رواية فارس بلا مأوى الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ يجلس الأطفال في حلقة بداخل المسجد يستمعون إلي صوته العذب، يلقي عليهم إحدي الدروس الدينية وتفسير بعض الآيات:
_ و في سورة المسد عنعرف كيف كان أبو لهب راچل ظالم لنفسه وغيره، كان بيأذي الرسول صل الله عليه وسلم بالجول والفعل برغم إنه كان من سادات جوم قريش وعنديه ماله وتچارته لكن جلبه مليان سواد وغل حتي مارته كانت بتروح في كل مكان بيمشي فيه سيدنا محمد وترمي شوك لأچل يأذيه....
توقف عن الحديث عندما رأي تلك المُنتقبة تقف أمام باب المسجد وتشير إليه، فأغلق كتاب التفسير الذي يحمله و وضعه جانباً:
_ دجيجة وراچع، ما تتحركوش.
وذهب ليري ماذا تريد، وقف أمامها يتحاشي النظر لعينيها ذات اللون الرمادي المختلط باللون السماء ليصنع خليطاً جعل عينيها ساحرتين، وهو كعادته يغض بصره حتي لو كانت التي أمامه منتقبة، فهو يخشي ربه ويسير علي منهج والده الشيخ واصف إمام المسجد، يشبهه كثيراً في أخلاقه الحسنة التي تربي عليها منذ الصغر.
_ آسفة يا سيدنا الشيخ جطعت عليك الحديت.
قالتها الفتاة بصوتها الفاتن، تحمحم وأجاب:
_ أولاً أني ولا سيدنا ولاشيخ عاد، إسمي بكر، وأني أهنيه كيف ما شوفتي بحفظ قرآن للولاد وبعطيهم تفسير وفقه علي قد سنهم، تؤمريني بأي حاچة؟ .
كانت تتأمل ملامحه التي جذبتها، كثيراً ما سمعت من بنات خالها عن أخلاقه وعن ملامحه الرجولية الوسيمة، يمتلك بشرة تميل إلي السُمرة قليلاً وعينيه بني قاتم يعلوها حاجبان كثيفان، لديه لحية وشارب خفيفان، وخصلات شعره سوداء كما هو سائد ومتوارث في رجال عائلته.
قاطع شرودها الذي لاحظه:
_ يا آنسه؟.
أجابت بتوتر:
_ معلش.
_ ولا يهمك، مجولتيش حضرتك عايزة أي؟ .
ردت بصوتها الذي تخلل أذنه وكأنه سيمفونية حالمة:
_ كنت چاية أخد عمر عبد الحق.
_ تجربي له أي؟، ماتضيجيش مني يعني أصل أبوه هو الي بيچي ياخده، وأني أول مره أشوفك.
أجابت بخفوت:
_ أبجي له بنت خاله.
أستدار بكر وقام بمناداة الصغير:
_ عمر؟، تعالي أهنيه.
نهض الصغير وركض إليه، وحين رآي إبنة عمته تهللت أساريره قائلاً :
_ شوفتي يا قمر، عمي بكر عطاني ملبس عشان سمعت سورة البينة الي جعدتي تحفظهالي.
ربتت عليه وقالت:
_ شاطر يا عمر.
نظرت إلي بكر الذي مازال ينظر إلي أسفل:
_ شكراً يا أستاذ بكر.
_ الشكر لله، دي حاچة بسيطه يكفي الثواب الي عكسبه لما يحفظو حرف من القرآن.
_ چزاك الله كل خير، عن إذنك ممكن يروح معاي.
_ طبعاً أتفضلو.
أمسكت بيد الصغير:
_ يلا يا عمر.
ذهبت تاركة إياه في حالة لم يشعر بها من قبل، لايعلم ما هذه الهالة الغريبة التي تحاوطها، وكأنه سحر يجذبه نحوها، توقف عن التفكير بها وأخذ يستغفر ربه، وعاد إلي إلقاء الدرس علي الصغار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وجف إهنه.
قالتها زينب إلي شقيقها فأوقف السيارة.
_ رايحه فين؟ .
أجابت وهي تشير من النافذة:
_ عاروح لفاطمة بت عمتك چليلة.
أنتبهت حواسه جميعا حينما سمع إسمها فقال:
_ كيفها فاطمة؟ .
أجابته بإقتضاب:
_ زينه.
أنتبه إلي لهفته المبالغ فيها فقال:
_ جصدي عيزاكي في أي؟ .
أجابت متحاشية النظر إليه:
_ ما عرفاش.
زفر بحنق يعلم إنها ترواغه فقال:
_ طويب أنزلي وأني عستناكي أهنيه.
_ ليه يعني، عيله صغيره إياك! .
أجاب بحده:
_ من أهنيه ورايح رچلي علي رچلك فين ما تروحي، وبعدين ملكيش صالح همي يلا وأبجي سلميلي عليهم.
ترجلت من السيارة، و وصلت أمام منزل عمتها، ضغطت علي الجرس وبعد ثوان أنفتح الباب، فظهرت لها صديقة دربها والأقرب لها في تلك العائلة بعد عمها وفارس، بسمة أعتلت محياها ذو البشرة الخمرية، تُزين وجنتها اليمني شامة صغيرة، تفوهت بشفتيها الممتلئة:
_ عاش من شافك يا بت خالي.
أخذتها زينب بالعناق وقالت:
_ أتوحشتك جوي يا فاطمة.
بادلتها الأخري العناق بتعجب فهي تعلم زينب عندما يملأ قلبها الحزن والهم ويبدو من نبرة صوتها كانت تبكي كثيراً.
_ كيفك يا زينب عتبكي ليه؟ .
_ ماجدراشي يا فاطمة، أني بموت.
ربتت عليها وقالت:
_ أدخلي چوة أوضتي.
تركتها الأخري و ولجت إلي الداخل، فكادت فاطمه تغلق بوابة الدار، توقفت عندما تلاقت سواديتيها بخاصته الحادة، يرمقها بدون تعابير تدل علي مايشعر به من شوق ولهفة، بادلته بنظرة إزدراء و صفقت البوابة في وجهه.
أراد أن يذهب إليها ويحطم رأسها لكنه يعلم إذا وقف أمامها لايضمن نفسه ماذا سيفعل، لذا يتجنب رؤيتها أو اللقاء بها، حتي زيارته إلي عمته توقف عنها منذ أكثر من عامين.
_ و في غرفة فاطمة، تجلس زينب علي الأريكة الخشبية ويعلوها وسائد من القطن، دلفت فاطمة إليها تحمل كأس عصير.
_ خدي عصير الليمون دي، عيخليكي تروجي إكده وتبجي مليحة.
_ بالله عليكي يا فاطمة ما جدراش أشرب حاچة واصل.
رمقتها بقلق وقالت:
_ حوصل وياكي أي عاد؟.
أجابت الأخري وهي تجفف عبراتها:
_ مخابرشي الي حوصل بعد وفاة خالك قاسم الله يرحمه؟.
نظرت بعدم فهم وسألت:
_ ما أنتي خابراني أنا في حالي أهنيه ومليش صالح بحاچة.
هدأت قليلاً وقالت:
_ فارس في السچن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تنظر بشرود في شاشة الحاسوب بعد أن أرسلت له إعتذاراً وتخشي إنه يقابله بالرفض فهي تعلم طباعه جيداً، العند سيد خصاله التي تعاني منها، فبرغم حبه وعشقه لها منذ الطفولة، لم تكن زوجته فقط بل كانت إبنة الجيران التي تربت أمام عينيه، كان شاهداً علي كل لحظة سواء كانت سعيدة أو حزينة مرت بها ما عدا أمرٍ واحد فقط لايعلمه إحداً سواها.
_ ندا؟ ، يا ندا؟ .
كان صوت صديقتها في العمل، أنتبهت لها فأجابت:
_ نعم يا مروة، معلش كنت سرحانة شوية.
_ سرحانة ومش دريانه بالدنيا المقلوبه في الشركة.
أستدارت إليها بإنتباه وقالت:
_ أي الي حصل؟ .
نهضت الأخري وجذبت مقعدها بجوارها، وتلفتت يميناً ويساراً حتي تتأكد من عدم سماع إحدهم لها، فقالت بصوت خافت:
_ جه قرار فوري بنقل مستر ناجي و جه واحد بداله بيقولو عليه ألعن منه، كلامه كله أوامر وإنف ومغرور كده في نفسه، و كل الحاجات دي بس مز إبن اللذينه آه لو طلع سنجل ده يبقي من حظي.
ضحكت ندا وقالت:
_ عندك ست وعشرين سنه بس عقلك وتفكيرك مخرجوش من مرحلة المراهقة.
تنهدت مروة و هي تسند وجنتها علي يدها:
_ هو فيه أجمل من المراهقة والجنان، قوليلي ياختي عملك أي العقل والنضوج، أتجوزتي الي بتحبيه وكل يومين في خناق، الله يكون في عون لارا بنتكو البت زمانها جالها عقدة نفسية من جنانك أنتي وسيادة الرائد جوزك.
صاحت بتحذير:
_ مروة، يلا خدي الكرسي بتاعك وعلي مكتبك وسبيني أخلص من الهم الي المفروض أسلمه بكره ولسه مخلصتش، وأهو مستر ناجي مشي والله أعلم بالي جه جديد ده هيعمل فيا أي.
دلف زميلهم وهو يلتقط أنفاسه:
_ الله عليكو عملين ترغو ولا علي بالكو.
قالت مروة:
_ عارفين يا أخويا بالبعبع الجديد الي جه مكان مستر ناجي.
_ طيب جهزو نفسكو بقي عشان لسه باعت إيميلات لينا كلنا بإن فيه إجتماع بعد نص ساعة، يعني الي عنده حسابات وتقفيل وأي حاجه مخلصتش ياريت يخلصها عشان هيقدمها له علي الملأ.
تأففت ندا وقالت:
_ هي كانت نقصاه هي كمان، ده أي الأرف ده.
وبعد قليل، بداخل قاعة إجتماع الموظفين، يقف الجميع وكل منهم يمسك بملفات ورقية، ينتظرون هذا الذي يتحدثون عنه منذ الصباح، والكل يترقب كيف سيكون معهم.
ها هو قد وصل وخلفه سكرتيرته الخاصة علي يمينه وعلي يساره المدير التنفيذي للشركة، ساد الصمت القاعة، وقف يحدق في وجوههم وكأنه يبحث عن شخص ما، وبدون أن يبدأ بتعريف نفسه إليهم سألهم:
_ أنا مش بعت للكل إن عندنا إجتماع؟.
قالت مروة بهمس:
_ يخرب عقلك يا ندا شكله هينفوخك من أولها.
تحدثت إحداهن:
_ أستاذة ندا في مكتبها وزمانها جاية يافندم.
تنهد بأريحية و ينظر نحو الباب بتوعد قائلاً:
_ خمس دقايق وهنبدأ الميتينج ولو ماجتش قو......
قاطعه دخولها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة تقول وهي تمسك بالملفات التي بيدها وترتبهم:
_ معلش يافندم حصل عطل في الأسانسير وأتضريت أطلع السلم.
رفعت عينيها لتقابل عينيه، يحدجها بإبتسامة تخبرها بكل ما هو قادم وستواجهه الأيام المقبلة، تقف كالصنم لا تتحرك إنشاً و وقع كل ما في يديها عندما تحدث قائلاً:
_ أحب أعرفكو بنفسي أنا علي عبدالعزيز الحُسيني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يعلو مكتبه لافتة من الخشب محفور عليها بالخط الذهبي « الرائد/ أكرم محمد عمران»
، يجلس شارداً يمسك بالقلم ويرسم دوائر مفرغة بداخل بعضها البعض و دون بداخلها (سليم العقبي).
دوي صوت تنبيه رسالة واردة في هاتفه، أمسك به وضغط علي الزر الجانبي فوجد محتوي الرسالة يتوسط الشاشة
( أكرم حبيبي أنا آسفة... كنت تعبانة إمبارح و محستش بنفسي وأنا منفعله عليك... أنا بحبك أوي ومقدرش علي زعلك... هستناك علي العشا بالليل هعملك الكوردن بلو والسيزر سلاد الي بتحبهم والحلو تشيز كيك بالكريز... بحبك أوي)
وأسفل الرسالة صورة مرفقة لها وهي ترسل له قبلة في الهواء.
أبتسم بسخرية وقال في نفسه :
_ لاء يا ندا، مش أنا العبيط الي يتضحك عليه بالأكل، لازم أعلمك قبل ما تنطقي أي كلمة تفكري فيها ألف مرة.
طرق علي الباب، فقال:
_ أتفضل.
دلف العامل يحمل صينية مستديرة يعلوها فنجان قهوة وكوب ماء، وضعها فوق المكتب قائلاً:
_ أتفضل يا أكرم باشا.
_ تسلم يا عم جادالله.
_ العفو يا باشا، آه صح قبل ما أنسي طارق باشا عايز حضرتك تعدي عليه قبل ما تمشي، أي أوامر يا باشا.
_ شكراً يا عم جادالله، أتفضل أنت.
_ وبعدما أنتهي من إرتشاف قهوته، ترك القدح علي المكتب ونهض، يمسك بسلاحه يضعه في جراب جلدي متعلق بحزام يلتف علي زراعه أسفل سترته.
غادر الغرفة متجهاً إلي غرفة معلق علي بابها « المقدم /طارق المنسي»، طرق الباب ثم ولج إلي الداخل، فوجده بإنتظاره:
_ أتفضل يا سيادة الرائد.
جلس أمام مكتبه بجدية وقال:
_ بلغني إن حضرتك كنت عايزني.
أمسك بملف ورقي قائلاً :
_ عايزك في موضوع مش عارف يمكن ليه علاقة بسليم العقبي.
أعتدل في جلسته ينظر إلي الملف الذي قام المقدم طارق بفتحه علي صور فوتوغرافية لجثة مجهولة مشوهة بشكل لا تتحمل النظر إليه، حدق أكرم في الصور ب ردة فعل طبيعية فهو معتاد علي تلك الجرائم البشعة.
فقال ويتفحص تشوهات الجثة بالصورة:
_ واضح جداً إن القاتل مستخدم أدوات جراحية لسلخ الضحية ومن شكل وش الجثة برغم التشوهات الفظيعة فيها كأنه بيصرخ ده دليل إنه كان بيتسلخ وهو حي، هي الجثة متحفظ عليها في أنهي مشرحة؟.
أجاب الآخر بنظرات إستفهام وقال:
_ مش هينفع تروح.
_ ليه يعني؟ .
_ عشان التحقيق في القضية دي إختصاص ياسر مدكور.
تجهم وجه أكرم، فزفر بضيق وقال بتهكم:
_ وطبعاً هيأيد القضية ضد مجهول زي الخمس قضايا الي فاتو وكلهم كانو بنفس النمط جثة يا صاحبها مسلوخ وهو هي يا إما محروق يا إما بقايا جثة متحلله في حمض وكلهم سبحان الله الي قتلهم مجهول.
_ أهدي يا أكرم ومتخلنيش أندم إني قولتلك علي حاجة، و عايزك تاخد بالك ومتخبطش في ياسر علي الأقل عشان تلحق الترقية الجديده ومتلاقيش الي يقف لك فيها.
تنهد وأخذ يستغفر ربه، وقال:
_ يعني عاجبك الي بيحصل؟.
_ لاء مش عاجبني أومال أنا ببلغك بأي جديد ليه، أنا عايزك تهدي وتفكر بالعقل وبلاش التهور الي يودي في داهية، أنا وأنت عارفين كويس إن ياسر ليه ناس تقال أوي في وسط رجال الأعمال والسياسة ليهم كلمة في الداخلية، وياما جرايم حصلت وهو كان مكلف بالقبض علي الجاني فيها وفجاءة نلاقيها يا أتقفل ملفها يا إما قيدت ضد مجهول ولا ناسي قضية الرحاب الي من تلات سنين بتاعت العيلة الي لاقوهم كلهم مقتولين وجثثهم متحلله وتم التعتيم عليها في الإعلام والصحف والمجلات، وأتقفل ملف التحقيق فيها.
_ و دي قضية تتنسي، لولا إنك حذرتني إن متكلمش وقتها كان زماني محطوط في الليسته السوده ويا عالم كنت زماني عايش ولا ميت.
مال طارق للأمام نحوه وقال:
_ الله ينور بصيرتك، فكل الي بطلبه منك أشتغل في سرية تامة و قبل كل ده قبل ما تمسك حاجة علي ياسر أحذر من الي حواليه وأولهم سليم العقبي.
ألتمعت عينيه بنظرات توعد وإنتقام قائلاً :
_ سليم العقبي ده بالذات ليه تخطيط تاني بس الصبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ معجوله كل دي يوحصل لفارس واد خالي.
صاحت بها فاطمة بتعجب
أجابت زينب بحزن بالغ:
_ الدنيا كلتها چاية عليه يا فاطمة، حتي أني مارحمتهوش.
جلست بجوارها وربتت عليها:
_ ما تعمليش في نفسك إكده، هو خابر أنك مچبورة من أخوكي الله ينتجم منيه، من زمان وهو كاره فارس وكاره الدنيا حتي نفسه.
رمقتها زينب بتردد وقالت:
_ أخوي بجي جاسي جوي بعد ما رفضتيه قدامنا وجولتي له أني مش هاتچوز واحد مأمنشي علي نفسي وأني وياه.
نهضت فاطمة و وقفت بالقرب من النافذة تنظر إلي ثمار الذرة المتفرعة من الأعواد الخضراء:
_ أنتي معرفاش حاچة واصل يا زينب، أني أكتر واحدة فيكو خابره رافع زين يمكن أكتر من نفسه، جبل ما يجول خابره عبيفكر في أي.
وقفت زينب لتقف جوارها تنظر إليها بدهشة:
_ واه يا فاطمة، لما أنتي كيف ما بتجولي إكده ليه رفضتيه لما أتجدملك وليه لما بعدتي عنيه رافضة أي واحد غيره يطلب يدك.
ألتفتت لها وقالت:
_ برفض الي بيطلب يدي أحسن ما يچري له حاچة ولا ما يطلعش عليه نهار، وأني مش ناجصة أشيل ذنب حد واصل.
نظرت بإستفهام وحيرة:
_ تجصدي الي عيجتله يكون...
أومأت لها فاطمة وزواية فمها مرتفعه بشبه إبتسامة ساخرة:
_ أديكي عرفتي لما هددك بفارس لو مانفذتيش الي جالك عليه.
زفرت والقلق يساورها تخشي ما تفكر به فقالت:
_ الله يهديك يا أخوي ويعمي بصرك عن فارس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ حل المساء علي نجع نور الدين، فعم السكون الذي يقاطعه أصوات الطبيعة كصوت صرصور الحقل المُزعج وبعض الضفادع التي تعيش بداخل الترع والمصارف.
وهنا في تلك المنطقة المتطرفة علي حدود النجع يوجد منزل قديم مبني من الطوب اللبن، يبدو من الخارج كبيوت الأشباح وهذا ما يريح صاحبه بأن ذلك لايجعله عرضه للصوص، بل البعض كان يطلق القصص الخرافية عنه ويقول إن هناك جن يمكث به ويقتل كل من يتجرأ الدخول إليه، لايعلم أحداً من أطلق هذه الإشاعة ومن يكون سواه! .
وصل بدراجته النارية أمام منزله الذي يشاهد كل لياليه الماجنة وسهراته المليئة بالفجور، كم من فتاه وامرأة جاءت برفقته هنا ليكن اللقاء المحرم يطلق فيه غريزته الحيوانية بدون رقيب أو رادع، لايعلم مهما تخفي بأفعاله عن أعين الخلق فأن هناك الخالق الذي لايغفل ولا ينام.
ركن الدراجة خلف شجرة عتيقة بجوار المنزل، أخرج مفتاحه الخاص وقام بفتح الباب و دخل فوجد الظلام يسود الأرجاء، بحث بيده عن زر الإضاءة ليكتشف إن التيار قد أنقطع، زفر بتأفف:
_ جطعو النور الله يحرجهم.
أخرج هاتفه وضغط علي علامة برنامج الإضاءة الموجودة به، فأضاءت له الردهة، ذهب إلي البراد ليأخذ زجاجة مياه باردة يروي بها ظمآه.
وبعد أن أرتشف أنقطع ضوء هاتفه ليعلن عن إتصال هاتفي وارد، أمسك به وأجاب بسعادة:
_ كيفك يا جمر الليالي؟ .
_ فينك يا زكريا مختفي ليه كل ده؟ .
_ حبة ظروف إكده، عبجي أجولك لما أشوفك.
_ أنا عندي حفلة في الأقصر بكره أي رأيك تقابلني هناك وأهو نقضي الهني مون الي نفضتلي عليه.
أبعد الهاتف قليلاً ليتمتم بتهكم:
_ هني مون الله يرحم أبوكي.
_ ألو؟ .
عاد ليتحدث:
_أيوه يا جلبي وياكي، كنا بنجول أي؟ .
_ بنقول نعوض شهر العسل يا عينيا ولا عامل نفسك من بنها؟ .
أجاب بسخرية:
_ لع وأنتي الصادجه عامل نفسي من قنا، وبطلي شغل الغوازي دي عاد، أحسن عجلب عليكي يا سمر وربنا لا يوريكي شر جلبتي.
أطلقت ضحكة رقيعة وقالت بتهديد و وعيد:
_ نعم يا روحي! ، الظاهر نسيت أنا مين يا زكريا، لاء فوء يا حبيبي وأتكلم معايا عِدل، ده أنا سمر والدلع سماره الي تجيبك من آخر الدنيا بإشارة، وربنا لايوريك أنت كيد العوالم يا عينيا.
تراجع في حديثه معاها فأصبح ليناً، يتجنب لسانها الحاد:
_ أباه عليكي يا سمورتي، هو الواحد ما عيعرف يهزر حداكي واصل؟ .
_ أيوه كده إتعدل، وأرجع زيكو حبيبي الي بموت فيه وفي كلامه الي دوبني في هواه من أول نظرة.
_ صبرك علي لما عچيلك، عخليكي تدوبي كيف الآيس كريم.
أطلقت ضحكة مغناج وبدلال مبالغ قالت:
_ تعالي أنت بس وأنا هخليك تعيش ليالي شهريار ولا هارون الرشيد في زمانه، يلا أسيبك دلوقت عشان يا دوب ألحق أوضب شنطتي، مع السلامة يا روحي أنا.
_ سلام يا أم عود كيف الكامنچا.
أغلق المكالمة، وعاد التيار الكهربي وكاد يهلل بفرح لكن أنتفض بفزع عندما رأي التي تخرج أمامه من الغرفة.
_ ورد! ، كيف دخلتي أهنيه؟.
أجابت وهي تخرج المفتاح من طيات ثيابها:
_ بده يا سي زيكو، مش ده برضك دلعك الي بتنادم عليك بيه الغازيّة!.
أجاب عليها بضيق يرمقها بنظرة حادة:
_ ملكيش صالح، وما تچيبيش سيرتها علي لسانك.
أقتربت منه و وضعت يديها في خصرها، بتهكم قالت:
_ مانشبهاش إياك!، ولا عشان هي بترجص من غير خلچات قدام الرچالة!.
أثارت كلماتها غضبه، فأمسكها من عضدها وصاح بها:
_ إسمعي يا بت أنتي، كلمة كمان وعكلم دبيكي يچي يخلص عليكي.
أنبلج علي ملامحها الخوف فقالت بتوسل:
_ لا والنبي ياسي زكريا، حجك علي.
إبتسم بمكر وقال:
_ أيوه إكده، صنف يخاف ما يختشيش، وبعدين تعالي أهنه، مش رافع جالك بعد الموضوع إياه تاخدي خلچاتك وتختفي من النچع؟.
حدجته بتوتر ثم نظرت إلي يديها وقالت بتردد:
_ كنت ناوية أدلي علي البلد لكن حوصلت حاچة لو رچعت وأهلي عرفو بيها عيجتلوني.
رمقها بترقب و قلق حيث أدرك الإجابة، لكنه أراد أن يتأكد من حدسه:
_ حاچة أي أُنطجي؟.
أبتلعت لعابها وبخوف وتوتر قالت:
_ أني، أني.
صاح بغضب أفزعها:
_ جصري حرج أبو الي چابك.
أجابت بإقتضاب:
_ أني حامل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خرج من الشركة للتو وسط موكب من رجال الحراسة الخاصة به ، له كثير من الأعداء.
ركض السائق مسرعاً يفتح له باب السيارة، فقام الآخر بفك زر سترته و دلف إلي الداخل.
أنطلقت السيارة ويتبعها سيارتين من طراز الدفع الرباعي.
وفي السيارة الأولي ينظر إلي ساعة يده ذات الماركة العالمية، فقال إلي رجل الحراسه الذي يجلس بجوار السائق:
_ إتصلي بصلاح أيوب.
قام الحارس بما أمره به:
_ أتفضل ياسليم باشا.
أخذ الهاتف وأجاب وهو ينظر من زجاج السيارة المعتم:
_ أنا هعدي عليك دلوقت، تكون جهزت حالك بسرعة عشان عندنا مشوار سفر.
_ أجلها لبكره أكون خلصت الشغل الي معايا.
قال بأمر وجدية:
_ نص ساعة وهاكون عندك، وهاخدك زي ما أنت حتي لو كنت نايم حضن الي جمبك .
زفر بتأفف وقال:
_ طيب ممكن تقولي هنسافر فين؟ .
أجاب بإقتضاب:
_ قنا، سلام.
وأغلق المكالمه، تعجب الآخر وقال:
_ قنا! ، الو، الو.
نظر في شاشة الهاتف ليجده قد أغلق المكالمة، فسألته تلك التي تداعب صدره بأناملها:
_ ده سليم العقبي ؟ .
نهض بجذعه وأنحني ليلتقط سرواله من الأرض بجوار التخت ليرتديه أسفل الدثار:
_ أيوه هو، أومي أنتي ألبسي هدومك وأنزلي علي المكتب، مش عايزك تروحي غير لما تخلصي أوراق قضية كامل عرفة.
_ أوك، هترجع أمتي؟ .
قالتها و لفت جسدها بالدثار ونهضت تلتقط ثيابها المبعثرة علي الأرض.
أجاب و هو يدلف إلي المرحاض:
_ مش عارف، هابقي أكلمك عشان أتابع معاكي الشغل.
_ وبالعودة إلي سليم في السيارة، كان يتأمل شاشة الهاتف بإبتسامة مُردداً:
_ زينب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بت يا نوارة روحي شوفي مين بيرن الچرس.
قالها خميس، فأجابت وهي ترتدي وشاحها:
_ حاضر ياعمي أنا چاية أهه.
فتحت الباب فوجدت والدتها، صاحت بفرح:
_ أماه، أتوحشتك جوي.
عانقتها بسعادة، أبتعدت الأخري عنها ورمقتها بإمتعاض:
_ واضح إني أتوحشتك جوي، بأمارة لما كنت راجدة أفتكرتي ليكي أم تجولي لما عاروح أشجر عليها ولا أشوفها محتاچة حاچة، أخص عليكي.
نظرت بخجل وقالت:
_ حجك عليا ياماه والله أتلهيت ويا خالتي في العزا وكنت ناوية أچيلك.
دفعتها سعاد ودلفت إلي الداخل:
_ طول ما أنتي دايره كيف الرحا ورا چوزك عاتيچي لي ميتي!.
_ ما أنتي خابره ياماه، خايفه ليتچوز عليا، بجي لنا سنتين بلف علي الحكماه وكلاتهم يجولولي معنديش أي حاچة، وبتحايل علي رافع يروح يكشف أو يحلل يتنرفز ويمد يده.
تلفتت يميناً ويساراً وقالت:
_ ما أنا چايه لك عشان إكده، بس جولي لي خالتك وبنتها أهنه؟.
أجابت:
_ خالتي عند چارتها في الدار الي چارنا، وزينب حابسه حالها في أوضتها، و عمي خميس بيشرب دخان في المضيفة، ورافع چاله تليفون شغل وجالي إنه عيتأخر.
_ تعالي.
وأمسكتها من يدها ودلفت بها إلي غرفة إبنتها ، وأغلقت الباب خلفهما
تعجبت نوارة وقالت:
_ في أي ياماه؟.
_ وطي حسك وإسمعيني زين، الوليه أم علوان الي چاري بتها محبلتش أول ست شهور لما أتچوزت وحماتها كانت بتسم بدنها بكلام يحرج الدم، فولاد الحلال دلوها علي شيخ سره باتع في البر التاني بيجولو عليه واصل جوي مع اللهم أحفظنا الأسياد، العاقر بتحبل علي يده والعانس بتتچوز والي معمولو عمل بيفكو في وجتها.
صاحت نوارة بإعتراض:
_ واه ياماه!، عايزني أروح لدچال تاني ناويه علي طلاجي إياك.
_ أجفلي خشمك الله يحرجك عتفضحينا.
_ يعني ناسيتي لما روحنا للشيخ بركات ورافع خد خبر يوميها ولما رچعت فضل يدوج فيا لولا خالتي وزينب حاشوني من يده كان زمانك بتجري عليا الفاتحة دلوق.
_ ومين بس الي عيعرفه.
_ يا مُري وكمان عايزاني أخرچ من غير ما يعريف، عشان يموتني، أبوس يدك بعديني عن حديتك المخبل دي.
_ أخس عليكي يابتي، أنا بجول حديت مخبل!، خليكي جاعده كيف الأرض البور لما عيچي يوم وتلاجي چوزك داخل عليكي بضرة وعلي يدها عيل ولا أتنين.
_ ده أني كنت أروح فيها عاد.
أقتربت منها وربتت عليها بحنان:
_ يبجي تسمعي الي بجولك عليه، أنتي بس جولي لچوزك أنا رايحة أجعد ويا أمي يوم أطمن عليها و راچعة، وأول ما تچيني عاخدك ونروح للشيخ ولا من شاف ولا من دري، ياعالم يابتي يمكن تحبلي المره دي وربنا يفرح جلبك بحتة عيل.
_ يسمع منك ربنا ياماه.
طرقات قوية متتالية علي الباب يتبعها رنين الجرس.
قالت سعاد:
_ مين الي عيخبط إكده كيف المصروع.
أجابت نوارة بتعجب:
_ معرفاش، لما نروح نشوفو مين.
خرج خميس من الغرفة علي صوت تلك الطرقات التي أفزعتهم، فتحت نوارة الباب وهي تمسك بطرفي حجابها، وجدت أمامها مجموعة من الرجال متشحين بالسواد، تقدم من بينهم صلاح بإبتسامة رسمية:
_ رافع بيه موجود؟.
أجابت نوارة وهي تخفي نصف وجهها بطرف الحجاب بخجل:
_ نجولو مين؟، وعايزين منيه أي؟.
خرجت زينب من غرفتها ترتدي الحجاب لتري ما هذه الجلبة، فتساءلت:
_ مين يا نواره؟.
رفع صلاح عينيه نحو صاحبة الصوت العذب وقبل أن يجيب دفعه صديقه جانباً وتقدم بهيبة وشموخ قائلاً:
_ سليم داغر العقبي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية