رواية فارس بلا مأوى الفصل الاربعون 40 - بقلم ولاء محمد رفعت
يقف في مكان خالي من المارة آسير دموع قلبه الذي ينزف منذ رؤيتها،يتذكر عندما جاءت إليه في المخفر تطلب منه مسامحتها، فكان لا يدرك حينها إنها مُرغمة علي الزواج من شخص آخر، و ليس بأي شخص، لم ينس تلك النظرة السوداء المظلمة في عيون هذا السليم، نظرة كفيلة بـ سبر أغوار قلبه و خوفه عليها!
هبط علي عقبيه و أمسك بقطعة حجر و قذفها بكل قوته في مياه النيل التي أمامه،فـ بدأت ذاكرته تستعيد صورتها و ملامحها الذي يكسوها الحزن و الإنكسار،و بدون أن يشعر أنسدلت دمعة علي خده فقال:
- أني خابر إنه مكنش بيدك لكن ما جدرتش أمنع عن جلبي نار الشوق و الغيرة، حالي كان أصعب من حالك، ويلي من النار اللي ولعت في چتتي لما الراچل اللي أتچوزتيه ماسك فيكي و كأنه بيجولي دي ملكي أنا، و لا ويلي من شهد اللي القدر حكم عليا و أتچوزتها و نصيبها تكون ويا واحد ما يملكش جلبه، جلبه اللي ما خابرش معني الحب غير علي يدك، خابره أني كنت رايد أسوي أي أول ما تشوفك عيني.
أطبق شفتيه ليمنع نفسه من البكاء ثم استطرد:
- كنت رايد أخدك في حضني و أنسي كل لحظة قسوة عشتها، حضنك المطرح الوحيد اللي بحس فيه بأمان و دفا، دلوق بجيت كيف الضايع من غيرك، ماليش أهل و لا مطرح، بجيت فارس بلا مأوي.
و في خضم تلك الأحزان هناك من يساوره القلق، و يجوب الأرض ذهاباً و إياباً في ذلك الممر الطويل،يقف بجواره هذا الذي وصل منذ قليل:
-أهدي يا باشا هي إن شاء الله هاتكون بخير، ممكن يكون سبب الإغماء ما أكلتش أو تكون تعبانة شويه.
و ما أن فُتح الباب و ظهر الطبيب ركض عليه بلهفة يسأله:
-هي عاملة أي يا دكتور.
نظر إليه بابتسامة و أخبره لعله يطمئن:
-الحمدلله مدام زينب بخير، هي فاقت و بقت أحسن علقنا لها محلول و أديتلها حقنة فيتامين،شويه كده و تقدر تقوم و تتحرك عادي، بس ياريت تتغذي كويس و تحافظ علي صحتها عشانها و عشان الجنين.
توقف الزمن في تلك اللحظة حين أدرك ما نطق به الطبيب و يتأكد من مسامعه عندما سأل صلاح الطبيب:
-هي حامل يا دكتور؟
أومأ له الطبيب و أجاب:
-اه ألف مبروك.
عانق صديقه بفرح و سعادة:
-ألف مبروك يا سليم.
كان سليم يبادله العناق و لم يصدق نفسه من فرط ما يشعر به من السعادة، فها هو قد أصبح أب، أبتعد عن صديقه و ولج إلي الداخل وجدها تجلس في حالة سكون لم يرف لها هدب واحد و كأن الطير يأكل من فوق رأسها من الخبر الذي علمت به من الطبيب، فهذا أخر ما كان ينقصها، تحمل في أحشائها نبتة ذلك الشيطان الآثم و التي تود التخلص منه اليوم قبل الغد!
-ألف مبروك يا بيبي،أخيراً هيجي ولي العهد اللي هايشيل إسمي و يكمل مسيرة العقبي، مش قادر أوصفلك أنا فرحان قد أي، أنا من كتر الفرحة عايز أصرخ و أقول أنا بقيت بابا.
كان ينطق كلماته بسعادة بالغة، يعانقها و هي كالجماد الساكن لم تبادله حتي المباركة، وجهها أصابه الجمود لاتدري ماذا عليها أن تفعل، تريد البكاء و غير قادرة،أو إطلاق صرخة تخرج بها ما تحمله في صدرها من الألم لكن حتي هذا التعبير عاجزة عن فعله و كأنها أصابها شلل كُلي!
ــــــــــــــــــــــ
تطلي شفتيها بقلم الحُمرة و تنظر إلي هيئتها بسعادة، فـ منذ أن عادت من الخارج معه تركها و أخبرها أن لديه أمر هام، تعلم أن ما حدث اليوم ليس بالهين لكن ما توصلت إليه جعل قلبها يتراقص، مالكة قلب زوجها متزوجة، و ها هي الساحة أصبحت خالية لها فقط.
نهضت و تلقي نظرة أخيرة علي عباءتها ذات اللون الزُمردي و المطرزة بخيوط الذهب تشبه ثوب ملكة من القرن الثالث عشر، تاركة خصلاتها بانسيابية علي ظهرها، أطلقت صفيراً بإعجاب علي مظهرها الجذاب قائلة:
-الله عليكي يا شاهي مُزة في كل حالاتك،دلوقتي لما يشوفك هاينسي زينب و أهلها و ينسي نفسه كمان، ما هو خلاص ما بقاش ليه حد غيري، لما أروح أولع الشمع.
ذهبت إلي غرفة المائدة التي يعلوها أطباق من الطعام الشهي و أبريق مُليء بالعصير و كؤوس شاغرة و أطباق حلوي قد أشترتها عبر خدمة الطلبات المنزلية.
قامت بتشغيل إحدى الأغاني الرومانسية علي هاتفها و أخذت تتمايل عليها بفرح و تردد كلماتها:
- خليني جمبك في حضن قلبك، خليك معايا ديماً قريب، مستحيل أتخلي عنك، مستحيـ...
قاطع غنائها صوت فتح باب الشقة، ركضت بلهفة و سعادة لاستقباله، ليتها ما رأته في تلك اللحظة، ذو وجه عابس و متجهم، عينيه و كأن بداخلها ألسنة مُندلعة من نيران أضرمت منذ آلاف السنين.
اقتربت منه و تبتلع لعابها من القلق و التوجس، سألته بحذر:
-أحضرلك الحمام تاخدلك دش، أنا محضرة لك عشا هتاكل صوابعك وراه.
أنحني ليخلع حذائه فسبقته يديها لتقوم بتلك المهمة بدلاً منه و ترفع وجهها لتسأله مرة أخري بفضول:
-أنت كنت فين؟
أطلق زفرة تنبأها أن هذا الواقف أمامها كالبركان الذي علي وشك الانفجار، عليها الحذر و الابتعاد، هذا ما تأكدت منه عندما أجاب:
-ممكن تهمليني لحالي الله لا يسيئك و أحسن ليكِ.
تركها و ذهب إلي الغرفة الأخرى غير غرفة النوم، ذهبت خلفه و سألته بحنق:
-هو أي أسيبك و أحسن ليا، يعنـ...
وصد الباب أمام وجهها دون أن يجيب عليها،حاولت فتح الباب بإدارة المقبض لكن وجدته مُغلق من الداخل مما أثار جنونها و فقدت السيطرة علي لسانها الذي أنفلت بما لا تحمد عُقباه:
-هو أنا هاشحت الكلام منك و لا أي،أنت فاكرني هبلة و مش فاهمة اللي حصل، أنا كان قلبي حاسس أول ما شوفتها و عرفت إنها بلدياتك، شوفت ربنا عمل فيك أي،ورتني الذل و المرار و أستحملت و رضيت بالهم و الهم مش راضي بينا، في الأخر طلعت متجوزة و سبحان الله ليك نصيب تشوف جوزها بعينيك، شكله راجل هيبة مش زيك جبان و لا عارف تاخد حقك و عايش مستخبي و......
انتفضت و تراجعت إلي الخلف عندما فتح الباب، هذا الذي أمامها ليس بفارس بل إعصار مُدمر، عليها بالفرار من أمامه لكن فات الآوان، جذبها من خصلاتها و صاح بصوت جهوري غليظ دوي صداه بين كل جدران المنزل:
-حذرتك كتير من طولة لسانك لكن اللي كيفك إكده لازم يتربي و أني هاربيكي من أول و چديد.
صرخات أطلقتها بعدما بدأ يصفعها بيد و الأخرى كانت تقتلع خصلاتها، من يراه و كأنه وحش بري فقد السيطرة و أطلق نفسه إلي شيطان غضبه الثائر.
- خلاص بالله عليك يا فارس، آه.
كما يقول المثل الشعبي «اللي حضر العفريت يصرفه»، و هذا في حالة جنونية، لايري أمامه بعد أن أفقدته صوابه و لقي ما قد يفرغ فيه غضبه،و ربما نسيت إنه رجل صعيدي ذو كرامة و دماء حارة، لم يتقبل الإهانة مهما حدث، يكفي ما مر به اليوم.
ما زالت تصرخ و لم تكن قادرة أن تبعده لفرق القوة الجسدية، و عندما أبتعد عنها ليلتقط أنفاسه تحملت آلامها و فرت من أمامه صارخة:
-بتضربني!، بتفش غلك فيا، عشان تعرف إنك مش راجل و بتتشطر علي واحدة ست، روح أتشطر علي اللي أتجو.....
ركضت إلي غرفة المائدة و هو خلفها، لم تتمكن من إغلاق الباب بسبب دفعه بجسده مما دفعها هي و وقعت علي الأرض، زحفت علي ركبتيها أسفل المائدة و خلايا جسدها ترتعد من الخوف.
- فكرك ما أجدرش أطلعك دلوق.
أفرغ غضبه الدفين و الذي أنطلق و فقد السيطرة عليه بإلقاء كل شيء من فوق المائدة، و هي بأسفلها تري الأطباق و الكؤوس تتحطم علي الأرض و تسمعه يزمجر كالوحش و بعدما نفذت و أستنزف الغضب قوته،بدأ يهدأ فأخبرها بصوت متهدج :
-أني داخل و هاجفل عليا الباب، قسماً بالله سمعت صوتك مرة تانية لأخدك من يدك و ورجتك جبل منك عند أبوكي،و أنتي خابرة الناس هاتجول أي عليكي لما تتطلجي و أنتي مكملتيش شهر چواز!،اللهم بلغت اللهم فأشهد.
ذهب و خرجت من أسفل المائدة تستند علي المقعد بألم، تطلق آهات من الألم الذي تشعر به في رأسها من جذبه لخصلاتها و كذلك خديها كليهما مُنتفخان من الصفعات التي تلقتها، أطلقت صرخة يتبعها بكاء بألم و قهر لاسيما لم تستطع التعبير و لو بحرف خشية من أن يسمعها و يخرج إليها و ينفذ تهديده، اللعنة علي قلبها الذي يجلب لها المتاعب و لسانها السليط الذي جلب لها الإهانة و وأد كرامتها!
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صباح يوم مشرق، ترسل شمسه دفئها إلي جميع الأرجاء لكن دفئها لم يصل إلي تلك القلوب الذي يغلفها صقيع اللوعة و الاشتياق و يتربع الحزن في أركانها، ولج إلي داخل الغرفة يحمل صينية الطعام فوجدها ما زالت نائمة أو ربما تدعي النوم:
-أي يابيبي لسه نايمة!
وضع صينية الطعام علي الكمود و ذهب ليفتح الستائر،ضرب ضوء الشمس أنحاء الغرفة و بدي الضيق علي وجهها، جلس بجوارها و أخذ يداعب خصلاتها و يهمس بجوار أذنها:
-قومي و بطلي كسل لازم تفطري و تتغذي، دلوقتي يا بيبي أنتِ مابقتيش لوحدك، أنتِ جواكِ حتة مني.
وضع يده الأخرى علي بطنها و أردف:
-أنا عايزه ولد عشان يكمل مسيرتي و يفضل إسم العقبي من جيل لجيل، هعلمه كل حاجة هخليه زيي بالظبط الكل يخاف منه و لو أتذكر أسمه قدام حد يترعب،هخليه يملك القوة و المال مع بعض و طبعاً الذكاء هياخده وراثة.
نظر إلي الفراغ و يردد بسعادة قائلاً:
-جاسر سليم داغر العقبي.
و بمجرد نطقه إلي الاسم شعر باهتزاز جسدها، يبدو إنها تبكي بدون صوت، أمسك بوجهها و نظر إليها واجماً:
-بتعيطي ليه؟
نهضت بجذعها و تبتعد عنه لا تري أمامها سوي كل ذكري سوداء مرت بها و ما حدث من لقاء الأمس و هذا القابع أمامها سعيداً بالشيء الذي لم تتوقع حدوثه يوماً و لم تريده بتاتاً.
تهز رأسها يميناً و يساراً بـ رفض بائن قائلة من بين دموعها:
-أني معوزاش اللي في بطني.
و ما أن أدرك معني جملتها تلك أستيقظ شيطانه من غفوته فأشتد ظلام عينيه ذات اللون الأسود الحالك المُخيف.
أصبح وجهها بين كفيه يحدق صوب ذهبتيها الباكية بنظرة ترتجف إليها قلوب أعتي الرجال، هسهس لها من بين أسنانه بنبرة مُرعبة:
-أوعي تكوني فاكراني مغفل و ماخدتش بالي من نظرتك ليه إمبارح،المغفل هو أنتِ لما فاكرة نفسك ذكية و قدرتي تخدعيني و تتظاهري بخضوعك و إستسلامك ليا،أديكي شوفتيه بعينك، اللي بتمثلي و جايه علي نفسك عشانه قدر يهرب و بدل ما يدور عليكِ أول حاجة راح أتجوز و عاش حياته، أهلك نفسهم وافقو علي جوازك مني غصب عنك يعني دلوقت ملكيش حد غيري أنا و ولي عهدي اللي أقسم بالله لو فكرتي مجرد التفكير أنك تأذيه لأكون مخلص علي أهلك و حبيب القلب و صاحبتك و كل اللي بتحبيهم و قدام عينيكِ.
جذبها بين ذراعيه و دفن وجهها في صدره و أخذ يمسد بيده علي رأسها، يخبرها و كأنه أصابه حالة من الهذيان:
-أهدي و أعقلي كده، إحنا مالناش غير بعض و هاتكمل فرحتنا بإبننا، صح يا بيبي؟
رفع وجهها من صدره و تمعن النظر في عينيها و أنتقل ببصره إلي شفتيها:
-معلش بقي خبر حملك نساني أبارك لك، مبروك يا أم جاسر.
و ألتقم شفتيها كالرضيع الجائع، يغمرها بجنون حبه و هوسه، يُذكرها في كل لمسة و قُبلة إنها ملكه هو فقط غير آبه إلي بكائها أو حالتها النفسية التي ساءت و عادت إلي نقطة البداية!
ــــــــــــــــــــــ
و من سماع صوت البكاء نذهب إلي صوت ضحكات نابعة من القلب علي هذا اليخت الذي يقف في عرض البحر، تهبط الدرج لأسفل و تضحك و يتبعها هو قائلاً بمرح و مزاح:
-هاتهربي مني فين مش قدامك حتي تستخبي فيها إلا لو رميتي نفسك في البحر.
توقف و ألتفتت إليه و بابتسامة تملأ ثغرها و ملامحها التي أشرقت من السعادة التي تعيشها الآن معه لاسيما منذ أن قرر كليهما المكوث في اليخت لعدة أيام بعيداً عن كل شيء.
-أنا هارمي نفسي فعلاً، بس جوه حضنك.
و ألقت بجسدها علي صدره العاري، عانقها بحنان ثم حملها و دلف إلي الداخل يخبرها بنبرة أذابت كلا خلايا جسدها:
-طب ما نيجي نترمي في أحضان بعض أنا و أنتِ جوه.
تعلقت بذراعيها حول عنقه و قامت بمشاكسة حك طرف أنفها بأنفه:
-أي يا لول ما إحنا لسه خارجين من جوه من ساعة.
رمقها بنظرة وقحة و قال لها:
- أصل بصراحة من ساعة ما طلعنا اليخت و أنا حبيت القعاد جوه و لا زهقتي؟
شعرت بالخجل بعدما فهمت مغذي سؤاله الجريء، خبأت وجهها في صدره، و حين توقف ابتعدت قليلاً فرأت أنها بداخل الغرفة التي شهدت ليالي من الحب و الغرام، أنزلها و ينظر إليها و كأنه ينوي علي فعل شيء ما، تراجعت إلي الخلف و سألته بمرح:
-مالك يا علي بتبص لي كده ليه، علـ...
قاطع ندائها بقُبلة جامحة لم يشعر بلذتها سوي معها و هذا بعدما قرر الاستسلام إليها و نسيان الماضي بذكرياته المؤلمة، بينما هي نجحت بالفعل أن تجعله يترك نفسه بين يديها و قلبها العاشق له يتفنن في سحره و ذلك من الاهتمام و بكل ما يرغب به، تغمره بحنانها و دفئها، تبادله جنونه في كل لقاء بينهما علي جزيرة القطن الشاهدة علي ليالي اقتران قلبين تجدد العشق بداخلهما من جديد.
و بعد مرور وقت لا تشعر به سوي عندما استيقظت فوجدته يغفو كالطفل الصغير، يتوسد صدرها برأسه، أخذت تتأمل ملامحه التي تعشق كل إنشاً بها، نظرت علي جانبها و التقطت هاتفه من فوق الكمود لتشاهد الصور التي ألتقطها لهما و لاحظت نظراته في كل صورة قد تغيرت علي غرار الأيام السابقة، الآن عينيه تتلألأ ببريق من السعادة.
أطلقت تنهيدة و قالت بصوت خافت و تنظر إليه:
-و أخيراً ربنا جمعني بيك و أنا مش عايزة أي حاجة تانية من الدنيا غيرك أنت و بس.
عضت علي شفتها السفلي و هي تفكر في أمر ما ضغطت علي علامة تطبيق التواصل الاجتماعي الشهير و قامت بإنشاء قصة من خلال عدة صور لهما و كتبت ما ذكرته للتو لكن بصيغة مختلفة و كأنه هو من قام بكتابة تلك الكلمات!
و هناك في مكان آخر من تقرأها و نيران الحقد و الغيرة تأكل قلبها، و بدون أن تعطي لـ عقلها فرصة للتفكير و التريث، أسرعت بالرد علي القصة بلا تفكير في العواقب الوخيمة:
«سواء معاها أو مع ألف غيرها عمرك ما هاتقدر تنساني يا علي فبلاش تعيش في أوهام »!
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
-بطلي عياط مش سامع منك و لا كلمة، هو أي اللي حصل بينكم؟
ردت علي سؤال والدها و تحدثه عبر الهاتف بعدما أطمئنت من مغادرة زوجها للمنزل،أرادت أن تخبر والدها عن ضربه لها لكن قلبها الأحمق نهاها عن ذلك تخشي أن يبعدها عنه أو يفعل يؤذيه،فأخبرته غيض من الحقيقة:
-بقولك يا بابا شوفنا زينب بنت عمه و طلعت متجوزة لما شافها أتصدم و من ساعتها مش طايقني، قولي أعمل أي؟
- عايزاني أجي أتكلم معاه؟
و قبل الإجابة نظرت إلي وجهها الذي مازال عليه آثار أنامله و عينيها ذابلتان من كثرة البكاء، أسرعت بالرد:
-لاء يا بابا بالله عليك أوعي تجيب له سيرة عشان خاطري، أنا بحكي و بفضفض معاك.
ضرب الشك قلبه و ساوره القلق فسألها:
-أوعي تكوني بتضحكي عليا يا شهد و شديتي معاه و طولتي لسانك و خلتيه مد أيده عليكي أصل أنا عارفك و مربيكي.
-لاء يا بابا خالص أبداً، إحنا ما بنتكلمش من وقت ما رجعنا.
أطلق زفرة بأريحية بعدما أطمئن و هكذا ظن، فأخبرها:
-بصي يابنتي فارس جدع و إبن أصول خليكي ناصحة و حابي عليه و خليكي الصدر الحنين ليه، و لو اللي قولتيه ده صحيح إن بنت عمه طلعت متجوزة، يبقي دي فرصتك و جت لحد عندك ألعبي بطريقتك، الراجل مننا بيحب الإهتمام و الدلع أكله حلوة نسيه أي هم عاشه هتلاقيه زي الخاتم في صباعك، و تبقي بنت أبوكي بصحيح لو أتجدعنتي و ربطيه بحتت عيل، خليني أفرح بحفيدي قبل ما أموت.
مسحت دموعها بطرف أناملها و قالت:
-بعد الشر عليك يا حبيبي ربنا ما يحرمني منك و يباركلي فيك، عموماً حاضر أدعي لي بس ربنا يصبرني و يقويني و يلين قلبه ليا.
سمعت صوت مفتاحه في الباب فأردفت بصوت خافت:
-سلام دلوقت يا بابا ده رجع من بره.
أنهت المكالمة و ظلت تنتظر قدومه إلي الغرفة التي تمكث بها منذ الأمس فلم يأتِ، سمعت صوت آتي من المطبخ فعلمت إنه بالداخل، ذهبت بخطي هادئة و راقبت ماذا يفعل بالداخل.
كان يحضر أطباق و يخرج من الأكياس طعام جاهز و يقوم بغرفه في تلك الأطباق، دخلت بتردد و انتفضت حينما ألتفت و وجدها أمامه، لاحظت قد أشتري الطعام التي تفضله و انتبهت إنه قام بتحضير صينية صغيرة إليه و يريد العبور لكنها تقف عائقاً للخروج.
-عن إذنك.
لم تفعل بل و وقفت أمامه تدهس علي كرامتها و كبريائها الذي تلاشي منذ أن ظهر في حياتها:
-ممكن أتكلم معاك.
نظر إليها و ليته ما نظر، رأي آثار ما اقترفتهش يداه، ترك الصينية بعنف علي الطاولة الرخامية مما أصدرت صوتاً مُزعجاً و سألها بحدة و سخرية:
-و ناوية تجولي أي المرة دي، مش أني چبان و فيا كل العبر أي اللي چبرك تتچوزي واحد كيف ما جولتي!
شابكت أنامل يديها معاً كطفلة صغيرة و تنظر لأسفل قائلة:
- أنا آسفة.
أطبق شفتيه و أطلق زفيراً من أنفه ثم قال:
-و تفتكري حديتك ده هيداويه الأسف!، للأسف أني اللي غلطان، المفروض مكناش أتچوزنا من الأول.
رفعت وجهها و بنبرة وشيكة علي البكاء:
-أنا عارفة لساني طويل و جايب لي المشاكل، و أنت ما سكتش و اخدت حقك مني، و علي فكرة بابا كان لسه مكلمني مارضتش أحكي له أنك مديت إيدك عليا، لما قعدت مع نفسي و حطيت نفسي مكانك عذرتك إمبارح مكنش يوم سهل، بس أنا عندي أمل تكون ليا بقلبك خصوصاً بعد ما طلعت زينب متجـ....
قاطعها بغضب عارم:
-أبجي كملي حديتك ده تاني و أوعدك ما هاتشوفي بعدها خلجتي واصل، و أسمعيني زين مش معني إنها أتچوزت يبجي هانسها أو كرهتها، أني خابر ده هيحصل من زمان و خابر حوصل غصب عنها لأن اللي بيني و بينها أكبر من واحدة كيفك تفهمه و تحس بيه، زينب حب عمري اللي وعيت عليه من و إحنا لساتنا عيال صغيرين،فاهمين بعض من مچرد نظرة، اللي بينا كبير جوي إستحالة يتنسي و لا هايتنسي.
ألقي عليها تلك الكلمات القاسية و اخترقت قلبها كالسكين المشتعل يحرق جرحها دون رحمة.
حمل الصينية و ذهب من أمامها بعدما أفسحت له الطريق، لحظات و سمعت صوت باب الغرفة و يوصده من الداخل، أطلقت صرخة من أعماقها و كل ما تمتد إليه يدها تأخذه و تلقيه علي الأرض بغضب هيستري، خرج مهرولاً يخشي أن يكون قد حدث لها مكروهاً، فوجدها تجلس علي الأرض و تبكي و الدماء تنزف من يديها، أنتفض بذعر و صاح بها:
-سويتي في حالك أي يا مچنونة!
ساعدها في النهوض و أخذت تسحب ذراعيها من يديه صارخة:
- أبعد عني، سيبني مش عايزة منك حاجة.
أخذها إلي المرحاض و لم يهتم إلي ما تصرخ به، قام بغسل يديها فوجد الجراح سطحية.
-خليكي واجفة أهنه ثواني و راچع لك.
و بعد ثواني جاء و بيده صندوق إسعافات صغير، أخرج منه لاصق الجروح و ضماد القطن، قام بتنظيف الجرح أولاً بالقطن و المطهر، تأوهت نظر إليها عاقداً حاجبيه ثم أكمل ما يفعله حتي أنتهي من تضميد يديها:
-تعالي أجعدي چوه و هاچيب لك تاكلي.
أومأت له بالرفض التام:
-مش عايزة آكل.
أمسكها من رسغها و سحبها كالطفلة و ذهب إلي غرفة المائدة أرغمها علي الجلوس، أحضر لها الطعام و أمرها:
-الواكل ده لو مخلصش مش هاجولك أني ممكن أسوي فيكي أي.
و إذا به يفاجئ من نظرة السخط في عينيها مثل طفلة صغيرة مُرغمة علي فعل شيء لا تريده،كاد يضحك لكن الموقف غير مناسب للضحك، بدأ يتناول طعامه الذي لا يعلم بمذاقه بسبب حالته النفسية السيئة و قلبه المحترق.
ــــــــــــــــــــــ
انتهت من رص الأطباق علي المائدة و دلفت إليه لتوقظه، لكزته بخفة:
-صلاح، جوم الغدا چاهز.
تقلب و فتح عينيه بصعوبة ثم أمسك بيدها و قام بتقبيلها قائلاً:
-تسلم إيدك يا سمسمتي.
تلقت كلماته بالصمت فسألها:
-مالك زعلانة ليه هو حصل حاجة و أنا نايم؟
رفعت جانب شفتيها بتهكم و قالت:
-و هافرح كيف إياك و حدانا حية صفرا چاية تخطف چوزي.
أعتدل و أخذ يضحك:
-يابنتي أرحميني بقي، ما أديها قاعدة هي و البنت في أوضة لوحدهم و أنا و أنتي في أوضة، و بعدين لما قولتلك هاخدهم و آجر ليهم شقة مفروشة قلبتي الدنيا عليا.
رفعت إحدى حاجبيها بتعجب ساخر:
-آه يا أخويا تاخدلهم مطرح عشان الهانم تستفرد بيك و تچرك للرذيلة، لاء خليهم أهنه تحت عينيا أحسن.
ينظر إليها بدهشة، هز رأسه بسأم و بابتسامة قال:
-الله يخربيت الدماغ،رذيلة أي اللي تجرني ليها، حد قالك أنا عيل مراهق، و بعدين صوفيا مين اللي أرجع لها و أنا ربنا رزقني بسمسمة قلبي و روحي ماليه عيني و مش شايف ست غيرها و بس.
اقتربت منه ترمقه عن كثب، تضيق عينيها يبدو أنها لم تقتنع بما أخبرها به:
-مالك بتبص لي كده ليه؟
أجابت بأسلوبها الفكاهي الساخر:
-يا مأمنه للرچال، جوم يالا يا سبعي جبل ما الواكل ما يبرد.
ترأس المائدة و علي يمينه تجلس هي:
-هي الهانم مش ناوية تيچي تطفح.
قطب حاجبيه ثم نظر نحو تلك القادمة، شهقت سمية حين رأتها، ترتدي ثوب فاضح و يكشف من جسدها الكثير.
- واه!، الله يخربيتك حُرمة ما حداهاش خشا و لا حياء.
رمقها صلاح بنظرة تحذيرية و أخبرها بصوت خافت:
-خليكي في نفسك هو ده لبسها الطبيعي.
-ده أني ياللي إسمي مارتك أتكسف أجعد إكده جدامك.
ثم قالت بصوت ظنت إنه لم يصل إلى مسامعه:
- أني دلوق عرفت ليه هملتها، لأنك مكنتش رايد يتجال عليك قرني.
جز على أسنانه مُحذراً إياها:
-سمية!
- هانكتم أهه.
وضعت كفها علي فمها، فبدأت الأخرى بالتحدث بلغتها الفرنسية و تنظر إلي الطعام باشمئزاز:
- يا الهى، ما هذا الطعام الغريب؟
سألته سمية و قد أدركت من نظرات الأخرى إنه لا يعجبها الطعام:
- عتبرطم تجول أي الحية دي؟
أضطر إلي الكذب خشية من إثارة غضبها و تقتلع خصلات الأخرى:
-بتقول أي الأكل اللي ريحته تجنن.
اعتدلت و نظرت بزهو و فخر قائلة:
-طبعاً لازم تتچنن هي هاتدوج و لا هاتشوف واكل بالحلاوة دي فين، عجبال ما تتچنني بچد و نرميكي في العصفورية يا بعيدة.
سألت الصغيرة والدها بصوتها الطفولي الرقيق:
-ما هذا بابا؟
أرتسم علي محياه الابتسامة و أجاب و هو يشير إلي كل طبق:
- تلك تدعي فتة تتكون أرز و فوقها صلصة طماطم بالثوم، و هذا طاجن كوارع، الكوارع هي أرجل البقرة و تم طهيها جيداً في الفرن،بينما هذا الطبق نطلق عليه مُمبار عبارة عن أمعاء البقرة و تم تنظيفها جيداً و حشوها بخلطة الأرز ثم تم سلقها و قليها في الزيت.
و حين سمعت صوفيا هذا أصابها صاحت:
-اللعنة.
و ضعت كفها علي فمها و نهضت مهرولة إلي المرحاض.
تعجبت سمية من ردة فعلها و سألته:
-مالها المچنونة دي؟
تحمحم ثم قال:
- شكلها عندها برد.
نظرت إلي الصغيرة و قالت لها:
- ما بتاكليش ليه أنتِ كمان؟
لم تفهم الصغيرة العربية نهضت و أخبرت والدها:
-بابا، أريد بيتزا من فضلك.
يكتم ضحكاته فأومأ لها قائلاً:
-أذهبِ إلي غرفتك و سأطلب لكِ و لوالدتك الآن.
نهضت و وقفت علي أطراف قدميها لتقبله ثم قالت إليه:
-شكراً بابا.
كانت سمية تراقب معاملته مع صغيرته، تكتشف جانب آخر له، فهو كما معها زوج حنون فهو مع ابنته أب عطوف، تمنت في تلك اللحظة أن يرزقها الله منه بطفل صغير.
انتبهت إليه و هو يخبرها:
-كُلي عشان ساعة كده و جهزي نفسك هانروح نبارك لسليم بيه و زينب.
رمقته بعدم فهم و سألته:
-نبارك لهم علي أي؟
تدعو الله أن يخيب ظنها فهي تعلم إذا حدث ذلك حقاً ستكون كارثة فوق رأس صديقتها.
أجاب باقتضاب:
-زينب حامل.
شهقت بصدمة:
-يا مُري.
تفاجئ من ردة فعلها فسألها:
-و فيها أي لما تحمل منه؟
ضيق زرقاويتيه و أردف:
-أنتِ تعرفي حاجة و مخبياها؟
ابتلعت لعابها و بتوتر سرعان حولته إلي مزاح حتي لا يشك بأمر صديقتها:
-أني جصدي مش كفاية علينا سليم واحد البشرية ماناجصاش مرار طافح أكتر من إكدة.
أطلق قهقه دوت في الأرجاء بينما هي تتحدث بداخل عقلها:
-الله يصبرك يا زينب دلوق إكدة الموضوع بجي صعب أكتر و مش هاتعرفي تتخلصي من الشيطان اللي إسمه سليم.
ـــــــــــــــــــــــ
أغلقت سحاب حقيبة ابنتها:
-ياريت ناكل كل الساندويتشات يا إما مفيش شيوكليت تاني.
زمتت الصغيرة شفتيها بامتعاض و أجابت علي مضض:
-أوك مامي.
صدح رنين هاتفها فقالت:
-يلا الباص تحت، خلي بالك من نفسك.
فتحت لها الباب و نزلت، ذهبت إلي الشرفة لتطمئن علي وصولها إلي الحافلة المنتظرة، نظرت ابنتها إلي أعلي و لوحت بيدها إلي والدتها:
-باي باي مامي.
-باي لارا.
و بعد أن انطلقت الحافلة عادت إلي الداخل، دلفت إلي الغرفة تبحث عن شيء ما، هبطت علي عقبيها و تبحث أسفل السرير، اعتدلت و نهضت كادت تصطدم به، يبدو أنه أنتهي من الاستحمام لتوه من جسده العاري المُبتل و حول خصره تلتف منشفة فقط.
يرفع يده أمام عينيها و يمسك بالخاتم الذهبي خاصتها:
-دبلتك اللي بتدوري عليها.
أخذتها منه و قالت:
-شكلي نسيتها علي الحوض و أنا بغسل الحمام.
ترددت في ارتدائها حتي جاءت في ذهنها فكرة لعلها حجة لكي تجعله يقترب منها بدلاً من البُعد و الجفاء الذي أصبح بينهما.
- ممكن تلبسها لي؟
و ابتسمت إليه ابتسامة ساحرة، هل تظن هي إنه لا يشتاق إليها بل قلبه و روحه و كل ما به يشتاق إليها بشدة.
تناولها من يدها و تظاهر بالجدية البالغة حتي لا تدرك مدي ضعفه بالقرب منها، أعطت له يدها ليضع في بنصرها الخاتم و تعمدت ملامسة أنامله و يدها الأخرى وضعتها علي صدره تزيح قطرات الماء و تتخلل بأناملها شعيراته المتناثرة علي أنحاء صدره، لو تعلم ما تفعله الآن هو الاحتراق ذاته، فلمساتها بمثابة نيران أُضرمت في جسده، يلح عليه فؤاده بأن يجذبها بين ذراعيه و يعانقها بقوة حتي تتلاحم ضلوعهما معاً.
وضعت رأسها علي صدره و كأنها تسمع نبضات قلبه الذي يناديها:
-وحشتني أوي يا أكرم.
نبرتها الناعمة كافية بتحطيم جدرانه و هدم قلعته لتطئ بقدميها داخل مملكته و لم يستطع مقاومتها مرة أخري مُتحصناً بكبريائه الغائب الآن.
و في لحظات وجدت جسدها يتمدد علي الفراش و ينهال عليها بقُبلات برية متوحشة، و عناق بالغ القوة يكاد يحطم عظامها، تحملت كل هذا في سبيل أن تنال الغفران، ربما نست ما فعلته و إنه لم يمُر هباءً.
أحتدم اللقاء بينهما، لا يتسم بالحميمية كما كان يفعل معها سابقاً لكنه لقاء بين مُنتقم يأخذ بثأره!
أنهكت قواها و بدأت تشعر بالدوار من فرط التعب، صفعها علي وجهها و يسألها من بين أسنانه:
-لسه بتحبيه؟
هزت رأسها بالنفي و أجابت بوهن :
-و الله ما حبيت حد غيرك أنت.
سألها مرة أخري و كأن القادم يتوقف علي إجابتها:
-متأكدة؟
و إذا به يبتعد عنها في أشد لحظات احتياجها إليه، نهض و ولي ظهره إليها و لم يكن حدث بينهما شيئاً، عادت نبرته الجليدية مرة أخري:
-لما ترجع البنت من المدرسة خديها و روحو أقعدوا عند أهلك عشان عندي مهمة مش عارف أرجع منها أمتي.
دثرت جسدها بالغطاء القطني ثم نهضت و يضرب القلق داخلها:
-هاترجع أمتي؟
- مش عارف، المهم أعملي اللي قولت لك عليه.
و ألتفت إليها و ظل ينظر إليها بصمت تخلي عنه حينما أردف بنبرة في ظاهرها تبدو باردة خالية من المشاعر:
- هتوحشيني أوي!
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية