رواية ومنك اكتفيت الفصل الثالث 3 - بقلم داليا الكومي

 رواية ومنك اكتفيت الفصل الثالث 3 - بقلم داليا الكومي


اختراق

ومنك اكتفيت وكنت أريدها وبكَ لكنك قسوت على قلبي حتى بكى.. 
فبنيت قلاعي وحصوني لتحميني بعيدًا عن بطشكَ ..
وساتر وراء ساتر وضعت وتلحفت الألم غطاءً يقيني من غدركَ..
كلما نظرت في مرآتي رأيت صنيع يديك وعلمت أن أفضل اختياراتي كانت هجركَ ..

الصدمة القاتلة تجعلها تعجز عن التصديق .. هذا بالتأكيد لايحدث الكيان الجالس على مقعد طاولة اجتماعاتها لا يمكن أن يكون هو .. وكأنه الشيطان اللعين بذاته ويطاردها حتى بعدما ظنت أنها انتصرت.. صدق حينما اخبرها في مرة من المرات التي أخافها فيها لدرجة الموت " أريد روحك " ..

هل ستأخذها الآن معتصم ؟؟

لكنها لحظة فارقة أكون أو لا أكون حتى وإن كان هو ولم تجعلها السنوات تنسى ملامح القسوة في وجهه فستظل هي شيرويت الجديدة التي خلقت من جديد وتشبعت بالقساوة حتى اصبحت صلبة بصلابة صحراء قلبها القاحلة وتشبعت روحها بالشقوق ..

الاستسلام الآن يعني نهايتها .. في الواقع هي لا تهتم لمصيرها لكن حياة ريان على المحك ..

لن تنكر أنها ندمت مع الوقت لتهورها .. كان من الممكن أن تكتف بهجره والاصرار على الطلاق ... لكنها أرادته أن يتوجع لغيابها ..

كانت ما تزال تعتقد أنه يحبها وسيؤلمه غيابها لدرجة الموت لكن مع الوقت ادركت أنه بلا مشاعر على الإطلاق .. كم كانت بلهاء حينها لتظن ذلك ..

جلمود الصخر ذاك خلق بدون ذلك الجزء النابض في صدور الجميع والذي يجعلهم يشعرون بالأخرين,, بالألم,, بالحزن,, بالسعادة وبالندم ..

والآن وجدها وماستفعله الآن هو ما سيحدد مصيرها ومصير ريان بل ومصير اكرم ..

الثأر تلك العادة اللعينة المتأصلة في الصعيد تحركه بل تمتلكه كليًا .. زوجته لها زوج وولد وليرفع رأسه بين الرجال عليه غسل عاره بيده ..

تماسكت ظاهريًا فهو لن يستطيع اذيتها في عقر دارها وبمجرد مغادرتها ستغلق حصنها وتبنىي المتاريس وليذهب العمل للجحيم ..

ومع تماسكها الظاهري كان داخلها مهتريء ومتشبع بالفجوات كالغربال ..

لم تشعر يومًا بمثل هذا الرعب حتى في اليوم الذي وجدت نفسها فيه في ماليزيا هاربة من زوج ومن أسرة صعيدية متشددة بلا أي دعم ... حتى يومها لم تشعر بكل هذا الرعب وبما أنه سيطر علي نفسه هو الاخر ولم يبادر بالهجوم عليها أمام الناس إذًا فلديها فرصة ...

وعى معتصم جيدًا لوضعها الجديد والتزم حدوده وستستغل تلك النقطة أقصى درجة .. إن كان يملك من الغرور ما يجعله يسحقها سابقًا لكنه الآن مدركًا لما أصبحت عليه من قوة وباشارة واحدة من يدها سيلقي به الحرس خارجًا وهو يملك من الذكاء ما يجعله يحفظ ماء وجهه .. لأول مرة تتفوق عليه .. أصبحت أكثر ثراءً وأكثر قوة منه .. لكن ما علاقته بدي ماري ؟؟

كف تعرف عليه ؟؟ لم تكن تتوقع مطلقًا أن تكون صفقتها مع دي ماري مهلكة إلى هذه الدرجة لكن فات الأوان على الندم وعليها تفادي العواقب ..

كانت تعلم أن اللقاء مقدرًا يومًا فمعتصم ليس ذلك الشخص الذي يستسلم بسهولة لكنها لم تتوقعه قريبًا هكذا أو هل ربما كانت تلومه لتأخره عنها وغيابه كل هذا الوقت في عقلها الباطن ..

لكن تجمدت الدماء في عروقها حينما سمعت صوته أبرد من الثلج وهو يسألها بتهكم خفي ويشدد على حروف اسمها قائلًا بالانجليزية ..

- أنتِ ماليزية الجنسية سيدة زارا أليس كذلك..؟؟

صنعت لنفسي طريقًا وفررت من جحيمٍ وبنيت قلاعًا وحصونًا وحينما تقابلنا مجددًا وجدتنىي أقوى من الماضي ظاهريًا لكن بداخلي رياحًا موسمية تعصف بسكوني وتهدد سلامة حصوني ..

كادت تبكي وتتخلي عن درعها .. صوته للأسف مازال يسبب لها نفس القشعريرة التي تجعل كل شعيرات جسدها تنتصب ..

هل افتقدته ..؟؟ لا هذا مستحيل!! فقط سماع صوته بعد سنوات من الغياب اثار الحنين لديها ..

والدها, بلدتها, منزلها, صديقاتها وبالأخص سارة .. بيئتها الذي تركتها مرغمة ولم تعوضها ملايين الدولارات عن يوم واحد من الماضي ..

حنين لذكريات الطفولة .. حنين لأيام السعادة بلا قلق أو هموم .. لحضن الأب الذي لن يعوض ولمة العائلة ولقاء الصديقات ..

ولطمته الت علمت علي ىروحها للأبد قبل أن تعلم على وجنتها .. تلك التي نقلتها من حال لحال .. كيف تهين من تحب معتصم وتعامله كالحيوانات ..؟؟

حتى الحيوانات محرمًا اذيتها وضربها فلم أصل حتى لمرتبة حيوان في نظرك ..

إذًا ما تشعر به تجاهي لم يكن أبدًا حب .. كان على الأرجح ضم لممتلكات تزيد بها من سطوتك .. ميراثي الكبير الضخم وعليه جسدي هدية ..

للأسف معتصم لم تترك لي ذكرى واحدة جيدة تشفع لك,, شريط الماضي الذي مر في عقلها مع نبرة صوته جعلها اكثر قسوة وتماسكًا فتجيبه بنفس لهجته التهكمية وبنفس اللغة التي حدثها بها ..

- اعتقد أن جنسيتي لا تعنيك مطلقًا ثم سنيور دي ماري لم يقم بالتعريف عنك .. لابد وأن اعرف مكانتك لاجيبك بما يتناسب معها' ما يقال للصفوة لا يقال للعامة ..

كانت تعلم أنها تستفزه باجابتها .. تضغط بكل قوتها فيكون أمامه اختيارين لا ثالث لهما إما أن يثور ويكشف عن نفسه فتلقيه خارجًا أو يخضع فتكون بذلك وضعت قوانينها الخاصة تلك التي ستتطبق من لحظة خضوعه ..

لكن لسوء حظها الذي تدخل لفض النزاع كان دي ماري' الذي وكأنه انتبه لفعلته ليقول بنبرة حاسمة ..

- سنيور سمالوطي شريكي سيدة زارا اعتذر إن لم أوضح الأمر من قبل لكنه في النهاية شريكي في الصفقة وبالنصف ..

شريك !! هو ليس مجرد زائر وستتخلص منه .. بغبائها وقعت على أوراق اعدامها .. أصبح شريكًا في أعمالها الشخصية ..

ارتبكت بشدة لتسأله بحدة ..

- وكيف لم تبلغني من قبل سنيور ..؟؟ اعتقد أنه من حقي أن أعلم مع من أتعامل ..

دي ماري الساحر .. وجدته يبتسم اعذب ابتسامة شاهدتها على الإطلاق قبل أن يقول بنبرة اعتذار ..

- اعتذر سيدتي معكِ كل الحق لكني أدركت في اللحظة الأخيرة أن الصفقة تفوق احتمالي في الوقت الحاضر لذلك قبلت عرض سنيور سمالوطي بكل ترحيب وأؤكد لكِ أن السينيور من أفضل رجال الأعمال في العالم ومن أكثرهم سلطة وقوة ..

وكأنك تخبرنى بأمر لا أعرفه .. فكرت بمرارة ..

أكمل بنبرة غامضة ..

- أغنام حكيم بكل ما فيها فرصة لا تفوت لذلك لم استطع إلا أن أقبل سنيورا ..

ثم ليفرض الوقح نفسه في الحوار كما يفرض نفسه على كل حياتها ويسألها بتحدٍ واضح ..

- هل لديكِ أي اعتراض على شخصي سيدتي ..؟؟ أسباب شخصية ربما ؟؟

التحدي قائم والحرب سجال وهي اثبتت قوتها منذ اللحظة التي لم تظهر فيها انهيارها الوشيك أمامه .. لابد وأن تنهي هذا الاجتماع قبل أن تنهار وتبكي وتصرخ ..

- وكيف اعترض على شخصك وأنا لم اسمع عنك من قبل ..؟؟ لكني لا أتعامل مع أيًا كان سيد سمالوطي..

لثاني مرة تستفزة لتخرجه من شعوره .. لتنزع عنه قشرة التحضر ويخرج من تلك الحلة الباهظة التي لا تناسبه ليرتدي الثوب الصعيدى و..

وبالتأكيد دي مارى بدأ في ملاحظة الحرب الباردة بين الطرفين ..

زارا حكيم المراة الحديدية لم تكن مهذبة على الاطلاق اليوم بعكس تعاملاتهم الهاتفية من قبل .. وجود معتصم يثيرها بشكل أو بأخر ..

هو كان يعلم أن معتصم هو الآخر يريد الوصول إليها بأي شكل حتى أنه هو من اخبره عن مكان سيلينا وخطط للصفقة منذ بدايتها .. وكان دوره في صفقتهما أن يدخله عرينها بدون ذكر اسمه .. هناك أمور يجهلها بينهما ورغبته في ايجاد سيلينيا جعلته لا يهتم وإلى الآن لا يهتم بصفقة بمئات الملايين وتتحكم فيها الأهواء الشخصية .. لكنه لم يملك أي خيار وحينما علم اخيرًا أين تختبىء قبل بعرض السمالوطي حتى وإن كان يخدع زارا بعدم ذكر اسمه .. وعلى الرغم من توتر الجو جلس يراقبها ..

ملاء عينيه منها حتى شبع .. مازالت كما هي بنفس جمالها الساحر .. كم كان غبيًا حينما طردها وأهانها بغبائه الذكوري .. كان يعتقد أنها مجرد عشيقة مرت في سجله الحافل ليكتشف بعد اختفائها أنها لم تكن مجرد عشيقة عابرة وقطع كل تلك المسافة ليعرف ماذا تمثل له بالتحديد .. حينما غادرت أسبانيا جن جنونه وبحث عنها دون جدوى ليفاجىء منذ شهور بمعتصم يخبره عن مكانها ويعرض عليه الصفقة ..

وحينما تأكد من أن سيلينا هي سكيرتيرة زارا حكيم وافق بلا تردد وها هو الآن يتعجب فكيف سيدتين جعلتا من رجلين من المفترض أنهما من أقوى الرجال جعلتا مهوسين بلا عقل ليطارداهما عبر القارات ويضحيا بمئات الملايين في سبيل الوصول لمقرهما ..

والمغامرة لم تنتهي بعد .. إن كان معتصم حقق ما يرغبه ودخل لعرين زارا لكن هو ما زال لم يحقق مبتغاه .. لابد وأن يتحدث معها وحالًا .. حنينه جارف ليستمع فقط لصوتها لينظر في عينيها .. هل ما يشعر به الآن هو الندم ؟؟

نهض فجأة دون مقدمات ليلحق بسيلينا في مكتبها والتى كانت قد انسحبت فور جلوسهم على الطاولة الضخمة,, ظل طوال الاجتماع شاردًا ويفكر بها حتى أنه غفل عن تقديم السمالوطي للسيدة حكيم في لافتة وقحة أثارت حفيظتها ..

وعندما اطمئن معتصم لسير خطته كما أراد' بإشارة من يده غادر مساعدي دي ماري الغرفة على الفور ليتبقى هو وهي بمفردهما وجهًا لوجه ..

يا إلهي .. لماذا تضخم هكذا وأصبح بحجم ديناصور ..؟؟ ولماذا تخلى عنها الجميع لتصبح في النهاية معه بمفردها ؟؟ أين حراستها ؟؟

يدها التي تحركت في اتجاه زر الانذار تحت الطاولة توقفت في منتصف الطريق حينما في لمح البصر وجدته يغادر مقعده ويكون بقربها يتمسك بكفها ويمنعها من المواصلة .. كيف ظنت أنها محمية وسط حراسها ؟؟ أين هم الآن والحقير علي وشك دك عنقها ..

ملامح الشر البادية على وجهه تخبرها باقتراب أجلها .. كل تفكيرها انصب علي ريان .. ماذا سيكون مصيره بدونها ..؟؟ والرعب الباد على جهها بالتأكيد محى أي شك قد يكون راوده في كونها شيرويت .. لكن أي شك هذا بالتأكيد تعرف عليها من صوتها من رائحتها.. ما كان بينهما لا تمحيه الأيام ولا صبغات الشعر ولا حتى مرور الوقت ..

توقف الزمن ولم تعد تشعر بالأرض من تحتها' لم يلكمها بلكمة المحترفين التي يملك أو يلطمها بالكفوف ولم يخنقها ليأخذ بثأره ويرتاح أخيرًا كما كانت تتوقع لكنه فجأة تمسك بكتفيها ليهزها بعنف مبالغًا فيه حتى أنها كانت على وشك التقي في وجهه ليقول بغضب تعجز حتى عن التعبير عن شدته ..

- هل ظننتِ أنني لن أجدكِ يا حقيرة ..؟؟ كنت حتى سأخرجك من قبرك لأحاسبك ..

حسابنا لم يبدأ بعد' من اليوم حياتكِ ستصير جحيمًا وستندمين على اليوم الذي ولدتي فيه .. لن أقتلكِ مباشرة .. فالموت راحة فورية .. ستتعذبين عن كل ثانية قضيتيها بعيدًا عني وبعدما انتهي منكِ سأقتلكِ لكن ليس هنا' حسابنا سيكون في بلدتنا وأمام كل الناس .. ستكونين عبرة لكل زوجة خائنة تسول لها نفسها خيانة زوجها .. اخترتي الشخص الخاطىء شيرويت للعبث معه .. فقط انتظري وستري ..

ثم ليلقي بها بعنف مضاعف لتسقط على مقعدها ويغادر دون أن يضيف المزيد ..

**

مازالت ترتعد من الغضب من الحسرة من الألم .. الذكرى حية وكأنها فقط بالأمس لا منذ سنوات حينما ألقى ميجيل دي ماري العظيم تلك الكلمات في وجهها .." أنتِ مجرد عشيقة فلا تتوقعي سوى المزيد من الهدايا' اترك لكِ حرية الاختيار في البقاء كعشيقة لي لكن لا تتوقعي اخلاصي أنا لم أخلق لذلك' لن أكون يومًا لامرأة واحدة وحتى لو فعلت بالتأكيد لن تكون أنتِ .. أنتِ مجرد نكرة .. جسد رائع دفعت ثمن التمتع به فلا تطمعي في المزيد "

حينما عملت له كانت بريئة بالكامل عاشت محمية من عائلتها وحينما توفوا جميعًا في حادث سيارة تركها محطمة لم تستطع البقاء في انجلترا وقبلت فرصة للعمل كموظفة صغيرة في شركة من شركات دي ماري الشهيرة في مدريد ثم ليضعها القدر في طريقة حينما علق كعب حذائها الرفيع في غطاء بالوعة للصرف في الساحة خلف الشركة ويلمس الحب قلبها لأول مرة عندما انحنى ليخلصها من ورطتها ..

ربما اعتقدها واحدة من أولئك النساء اللاتي اعتدن إقامة العلاقات وقبول هدايا الغرباء الأثرياء .. بالتأكيد لم يكن يتوقع أن تكون بمثل ذلك الغباء وتسلم قلبها له بتلك السهولة وحتى عذريتها لم تثبت له ذلك وحينما اكتفى علمت أنها كانت تنسج من الوهم أحلامًا وأنها كانت مجرد عشيقة .. لم تهتم لما يملكه أو يكن سببًا في وقوعها في حبه ثم كان قدرها الفرار مجددًا حاملة لأوجاعها وينتهى بها المقام كسكرتيرة لزارا حكيم ويعود شبح الماضي ليطاردها اليوم بلا رحمة ..

كانت قد تأقلمت على حياتها ونست كل ما يتعلق به حتى قرأت اسمه على أوراق صفقة سيدتها .. يومها فكرت في المغادرة للمرة الثالثة لكنها تراجعت .. بقائها وصمودها اكبر دليل على محوه من حياتها فهو لم يترك لها أي ذكرى جيدة فبعد فراقهما بيوم واحد وجدته يعلن عن حبه الجديد على الملاء في اثبات واضح لكلامه وتفكيره فيها' كانت مجرد وعاء لشهوته ..

واليوم لا تلقائيًا وجدت نفسها تتأنق .. ربما لتثبت له حال تذكرها أنها لا تهتم وأنها لم تقضي سنوات في البكاء على الأطلال .. وستتجاهله حتى تمر أيام الزيارة ويعود من حيث اتى .. وكلما أسرعت في انجاز الأوراق كلما قلصت من زياراته ومن فرصة لقائه ..

وباجتهاد دعمه رغبتها في التخلص منه وضعت رأسها في حاسوبها لتنجز أكبر قدر من المعاملات وتقوم بطباعة النسخ النهائية فربما ينتهون اليوم من كل الصفقة وغدًا قد تتعلل بالمرض وتتجنب مصاحبتهم في الزيارة الميدانية للمراعي أو لعشاء العمل .. رصيدها الجيد لدى سيدتها يشفع لها غياب يوم وحتى إن كان هامًا كيوم الغد لكنهم علي كل حال يستطيعون تدبر أمرهم بدونها اذا ما انتهت اليوم من كل الأوراق ..

وانتشلها صوته العميق من بحر الذكريات المدمر لتسمعه يقول بهدوء ..

- هل تقابلنا من قبل ؟؟

أصعب سؤال قد تجيب عليه يومًا .. أنه حتى لا يتذكرها وفقط ومضات عنها تمر في رأسه لو أجابته بنعم فسيعلم أنها مازالت تتذكره ولو أجابته بلا فسيعلم بالتأكيد أنها تكذب .. ليته اخفى شكه في معرفتها وانسحب .. ألا يعلم أنه يقتلها هكذا .. ؟؟

هل تقابلنا من قبل ؟؟ جملة من كلمات قليلة لكنه تطعن القلب وتفكك أربطته ..

رفعت رأسها باتزان ونهضت مبدية أكبر قدر من الاحترام عاملة بما تقتضيه أصول مهنتها وحمدت الله الذي ألهمها الثبات ..

- عملت بعض الوقت في شركات دي ماري سنيور وربما تكون قد شاهدتني حينها .. كيف أخدمك الآن..؟؟

هل سيفشل بعدما وصل لهذه المرحلة ؟؟ هو يستحق كل ما تفعله بل وأكثر لكنه يرغب في المحاولة .. كان يريد رؤيتها وجهًا لوجه وسماع صوتها الذي افتقده وهاهي أمامه بنفس جمالها الذى يسحرعقله وقوتها الخفية التي هي نفسها لا تدركها ..

كانت قوية حينما قررت أن ترحل فورَا دون النظر للوراء بعد أن تعيد له كل هداياه التي ظن أنه اشتراها بها .. أن تبني لنفسها حياة دون أن تحاول الاتصال به لسنوات وطلب مساعدته كما كن الآخريات يفعلن.. أن تقف بكل ثبات أمامه الآن ولا تعاتبه حتى .. هل أصبح لديها حبيب آخر ..؟؟

مجرد الفكرة سببت له الاختناق وجعلت الدماء تفور في عروقه لكنها حتى وإن فعلت فكيف يستطيع لومها وهو من نبذها من حياته.. هل كان يتوقع منها البقاء والتذلل ..؟؟

- لكني لا أعتقد أنكِ كنتِ بنفس الجمال في السابق .. ما اراه الآن جمال مميز لا ينسى ..

هل تبكي أم تضحك .. مازال جمالها يعجبه وسيحاول معها مجددًا ..

لم تغيره السنوات وكلما أعجبته امرأة امتلكها دون أي صعوبة لكن هذه المرة حظه السيء أوقعه مع ضحية سابقة .. ضحية اكتوت بناره ولن تؤثر فيها كلمات الغزل .. الاقتراب منه نار حارقة والابتعاد عنه غنيمة ..

وجهها تحول لوجه خشبي صارم وهى تقول بحدة ..

- سينيور دي ماري .. هذا مكان للعمل إن لم تكن تريد مساعدة فرجاءً دعني انتهي من أعمالي ..

وعادت للعمل على حاسوبها في صمت .. منك اكتفيت يا دي ماري لن تعبث بسلامي الداخلي مجددًا ..

وحينما رفعت رأسها مجددًا بعد دقائق كان المكان الذي احتله منذ بعض الوقت فارغًا ولا يحمل سوى عطره ..

**

أخيرا استعادت السيطرة على أعصابها وتمكنت من التقاط الهاتف عليها اخبار أكرم بكل التفاصيل ... لن ينجدها سواه كما يفعل دائمًا وربما يجب على ريان الاكتفاء بهذا الحد من الألعاب .. لابد وأن يعودا فورًا ليزيدا من المتاريس التي سوف تبنيها حولهم .. بمجرد عودتها للمنزل لا مدرسة لريان ولا عمل لها والمنزل مؤمن بطريقة ممتازة ولا يمكن لنملة أن تمر دون اذن ..

بدأت في الشعور بالقلق فأكرم لا يجيب .. جرس اثنان عشرة حتى انتهت المكالمة ولا مجيب ..

بالتأكيد مدينة الملاهي صاخبة ولم يستمع لرنين هاتفه النقال .. أعادت الاتصال ولا مجيب أيضًا .. ستحاول من الطريق أثناء عودتها ما يهم الآن هو مغادرتها ..

اتصالها الآن كان بجاريد الذى أكد لها مغادرة جميع الضيوف وبعد تأكيدات عدة منه ومن سيلينا ومن حرس البوابة اقتنعت وغادرت برفقة جاريد لسيارتها ..

أصعب لحظات مرت بها على الإطلاق وانتقل توترها للجميع وعندما فشلت مجددًا في التواصل مع أكرم اتصلت بدراكو الذي لم يجيبها أيضًا ..

أصبحت على وشك الاصابة بسكتة دماغية .. ماذا حدث لريان؟؟

يوم المصائب العالمي وبدأت الأفكار السوداء تغزو عقلها .. هل غفلوا عنه وفقدوه أم تم اختطافه أو ياللهول هل أصيب أو سقط من احدى سيارات المدينة أو أحد الألعاب الخطرة ؟؟

الدقائق أصبحت كالساعات وقلبها أصبح علي وشك التوقف من شدة خفقانه وعدم انتظام ضرباته .. وأخيرًا في المنزل لكن بدون ريان وأكرم أين هما حتى يعود لها الشعور بالأ مان ..

**

نعم لقد سيطر على رغبته الملحة بقتلها حتى أنه لم يصفعها تلك الصفعات واللطمات التي قضى الليالي يتخيل نفسه يفعلها لكنها مسألة وقت ..

فقط أيام وينفذ فيها حكم الإعدام تلك الخائنة .. حتى آخر لحظة وكان يتمنى أن تكون زارا حكيم زوجة أكرم حكيم ليست هي شيرويت نفسها ..

صحيح فرارها لا يغتفر لكن كونها زوجة لغيره وهي مازالت زوجته بل ولديها ولد فذلك أمرًا يفوق احتماله .. تلك الحقيرة تجمع بين الأزواج .. مرمغمت بكرامته وشرفه في التراب .. سلمت نفسها لرجل آخر حتى لو لم تكن على ذمته كان سيقتلها لفعلتها تلك .. حقيرة خائنة عديمة الشرف لكنها سترى .. ستعلم جيدًا من هو معتصم السمالوطي ذلك الذي تجرأت على خيانته ..

وعندما نظر لساعة يده وقدر الوقت بحسبة بسيطة التقط هاتفه النقال ليسأل بلهفة .. - ماذا تم للآن ..؟؟

وحينما أجابه محدثه بالاجابة التي ترضيه " تمت المهمة بنجاح " ابتسم بكراهية وتشفي ليقول .." أول مسمار في نعشكِ شيرويت ولن أدفنك حتى في مقابر العائلة وسأترك جثتك للطيور تنهشها,, سأحرق قلبك حبيبتي حتى تموتين بحسرتكِ ..".

رعبها بلغ حده لماذا لا يجيب أحد على اتصالها حتى فريق الحراسة المسؤل عن تأمين ريان .. لا يتبقى سوى الاتصال بالشرطة كما نصحها جاريد .. لكنها كانت تتعشم أن يخيب الله ظنها وواصلت الدعاء بسلامة ريان وعودته لحضنها آمن ..

وفجأة دخل أكرم منكس الرأس وهو ينظر أرضًا وفورًا علمت أن خطبًا ما قد حدث لريان وهو لم ينتظر لتسأله فرفع رأسه لتجده باكيًا دامع العينين والندم يغمره ليقول بأسف ..

- سامحيني حبيبتي لم استطع المحافظة على ريان وحمايته.. ريان تم اختطافه ..

**

4- التمرد

موقفها الرائع الذي لم تكن تتوقعه يستحق الاحتفال .. ستكافىء نفسها على صمودها أمام الخسيس دي ماري وهي بالفعل ترتدي فستانًا لم ترتديه منذ سنوات ويصلح للاحتفال بتصمميه الأنيق والحمد لله لم يكن من هداياه لها بل كان ذلك الذي اشترته يوم أن علمت بحملها ومن سعادتها أنفقت راتب شهر كامل على شراء ذلك الفستان الباهظ .. ومن سخرية القدر أن تجد مناسبة لارتدائه وتكون هي انتصارها عليه..

يومها ركضت على شقته التي كانا يتقابلان فيها وهى تحمل الفستان بكل مستلزماته لترتديه وتنتظره للاحتفال لتفاجىء به يحتسي الشراب مع سيدة مخملية من طبقته .. وحينما ظهرت عليها الصدمة بادرها وقال ما قاله وذبحها يومها .. لتكتم حملها وتحمل متاعها وترحل .. لن يذلها رجل ولن تنحني لأجل طفل... ستربي ولدها بمفردها حتى لو عملت ليل نهار ولسوء حظها فقدت الجنين فور وصولها لنيوزيلاندا ..

علي الرغم من كراهيتها لوالده الخائن عديم الاخلاق إلا أنها كانت تعلقت بحب جنينيها لدرجة تفوق احتمالها وعانت من الاكتئاب لشهور حتى عملت لزارا ووقتها فقط تجاوزت اكتائبها وحسرتها ..

العمل الجيد وبيئته المريحة يساعدان على تجاوز المحن ..

قادت سيارتها الصغيرة لمطعم فاخر وطلبت لنفسها وجبة بنفس درجة جودة المطعم لتأخذها معها .. وجبة أضلاع الحمل المشوية بصوص الليمون والروزماري البري مع زجاجة من نبيذ معتق ..

منذ سنوات وهي تعمل لزارا حكيم والمشروبات الروحية ممنوعة في جميع المناسبات وحتى خلال عشاء العمل بحكم ديانتهم الاسلامية التي تحرم الشراب ..

كم أعجبت بأخلاق المسلمين وتسامحهم من يصفهم بالارهابين لم يتعامل مع المسلميين الحقيقين وسلم أذنيه لقلة مندسة تسيء للاسلام .. عملها كان رائعًا وسط بيئة نظيفة لا مجال فيها لتدني الأخلاق أو العمل القذر أو الطعن من الخلف وبراتب رائع ومكانة محترمة' ولا مجال للمقارنة بينها وبين عملها لدى دي ماري لا من حيث المكانة ولا من حيث الراتب وبالتأكيد ولا من حيث احترامها لنفسها .. ولأول مرة ترغب في الشراب منذ انتقالها لنيوزيلاندا .. ربما الألم لرؤيته أكبر من تحملها وليس الشراب لمجرد الاحتفال ..

أوقفت سيارتها أمام البناية التي تقع فيها شقتها الصغيرة وانهمكت في حمل أغراضها فلم تلحظ السيارة التي توقفت بجانب البناية وبداخلها رجل يراقبها بعينين حادتين كالصقر .. لتجده فجأة يعترض طريقها .. كادت تسقط من هول الصدمة وحاولت التوازن باستماتة لتجد نفسها تخطو فوق شبكة حديدية طالما تجنبتها ولينغرس كعب حذائها الرفيع في غطاء بالوعة الصرف بجوار الرصيف..

هذا لا يمكن أن يحدث مجددًا يالا الحظ العثر .. وكأن التاريخ يعيد نفسه لينحني ميجيل ويخلص حذائها من عثرته .. هل سيكرر التاريخ نفسه وبعدما يساعدها يدعوها للعشاء ويظلا يثرثران حتى ساعات الصباح الأولى ؟؟

لمسته أحيت كل المشاعر التي دفنتها منذ زمن طويل وجسدها الخائن على وشك رشوة عقلها والاستسلام' تلك الأحاسيس رائعة وافتقدتها مع اختفائه من حياتها.. هذا ليس عدلًا على الإطلاق " تذكري لقد تخلص منكِ كما يتخلص من قمامته معتقدًا أنه اشترى جسدكِ بهداياه الثمينة "..

تماسكت وهي تشكره ببرود وتحاول الفرار بداخل بنايتها .. غلق الأبواب الآن بينهما ربما يفلح في صد بركان الإثارة التي اجتاحتها .. لكنه ترك كعبها ليستقيم ويكبش على معصمها بقبضة قوية نوعًا ما ويقول بعصبية ..

- توقفي عن تجاهلي واعترفي لنفسكِ أولًا أنكِ تذكرين من أنا سيلينا ..

سحبت معصمها بعصبية أكبر من عصبيته وهى تصرخ بحدة ..

- حسنًا سأتوقف عن التظاهر بعدم تذكر خستك بشرط أن تتوقف أنت عن مضايقتي .. ماذا تريد مني ؟؟

اخبرنى بصراحة ماذا تريد مني سنيور دي ماري؟؟ لماذا تضايقني الآن وأنا وضعت المحيط بيننا ؟؟؟

وحينما لم تتلقى سوى الصمت هتفت ببرود ..

- أنت تعطلني وكما ترى لدى احتفال وانتظر صديق من فضلك ارحل فلا يوجد أي مجال للحديث بيننا ..

تغيرت بشدة .. لم تعد فراشته الرقيقة التي كانت تذوب لمجرد لمسته .. استبدلت كل المشاعر الملتهبة السابقة بالكراهية والبرود ..

آخر أمل تبقى لديه .. في العادة كان يكلف أحد مساعديه بشراء الهدايا الباهظة لعشيقاته إلا معها هى فقط كان يبتاع الهدايا بنفسه ولذلك كان يتذكر كل ما قام بشرائه وحينما أعادت إليه كل هداياه احتفظت بسلسلة رقيقة من الألماس ولم تعيدها مع شقيقاتها .. ربما لأنها أول هدية تلقتها منه قبل أن تتحول علاقتهما لعلاقة جنسية ويخبرها أن تلك الهدايا هي الثمن ..

- أنتِ تكذبين سيلينا .. مازلتِ تحملين لي المشاعر .. لن أنسى مطلقًا كلماتكِ .. " أنا أحبكِ ميجيل " .. لماذا لم تعيدي لي السلسلة الماسية مع باقي الهدايا إذا كنتِ ترغبين في التخلص من أي ذكرى تذكرك بي..؟؟

أغمضت عينيها قبل أن تقول باحتقار ..

- للأسف اضطررت لبيعها كي أستطيع تدبير ثمن تذاكر الطائرة التي حملتني لقارة آخرى بخلاف تلك التي تكون أنت فيها ..

كم كان غبيًا .. كانت دائمًا مختلفة ولم يلاحظ .. هي الوحيدة التي كانت تهديه الهدايا والآخريات كن يستنزفانه فقط .. لم ترغب سوى بحبه وهو بغبائه قضى على أي أمل له معها ..

استغلت لحظات ارتباكه لتختفي من أمامه وتغلق باب البناية خلفها.. فات الأوان ميجيل بعض الأخطاء لا تمحى وخصوصًا تلك التي تكسر القلب ..

•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية

تعليقات