رواية ورقة التين الفصل الثالث 3 - بقلم داليا الكومي
الشر يحيط بنا من كل جانب .. والأكثر رعبًا أنه ينبع من الداخل أيضًا لا من الخارج فقط ..
كانت محاصرة بالشروتقاوم‘‘ والخلاص يبدو مستحيلًا ونور الشمس لم يعد يصل للقصر عبر المصاريع الخشبية للنوافذ والتي أغلقها والدهما من الخارج بقطع ضخمة من الخشب فركعت على قدميها عند فراش عاصم قائلة بحسم ..- لن تغادر غرفتك مهما حدث .. وستضع سماعاتي في أذنيك وتستمع للموسيقى الهادئة ولن ترفعها أيضًا مهما حدث ..
وعلق عاصم بضيق ..- لن أستطيع يا ربى الجلوس كل هذا الوقت في غرفتي وإحدى سماعاتكِ سلكها مقطوع ولا تعمل بشكل جيد ..
لكنها أجابته بنفس الحسم ..- هذا ليس خيارًا يا عاصم .. لديك حمام في غرفتك وأنا أحضرت لك قارورة ماء والسماعات ستفي بالغرض وستحجب عنك الضوضاء القادمة من الأسفل وأنا سأأتي لرؤيتك بعد قليل ..
كانت تحاول بكل طاقتها حجب عاصم عن العالم الملوث في الأسفل .. الأحوال في القصر متردية وحتى الخادمة توقفت عن العمل بعدما عجز والدها عن الدفع وتراكمت الفواتير وباتوا مهددين بقطع الكهرباء والمياه عن القصر .. وحينما أدركت الوضع وبعدما سحب والدها كل قطعها الذهبية الثمينة كانت تخفي بعض المشغولات الذهبية الرقيقة والتي كانت بحوزتها ولا يتذكرها والدها لتقوم ببيعهم في الخفاء لتوفر بعض الطعام لعاصم ولوالدها والذي لم تتمكن من تركه بلا طعام على الرغم من قساوته وسوء طباعه وكان يأكل ولا يسأل من أين لكِ هذا حتى استنفذت كل ما تملك وحتى الإندومي لم تعد تستطيع شرائه ..
لم تحاول وعده بطعام لأنها لا تعلم كيف ستفي بالوعد لكن ربما يترك أحد هؤلاء الأوغاد ما يصلح للأكل بالأسفل كما حدث في مرات نادرة فهؤلاء لا خير يأتي من ورائهم مطلقًا .. وكيف لا يرى والدها هذا ويبتر كل هذا الخبث من جذوره وينهض للعمل لأجلهما على الأقل؟ كان لا ينفك يفكر في الكسب عن طريق اللعب والمقامرة ومع أنه يخسر باستمرار لم يكن يستطيع التخلي عن إدمانه ولا عن الحفلات الماجنة التي يحضر فيها المدعويين كل أنواع الشراب ليزداد ضلال عقله وتغيبه ..
واليوم يقيم والدها واحدة من حفلات المجون خاصته على أمل أن يضرب حظه ويفوز ببعض المال وكأنه لم يتعلم من الخمسين حفلة الماضية والتي خسر فيها كل شيء حتى القصر رهنه ..
وارتدت سروال من الجينيز وقميص قطني بأكمام طويلة وجمعت شعرها في شنيون ولفته بمنديل .. كانت تحاول عدم لفت الانتباه إليها والتصرف كالصبيان وهي تتنقل بين الطاولات التي غشاها الدخان فلم تكن تعلم من الجالس ورائها وسعلت بشدة وهي تقدم الخمر لشخص بذيء من ضيوف والداها كان أكثرهم محاولة للتحرش بها ..
" " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه
معلوماتها الدينية محدودة لكن تلك من البديهيات التي لا تحتاج للتعمق في الدين حتى أن رائحتها مقززة ورائحة أنفاس شاربيها تسبب لها الغثيان لكن أيضا ليس على المجبور حرج ..
وهتف والدها وهو يرفع كأسه ..- اليوم يومي سأفوز اليوم وسأعوض كل خسارتي أنا أشعر بهذا في أعماقي..
ورد عليه أحد المدعوين بسخرية ..- هيا أرنا يوم سعدك مع أني أشك .. النحس لازمك لشهور ..
واقترب منها يزيد ذاك المتحرش الذي ينتهكها بنظراته وشعرت به وكأنه يلامسها بنظراته الفجة فتراجعت بذعر وتوقف قلبها حينما هتف ..- كما تقول هارون كما تقول .. إذًا اللعب اليوم على ابنتك إذا فزت تعود إليك كل أملاكك وإذا خسرت تصبح ربى ملكي بعقد بيع ..
**
ليه يا زمان ما سبتناش أبرياء‘‘ وواخدنا ليه في طريق ما منوش رجوع ..
نارين فرضتا عليه لكن الاختيار بينهما سيكون حقه .. سيختار بنفسه أية نار سيصلاها ..
نار الدنيا وإن كانت تنغص عليه عيشته لا تقارن بنار الآخرة التي سوف يتلظى فيها إن رفض أن يحمي طفلي خاله مهما أن كانت دمائهما ملوثة ومهما أن ذكراه بهارون تيجان ..
لكن ليس لهذه الدرجة .. !! كل شيء وله آخر .. وصبره نفذ ..
لن يجدها في غرفته ويتحمل .. لقد قاوم كثيرًا لكنه وجد نفسه سيلين لذلك وجب الحسم مع نفسه أولًا .. أنتِ ربى هارون تيجان لا تنسي نفسكِ مطلقًا وطردها بكل الحقد الدفين بداخله .. طردها ليحفظ لعقله سلامته و..
لكنها لم تجادل أو حتى تسبه لأنه من أمرها بالعمل وتنظيف المنزل ولم يستثني غرفته ففوزية كانت تنظفها .. كانت وكأنها تجمدت للحظات ثم ركضت للخارج وتركته يطرد الهواء ويعنفه ..
اللعنة ..
وألقى ساعته على طاولة الزينة بعنف كاد يحطم زجاجها ويحطمها .. لعنة هارون تيجان ستطارده للأبد مهما ظن أنه تعافى منها .. كيانه الخبيث يترك جذورًا تجبره على التصرف بغير طبيعته لكنه لا يستطيع تجاوز الأمر.. ربى وعاصم جذرين خبيثين من شجرة عفنة وقاوم صوتًا يضاد الصوت الأول ويقول لكن زينب كانت جذرًا من نفس الشجرة أيضًا .. الجذور واحدة لكن ماء الري يختلف أنت مزارع وتعلم هذا .. ما ترويه بالصرف الصحي يختلف كل الاختلاف عما ترويه بماء النيل النقي .. وربى وعاصم جذرين ضعيفين أنبتا براعم خضراء واهنة تذبل من مجرد ريح وربما لم يروا بالصرف الصحي مثل والدته ..
حقًا سيفقد عقله .. ليتهما لم يحضرا ولم يتعرف عليهما .. حياته من أسبوع واحد كانت أكثر هدوءًا واستقرارًا.. عاصفة من الشمس هددت كل حياته المستقرة وجعلته أكثر ضعفًا وترددًا وتخبطًا وهو لم يكن هكذا أبدًا..
لكن العاصفة التي هبت عليه من الشمس عليها الخضوع لسطوته فلن يتركها تأخذ الأخضر واليابس في طريقها ولن يترك البراعم الخضراء لتذبل أيضًا .. هو الأكثر خبرة وعقلًا فيهم والحياة علمت عليه بكل أنواع التنكيل والمصائب .. كان أصغر منها عمرًا حينما رحل ليجمع الأموال .. عمل في كل شيء يمكن لبشر أن يتخيله ونام لليالي طويلة ومعدته تأن من الجوع ..
تحمل الهوان والحرمان حتى استطاع الوقوف على قدميه .. كان مجرد مراهق لكن أحمال ظهره كانت أكبر من أن ترفعها قبيلة كاملة من الرجال الأشداء..
عمل حتى كعامل صرف صحي وعامل نظافة يجمع القمامة لكن العمل في الصرف الصحي لم يكن مرهقًا ومستنزفًا كرؤيتها أمامه وفي غرفته .. ولم يكن يشعر بالإهانة وهو يجمع القمامة كشعوره بالإهانة كلما تذكر هارون تيجان وكل من هم من دمائه وكل من هم من شاكلته أو طبقته التي تثير الغثيان لديه .. بل حتى إن رؤيتها تسبب له الألم في جسده وفي عقله وفي قلبه ويتذكر ألم النهش ورعبه من الكلاب التي مزقته هو ووالده تمزيقًا .. لكنها في نفس الوقت طفلة ضعيفة هشة سيكون شيطان إن تركها لتنهشها الكلاب كما نهشته.. اللعنة ماذا أريد؟؟ سأجن..
والحل إما أن يطردهما مجددًا ليرتاح لكنه لا يستطيع فعل هذا أو يسيطر على حياته سيطرة كاملة ويبتر كل حيرته وتخبطه.. ربما زواجه الآن سيكون الحل الأمثل .. سيشغل نفسه بزوجة وفرح وسيعتاد على وجود العاصفة لكن بشروطه ..
ربما حينما فكر في رد الدعوة لعائلة حمدون لم يكن أكيدًا من أنه سيطلب برلنتي للزواج ..بل كانت مجرد فرصة لرد الدعوة لأنه لا يحب أن يكون له دينًا عند أحدهم..
لكن اليوم أصبحت فكرة طلبها تلح عليه بشدة خاصة بعدما اكتشف أنه يتغير وأنه اشترى لنفسه ملابس العيد الملقاة على الفراش أمامه..
وطرقات على باب غرفته انتزعته من أفكاره .. كان والده والاستياء باديًا على وجهه ..
الرحمة والدي لن أحارب في كل الجبهات ..
لكن والده لم يبدأ في تعنيفه بل قال برفق ..- " وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ".. صدق الله العظيم
أنت تواظب على الصلاة يا ولدي ولا تترك فرضًا بل وتؤمنا جميعًا في بعض الاحيان لأننا ارتضينا علمك ودينك وخلقك فلا تزر وازرة وزر أخرى.. هذا بالنسبة للموضوع الأول الذي أردت مناقشتك فيه أما الموضوع الآخر فمجرد فضول لماذا الآن قررت رد الدعوة؟؟ لن أجادلك أو أعترض لكن أتعشم ألا تتسرع في اتخاذ أي قرار ..
كل عام وأنت بخير وصحة وراحة بال يا ولدي الحبيب.. سأدعو لك براحة البال في كل صلاة عسى أن يريح الله قلبك ..
**
البكاء راحة منحها الله لعبادة لتنفيس جرعة الحزن الخانقة والتي تقف ككتلة في الحلق فتخنق وتميت ..
جدران غرفتها الأربعة شهدت على بكائها لكن يكفيها إنها لديها باب تغلقه عليها بالمفتاح وتنام آمنة بعيدًا عن جو المجون والقرف الذي فرت منه بأعجوبة .. لو كانت عملت في أي مكان كانت ستعنف من رب عملها لأنها بلا خبرة .. يجب عليها التعامل بحيادية مع منذر لكنها للأسف لا تستطيع .. سأسف لا تستطيع .أأأ
لكن الانهيار الآن خيانة .. عاصم بحاجة إليها .. وخرجت للتراس الملحق بغرفتها تستنشق عبير المكان علها تهدأ فوجدته يلهو مع مهند في الحديقة بحبور ..
كانا يصفان كومة من الحجارة رأسيًا ثم يضرباها بكرة والفائز هو من يسقط العدد الأكبر منها من الضربة الأولى ..
ألعاب بسيطة لكن ممتعة بلا تكلف أو ضرر وتختلف عن ألعاب الفيديو جيم والتي كانت ستكون مصير عاصم لولا أن والدهما تطوع وجردهما من كل شيء .. اختار مهند بقعة نظيفة ممهدة أمام المنزل خالية من الزرع ومتع نفسه بعدما انهى عمله واصطحب معه عاصم ببساطة... مهند يختلف عن منذر لأنه لم يتعرف على والدهما فلا يحمل الأحقاد ولا يعرفها ..
وغبطت عاصم لأنه وجد قرينه الرائع عكسها التي عليها تحمل أفعال هارون تيجان بمفردها لكنها لا تستطيع الاعتراض .. كنيتها كاملة " ربى هارون تيجان " وعليها دفع فاتورة الماضي عن عاصم حتى يعيش بسلام..
عليها تحمل منذر للنهاية ليس فقط لأنه رب عملها بل لأن قسوته مبررة .. آه لو يعلم ماذا فعل والدها فيها هي شخصيًا ربما سيسامحها لكنها لن تخبره .. لن تتوسل حمايته.. عرضه قبلته كعرض عمل لا كعرض إحسان.. وكل مر يمر حتى بكائها نفذ وجفت الدموع مع الوقت..
بكت حتى ارتاحت وحتى نفذ مخزون الدموع وعليها التوقف لإعادة تعبئته فالقادم سيحمل لها المزيد من البكاء بلا شك .. وتورمت عيناها كما لم تتورم من قبل وسمعت طرقات على باب غرفتها فاتجهت لفتحه ووجدت فوزية تقول بإعجاب ..- رائعة أنتِ .. انهيتِ الطابق العلوي كله وأصبح يشف ويرف من النظافة وأنا أنهيت العمل في الأسفل وأحضرت لكِ الجلباب النظيف الآخر لتبدلي ثيابكِ ..
الحياة هنا بجلبابين تبدل بينهما فتغسل أحدهم وتنتظره ليجف حتى ترتديه وتغسل الآخر لا تضايقها ولا حتى العمل يضايقها لكن القسوة ستقتلها وببطء لكنها تكون غبية إن توقعت كل شيء وعليها القبول بما تجود به الحياة عليها .. منذر مجرد فرد واحد ويوجد حولها آخرون يهونون عليها قسوته وغلاظته ..
وتجاهلت فوزية تورم عينيها الواضح وهذا شجعها للخروج من حالتها والمضي قدمًا.. تعنيفه لن يكون الأخير وعليها اعتياد الأمر فسألت فوزية ..- من ضيوف الغد وكم عددهم؟
وابتسمت فوزية بخبث وهي تجيبها ..- عائلة حمدون‘‘ أربعة أفراد الأم والأب وبرلنتي حمدون وشقيقها ..
لماذا ذكرت فوزية برلنتي بالخصوص بالاسم لكنها لم تعلق .. ما يشغل بالها أهم كثيرًا .. وليمة مثل تلك ستفضحها وسيعنفها منذر وأمام ضيوفه.. ستكون فرصته الذهبية لإهانتها وبمبرر..
ولدهشتها علقت فوزية بحنية وكأنها تقرأ أفكارها .. - الديك الرومي سيد نفسه .. وابتسمت وهي تكمل رافعة لكتفيها في حركة مضحكة .. - كالسيد منذر تمامًا لا يحتاج للكثير ليظهر ويملاء مكانه .. الرز المعمر سيكفي إذا اهتممتِ بالديك وتسويته وطريقة تقديمه ..
وضحكت ربى رغمًا عنها .. رهيبة فوزية خاصةً حينما تحاول تقليد منذر ..
- هاه انظري لقد نور وجهكِ بابتسامتكِ .. لا تحملي الهم فقط اتبعي الخطوات .. الفرن البلدي يسوي أجدع ديك والسيد قدري نكه لكِ الديك بكل المنكهات وأخفاه في البراد عليك فقط وضعه في صينيه كبيرة ووضعه في الفرن وتغطيته بورق القصدير لمدة ساعتين ثم اكشفيه وضعى تحته بعض الخضروات واعيديه في الفرن مجددًا لمدة ساعتين آخرين وسيكون شهيًا ..
في حياتها لم تدخل مطبخ حتى بعد رحيل الخادمة عاشت هي وعاصم على " الإندومي " .. ستطهي الديك والأرز وستقطع خضروات منذر الشهية بشكل فني وتطهي بعضها وتقدم البعض الآخر نيئًا لذيذًا ..
لكن مشكلتها ستكون في منع عاصم من الانضمام للسفرة ككل يوم .. منذ قدومهما وهما ينضمان إليهم لكن غدًا لا يجوز .. ستحاول إقناع عاصم من قبلها والمشكلة الأكبر أن غدًا صيام لكن لا بأس بعض الصبر لن يضيرهما ..
واننتهى اليوم بسلام ولم تره مجددًا فهو منعهم من جمع التين نظرًا للأعمال المنزلية المتراكمة وانصرف هو لجمعه .. الحق يقال " حقاني " على الرغم من قسوته ويقسم العمل بالتساوي ..
وانهارت في غرفتها من شدة الإرهاق واستيقظت قبيل الفجر على صوت عاصم يدعوها للسحور .. صامت كثيرًا من قبل لكن لم تتسحر ولو لمرة في حياتها .. الطقوس هنا مختلفة " صحية وروحانية ومبهجة " حتى أن التعب الجسدي ينعدم أمامها " لو فقط منذر يخفف من قسوته ستكون إقامتها هنا أشبه بالإقامة في الجنة " الريف وجماله ونقائه .. الطعام كله من خير البيت وله طعم مختلف .. والروحانيات التي تعرفت إليها والجو الذي تتمنى أن يكبر عاصم فيه " الحمد لله "
وتجاهلها منذر طوال الطعام وعلمت أنه من أعد لهم السحور لكنها لم تعلق وأكلت في صمت بعدما حاولت الرفض لكن زوج عمتها استحثها " قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تسحَّروا؛ فإن في السُّحورِ بركةً)) "..
وبعد صلاة الفجر نامت سعيدة راضية مطمئنة ..
**
عائلة حمدون ضيوف منذر المرتقبون‘‘ الأم ماجدة والأب حمدون وولديهما برلنتي و شاكر ..
ولم يخفى عليها نظراتهم لها ولعاصم منذ البداية ..
ماجدة وابنتها كانتا تنظران بحقد وغل أما شاكر ووالده فكانا ينظران لها بإعجاب واضح وعلى الرغم من محاولتها المستميتة إخفاء شعرها الطويل تحت الطرحة لكنه كان أحيانًا ينسل من ربطته وينسدل على كتفيها فتظهر أطرافه وكانت تعلم أنه انطلق وسقط على كتفيها حينما يتحول وجه منذر وتمطر سمائه بالغضب ..
وقبل الآذان بربع ساعة كانت جهزت المائدة ووضعت إبريق الماء النظيف ووضعت فيه قوالب الثلج ورصت كاسات عصير المانجو والتي أحضرها منذر من على الشجرة طازجة وعصرها بنفسه ..
كانت لحظات عصبية تلك التي شاركها فيها المطبخ حتى انتهى من العصير .. كان يراقبها بطرف عينه وهي تجهز الطعام وتخرج لخلف المنزل حيث الفرن البلدي لمراقبة الديك ثم تعود للمطبخ .. وانتهت تمامًا ودعتهم للمائدة مع قول المؤذن " الله أكبر " ..
وأشارت لعاصم بيدها إشارة خفية ليلحقها لكن زوج عمتها نهض فجأة وجذب لها مقعدًا ليقول بامتنان واضح..- تحية وتقدير لابنتي ربى والتي قامت بمجهود خرافي في الطهي اليوم .. صومًا مقبولًا للجميع وإن شاء الله سيكون إفطارًا شهياً يبدو عليه من منظره .. تفضلوا الطعام .. هيا عاصم أنت ومهند ساعدني في تقطيع الديك يكفي ما فعلته ربى للآن .. سترتاح هي كالملكة وسنقدم نحن الطعام ..
ماذا أقول لأوفيك حقك؟؟ دعوته واضحة لعاصم أيضًا بالبقاء .. معكِ كل الحق عمتي في ترك كل الدنيا لأجله؟
الأكل كان شهيًا حقًا .. لكن السبب ليس طهيها فهي لم تفعل شيئًا‘‘ الأصل جودة ديك منذرواهتمامه بطيوره وحظيرته وتنكيه عمها قدري له بالتوابل منذ الأمس هي فقط كانت تقف كحارسة له أما الرز فكان شهيًا حقًا بعدما زاد عمها أيضًا كمية كبيرة من القشدة الطازجة على وجه الطاجنين قبل أن تدسهما في الفرن ..
وراقبت وجه منذر في الخفاء .. لم يكن راضيًا كان متجهمًا ولا يبتسم .. اللعنة عليك على الأقل اظهر امتنانك لكنك قاسي ولا تشعر يا عديم الإحساس ..
لكنها حاولت كتم مشاعرها السلبية والاستمتاع بانتصارها الصغير وبتقدير زوج عمتها لها وبالرضا الواضح على وجه الذكور الأخرين باستثنائه .. أما الأنثتين فكانتا ممعتضتين لكن لا يهم ..
ولديها ما يدحض ادعائهما بأن الطعام ليس لذيذًا فالأكل شبه نسف ولم يتبقى سوى الفتات وكانت تراقب عاصم الذي كان يأكل بلذة ويشير لها بأصبعة بعلامة الإعجاب..لا يهم أي شيء طالما عاصم سعيدًا وراضيًا..
وانتهى الطعام وأشار لهم منذر بالجلوس في التراس .. ثم قال ..- سنصلي المغرب في التراس حتى يُعد الشاي ..
وقلدت فوزية وجمعت بقايا الطعام ثم ستعد لهم الشاي وتقدمه لهم بعد الصلاة التي سوف يكون منذر إمامًا لهم هذه المرة.. ليتها تبقى لتراقب .. من أمتع اللحظات عندها تلك التي تراقبهم فيها أثناء صلاتهم وكم تمنت اللحاق بهم في الخلف لكن منذر لم يمنحها أبدًا الإذن لتفعل .. وانصرفت وقلبها معلقًا بما يحدث في التراس ..
وهتفت برلنتي فجأة..- سأعد أنا لكم الشاي حتى تنتهون من صلاتكم ..
ولحقتها للمطبخ‘‘ كانت انتهت لتوها من تنظيف السفرة واستعدت لصنع الشاي وتقديم التين لكن برلنتي فاجأتها لتقول بتعجرف..- هيا هيا اعدي الشاي أيتها الخادمة ثم ناوليني إياه لأقدمه ..
ونظرت إليها باذبهلال .. البلدة صغيرة وحتمًا علمت العلاقة بينهما وبين العائلة لكنها كتمت دموعها .. لن تجعلها تشمت فيها .. الحقيرة تريد انتزاع انتصارها منها لكنها لن تمكنها .. نجاحها في الوليمة يمنحها بعضًا من القوة ونظرات عاصم الراضية تمنحها الباقي ..
وصرخت بتحدي وجب عليها الخوض فيه ..- أنا لست خادمة أنا أقيم هنا في منزل عمتي بدعوة منهم ..
لكن برلنتي همست بخبث واضح ..- حقًا اعتقدتكِ تعملين مكان فوزية .. لا يبدو عليكِ أنكِ من أهل المنزل مثلهم ولا من الضيوف مثلنا.. بل يبدو عليكِ أنكِ الخادمة مهما قلتِ ..
تريد حرق دمائها وفعلت حقًا لكن لن تمنحها لذة الشعور بالنصر ..
يخاطبني السفيه بكل قبح .. فأكره أن أكون له مجيبًا..
يزيد سفاهة فأزيد حُلمًا .. كعودٍ زاده الإحراق طيبًا ..
الإمام الشافعي
التجاهل فن وعليها تعلمه كما تتعلم العديد من الأشياء هنا ..
وتجاهلتها حتى انتهت من إعداده وتركتها لتقدمه وكأنها هي من أعدته حتى ولو قبلت نسب مجهود لنفسها ليس لها فلن تعترض .. غادري مطبخي والسلام ..
وشرعت في تنظيف الصحون لتنتهي من كل أعمالها .. وربما ما فعلته برلنتي في صالحها ..
في الحقيقة خيرًا فعلت بطلبها هذا لتجنبها الخروج عليهم مجددًا فلن تحتمل نظرات منذر القاسية والتي تؤيد مكانتها كخادمة أمامهم .. لم يقلها بلسانه لكنها علمت مكانتها أخيرًا .. خادمة ..
الطعام انتهى وانتهى دورها وستصعد لغرفتها لتبكي هناك .. جدران غرفتها اعتادت على صوت بكائها ولا تتذمر منه بل تحتويها وتهون عليها .. خادمة خادمة لا يهم وهل العمل عيبًا وخاصة أنها ارتضته منذ البداية؟ ربما صدمت بالمسمى لكن طبيعة العمل لن تتغير بعدما علمت حقيقة وضعها ..
وتضاءلت الأصوات في الأسفل فعلمت أن العزيمة انتهت وغادر الضيوف لمنزلهم بعدما قامت بخدمتهم على أكمل وجه كما طلب منها.. وتذكرت منزل والدها وعزائمه القميئة..
دخان وشراب وقمار .. كان المنزل يتحول لحانة وصالة للقمار وستعترف‘‘ بعد رحيل الخادمة كانت هي تقوم بخدمتهم وتتعرض لنظرات الثمالى وخاصة نظرات الذئب المسمى بيزيد والتي كانت تنتهكها بدون لمس‘‘ إذًا فالخدمة ليست غريبة عليها على الأقل هنا لا يوجد خمر ولا شراب .. ولا نظرات تنتهكها .. تحتقرها ربما لكن لا تنتهكها .. فتسللت للأسفل مجددًا لتجلس في كنف الياسمينة .. ربما زرعتها عمتها لأجلها وكأنها كانت تعلم أنها ستكون ملاذها الآمن ..
يا ليلة العيد آنستينا ... وجددتي الأمل فينا هلالك هل لعنينا ... فرحنا له وغنينا وقلنا السعد حيجينا ... على قدومك يا ليلة العيد ..
كانت الأغنية تتردد بصوت عالي في الصالون .. لم تعلم من شغل التلفاز لكن الأغنية وصلت لمسامعها وهي تختبئ تحت شجرة الياسمين الفواحة وفوجئت بعاصم يلقي بنفسه بين ذراعيها ويغلق على رقبتها بقوة فضمته بقوة أكبر ..
كان قلبه الصغير يخفق وشعرت به يضرب قلبها بحب .. وهتف بعدما جلس لجوارها..- الأغنية جميلة .. حقًا شعرت أن غدًا عيد ..
وقاومت الدموع.. هنا يشعران بأول مرة من كل شيء حتى الشبع .. وأكمل عاصم وهو يربت على معدته.. - أشعر بالتخمة سينفجر بطني .. الأكل كان لذيذًا جدًا‘‘ شكرًا ربى ..
عاصم فقط يجعلها تتأكد من إنها اختارت الصواب ببقائها هنا وقبولها بالوضع.. عاصم سعيد آمن مطمئن وسيكمل تعليمه ..
القادم مجهول لكن وضعها اليوم لا يقارن بوضعها من شهر واحد .. شجرة التين مأواها الآمن وورقها يسترها ويخفي عراها للفترة القادمة والله وحده يعلم لمتى ..
**
استيقظت مع أذان الفجر ككل يوم وانتابتها قشعريرة مع التكبيرات المنصدحة من مكبرات الصوت لكن اليوم كان لا يشبه أي يوم فبعد الصلاة مباشرة باشر منذر الذبح بنفسه..
كان يرتدي الملابس التي سبق وارتداها ساعة تنظيف سيارته وراقبت ما يحدث بشغف وخوف ..
كان منذر يحضر خروفًا عملاقًا من الحظيرة ثم يربت على ظهره بحنان ومن ثم يكتفه ويطرحه أرضًا بلطف بالغ ثم يسمي الله ويكبر ويقوم بذبحه بمهارة وسرعة ويكرر الأمر في مكان آخر مع خروف آخر يشبه نفس الخروف السابق في الحجم والشكل ..
كم هو قوي وجريء ولا يخشى شيئًا وكأنه كما يقولون أكل قلب ذئب فيما مضى ..
ولم يكن هناك أي شخص غريب في الجوار أو يساعد في الذبح فقط ساعده والده ومهند وكأنهما معتادان على هذا .. فكان منذر يسلخ بمهارة بعدما علقهما على حوامل ونفخ فيهما بمنفاخ ليفصل الفرو عن الجلد .. والغريب أن عاصم لم يجزع بل وقف بصلابة ليساعدهم وينفذ ما يطلب منه باتقان ..
وقام منذر بتقطيع اللحم ووضعه في أكياس وهتف بمهند..- احضر الرجال لتوزيع الأكياس .. سأضع نصيبنا في الثلاجة والباقي سيوزعه الرجال .. ولا تتأخر .. يجب على الجميع أكل اللحم اليوم ..
وسمعت عمها يقول ..- أنا سأعد لكم الفطور اليوم بالكبدة والقلب كالمعتاد ..
إذًا لا عمل لها لبعض الوقت .. بعد الفطور ستحضر لعاصم ملابسه الجديدة بعدما يكون منذر انتهى تمامًا من تنظيف المكان بمساعدة مهند ومساعدته .. من الجيد أنه متفاعل ومتقبل لعيشتهما الجديدة بل ويساعد من تلقاء نفسه كلما استطاع ..
وهربت لشجرة التين العملاقة ترتاح في ظلها وتنعم ببعض الخصوصية‘‘ الذبح مر بسلام .. كانت تجربة رهيبة لكن كان يجب عليها المشاهدة .. كل ما يمر عليها هنا يصقلها ويغرس فيها القوة والحكمة ،، ستحتاج لكل درس فيما بعد حينما يكون عليها الرحيل .. علاقة برلنتي بمنذر علاقة مثيرة للتساؤل وبرلنتي لن تسمح لها بالبقاء .. و.. وفوجئت بطفل في نفس عمر عاصم يسرق التين من الشجرة ويضعه في جيوبه.. وهتفت بذعر ..- اللعنة!!
ليس لأنه طفل ولص لكن لأن منذر لمحه في طريق قدومه لحيث تقف .. لماذا ترك الجميع وحضر لحيث تختبىء ؟؟
وهرولت للصبي لتنقذه من براثن منذر ومن غضبه وتوسلت بضعف..- أرجوك لا تؤذه إنه مجرد صبي ويبدو عليه الذعر الشديد..
وتأكيدًا لكلامها هتف الصبي بذعر واضح ..- الرحمة أستاذ .. أنا كنت جائعًا فلا يوجد طعام في منزلنا وتينك لذيذ جدًا‘‘ الكل يقول هذا فلم أستطع المقاومة..
.. وخفق قلبها بعنف حينما هتف بغضب وعيناه تشعان غضبًا..- اخلع قميصك
اللعنة مجددًا !! هل سيضربه ؟ هل سيعيد ما فعله والدها مع الصبي المسكين ؟؟ صحيح هناك فارق ومنذر لم يكن يسرق لكن الموقف متشابه للغاية وسينتقم منذر من الطفل المسكين ..
وانحدرت دموعها بغزارة حينما أكمل الطفل ..- كنت أريد أن يتذوق أشقائي أيضًا لو كنت أكلت ورحلت لما كنت رأيتني لكني لم أستطع الأكل بمفردي فقطفت البعض لهم.. التين .. لم يدخل بيتنا من قبل..
لكن منذر أصر وقال بغضب أكبر ..- اخلع قميصك هيا على الفور ..
ألا يحن قلبه ذاك القاسي؟؟ سيجلده بلا شك ..
وركضت لتضع نفسها بينها وبينه كحاجز لكنه أزاحها جانبًا بحسم وانتظر ..
فخلع الصبي قميصه بيأس وهو يرتعد ولدهشتها هتف منذر .. - لا يوجد في الجوار سوى قميصك لتجمع فيه التين .. خذ معك ما يكفي كل عائلتك لكن في الغد عليك العودة من الصباح للعمل .. ستجمع التين وستحصل على أجر.. ستعود وإلا ستكون لصًا وسأبلغ عنك السلطات ..
وانصرف الصبي لجمع التين بعدم تصديق .. كان يجمع الثمرات المعطوبة في البداية لكن مع إشارة منذر أصبح يجمع من التين أفضله ووضع منذرعنقود ضخم من العنب في القميص وضرب شجرة المانجو العملاقة بحجر ضخم فتساقطت بعض الثمرات على الأرض فالتقطهم بخفة ووضعهم في القميص وربطه برفق وسلمه للصبي وسأله باهتمام..- ما اسمك؟؟
وخفض الصبي عينيه أرضًا وقال بخجل ..- هيثم ..
- حسنًا يا هيثم لكي لا تحني رأسك بعد اليوم عليك العمل مقابل ما تريد .. على كل حال ارفع رأسك الآن وبلغ تحياتي لأسرتك .. كل عام وكل أسرتك بخير لكن ستحضر غدًا من بعد الفجر سأنتظرك؟؟
وهرول الصبي حاملًا كنزه الثمين وهو يطرق برأسه علامة الموافقة ..
وشعرت بالاحراج من ظلمها له .. عمها معه حق هي تصدر عليه الأحكام المسبقة ولا تنتظر ما يفعله حقًا لتحكم عليه .. موقفه مع الصبي جعلها تشعر بالانبهار ودهشت بزيادة حينما قال من تلقاء نفسه مفسرًا بقسوته المعتادة والتي تأكدت الآن أنها من نصيبها هي فقط ..- لو تركته كان سيصبح لصًا ولو طردته بعدما أجلده كنت سأكون هارونًا آخرًا .. لكل منا دوافعه وتفكيره .. أنتِ حاولتِ حمايته بدون التفكير في العواقب أما أنا فلست عاطفيًا سخيفًا مثلكِ أنا عملي .. على الطفل العمل طالما يستطيع لقد راقبته وهو يسرق .. في لحظات كان يقطع التين بحرفية لا يستطيع فعلها معظم الرجال لذلك يستطيع العمل وعليه أن يعمل ..
واصفر وجهها من الإحراج لن يفوت فرصة ليهينها ويقلل منها لكن لا يهم طالما الطفل آمن وسعيد .. كم أدهشها رقة قلب الطفل ورفضه للطعام بمفرده دون أشقائه .. وهذا يعطيها درسًا .. لا تعتقدي أنكِ تضحي من أجل عاصم .. الكل يفعل ما في وسعه من أجل أشقائه..
وشحب وجهها حينما أجابها صوت ساخر بداخلها .. " لكن والدكِ لم يفعل .. زينب تيجان ماتت بسببه"
وتوقعت أن ينصرف ويتركها لكنه أكمل..- أنا أعرف عائلته وحقًا والده مريض ولا يعمل وقد يكونوا جائعين وهذا تقصير مني .. في النهاية هو أخذ من التين ما يكفيه لكن هل راقبتِ وجهه والتعابير التي ارتسمت عليه بعدما جمع التين بطريقة شرعية.. قد تعتقدين أني ظالم وقاسي لكني على كل حال لن أسمح أن يصيب عاصم مكروه لا تخشي عليه لن يكون مثل هيثم الذي اضطر للسرقة من أجل الطعام .. عاصم في عهدتي كما اتفقنا لكن أنتِ عليكِ العمل لأجله ..
**
كانوا يحتسون الشاي بالنعناع في رضى بعد الفطور الدسم المتخم .. الحمد لله .. لم تتخيل أن يكون فطورها في يوم من الأيام كبدة غنم طازجة لكن لا شيء مستحيل هنا ولا شيء مستبعد ..
- مهند هل أرسلت مقدارين إضافيين من اللحم لعائلة عوف داود كما أخبرتك .. ؟؟
لا ينسى شيئًا مطلقًا .. سيصلح تقصيره في حق تلك العائلة ليظل الأفضل في نظر نفسه .. يعتقد أنه لا يحيد عن الحق وربما حقًا لا يفعل لكن الحياة بها أشياء أخرى كالمرح مثلًا أو التسامح ..
عندما عادت من المواجهة الدرامية استحمت وارتدت فستانها الجديد .. بسيط لكن جعلها مختلفة وراضية عن نفسها وعاصم أيضًا ارتدى ملابسه والمفاجأة كانت في منذر نفسه والذي لم يفوت عاصم الفرصة ليعلق فصفر بانبهار قائلًا.. - منذر أنت غاية في التألق اليوم .. لقد ابتعت لنفسك ملابس للعيد أنت الآخر..
وابتسمت .. لقد احمر وجهه الذي نبتت فيه لحيته بصورة بسيطة خجلًا .. كان حقًا متألقًا في ملابسه الجديدة البسيطة ووسيمًا جدًا وتفوح منه رائحة رجولية قوية.. هل يضع عطرًا جديدًا؟؟ ولكن اللحظات الرائعة لم تدم طويلًا حينما دخل شاكر من الحديقة حاملًا كرتونًا ضخمًا وقال بابتسامة مصطنعة ..- كل عام وأنتم بخير..
وعلق منذر ..- لم يكن هناك داعي لهذا ..
لكن شاكر أكمل ..- الطعام من صنع برلنتي لتتذوقه .. نفسها في الطبخ لا يقاوم .. ربما المرة القادمة سنجتمع في الأفراح ..
كان ينظر لها بطريقة فجة فانسحبت بضيق‘‘ هذه العائلة بكاملها تسبب لها الغثيان .. لكن على الأقل لن تطهو اليوم .. ستنظر دائمًا لنصف الكوب الممتلىء ..
لكن الأفراح؟؟ من يعني؟؟
الحياة هنا بجلبابين وفستان كانت سعيدة لكن لو تزوج منذر من برلنتي لن تسمح لهما بالبقاء لا هي ولا والدتها .. هذا كان واضحًا من نظراتهما لها .. وسببت لها مجرد الفكرة ألمًا مبرحًا في كل جسدها وحضرت الدموع لعينيها .. واكتشفت .. هذا ليس له سوى تفسير واحد .. ما تشعر به لم تشعر به من قبل .. " الغيرة " والغيرة لا تكون بدون حب إذًا هذا هو الحب .. لأول مرة في حياتها تحب وتعلم معنى الحب ولسوء حظها حبيبها يكرهها أكثر شيء في الوجود ..
هل هناك ألًمًا يفوق هذا؟؟ ربما الألم سيكون مكفرًا عن ذنوب لم ترتكبها .. ستتعايش مع الألم فهذا قدرها الأهم ألا يكون الألم هو قدرعاصم ..
اجتمعت الجنة والنار في مكان واحد لتكون الأولى التي تعيش في الجنة والنار معًا..
لكن جهنم فقط صنعت لها أما الجنة فلن تكون لها مهما حاولت وفقط ستبقى على بابها من الخارج ..
**
نارية أنتِ وبريئة .. تصنعين من التين خمرًا بلا خطيئة ..
قيل صُنعت الخمر من خمسة أشياء.. من العنب ومن التمر ومن الشعير ومن الذرة ومن العسل .. لكن خمره صنعتها صهباء من التين .. تين مسكر لكن ليس محرمًا وبلا خطيئة .. يكفي أن تجمعه وتقدمه ليسكر فلا يعود لوعيه إلا مع شروق شمسه ..
راقبها تجلس لجوار مهند وعاصم وثلاثتهم يلعبون بالأوراق في مرح .. كانت طفلة لا تفرق عنهما البتة .. طفلة مغلفة بالأنوثة وتثير جنونه .. لكن في نفس الوقت يرى فيها وجه هارون وشعره الأحمر ..
القرار لابد وأن يتخذ .. الزواج من برلنتي هو الأنسب .. الكراهية تخنقه وتطوقه بلجام من نار .. مشاعر تعيده للوراء سنوات وستأثر على عمله وعليه التركيز في القادم .. كل مكسبه يشتري به المزيد من الأراضي والمزيد من المواشي ليصنع تكيته الخاصة ولو على مدار عشرات السنوات .. وخمرها يسكره ويجعله مدمنًا فيعجزعن العمل وعن جمع الأموال والمضي قدمًا في حلمه.. مع أن الأصل تينه فقط الذي عاش يزرعه لسنوات لكنها حولتها لخمر والأدهى أنها لا تعلم ماذا تفعل .. تتصرف ببراءة تثير جنونه .. بريئة وضعيفة وفي حمايته ..
وهتف فجأة بصرامة ..- هيا يا بنت الذوات رافقيني للمدينة لأرى ذوقكِ الأرستقراطي .. أريد شراء شيئًا ما ..
وبدون أن يعطي الفرصة لوالده بالاعتراض كان يدفعها لداخل سيارته وينطلق لمدينة بنها ..
بمفردهما لأول مرة .. كانت السيارة تنطلق بسرعة كبيرة ولم يفتح منذر فمه طوال الطريق لكنها على الأقل تجلس لجواره ولم يضعها في الخلف بل وتوقف عدة مرات في الطريق ليحضر لها الماء البارد والعصير..
وراقبت الطريق من النافذة وانتابها الفضول الشديد لمعرفة ماذا يريد شرائه وعلمت أخيرًا حينما توقف بالسيارة أمام محل راقي للمجوهرات في العاصمة ..- ساعديني في اختيار دبلة وخاتم لأقدمهما مساء الخميس القادم .. لقد قررت خطبة برلنتي ..
واعتصرت قبضة باردة قلبها .. كانت تعلم فلما الدهشة ؟ منذر لم يكن لها ولن يكون..
وقاومت الدموع بجسارة .. لن تبكي .. ليس الآن على كل حال .. العيد انتهى ورحل وأخذ معه كل شيء رائع..
من أيام لم تكن تعرفه ولم يكن يعرفها .. لا يوجد حب بهذه السرعة .. ما تشعر به ليس حب بل افتتان وعليها التخلص منه .. وتبعته للداخل كان قد طلب من الجواهرجي إبراز أفضل ما لديه .. وبحرص بالغ وضع علبة بها العديد من الخواتم على الطاولة أمامهما ولفت انتباهها خاتمًا من العقيق الأحمر .. بسيط للغاية لكنه متوهجًا ويشع دفئًا وجمالًا فأشارت إليه وهي ترفع خصلة نافرة سقطت على وجهها وأعادتها لمكانها تحت الحجاب ..
وعلق الجواهرجي بإعجاب واضح ..- اختيار موفق جدًا .. العقيق الناري يناسبكِ تمامًا .. وسيحميكِ أيضًا من الشياطين ويمنحكِ راحة البال .. النار للنار فيزداد التوهج ويصنع حولكِ هالة من الطاقة ..
وصرخ منذر بضيق ..- الخاتم ليس لها ولا توجه لها أي حديث وإلا رحلنا .. حديثك كله سيكون معي أنا هل تفهم؟
واحمر وجه الجواهرجي من الخجل وابتلع لسانه لن يغامر بفقدان زبون يطلب أفضل ما لديه خاصة مع الكساد الواضح في تجارة الذهب بعد ارتفاع أسعاره لتصبح فلكية..
واختار منذر خاتم آخر ولم يتمكن الجواهرجي من الصمت وهتف بتعجب ..- الزفير أغلى كثيرًا من العقيق صحيح أنت اخترت قطعة أصلية نادرة لكنها باردة .. لكن على كل حال هذا شأنك ..
الغالي للغالي لكنه لم يفتح فمه بل طلب منه احضار تشكيلات متنوعة من دبل الخطوبة ..
ستعيش اللحظة وكأنها تختار لنفسها فهي لحظة لن تتكرر مجددًا في عمرها .. الذكريات تنفع وقت الشدة وستعيش اللحظة وكأنها لها لتتذكرها لاحقًا .. ووضعت دبلة رائعة في إصبعها ورفعتها لتواجه عينيها وسمعت منذر يقول بصلابة..- اكتب عليها منذر وعلى تلك الفضية برلنتي وتاريخ الخميس القادم ..
وانشطر قلبها لنصفين وخلعتها وكأنها قطعة من الجمر وألقتها على الطاولة وخرجت تحاول السيطرة على نهر الدموع القادم وحمدت الله لأنها وجدت ما يشتت انتباهها ..
بجوار باب المحل كان يوجد جرو صغير جدًا ربما عمره لا يتعدى الساعات تُرك بلا سند ولا حماية وتذكرت عاصم وضعفه وقلة حيلته فركعت لجواره لتعطيه بعض الماء من قارورتها وربما سيشرب بعض العصير على الرغم من خوفها الشديد من الكلاب فما حدث ذاك اليوم لا يغادر ذاكرتها لكن ربما لن تعود أمه وتركته ليموت جوعًا وعريًا .. ليتها تملك بعض الحليب لإرضاعه و..
وفجأة وجدت نفسها تطير للجهة المقابلة بعيدًا عن الجرو المسكين وصوت منذر يعنفها بقسوة قائلًا ..- أنتِ تعرضين نفسكِ للخطر أيتها الغبية .. ماذا لو عادت والدته فجأة؟؟ كانت ستمزقكِ إربًا بأسنانها..
وكشف عن ساعده بغضب ليريها أثار النهش ثم دفعها للسيارة بعنف .. - غبية حقًا..
ومنحها الفرصة التي تحتاجها .. منحها حجة للبكاء فانهارت فيه ولم تكتفي .. بكت كما لم تبكي من قبل وهي تضع رأسها في الزجاج ثم مع اقتراب المنزل علقت بمرارة ..- بعض الآباء يتركون أبنائهم عرضة للنهش فليس كلهم مثل والدك .. والدته لم تكن ستعود أنا واثقة من هذا .. الجرو كان سيموت وسينتهك وهذا ما جعلني أتغلب على خوفي منهم لأساعده .. أنا أتذكر ما حدث لك .. أنا كنت هناك وأتذكر كل شيء ..
وبهت من الصدمة‘‘ لم تعد طفلة تتحدث لقد كبرت فجأة وخمدت شعلتها .. انطفئت وصارت باهتة حزينة..
إنها نفس الطفلة ونفس السيارة التي حولتها لسيرك سابقًا لكن اليوم ومضة السعادة اختفت وحل محلها الحزن وصدم أكثر لمعرفته إنها تتذكر ..
ما حدث لن ينساه هو فقط بل سيعيش في ذاكرة الجميع حتى تقوم الساعة ..
**
•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية