رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثالث 3 - بقلم نور سيف

 رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثالث 3 - بقلم نور سيف

يا قلبي متسبقنيش أنا لسه مش مستعدة خلينا في الشغل بس
لكن القلب ذلك الخائن العنيد لم يسمع كلامها

خلف أسوار الجليد
الفصل الثالث
للكاتبه نور سيف

الساعة السادسة صباحا

فتحت نور عينيها على صمت

ليس كشقتها في الدقي الذي يخترقه دائما كلاكس التاكسيات وصراخ أم كريم على ابنها وصوت بائع الفول الصباحي هذا صمت مختلف تماما صمت ضخم واسع ممتد كأن الكون كله كتم أنفاسه

جلست في فراشها الأرضي داخل الخيمة وفركت عينيها ثم فتحت سحاب الخيمة بتثاؤب كسول

وما رأته جعلها تنسى التثاؤب والنوم والكسل وكل شيء

الصحراء البيضاء

امتداد لا نهائي من صخور الطباشير البيضاء المنحوتة بأصابع الريح على مدار ملايين السنين تشكلت في هيئات غرائبية بعضها يشبه الفطر العملاق

وبعضها يشبه أشباحا متجمدة وبعضها يشبه قصورا من عالم آخر والشمس الأولى تسكب عليها ضوءا ورديا ذهبيا يجعل المكان أقرب لحلم منه لواقع

وقفت نور أمام خيمتها بفم مفتوح وعينين لامعتين وتمتمت

يا الله

لم تكن نور الوحيدة التي استيقظت مبكرا

حين توجهت نحو منطقة الإفطار التي أعدها الطاقم وجدت آدم جالسا بالفعل على كرسي قماشي قابل للطي يحمل كوب قهوة سوداء

بلا سكر طبعًا بلا سكر هل تتوقع من هذا الرجل أن يضيف حلاوة لأي شيء في حياته وأمامه خريطة مفرودة على طاولة صغيرة

كان مرتديا قميصا رماديا بأكمام طويلة رفعها حتى ساعديه وعلى رأسه كاب صحراوي داكن ونظارته الشمسية معلقة في ياقة قميصه

لاحظت نور شيئا لأول مرة ندبة

ندبة رفيعة طويلة تمتد على ساعده الأيمن من المعصم حتى ما قبل المرفق

ليست حديثة لونها فاتح ومندمج مع الجلد لكنها واضحة بما يكفي لإثارة عشرين سؤالا في رأس نور الفضولي

لكنها ابتلعت أسئلتها ليس وقتها ولا مكانها

اقتربت بخطوات واثقة وألقت التحية بنبرة مهنية

صباح الخير يا أستاذ آدم محتاج حاجة قبل ما الوفد يصحى؟

لم يرفع رأسه عن الخريطة

صباح الخير إيه خطة اليوم؟

الجولة الصباحية في الصحراء البيضاء شرح التكوينات الصخرية والجيولوجيا

وبعد الظهر ننتقل لنقطة المبيت التانية قرب عين المفتلة وبالليل الوفد طلب أمسية فلكية مراقبة نجوم

رفع رأسه أخيرا ونظر لها

أمسية فلكية؟ ومين هيشرحلهم علم الفلك؟ إنتي؟

أيوه

رفع حاجبا واحدا تلك العادة التي بدأت نور تتعرف عليها وتفسرها الحاجب المرفوع يعني أنا مش مقتنع بس كملي كلامك

إنتي بتعرفي فلك كمان؟ ولا هتقوليلهم إن النجمة دي اسمها نجمة والتانية اسمها نجمة كمان؟

لمعت عين نور بتحد هذا الرجل يقلل منها وهي من النوع الذي يشتعل حين يحاول أحد إطفاءه

أعرف فلك كويس جدا يا أستاذ آدم أعرف الفرق بين منكب الجوزاء

ورجل الجبار وأعرف أقول للوفد إن الضوء اللي بنشوفه من النجمة دي قطع مئات السنين الضوئية عشان يوصلنا يعني الضوء ده طلع من النجمة قبل ما أنا أو حضرتك نتولد بمئات السنين

صمت

نظر لها بتلك النظرة الفاحصة التي تشعرك أنه يقرأ سطورا مكتوبة على جبهتك لا تراها أنت ثم قال بنبرة محايدة

ماشي

فقط ماشي

لا مدح لا ذم مجرد ماشي تتركك معلقا بين السماء والأرض

ابتسمت نور ابتسامة متحدية وقالت قبل أن تنصرف

بالمناسبة يا أستاذ آدم القهوة من غير سكر كده مرة أوي على الصبح بتعمل قرحة

لم تنتظر رده وانصرفت

نظر آدم لكوب قهوته ثم نظر لظهرها وهي تبتعد

وتمتم بصوت لا يكاد يُسمع

هي دي بتنصحني دلوقتي ولا بتستفزني؟

ثم أخذ رشفة طويلة من قهوته المرة وكأنه يثبت لنفسه أو لها أنه لا يتأثر بكلام أحد

الساعة التاسعة صباحا

بدأت الجولة

مشى الوفد الإسباني بين التكوينات الصخرية البيضاء مندهشين وكاميراتهم لا تتوقف

نور تمشي في المقدمة بقبعة صحراوية وشال خفيف على كتفيها وعلى وجهها كريم واق من الشمس وفي يدها عصا مشي

كانت تشرح بالإسبانية بأسلوب سردي مشوق

هذه الصخور يا سادة عمرها أكثر من سبع الف سنة تخيلوا حين كانت الديناصورات تمشي على الأرض كان هذا المكان قاع محيط ضخم

نعم أنتم الآن تمشون فوق ما كان يوما قاع بحر والصخور البيضاء التي ترونها هي بقايا كائنات بحرية تراكمت طبقة فوق طبقة حتى صنعت هذا المشهد الأسطوري

قالت سيدة إسبانية بإعجاب

أي هذا يعني أننا نمشي فوق أشباح المحيط

ابتسمت نور

بالضبط أشباح المحيط القديم ألا ترون أن بعض الصخور تبدو وكأنها أشباح فعلا؟

ضحك الجميع ونظروا حولهم وبدأوا يتخيلون أشكالا في الصخور

في تلك اللحظة كان آدم يمشي في مؤخرة المجموعة مع حسن رئيس فريق السائقين البدو رجل خمسيني بوجه مدبوغ بالشمس وعينين ذكيتين

حسن كان يعمل مع شركة الصياد منذ عشر سنوات ويعرف آدم معرفة عميقة نظر للمرشدة الجديدة وهي تتحدث ثم نظر لآدم وقال بلهجته البدوية

المرشدة دي شاطرة يا آدم بيه الأجانب مبسوطين منها

لم يرد آدم

أضاف حسن بابتسامة ماكرة

وجدعة كمان أول بنت تنزل الصحرا مع الشركة ومقلتش آخ

صمت آدم

واصل حسن الذي يعرف بالضبط كيف ينقر على أعصاب آدم بنبرة بريئة

وحلوة كمان ما شاء الله

التفت آدم إليه بنظرة حادة

حسن

أيوه يا بيه؟

احنا بنتكلم في شغل

وأنا بتكلم في شغل البنت دي شغلها حلو

إنت قلت حلوة

قصدي شغلها حلو هو أنا قلت حاجة تانية يا بيه؟

أضاق آدم عينيه بشك وحسن ابتسم ابتسامة مخفية تحت شاربه الكث ومشى يسبقه

ظهرا

الشمس صارت وحشا أبيض يلتهم كل شيء

الحرارة تجاوزت الأربعين درجة والرمال تلمع كأنها صفيح ملتهب الوفد الإسباني بدأ يشعر بالإنهاك رغم القبعات وزجاجات المياه

نور بدأت تشعر بالدوار لم تنم جيدا الليلة الماضية بسبب حادثة المقلاة ولم تأكل فطورا بسبب توترها من لقاء آدم الصباحي وشربت مياها أقل مما ينبغي

لكنها كابرت عضت على أسنانها ومسحت العرق عن جبهتها واستمرت في الشرح والابتسام وكأن الشمس لا تؤثر فيها

لاحظ كارلوس احمرار وجهها وسألها بقلق

سيدتي ألا تحتاجين لاستراحة؟

لا أبدا سيد كارلوس أنا بخير تماما فلنكمل

كذبت

لم تكن بخير

ساقاها بدأتا ترتجفان والعالم حولها يتمايل قليلا كأنها على سطح مركب لكن فكرة أن تظهر ضعيفة خصوصا أمام ذلك الرجل الذي ينتظر غلطتها الأولى كانت أسوأ من الدوار نفسه

بعد عشر دقائق وبينما كانت تشرح نقطة عن التعرية الريحية شعرت بالأرض تميل تحتها

وهذه الصخرة تكونت بفعل بفعل الـ

تلعثمت

رمشت بسرعة محاولة تركيز بصرها

بفعل الرياح التي

وسقطت

لم تسقط سقوطا دراميا مفاجئا بل تمايلت ثم ركعت على ركبتيها ببطء والعالم يدور حولها كالسيرك

إلهي صاح كارلوس وركض نحوها

لكن قبل أن يصل كارلوس قبل أن يصل أي أحد كانت يد قوية قد أمسكت بذراعها ومنعتها من السقوط بالكامل

آدم

لم يركض لم يصرخ لم يظهر ذرة فزع فقط ظهر بجانبها كأنه كان هناك دائما وأمسك بها بثبات ودقة كمن يفعل ذلك كل يوم

يد على ذراعها ويد على ظهرها سندها وأجلسها على صخرة قريبة بهدوء تام

نور رفعت رأسها بعينين مشوشتين ووجدت وجهه قريبا قريبا جدا تستطيع أن ترى التفاصيل الدقيقة الخطوط الخفيفة حول عينيه والفك الصلب المشدود ورموش كثيفة سوداء لا ينبغي لرجل بهذه القسوة أن يملكها

أنا أنا كويسة

إنتي مش كويسة اسكتي

أمرها بجملة من كلمتين ونصف جعلتها تطيع فورا وهي التي لا تطيع أحدا

التفت لحسن وقال بصوت حازم لا يقبل النقاش

هات مية ساقعة وملح ومنشفة مبلولة دلوقتي

ثم نظر لسيف

خد الوفد لمنطقة الظل وقدم لهم مشروبات باردة قولهم استراحة نص ساعة

تحرك الجميع فورا كأنه محرك دمى

ثم التفت لنور ونزل على ركبة واحدة أمامها نعم آدم الصياد نزل على ركبته أمام موظفة وأمسك زجاجة المياه من يد حسن ومدها لها

اشربي رشفات صغيرة لو شربتي بسرعة هترجعي

أخذت الزجاجة بأصابع مرتعشة شربت رشفة رشفتين ثلاث

بدأ العالم يستقر قليلا

وضع المنشفة المبلولة على رقبتها بحركة سريعة مهنية لا تحمل أي حنان ظاهر لكن أصابعه حين لامست جلدها خلف أذنها ارتجفت هي ارتجافة لا علاقة لها بالدوار

أحسن؟

أحسن

كويس

نهض ووقف أمامها وعقد ذراعيه وهنا فقط هنا تغيرت نبرته من الحزم الهادئ إلى البرود القاطع

دلوقتي هسألك سؤال واحد وعايز إجابة صادقة إنتِ فطرتي الصبح؟

صمتت نور

هسأل تاني إنتِ أكلتِ حاجة من إمبارح بالليل؟

أنا أكلت شوية

شوية إيه؟

تمرة وشوية مية

أغمض آدم عينيه لثانية واحدة نور رأت في تلك الثانية شيئا اختلطت فيه خيوط الغضب بخيوط أخرى لم تستطع تسميتها

فتح عينيه

يعني إنتي نازلة صحرا في أربعين درجة وماشية تشرحي لوفد عشرين واحد وكل اللي في بطنك تمرة واحدة؟

تمرتين

تمرتين

كرر الكلمة كأنه يتذوق طعم الغباء فيها

يا آنسة نور إنتي فاكرة نفسك إيه؟ جملة صحراوية ماشية على الشبع من إمبارح؟

ده جسم بني آدم مش تانك حربي لو وقعتي وحصلك حاجة هتكوني مسؤوليتي أنا ومفيش مستشفى هنا مفيش إسعاف مفيش حاجة غير رمل وشمس

كلماته كانت قاسية لكن كان هناك شيء آخر لم يكن غاضبا لأنها أخطأت مهنيا فقط كان غاضبا لأنها عرضت نفسها للخطر

وهذا الفرق لم يفت على نور رغم دوارها

ابتلعت كبرياءها وكان مرا أكثر من قهوته وقالت بصوت خافت

معاك حق أنا غلطت مش هتتكرر تاني

نظر لها طويلا ثم أومأ برأسه إيماءة واحدة جافة ثم قال لحسن

خلي الطباخ يعملها أكل كويس دلوقتي وعايزها تاكل قدام عيني

قدام عينك؟

أيوه مش هتقوم من هنا غير لما تخلص طبقها كله

والتفت لها

وإنتي يا آنسة نور من دلوقتي وطول الرحلة دي هتاكلي تلات وجبات كاملة لو سمعت إنك سيبتِ لقمة واحدة أنا شخصيا هوقف الرحلة وأرجعك القاهرة واضح؟

واضح

ومشى

جلست نور على الصخرة ممسكة بالمنشفة المبلولة على رقبتها تراقب ظهره وهو يبتعد

وتمتمت بصوت لا يسمعه إلا الريح

هو ده اهتمام ولا تعنيف؟

ثم أضافت بعد ثانية

وليه الاتنين حلوين أوي لما بييجوا منه؟

ثم ضربت خدها بيدها ضربة خفيفة

ركزي يا نور

بعد ساعة

أكلت نور تحت إشراف حسن الذي كلفه آدم بالمراقبة

طبقا كاملا من الأرز واللحم المشوي والخضار وشربت لترا كاملا من الماء وحبتين تمر وكوب شاي بالنعناع

حسن كان يراقبها بابتسامة أبوية ويقول

كلي يا بنتي كلي آدم بيه لو عرف إنك سيبتي حتة لحمة هيطلع عيني أنا قبلك

ابتسمت نور

عم حسن هو آدم باشا دايما كده؟

كده إزاي يا بنتي؟

يعني قاسي كده بارد كده من غير ما يضحك ولا يبتسم ولا

قاطعها حسن وهو ينظر للأفق البعيد بعينين حزينتين

يا بنتي الراجل اللي بتشوفيه ده مش هو هو بس اللي فاضل منه

يعني إيه يا عم حسن؟

صمت حسن طويلا ثم هز رأسه

مش قصتي أحكيها بس اللي أقدر أقولهولك إن الراجل ده كان أحلى إنسان ممكن تقابليه كان بيضحك وبيهزر وبيحب الحياة وبعدين الحياة ما حبتهوش

شعرت نور بشيء ثقيل يجلس على صدرها

نظرت ناحية خيمة آدم البعيدة

ماذا حدث لك يا آدم الصياد؟

الساعة السابعة مساء

بعد انتقال الموكب لنقطة المبيت الجديدة قرب عين المفتلة واحة صغيرة بها عين ماء طبيعية وأشجار نخيل استقر الجميع وبدأ التجهيز للأمسية الفلكية

نور كانت قد استعادت نشاطها بالكامل الأكل والراحة والماء فعلوا فعلهم عادت تلك الشرارة لعينيها وذلك الحماس الذي يميزها

لكن شيئا تغير بداخلها شيء صغير لكنه ملموس

لم تعد تنظر لآدم بنفس الطريقة

لم يعد مجرد المدير القاسي أو المغرور أو تمثال الجليد صار لغزا تريد حله قصة ناقصة تريد قراءة فصولها المخفية

الساعة التاسعة ليلا

أُطفئت كل الأضواء في المخيم

جلس الوفد على بطانيات ممدودة على الرمال الباردة ورؤوسهم مرفوعة للسماء

والسماء؟

كانت مذهلة كلمة مذهلة نفسها تبدو اقل أمام ما رأوه

ملايين النجوم متراصة كحبات ألماس مرشوشة على مخمل أسود لا نهائي درب التبانة يعبر السماء كنهر من الضوء والهواء البارد الصحراوي يحمل رائحة نظيفة لا تشبه أي رائحة في المدن

وقفت نور أمام الوفد وفي يدها ليزر أخضر صغير أحضرته خصيصا من حقيبتها تشير به للسماء وتتحدث بالإسبانية بصوت دافئ هادئ

هذا النجم الساطع الذي ترونه هنا اسمه سهيل بالعربية بالإسبانية تعرفونه بكانوبس كان البدو يستخدمونه كدليل في الصحراء كانوا يقولون إن سهيل هو نجمة الوحيدين لأنه يظهر وحيدا في السماء الجنوبية بعيدا عن باقي النجوم الساطعة وحيد لكنه الأكثر لمعانا

صمتت لثانية

ثم أضافت بصوت أرق

ربما هناك درس في ذلك أحيانا يكون الأكثر لمعانا هو الأكثر وحدة

صفق الوفد بحماس كارلوس مسح دمعة سريعة من عينه وقال إنه لم يسمع وصفا أجمل من هذا للنجوم في حياته

لكن نور لم تكن تنظر للوفد حين قالت تلك الجملة

كانت تنظر لثانية واحدة سريعة خاطفة نحو البعيد حيث يجلس آدم منفردا كعادته

وآدم؟

كان ينظر للسماء

لكن حين سمع تلك الجملة الأكثر لمعانا هو الأكثر وحدة أنزل نظره ببطء حتى التقى بعينيها عبر المسافة

ثانية ثانيتان ثلاث

ثم أدار وجهه بعيدا ونهض ومشى نحو خيمته بخطوات أسرع من المعتاد

الساعة الحادية عشرة ليلا

انتهت الأمسية وذهب الجميع لخيامهم

نور لم تستطع النوم مشهد عيني آدم وهو يسمع كلامها عن نجمة الوحيدين يطاردها كانت هناك لحظة مجرد ومضة رأت فيها شيئا في عينيه لم تره من قبل ألم

ليس الألم العابر الذي يسببه صداع أو إرهاق بل ألم قديم متجذر عميق كأنه محفور في عظامه

ارتدت سترتها وخرجت من خيمتها الهواء البارد لسع وجهها ولكنه كان منعشا

قررت أن تمشي قليلا حول المخيم ليس بعيدا فقط بما يكفي لتصفية رأسها

لكنها حين وصلت لطرف المخيم سمعت صوتا

صوت موسيقى

توقفت

أصاخت السمع

عود

شخص ما يعزف على العود

اتبعت الصوت بحذر حتى وصلت لصخرة كبيرة خلف آخر خيمة

وما رأته جعلها تتوقف وتختبئ خلف الصخرة وقلبها يخفق بقوة

آدم

جالس على الأرض الرملية ظهره مسنود على صخرة وفي حضنه عود قديم ليس عودا فاخرا جديدا بل عود بال مهترئ واضح أنه يحمل تاريخا طويلا يعزف عليه لحنا حزينا بطيئا

لم يكن يعزف بمهارة استعراضية كان يعزف بأصابع تعرف هذه الأوتار عن ظهر قلب كأنها تتحدث بلغة سرية بينها وبين الخشب القديم

واللحن؟

كان حزينا حزنا يكسر القلب

ثم فعل شيئا لم تتوقعه نور بدا

غنى

بصوت خفيض مبحوح كالهمس

يا ليل خبي القمر عني ما القمر فكرني بعيون حبيبي

ارتجفت نور

ليس من البرد

كانت ترى آدم الصياد الرجل الحديدي الذي يرتجف منه موظفوه يتحول أمامها إلى إنسان آخر تماما إنسان مكسور يعزف في الظلام وحيدا ويغني لشخص غائب

حبيبي

قال حبيبي

من هو؟ من هي؟ ماذا حدث؟

شعرت نور بدموعها تسبقها مسحتها بسرعة وتراجعت بحذر شديد خطوة خطوة حتى لا يسمعها

لكن قدمها داست على غصن جاف

طق

توقفت الموسيقى فورا

مين هناك؟

جاء صوته حادا كالسكين مختلفا تماما عن الصوت الذي كان يغني قبل ثوان

تجمدت نور فكرت في الهرب لكنها عرفت أنه سيسمع خطواتها فاختارت المواجهة

خرجت من خلف الصخرة ورفعت يديها بعفوية

أنا نور أنا آسفة أنا مكنتش قاصدة أنا بس مقدرتش أنام وخرجت أمشي وسمعت

قام آدم بسرعة ووضع العود خلف ظهره كأنه يخفي سلاحا محظورا وجهه تحول في لحظة من ذلك الإنسان الحزين

إلى القناع الجليدي المعتاد لكن هذه المرة كان القناع مشروخا والشرخ واضح لأن عينيه كانتا لا تزالان تلمعان بالألم الذي لم يستطع إخفاءه بالسرعة الكافية

مين قالك تخرجي من خيمتك الساعة دي؟

محدش أنا بس

ارجعي خيمتك دلوقتي

آدم باشا أنا

دلوقتي يا آنسة نور

صوته كان هادئا لكن فيه رعشة غضب مكتومة أو خوف خوف من أن تكون قد رأت ما لا ينبغي لأحد أن يراه

نور نظرت له طويلا ثم قالت بصوت هادئ رقيق فاجأها هي نفسها

اللحن كان جميل أوي

وقبل أن يرد استدارت ومشت نحو خيمتها

ظل آدم واقفا في مكانه يحدق في ظلها حتى اختفى

ثم نظر للعود في يده

ثم نظر للسماء

ثم أغمض عينيه

جلس مرة أخرى على الرمل لكنه لم يعزف

ظل جالسا في الصمت والبرد حتى بدأ الفجر يتسلل للسماء

اليوم التالي

لم يتحدث آدم مع نور

ليس بالبرود المعتاد بل بتجاهل مقصود كأنها لا توجد لا نظرة لا أمر لا تعليق حتى التقارير طلبها عبر سيف

نور فهمت

جرحته دون قصد رأت جزءا منه لم يكن يريد أحدا أن يراه وهو الآن يبني السور مرة أخرى أعلى وأسمك من قبل

لكنها فهمت شيئا آخر أيضا خلف ذلك السور لا يوجد وحش يوجد إنسان مكسور يحتاج ربما شخصا يملك الصبر والشجاعة ليتسلق ذلك السور

ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة حزينة وهمست

خلاص يا آدم مش هطالبك تفتح الباب بس اعرف إن في حد واقف وراه

الساعة الرابعة عصرا

كانوا في الطريق لنقطة مبيت جديدة حين حدث ما لم يكن في الحسبان

عاصفة رملية

لم تأت بإنذار كاف جاءت كجدار بني ضخم يزحف على الأفق بسرعة مرعبة ويبتلع كل شيء في طريقه

صرخ حسن في اللاسلكي

عاصفة من الشمال الغربي خمس دقائق وتكون فوقنا كل الناس تنزل وتحتمي فى العربيات سدوا الشبابيك وغطوا وشوشكم

ساد الهرج والمرج أعضاء الوفد الإسباني أصيبوا بالذعر معظمهم لم ير عاصفة رملية في حياته

نور قفزت لوضع السيطرة فورا بدأت تصرخ بالإسبانية بأوامر واضحة هادئة

لا داعي للذعر انزلوا من السيارات واجلسوا خلفها في الجانب المعاكس للريح غطوا أنوفكم وأفواهكم بأي قماش أغمضوا أعينكم ولا تفتحوها مهما حدث

تحركت بين أعضاء الوفد واحدا واحدا تتأكد أن الجميع في أمان أعطت شالها لسيدة مسنة ساعدت رجلا يرتدي نظارات على تثبيتها طمأنت فتاة شابة كانت تبكي من الخوف

آدم كان يفعل الشيء نفسه على الجانب الآخر يؤمن المعدات ويعطي أوامر للسائقين لكن عينه رغم العاصفة ورغم الرمل ورغم كل شيء كانت على نور

يراقبها وهي تتحرك بين الناس شجاعة رغم الخوف الواضح في عينيها منظمة رغم الفوضى تعطي أكثر مما تملك شالها مياهها طمأنينتها لأشخاص تعرفهم منذ أيام فقط

ضربت العاصفة

كانت عشرين دقيقة من الجحيم

رمل في كل مكان في العيون والأنوف والآذان والملابس ريح تعوي كالذئاب رؤية صفرية أصوات مخيفة كأن الصحراء غاضبة من وجودهم فيها

نور كانت جاثمة خلف السيارة الأولى تحتضن السيدة الإسبانية المسنة دونيا إيزابيل التي كانت ترتجف من الخوف

اهدي يا دونيا إيزابيل العاصفة هتعدي أنا معاكي

كانت تقولها بالإسبانية بصوت ثابت بينما قلبها هي يكاد ينفجر من الرعب

ثم فجأة وسط العاصفة سمعت صوت صرخة مكتومة

النجدة ساقي

أحد أعضاء الوفد رجل في الأربعينيات اسمه ميغيل سقط عليه صندوق معدات ثقيل حركته الريح وأصاب ساقه

نور لم تفكر

تركت دونيا إيزابيل في مكانها وزحفت زحفت حرفيا على الرمل ضد اتجاه الريح نحو مصدر الصراخ

وصلت لميغيل وجدته ممسكا بساقه وعلى وجهه تعبير ألم شديد

ميغيل أنا هنا وريني ساقك

فحصتها بسرعة ليست مكسورة لكنها مصابة بكدمة عميقة وجرح نازف

مزقت جزءا من قميصها نعم قميصها ولفت الجرح بإحكام كضمادة مؤقتة

هتكون كويس يا ميغيل العاصفة هتخلص كمان شوية تنفس معايا

في تلك اللحظة ومن خلال الرمال المتطايرة ظهر ظل كبير يشق العاصفة

آدم

وصل إليهم ونزل بجانب ميغيل فورا فحص الساق بخبرة واضحة ثم نظر لنور

ولأول مرة أول مرة حقيقية بلا قناع بلا جليد بلا أسوار رأت في عينيه شيئا صريحا لا يقبل التأويل

احترام

لم يقل شيئا

فقط أومأ لها إيماءة واحدة

إيماءة تقول شفتك وأنا فاهم قد إيه اللي عملتيه ده كان صعب

ثم حمل ميغيل على كتفه بسهولة مرعبة تدل على قوة بدنية لا يوحي بها مظهره الأنيق المعتاد ومشى به نحو السيارة

مرت العاصفة

كأنها لم تكن الصحراء عادت هادئة صامتة بريئة وكأنها لم تحاول قتلهم قبل دقائق

الجميع بخير ميغيل ساقه مصابة لكن ليست خطيرة المسعف عالج الجرح وطمأن الجميع

الوفد الإسباني كان في حالة صدمة لكن والغريب ليس صدمة سلبية كارلوس قال بحماس

هذه أعظم مغامرة في حياتي سأحكيها لأحفادي

وبدأ يلتقط صورا لآثار العاصفة وكأنه طفل في مدينة ملاهي

أما نور فكانت جالسة وحدها خلف إحدى السيارات

الأدرينالين انسحب أخيرا وتركها منهكة مرتجفة نظرت لقميصها الممزق ويديها المغطاتين بالرمل والدم دم ميغيل وشعرت فجأة بثقل كل شيء

ثقل المسؤولية ثقل أن تكوني شجاعة وأنتي خائفة ثقل أن تبتسمي للناس وأنتِ من جواكِ تريدين أن تبكي

ودون سابق إنذار بكت

بكاء هادئ صامت دموع تنهمر على خديها وتخط أثرا نظيفا وسط الغبار المتراكم على وجهها

لم تسمع الخطوات

لم تشعر بالوجود إلا حين ظهر كوب شاي ساخن أمام وجهها

رفعت رأسها

آدم

واقف أمامها ممسك بكوب الشاي ممدودا نحوها لا يبتسم ولا يعبس وجهه بلا تعبير واضح لكن عينيه تلك العينان العسليتان اللتان رأت فيهما الألم ليلة الأمس كانتا الآن تحملان شيئا آخر دفء

دفء خفيف حذر مختبئ كالجمرة تحت الرماد

لم يعلق على بكائها لم يقل ليه بتعيطي ولم يقل كوني قوية فقط مد الكوب وقال بصوت أهدأ مما سمعته منه يوما

اشربي بالنعناع بيهدي الأعصاب

أخذت الكوب بأصابع مرتعشة أصابعها لامست أصابعه للحظة مجرد لمسة عابرة لكنها أرسلت شحنة عبرت جسديهما معا

سحب يده بسرعة ووضعها في جيبه

وقف بجانبها صامتا لم يجلس لم يتحدث لم يفعل شيئا فقط وقف كأنه يقول بصمته أنا هنا

وتلك الوقفة الصامتة كانت أبلغ من كل كلمات العالم

بعد دقيقتين شعرت نور أنهما ساعتان تحرك لينصرف

فقالت بصوت مبحوح من البكاء

شكرا يا آدم باشا

توقف لكنه لم يلتفت

ثم قال بصوت خافت

إنتي اللي عملتي حاجة تستاهل الشكر الشغل اللي عملتيه النهاردة فوق الممتاز

ومشى

فوق الممتاز

ليس مقبول ليس ماشي فوق الممتاز

ابتسمت نور من خلال دموعها

وهمست

الجليد بيذوب يا نور نقطة نقطة بيذوب

ثم ضحكت ومسحت دموعها وشربت رشفة من الشاي

وبالنعناع كمان الراجل ده فاكرني جنينة نعناع ولا إيه؟

في خيمته تلك الليلة أخرج آدم هاتفه وفتح ألبوم الصور

صورة واحدة محفوظة في ملف مقفول برقم سري

فتحها

وجه امرأة شابة جميلة بعينين خضراوين وابتسامة دافئة وشعر بني يتطاير في الريح

نظر للصورة طويلا

ثم قال بصوت مجروح

مش هخون وعدي ليكِ قلبي مات يومها معاكِ ومش هيرجع يحب تاني

أغلق الهاتف ووضعه تحت وسادته وأغمض عينيه

لكن حين نام ولأول مرة منذ سنوات لم يحلم بتلك العينين الخضراوين

حلم بعينين سوداوين واسعتين

عينين تحملان مقلاة

بعيدا في خيمتها الأخرى كانت نور تستلقي على ظهرها تحدق في سقف الخيمة وتبتسم ابتسامة تائهة

رفعت يدها اليمنى اليد التي لامست أصابعه ونظرت لها

ثم ضمتها لصدرها وأغمضت عينيها

وقبل أن تنام تمتمت

يا قلبي متسبقنيش أنا لسه مش مستعدة خلينا في الشغل بس

لكن القلب ذلك الخائن العنيد لم يسمع كلامها

القلب نادرا ما يسمع

في تلك الليلة الصحراوية الباردة بين الرمال والنجوم والصمت الكوني كان هناك شيء جديد يتشكل بين اثنين يرفضان الاعتراف بوجوده

شيء هش كجناح فراشة

خطير كعاصفة رملية

جميل كلحن عود في الظلام

ومستحيل كذوبان جبل جليد في قلب صحراء

لكن الصحراء كما قالت نور نفسها لا تكذب أبدا

وما بدأ هنا بين الرمال لن يبقى هنا

•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية

تعليقات