناجر تخترق كل خلية في جسده الذي أخذ يرتجف و يهتز بقوة ، لم تتحمل شهد ما تراه و رغم من صدمتها من سمعها إلي إعتراف زوجها إلي حبيبته نحوها لكن ما زال قلبها يتغلب عليها، أطلقت صرخة مختلطة بصراخ زينب :
- سيبوا يا حيوان، أنت فاكر نفسك إيه، أنت لو كنت راجل و مالي عين مراتك مكنتش هتجري ورا جوزي و بدل ما تحسابها جاي تحاسبه هو، هي اللي شمال و....
قاطعها كفه تلك المرة و يرمقها بنظرة من الجحيم مُحذراً إياها:
- كلمة كمان عليها و هوريكي إن أنا راجل أوي و قدام اللي بتقولي عليه جوزك.
و ألتفت إلي فارس الذي يحاول إستعادة قوي جسده المرتجف،فبرغم من توقف تشغيل الكهرباء لكن ما زالت المياه تحمل بعض الشحنات التي تصيبه بشعور كاللسعات، ثم عاد بالنظر إليها و أردف بسخرية :
- يا تري كان راجل معاكِ و لا!
رمقته بغضب و ألقت عليه سبة بذيئة:
- أنت و....
ثم بصقت في وجهه و هدر فارس إليه من بين أسنانه:
- بعد عنها و لو كنت راچل بچد فكني و أني هخليك تعرف معني الرچولة.
أخرج سليم محرمة من جيب بنطاله و قام بمسح لعابها من علي خده و ألقي به في وجهها، أخذ يضحك ثم قال:
- تصدق عجبتني، بس يا تري هل دي غيرة شهامة و لا غيرة واحد علي مراته!
أجاب الأخر من بين أسنانه:
- و اللي كيفك إكده يعرف إيه عن الرچولة، تتچوز واحدة مش ريداك غصب عنها، و لو مكنتش خابر إن أول ما هاخد براءة أول حاچة هعملها إن هاچي أخلصها منك مكنتش چيبتني علي أهنه و ربطني و خايف تواچهني راچل لراچل عاد.
رمقه بإبتسامة تثير الغضب و أخبره:
- أنا جايبك هنا عشان أخلص عليك زي ما بنت عمك خلصت علي إبني، إما بالنسبة للرجولة فأنا أرجل منك و من ألف واحد من عينتك، تقدر تقولي كنت هربان طول الفترة اللي فاتت و مستخبي زي النسوان و ما روحتش تدور علي اللي آذاك و أخدت حقك منه!، عارف ليه.
أقترب منه حتي أصبح أمامه مباشرة و أردف:
- عشان جبان و مش راجل.
و باغته بللكمة في وجهه، صرخت شهد و زينب التي صاحت بتوسل:
- كفاية، أحب علي يدك كفاية، همله و سوي اللي رايده فيا أني.
ألتفت إليها و يا ليته ما ألتفت، فذاك الوجه المخيف الذي كان يرمقها سابقاً في هذا المكان ها قد عاد من جديد بل و أسوأ من ذي قبل، أقترب منها و قام بفك تكبيل يديها، أخذت تدلك رسغيها و علي وشك أن تنهض فأجبرها علي الركوع و وضع حذائه أعلي ظهرها، يمسك بسلسلة الطوق:
- أظن كان كلامي واضح من الأول، أنتِ هنا كلبتي المطيعة يا زوزو، و الكلبة المطيعة لما سيدها بيؤمرها تقول إيه؟
رمقت فارس بعينين يملؤها الدموع و قلة حيلة فأطلق زمجرة و صاح:
- هملها يا ابن الـ....
أكتفي الأخر بإشارة إلي إحدي رجاله فذهب و ضغط علي زر تشغيل الكهرباء فبدأ جسد فارس بالإهتزاز، صرخت زينب و تمسك بساق سليم الأخري و تردد:
- حاضر، حاضر.
رفع يده فأغلق الرجل الجهاز، بينما شهد بدأت صرخاتها تخبو من فرط ما رأت، أشار سليم مرة أخري للرجل نحو شهد و أمره:
- فكها من السلاسل و سيب إيديها مربوطة و هاتها هنا.
و أشار أسفل قدمه، أومأ له الأخر و فعل كما أمر و ترك شهد التي أخذت تقاوم و تصرخ بصوت مبحوح، و قبل أن يقترب سليم و يدنو إليها نظر إلي فارس بإبتسامة تشفي و قام بسؤاله :
- إحساسك إيه و أنا بين إيديا مراتك.
أشار له بعينيه نحو شهد
- و حبك القديم!.
و أشار له نحو زينب، و أردف:
- أنا كنت ممكن أخلي رجالتي يتسلو علي مدام شهد قدام عينيك، بس حرام بعد اللي قولته في حقها و أنك متجوزها إكراماً لحماك مش هابقي أنا و أنت عليها.
كافحت شهد الألم الذي يحرق حنجرتها و قالت بصوت ذو بحة بنبرة ساخرة:
- و يا تري ده صوت ضميرك و لا بتداوي جرح كرامتك اللي مراتك داست عليها و هي بتكلمه!
ترك ما بيده و فجأة قبض علي وشاح شهد و قام بخلعه و إلقاءه علي الأرض، ليتمكن من إقتلاع بعض خصلاتها في قبضته:
- أنا مش عادتي أضرب واحدة ست، بس لسانك هيخليني أكسرك.
تدخلت زينب بعدما نهضت بصعوبة تمسك بيده:
- هملهم لو ليا خاطر حداك، أني اللي سويت كل حاچة، أني اللي مسئولة عن ولدك اللي راح، أنتقم مني أني.
و ها قد نفذ صبره قبض علي خصلاتها أيضاً، حينها صاح فارس بصوت يخرج بصعوبة،فصعقه بالكهرباء أنهك قواه بالكامل:
- هملهم يا حيوان.
كاد الرجل يضغط علي زر التشغيل فأوقفه سليم بنظرة ثم رمق فارس بتحدي:
- ها يا باشمهندس قولي أبدأ بمين فيهم، أو هاقولك علي عرض أحلي أنا هاكتفي بواحدة بس و أنت اللي هتختارها، بس خد بالك أنا ما بضربش ستات و زوزو حبيبتي أكتر واحدة تشهد بكدة.
ترك خصلاتها ليحاوط خصرها و يجذبها بقوة حتي أصبحت ملتصقة به و يقترب بأنفه و شفتيه و بدأ يهذي لها و أنفاسه تضرب خدها :
- فاكرة يا بيبي ليالينا الجميلة.
ترك شهد ليتمكن من عناق زوجته و يُقبلها بقوة و عنف و بطرف عينيه يراقب فارس الذي يحاول كسر قيوده بوهن و حالة يرثي لها لينقض عليه و يسحقه، ضحك سليم بخبث و سأله :
- طب لو اللي مكان زوزو شهد؟
و جذب شهد من خصلاتها و وضع يده علي تلابيب ثوبها و كأنه ينوي تمزيقه، و هنا صاح فارس بكل ما تبقي من قوته الواهية:
- جرب تقرب منها و شوف هاسوي فيك إيه؟
أطلق الأخر ضحكته الهيسترية ثم قال:
- و لما أنت دمك حامي كده بتقرب من اللي مش من حقك ليه!
حاول التظاهر بالقوة علي غرار ما يشعر به من عجز و آلام جسدية و أخري معنوية قاتلة، فشعوره بالعجز و عدم إستطاعته الدفاع عن زوجته و ابنة عمه مهجة فؤاده، هذا يكفي لتدميره إلي الأبد.
- لأنها عمرها ما كانت حقك، زينب كانت خطيبتي و من يوم ما جلبي دق لها و بعتبرها مارتي قدام ربنا، و كنت راچع من السفر لأچل نتچوزو، و حصل اللي حصل و چيت أنت أتچوزتها بإجبار من أخوها و منك و خابر أنها مش ملكك.
لم يمتلك الأخر نفسه فترك زينب و أنقض علي فارس بكل حقد و كراهية أخذ يكيل له اللكمات بقوة و ضغينة،يخبره من بين أسنانه بزمجرة وحش كاسر:
- زينب ملك سليم العقبي و بس، أنت سامع يا.... !
حاولت زينب أن تبعده عنه قبل أن يقضي عليه، دفع يدها و أشار بسبابته أمام وجه فارس قائلاً بإصرار و حسم:
-أنت مجرد حشرة و كلها مسألة وقت و هخلص عليك و هاخدها و هنسافر برة، و هنخلف بدل الطفل عشرة، لأنها مراتي أنا، ملكي أنا.
أبتعدت زينب خطوة خوفاً منه، فهو في حالة نفسية غير طبيعية، كادت تخطو خطوة أخري فكانت قبضته أسرع منها و جذبها لينقض علي عنقها و وجهها و شفتيها بقبلات ضارية و كأنه أطلق سراح وحش ساديته، هذا أمام فارس الذي أخذ يصرخ بكل قوته ليبتعد الأخر عنها، بينما شهد من هول ما تري أخذت تحتضن نفسها في حالة ذعر و تبكي، فسبب بكائها ليس ما يفعله سليم في زينب لكن صراخ فارس و كل ما يصدر منه نحو زينب أمام عينيها جعلها تدرك الحقيقة جيداً، كم كانت في غفلة العشق الذي جعلها تغمض عينيها و لم تصدق سوي نفسها فقط و لم تستمع إلي صوت عقلها الذي نهاها عن الإقتراب من عاشق لم يمتلك قلبه يوماً و يعشق محبوبته حتي الثمالة،هيهات و قد فقدت وعيها في الحال.
و لنعود إلي زينب، تحاول بيدين ضعيفتين أن تدفع سليم لكنه أطرحها أرضاً ثم أعتلاها، و أمسك بيديها يضم كليهما معاً في قبضة واحدة منه أعلي رأسها، يردد بجنون جملة واحدة:
- أنتِ ملكي أنا، أنتِ ملكي أنا، كل حاجة فيكِ ملك سليم العقبي.
أستطاعت فلت إحدي يديها بصعوبة و قامت بصفعه ثم دفعه، أطلق زمجرة أرتعدت لها فرائصها ثم نظر إلي رجاله بصوت هادر:
- أطلعوا بره.
خرج رجاله علي الفور، و هذا حتي لا يروا ما سيحدث، فبدأ في ممارسته الوحشية، سحب الحزام الجلدي من بنطاله و قام بتقيد معصميها خلف ظهرها ثم أطرحها علي المنضدة حيث تتمدد بجذعها، غير مبالي لصراخ فارس كالليث الجريح الذي تمكن منه عدوه و أطاح بقلبه ليدعس عليه بلا رحمة عندما أخذ منه لبوءته و جعلها ملكاً له غصباً و إقتداراً، و ها هو الآن يريه ما يفوق الإحتمال و يقتل روحه و يلقنه شر الهزيمة.
و قبل أن يبدأ العرض رمق غريمه بتحدي و إبتسامة إنتصار ثم عاد ببصره إلي التي تحاول أن تنهض،تريد الفرار قبل أن يفعل بها ما سيقترفه الآن ،أوقفها عن التحرك بالضغط علي رأسها من الخلف و دنا منها و حدقها بنظرة سوداء قاتلة قائلاً بسخرية:
- خايفة من إيه، ده أنا هافكرك بس أنك ملكي، لكن بطريقة تليق بيكِ، هعرفك طريقة التعامل مع الكلاب.
جذبها من السلسلة المتصلة بالطوق المحاوط بعنقها و أقترب من وجهها ينظر في عينيها التي تنعكس عليهما صورته و هو في أقوي حالاته شراً، أردف و يربت علي خدها بحدة:
- بطلي حركة و خليكِ كلبة مطيعة يا بيبي.
لم تلحق أن تدرك كلماته و جنونه حتي شعرت به و هو يقف خلفها،يلف سلسلة الطوق علي قبضته فقامت برفع رأسها إلي الخلف رغماً عنها، و قد قصد ذلك عن عمد لكي يري فارس ملامح الذل و القهر علي ملامحها و عينيها تذرف أنهار من العبرات المتساقطة فوق المنضدة.
و في تلك اللحظة فارس كان في عالم آخر يكفي ما تلقاه من الكهرباء و الضرب المُبرح علي يد هذا الطاغية، كل ذلك جعله في حالة ما بين اليقظة و فقدان الوعي، ترتجف جفونه و تتحرك شفتيه بهمس، همس لم تلتقطه أُذنك إلا إذا أقتربت من موطن كلماته و هو يتمتم بحروف إسمها، و كان آخر ما يراه و تلتقطه أذنه صرختها التي شقت جدران الهنجر بل وصلت إلي مزرعة كلابه فأطلقوا نباحهم المُزعج و المُخيف كزئير الأسود.
تلك الصرخة نتيجة إعتداء سليم عليها في وضع مُشين و كأنها عاهرة قد أستقطبها من الحانة، عُنقها مُقيد بالطوق و يديها مُكبلة خلف ظهرها، كلما صرخت كلما زاد في ما يفعله بها و لم يكتفِ بذلك فألقي عليها كلمات من بين أسنانه أقسي من الفعل ذاته:
- رايحة تقابليه ليه ها؟، عشان أنتِ خاينة و و....، ده حتي الخاضعات اللي قابلتهم مفيش واحدة فيهم أتجرأت تكلم راجل طول ما أنا معاها، لأنهم عارفين جزاء الخيانة عند سليم العقبي، يعني أنتِ ما حصلتيش حتي العاهرة، و جزاءك الموت.
توقف فقام برفع جذعها حتي أصبح ظهرها ملاصق لصدره فأخبرها بالقرب من أُذنها:
- أنا هاموتك بس بالحيا، هخليكي تعيشي مجرد جسم من غير روح، نفسك قبل ما يخرج منك هيكون بأمري، هيبقي الظاهر للناس حرم سليم العقبي و لما يتقفل علينا الباب هاتبقي عاهرته، كلبتي اللي هاتسمع الكلمة قبل ما أنطقها، مش كنتِ بتمثلي عليا طول الوقت دور الخاضعة، أنا هخليكِ تعيشيه واقع لحد آخر نفس ليكِ.
و عند إنتهاءه من كلمته الأخيرة، أعتدي عليها من جديد غير مكترث لصراخاتها و توسلاتها، و ما زاد من ألمها هيئة فارس التي اصبحت بشرته شاحبة، و ما زال يهذي بكلمات غير مفهومة.
❀ــــــــــــــــــــــــــــ❀
و كان علي مسافة قريبة من الهنجر سيارات تابعة للشرطة في مقدمتهم سيارة بها أكرم يتحدث في ميكروفون صغير يتصل بسماعة لاسلكية:
- إحنا قربنا جداً علي الهدف يا فندم.
تلقي رد قائده:
- تمام،ياريت يا أكرم تفصل ما بين مهمتك و ما بين تارك الشخصي معاه، و زي ما قولت لك إحنا عايزينه حي، كل اللي وقعناهم ما يجوش و لا حاجة جمب اللي ورا سليم، ده تنظيم عصابي خطير جداً و ربنا يستر ما يوصلوش ليه قبل ما نقبض عليه.
جز الأخر علي أسنانه قبل أن يتفوه قائلاً:
- تمام يا فندم، أطمن أنا مش عايزه يموت بس هخليه يعيش كل لحظة في السجن و هو يتمني الموت.
و نعود إلي سليم الذي أنتهي منها لتوه ، تركها آسيرة المرار و الألم، و كأنه قام بذبحها بسكين و تخرج روحها رويداً رويداً، باتت في حالة سكون رهيب، من يراها يحسب إنها قد ماتت، هي بالفعل قد ماتت روحاً كالجسد الخاوي.
بينما هو أتجه نحو الكرسي الوثير و يغلق سحاب بنطاله ثم ألقي جسده و جلس بأريحية، قام بإشعال سيجاره و أخذ ينفث دخانها ينظر إلي زوجته التي لم تكن قادرة حتي أن تحرك أُنملة من أنامل يدها، و تحركت عيناه نحو فارس يري رجفة واضحة تضرب جسده من حين لأخر، جفونه شبه مغلقة و شفتيه ما زالت تتحرك دون إصدار صوت مسموع لكن بداخل عقله و قلبه صوت واحد، صوت ينبع من أعماقه يُنادي عليها من عمق لا نهاية له.
تجلت إبتسامة علي ثغر هذا الشيطان الجالس، يشعر بلذة الإنتصار، سرعان تبدلت الإبتسامة إلي حزن يُهيمن علي ملامحه و بدأ يلقي عليها عتاب نابع من قلبه الذي يحاول أن يتحرر من قيود عقله الشيطاني:
- ليه خلتيني اعمل كده!، أنا.. أنا فعلاً حبيتك، لاء ما حبتكيش، سليم العقبي عمره ما يحب حد، لاء حبيتك، يمكن حبيتك و أنتِ مقدرتيش الحب ده، مفيش حاجة اسمها حب أصلاً، لاء فيه.
أطلق ضحكة هيسترية ثم أردف:
- داغر العقبي ديماً كان بيقولها عشان تمتلك السلطة و القوة لازم تتخلي عن أي مشاعر تضعفك و خصوصاً الحب، و للأسف طلع عنده حق، ما أنكرش أول ما شوفتك كنتِ تحدي و لازم أكسبه، عمري ما توقعت هاتكوني لعنة اللي هاتقضي عليا.
سحب دخان سيجاره ثم نفثه بقوة و أكمل حديثه:
- و رغم إن عارف نهايتي ممكن تبقي علي إيدك غصب عني حبيتك، من أول ما قلبي أعلن إنتصاره علي الشيطان اللي جوايا أقسمت تكوني ملكي سواء بمزاجكك أو غصب عنك، يمكن مع الوقت كان قلبك أتعلق بيا.
أرتفعت زواية فمه جانباً بتهكم و عقب:
- فيه مثل بيقول مراية الحب عامية، بتخليك ما تشوفش الأمور من كل الزوايا، و المصيبة أنا عارف كل حاجة و رغم كده كملت أختارت أكون أعمي بإرادتي.
أنهي حديثه بإلقاء ما تبقي من السيجارة علي الأرض ثم دعس بحذائه عليها و نهض، أقترب منها فوجدها ترمقه بكل نظرة كره و توعد بالإنتقام لما أقترفه بها و ما فعله بفارس.
سألها بتعجب و كأنه لم يفعل شيء:
- للدرجدي بتكرهيني زي ما أنا شايف في عينيكِ!، لسه الـ show ما بدأش يا بيبي.
قام بفك الطوق من حول رقبتها و ألقاه علي الأرض، حاوطها من خصرها ليحملها، أخذت تبكي و تصرخ بشق الأنفس في محاولة بائسة:
- بعد عني، أنا بكرهك، بكرهك يا سليم.
وضعها علي الكرسي و كانت إجابته قهقهة ساخرة، دنا منها و حاوط وجهها بين كفيه:
- عايزك تجمدي و تقوي قلبك، عشان هافرجك علي أحلي عرض هاتشوفيه في حياتك.
اعتدل و صاح مُنادياً :
- شاهين.
في برهة كان شاهين أمامه و في يده حقيبة سوداء وضعها فوق المنضدة، قام بفتحها فظهر بداخلها بريق أدوات الجراحة و أهمهم مبضع الجراح!
تناول سليم إبرة من الحقيبة و قام بغرزها في زجاجة صغيرة مليئة بمحلول و زجاجة أخري أخذ منها القليل، و بعدما ملىء الإبرة بهذا الخليط ذهب إلي فارس و غرز الإبرة في عرقه النابض لدي عنقه.
كانت الرؤية لديها مشوشة من كثرة البكاء و ضعف الإضاءة لكن عندما تمعنت بكل جهدها أن تري ما يحدث توقف الهواء في مجري التنفس لديها و هذا بعد صرخة رجولية اطلقها فارس من فاه بألم، فأخبره سليم بهدوء و إبتسامة:
- معلش يا باشمهندس دي حاجة كدة تخليك تفوق و تصحصح عشان تحس بكل اللي هيحصلك دلوقت.
كان حديثه صادقاً فالأخر يشعر بالفعل عندما سري مفعول المحلول في عروقه و كأنه حقنه بماء مغلي، جعله هذا السائل اللعين يشعر بكل ألم كان علي وشك أن يخمد فعادت مجدداً الآلام تنهش في جسده بضراوة، يصرخ كالليث الذي تكالبت عليه الضباع و أخذ كل منهم يغرز أنيابه بقوة في لحمه و ينتزعها بقوة.
و بعد أن أدركت زينب ما يحدث و المشهد الذي رأته سابقاً عندما كانت معه في ولاية لاس فيجاس و كيف كان يسلخ جلد ضحيته و هو حي، جمعت قواها و حاولت فك يديها المُقيدة خلف ظهرها، نهضت و ركضت بهجوم ضاري علي سليم، فكاد يمنعها حارسه لكن الأخر رمقه بتحذير فتراجع، كان سليم يقف كالجدار أمامها و هي تصرخ و تضرب بكل ما لديها من قوة:
- علي چتتي لو ده حوصل يا سليم، و قبل ما تفكر أني هقتلك.
و استطاعت أن تلتقط يدها مبضع من الحقيبة شالمفتوحة و قبل أن تغرزه في عنقه كان قابضاً علي ذراعها و قام بثنيه خلف ظهرها بيد و الأخري يجذب بها خصلاتها، يحدقها بتلك الإبتسامة الآتية من الجحيم،صاح بصوت أهتزت له الجدران:
- عايزة تقتليني عشانه يا و.....، لولا قلبي إبن الكلب لسه بيحبك كان زمانك متعلقة جمبه و هاسلخ جلدك قبل منه، بس زي ما وعدتك أنا مش هقتلك، الموت ليكِ رحمة، أنا هخليكي تعيشي كل ثانية في عذاب و ذل و إهانة.
جذبها من خصلاتها و سار بها و أمسك بحزامه و قام بتقيد يديها مرة أخري، رفعها إلي أعلي و علق الحزام بسلسلة مُتدلية من السقف فأصبحت نفس وضع فارس و هبط علي عقبيه ليتمكن من تقيد قدميها، تحاول الإفلات لكنه أكثر قوة منها استطاع السيطرة عليها.
- نفس مكانك زي المرة اللي فاتت و ياريتك أتعظتي.
ما كان بيدها سوي الصراخ:
- همله لحاله يا ابن الـ....
نهض و صاح في وجهها و أخذ يصفعها:
- ابن الـ.... هو اللي عايزة تتخلصي مني عشانه، أنا هاخلصلك عليه قدام عينك، هاسمعك صوته و هو بيصرخ زي النسوان و أنا بقطع جلده نساير و أرميها للكلاب اللي فوق.
أبتعد عنها قبل أن ينقض علي عنقها و ألتفت ليذهب إلي فارس، يفك زر كمه و قام برفعه لأعلي و فعل كذلك في كمه الأخر، أخرج هاتفه من جيبه و قام بتشغيل سيمفونية أوبرا ثم تركه علي المنضدة و أخذ المبضع.
❀ــــــــــــــــــــــــــ❀
كان بالأعلي منذ دقائق أنتشرت قوات الشرطة في الأرجاء حيث قام أكرم بتوزيعهم و أعطاهم إشارة البدء في الإقتحام، تعالي نُباح الكلاب بشكل جنوني و شرس، بدأت المعركة و الإشتباك بين رجال سليم المُسلحين بأسلحة و عتاد كأنهم جنود جيش عسكري و ليسوا مجرد حراس أمن، و هذا كان يتوقعه أكرم لذا أختار القوات التي لديه من أكفأ الرجال، رجال المهمات الخاصة و الصعبة لمكافحة عصابات مافيا المخدرات و السلاح.
صوت تبادل إطلاق الرصاص لم يصل إلي سليم و رجاله، فأسفل الهنجر معزول تماماً عن الأعلي، ظل يتقدم أكرم إلي البناء و علي جانبيه مساعدين، ظل ثلاثتهم يقاتلون رجال العقبي حتي وصلوا إلي بوابة دخول الهنجر، تصدي لهم رجلان ذو بنية ضخمة يحمل كليهما أسلحة متعددة الذخيرة، باغتهما مساعدين أكرم بإطلاق الرصاص في منتصف جبهتهما في التو و الحال.
صاح أكرم في رجاله و هم يفتحون البوابة:
- أقلبوا كل شبر في المكان و لو لاقيتو سليم محدش يتعرض له بأذي.
رد رجاله بصوت أجش:
- عُلم يا فندم.
تنفس الصعداء لعله يهدأ قبل أن يتحرك و يواجه سليم الذي طالما تمني هذه اللحظة و القبض عليه، تحقيق حلم والده و الثأر لموته علي يد داغر العقبي، هذا الإبليس اللعين الذي أنجب لهم إبنه الداهية الأكثر لعنة، الشيطان ذاته يجثو علي ركبتيه و يتعلم منه قواعد الشر.
- بسم الله توكلنا علي الله و لا حول و لا قوة إلا بالله.
رددها أكرم و ظل بعدها يبحث عن سليم، تعجب لعدم وجوده، أدرك أن هناك مخبئ في هذا الصرح العظيم، قبض علي إحدي رجال الأخر الذين مازالو أحياء و صاح فيه:
- سليم فين؟
أجاب الرجل بتوتر فالأسلحة جميعها متوجهة نحو رأسه:
- معرفش.
لم يعد لأكرم وقت المحايلة، رفع سلاحه و أطلق رصاصة إلي ساق الرجل ثم و ضعه علي جبهته:
- الرصاصة التانية هاتبقي في دماغك، قول سليم فين.
أبتلع الرجل ريقه بخوف، تلفت من حوله وجد أغلب زملائه صرعي و منهم من يصارع الموت و يتلوي من ألم الرصاصات المستقرة في أنحاء متفرقة في أجسادهم.
- سليم باشا تحت.
و بالأسفل بعدما أخذ المبضع أقترب من فارس و يطلق من فاه صفيراً، هذا الصفير يخترق مسامع زينب و يضرب في ذاكرتها المشهد السابق و المماثل الذي سيحدث الآن، تصرخ تارة و تتوسله بجنون لعله يتراجع:
- لا يا سليم، لا، أحب علي يدك، هاسوي أي حاچة هاتطلبها مني، هاكون خدامتك كيف ما أنت رايد، همله و ما تأذيهوش بالله عليك،و لا أجولك قطع لحمي أني، بالله عليك بعد عنه.
ألتفت إليها الأخر و رمقها بتلك النظرة السوداء و لم يكلف عناء نفسه بأن يقول لها كلمة لكن صدح صوت فارس و هو يتحمل آلام جسده بصعوبة :
- همليه يسوي اللي رايده، ما هو لو كان راچل كيف ما بيجول كان واچهني من غير ما يربطني و يعذب فيا.
أجفله سليم بللكمة قوية و هدر به:
- ما أنا لو كنت بعتبرك راجل كنت واجهتك زي ما بتقول، لكن أنا بربط و بعذب النسوان بس.
و غمز بعينه ثم أردف:
- خليك راجل أنت و أستحمل.
قام فارس بلفظ الشهادتين، فـ غرز الأخر سن المبضع في صدره مع صرخة أطلقتها زينب ممزوجة بصرخة ألم من فارس، فقاطعهم صوت تبادل إطلاق الرصاص بعدما هبط أكرم و رجاله إلي الأسفل، ركض إحدي رجال سليم يلهث بقوة:
- ألحق يا باشا البوليس خلص علي الرجالة اللي فوق و اقتحموا المكان هنا.
طلقة رصاص في الهواء و يليها صوت أكرم كالرعد:
- سيب اللي في إيدك يا سليم أنت و رجالتك و سلم نفسك بالذوق.
إبتسم الأخر كالعادة و قام برمي مبضعه نحو أكرم، بينما الأخر تفادي الضربة، فكان هذا مجرد تمويه ليستطيع الفرار بعدما أخذ سلاح إحدي رجاله و ركض إلي الرواق، فهو صاحب هذا الصرح المُخيف و يعلم بكل غرفة و بهو به.
قام رجال الشرطة بفك قيود فارس و زينب التي بمجرد أن تحررت ركضت نحو عاشق فؤادها، ألتقطت وشاحها الذي سقط منها و وضعته فوق الجرح العميق الذي ينزف في صدره.
و علي بُعد خطوات يبحث أكرم عن سليم:
- سلم نفسك يا سليم، ملهوش لزمه الجري و الهروب، و لو هربت مني مش هاتعرف تهرب من القوة اللي فوق.
كان الأخر ولج إلي داخل إحدي الغرف المتفرعة من الرواق المظلم، فما كان أمام أكرم بأن يدخل كل غرفة و يبحث عنه، و في كل مرة يتفاجئ لنقل بالأحري ينصدم في ما يراه، فكل غرفة بها أدوات غريبة و مُرعبة لم يراها سوي في تقرير عن أدوات التعذيب التابعة لمحاكم التفتيش الأسبانية في العصور المظلمة و ما أقترفته من أبشع أنواع العذاب،هذا إكتشاف أخر له عن عدوه اللدود فهو يتعامل مع شخصية سادية متوحشة، يجب عليه أن يأخذ حذره عند المواجهة!
ظل ينتقل من غرفة إلي أخري حتي وصل أمام أخر غرفة و كان الباب مُغلق، حاول فتح الباب و دفعه بجسده، فكان كالجدار الحديدي، تراجع و أخرج من محفظة أسلحته قنبلة يدوية، خلع منها المكبس و ألقاها علي الباب و ركض بعيداً فأنفجرت و نجحت في فتح الباب، لم يري سوي الدخان لكن صوت اقدام سليم و هو يهرب وصل إلي مسامعه، ركض خلف يصيح به:
- وقف عندك يا سليم.
و في طريقه للهروب قابل عدد من قوات الأمن و تبادل معهم إطلاق النار بإحترافية حتي تمكن من الصعود إلي أعلي، و كان يعقبه أكرم و أخبره رجاله:
- هرب علي فوق يا فندم.
ألتقط أنفاسه قبل أن يصعد و قال:
- سبيوه ليا يا أنا يا هو النهاردة.
و صعد إلي أعلي، بينما سليم لم تنفذ حيله للهروب، يريد الوصول إلي طائرته الخاصة، ذهب إلي أقفاص كلابه الشرسة و قام بفتح كل قفص و أطلق سراحهم و ذلك لتشتيت قوات الشرطة، يلهيهم عن مطاردته حتي يصل إلي الطائرة خلف الهنجر.
و بالفعل كان رجال الشرطة في معركة ضارية، يطلقون رصاص أسلحتهم عليهم بدلاً من أن يصبحوا وليمة دسمة لتلك الكلاب المفترسة.
أكرم كان أكثر ذكاء فالمعلومات التي وصلت إليه عن المكان و المرافق قبل أن يأتي هنا، يعلم أن هناك خلف البناء طائرة مروحية تكاد تكفي لأربع أفراد، أسرع راكضاً حتي وصل فوجد سليم يصعد إلي الطائرة، أطلق رصاصة في الهواء:
- مش هاتقدر تهرب مني المرة دي، و إن كان أبوك قدر يعملها زمان و بعدها قتل أبويا، فأنا هنا هاخد حقه و حق كل واحد ظلمته و جنيت عليه أنت و أبوك.
ألتفت سليم إليه و يمسك سلاحه إستعداداً لإطلاق الرصاص:
- عشان أنت و أبوك شوية أغبية مفكرين نفسهم حراس المجرة و الوطن، و أفترضنا و قبضت عليا، أنا ورايا جيش لو أتجمعتوا أنت و كل قوات الشرطة و الأمن اللي في مصر كلهم مش هاتقدروا عليهم.
- دول أخرهم يخلو اللي زيك خدام لمصالحهم حتي لو بتضر ولاد بلدك، و متأكد إنهم زمانهم بعتوا اللي يخلص عليك قبل ما توصل لباب النيابة و يتحقق معاك، عارف لولا إن واجبي أسلمك حي كان زماني مخلص عليك و أريح الكل منك.
ضحك سليم بسخرية و قال:
- لا أنت و لا أكبر راس فيكم يقدر يسجن سليم العقبي.
و أطلق رصاصة أجفل بها الأخر لكنها خدشت ذراعه و استقرت في الجدار الذي خلفه، وجد أكرم يكفي حديثاً و عليه بالفعل ركض في وضع الهجوم علي سليم و تشابكا معاً بالأيدي، لكمات و ركلات لم يسلم كليهما منها.
أطرحه سليم علي الأرض الرملية و بكل قوة سدد له لكمة في وجهه جعلت الرؤية تكاد منعدمة لدي أكرم، فأستغل هذا و ركض إلي الطائرة، و بمجرد أن ولج إليها في غضون دقيقة قام بتشغيل المروحية.
نهض أكرم بصعوبة و حاول بكل عزيمة الصعود إلي داخل المروحية قبل أن يرتفع لها الأخر الذي أخذ يطلق عليه الرصاص و يتفاداه الأول، نهض سليم من فوق كرسي القيادة يوجه سلاحه صوب رأس أكرم، بينما الأخير وثب و ركل السلاح من يده و عاد الإشتباك مرة أخري، مد الأول يده إلي بنطاله و قام برفعه فتناول خنجر و رفعه لأعلي حتي يغرزه في قلب أكرم الذي كان أسرع منه و أطلق رصاصة أصابت كتفه و أردته إلي الخلف، برغم ذلك كافح و جلس علي مقعد القيادة و قام بتشغيل المحرك المسئول عن إقلاع الطائرة.
حاول أكرم جذبه حتي يخرجه من المروحية، لكن الأخر أخذ يقاوم بل و ركله بقوة جعلت الأول يسقط من الباب، فتشبث بحافة الباب المعدنية و هذا و المروحية تعلو و ترتفع.
لم يستطع سليم ترك القيادة و ضرب أكرم في آن واحد، مما جعل الأخر أستطاع الإفلات من السقوط و عندما ولج إلي الداخل مرة أخري هبط بسلاحه فوق رأس سليم الصلبة، تأثر رأسه قليلاً و بدأ يشعر بالدوار، ما زال في محاولته لصد هجوم أكرم الذي لم يجد حل سوي أن يطلق رصاصة أخري علي ساقه و أجفله بإستيعاب الألم ثم جذبه إلي خارج المروحية و قفز به من علي إرتفاع خمس أمتار فوق الرمال.
❀ــــــــــــــــــــــــ❀
في المخفر تنتظر أمام باب المكتب تنظر إلي ساعة هاتفها، جاء إليها أمين الشرطة و أخبرها برجاء:
- يا مدام حضرتك واقفة بقي لك أكتر من ساعة و زي ما حضرتك شايفة أكرم باشا مش موجود في مكتبه، ما ينفعش توقفي كده.
زفرت بتأفف و قالت:
- و أنت مالك!، هو أنا يعني كنت واقفة علي دماغك أنا هستناه لحد ما يجي.
كاد الأمين يجيب بنفاذ صبر لكن قاطعه المقدم طارق زميل أكرم عندما رأي طليقة صاحبه:
- في إيه يا أمين حمدي؟، خير يا مدام ندي؟
رد الأخر:
- المدام جـ...
قاطعته الأخري بضيق و حنق:
- أنا جاية عشان أشوف أبو بنتي و واقفة مستنياه لحد ما يجي، كل شوية يجي لي الأفندي ده و يقولي ما ينفعش توقفي، أروح يعني أستناه في الحجز جوه!
رمق طارق الأمين بنظرة ما تفهمها الأخر ثم أخبر الأخري:
- تعالي أتفضلي معايا علي مكتبي و أنا تحت أمرك.
و بعدما ولجت إلي داخل المكتب و جلست ثم أخبرها بإنه لم يأت إلي المخفر منذ أكثر من يومين.
- يعني إيه ما بيجيش!، و واخد أجازة، و قبل ما أجي علي هنا روحت له شقتنا مالقتهوش و لا لاقيت البواب عشان أسأله هيرجع أمتي.
كانت تتفوه بتلك الكلمات بتوتر و هي علي وشك أن تصاب بالجنون، تريد رؤيته و تجعله يعود إليها بأي ثمن، حتي ألقي عليها صديقه مفاجئة لم تتوقعها، يظن لديها العلم:
- ما هو حضرتك باع الشقة من حوالي أسبوع و حط فلوسها في البنك بإسم لارا بنتكم، و والدك كان معاه.
نهضت و الصدمة تعتلي ملامحها من ما سمعته للتو، سألته بكل هدوء:
- ممكن تقولي علي أكرم فين دلوقت؟
أطلق تنهيدة ثم أخبرها:
- هو في مهمة أدعي له.
تركته دون أن تستأذن بالرحيل و غادرت المكان، أستقلت سيارة والدها التي أخذتها دون علمه، فكم من مرة منعها أن تذهب إلي طليقها فيكفي ما أقترفته في حق أكرم و حق نفسها.
ظلت تقود السيارة و في رأسها آلاف الأفكار، يوسوس إليها الشيطان أهمها يجب عليها أن لا تترك من حولها يعيشون في سعادة و هناء لاسيما مروة و هذا بسبب ظنها الكاذب حيث تظن بأنها هي من أرسلت إلي أكرم صور من المحادثة التي دارت بينهما و بها إعتراف جلي لندي و هي تُقر بحبها لـ علي، و كذلك عندما جاءت إلي منزل عائلتها و قامت بفضحها أمام والدتها، كل تلك الأمور زادت من كرهها و مقتها نحو مروة التي تبدلت في يوم و ليلة من صديقتها إلي عدوتها، في تلك اللحظة أقسمت أن تنتقم منها و تخرب عليها حياتها كما حدث معها حتي إذا وصل بها الأمر أختطاف زوجها منها!
توقفت أمام الشركة التي كانت تعمل بها من قبل، ترجلت و ولجت إلي الداخل بعدما أستقبلها حارس الأمن:
- حمدالله علي السلامة يا أستاذة ندي.
أكتفت بإبتسامة متصنعة و ذهبت إلي موظفة الإستقبال فسألتها عن مدير الشركة، فقالت لها الأخري:
- مستر علي في مكتبه فوق و...
لم تنتظر لسماع باقي الإجابة و سرعان صعدت إليه و في طريقها كانت تسير في الرواق خلف إحدي الموظفين، و لمحت مروة آتية في الرواق المقابل، أختبأت علي الفور في زواية حتي لا تراها الأخري و تقوم بفضحها أمام كل من في الشركة و تصبح (الترند) في المجموعة الخاصة بالشركة علي موقع التواصل الإجتماعي الشهير.
خرجت السكرتيرة من مكتب علي و قابلت مروة:
- الشركة نورت يا مدام مروة.
إبتسمت لها الأخري و قالت:
- ميرسي يا حبيبتي.
ولجت إلي داخل الغرفة، رأت زوجها يقف خلف الحائط الزجاجي يرتشف قهوته و يراقب المنظر بالخارج في حالة شرود.
وضعت يديها علي عينيه، فقال مُبتسماً:
- يعني هيكون مين غير اللي مزهقني بالحركة دي علي طول!
وقفت أمامه بوجه عابس و تضم شفتيها بحزن مصتنع:
- أخص عليك، بقي أنا بزهقك بحركاتي!
ترك القدح علي المنضدة و أقترب منها ثم أختطف قبلة من شفتيها و كأنه يلتقم ثمرة توت أحمر يتذوقها بمتعة حالمة و قال:
- عمري ما أزهق منك أبداً، ده أنتِ النور اللي جه ملي عليا حياتي بعد ما كانت مضلمة بالوهم و الخداع، أنتِ بقيتِ كل حاجة ليا يا مروة.
ارتمت علي صدره و عانقته بقوة:
- أنت لو قولت لي إيه أكتر حاجة تتمنيها في حياتك هقولك إن مفارقش حضنك و لا لحظة.
رفع وجهها عن صدره ليتمكن من التحديق في عينيها بهيام قائلاً:
- أنا اللي بقولك أوعي أنتِ اللي تبعدي عني مهما حصل.
إبتسمت إليه و أجابت بنبرة فكاهية:
- أطمن أنا كده كده قاعدة علي قلبك مش لوحدي، أنا و....
أمسكت بيده و وضعتها فوق بطنها و أردفت:
- و اللول الصغير.
تجلت الدهشة علي ملامح وجهه فسألها بتردد و قلب يخفق بقوة:
- هو أنتِ...
أومأت له بسعادة تغمر قلبها:
- ايوه أنا حامل.
غمرها بحضن دافئ ليعبر لها عن مدي ما يشعر به الآن:
- ألف مبروك علينا يا روح قلبي، عرفتي أمتي؟
- لسه عارفة قبل ما أجي علي هنا، عملت إختبار في معمل التحاليل و طلعت النتيجة
Positive
الحمد و الشكر لله.
عانقها مرة أخري و أخبرها:
- بمناسبة الخبر الجامد ده، تعالي هانتغدي علي زوقك و أطلبِ كل اللي نفسك فيه، بس أديني عشر دقايق هابعت ملفات لفرع الشركة ضروري و هانمشي.
همت بالذهاب و قالت:
- بص أنا هانزل أستناك في العربية تحت و هاعمل تليفون لماما أفرحها، أصل لسه ما قولتلهاش، أنت أول واحد يعرف بالخبر.
لا تعلم أن هناك طرف ثالث إستمع و رأي كل ما قيل و حدث من فتحة الباب الشبه مُغلق، و قبل أن تغادر مروة الغرفة أسرعت الأخري و رحلت لتذهب إلي السيارة و داخلها يشتعل من الغيرة و الحقد، مراجل تتأجج في قلبها.
و إذا بها تراها تخرج من الباب متجهة إلي الجهة الأخري، أستسلمت إلي شيطان أفكارها الذي سيقذف بها إلي اليم، و دون أن تسيطر أو تكبح قوي الشر بداخلها، أنطلقت بالسيارة و أطاحت بمن كانت تدعوها صديقتها يوماً ما!
يتبع
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية